ads
الأربعاء , 24 أكتوبر 2018
جانبي
جانبي
أخر الأخبار
ads
الرئيسية / أخبار مهمة / خطبة الجمعة القادمة: “الوفاء بالحقوق والالتزامات وتحري الحلال شرط أساس لقبول الطاعات” للدكتور خالد بدير
خطبة الجمعة القادمة: “الوفاء بالحقوق والالتزامات وتحري الحلال شرط أساس لقبول الطاعات” للدكتور خالد بدير
الدكتور خالد بدير

خطبة الجمعة القادمة: “الوفاء بالحقوق والالتزامات وتحري الحلال شرط أساس لقبول الطاعات” للدكتور خالد بدير

26758 عدد الزيارات

خطبة الجمعة القادمة: “الوفاء بالحقوق والالتزامات وتحري الحلال شرط أساس لقبول الطاعات” للدكتور خالد بدير.

 

من أرشيف الخطب ما يلي:

لتحميل الخطبة الأولي بعنوان “فضائل وخصائص عشر ذي الحجة”:

بصيغة word

بصيغة pdf

وللإطلاع علي رابط الخطبة السابق

 

لتحميل الخطبة الثانية بعنوان ماذا قبل الحج؟ ( عشر وصايا لحجاج بيت الله الحرام ):

بصيغة word

بصيغة pdf

وللإطلاع علي رابط الخطبة السابق

 

ولقراءة الخطبة الأولي كما يلي:

خطبة بعنوان: فضائل وخصائص عشر ذي الحجة

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: خصوصية أمة محمد بنفحاتٍ وبركاتٍ

العنصر الثاني: فضائل وخصائص عشر ذي الحجة

العنصر الثالث: الوصايا العشر في اغتنام العشر

المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: خصوصية أمة محمد بنفحات وبركات.

عباد الله: من فضل الله تعالي على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن جعل لهم مواسم للطاعات تتضاعف فيها الحسنات، وترفع فيها الدرجات، ويغفر فيها كثير من المعاصي والسيئات، فالسعيد من اغتنم هذه الأوقات وتعرض لهذه النفحات، ومن هذه النفحات العشر الأوائل من ذي الحجة، فقد أخرج البخاري عن ابن عباس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما مِن أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيها أحبُّ إلى اللَّهِ من هذِهِ الأيَّام يعني أيَّامَ العشرِ ، قالوا : يا رسولَ اللَّهِ ، ولا الجِهادُ في سبيلِ اللَّهِ ؟ قالَ : ولا الجِهادُ في سبيلِ اللَّهِ ، إلَّا رَجلٌ خرجَ بنفسِهِ ومالِهِ ، فلم يرجِعْ من ذلِكَ بشيءٍ .”، لهذا حثنا صلى الله عليه وسلم على اغتنام هذه النفحات حيث قال:” افْعَلوا الخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وتَعَرَّضُوا لِنَفَحاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فإنَّ للهِ نَفَحاتٍ من رحمتِهِ، يُصِيبُ بِها مَنْ يَشَاءُ من عبادِهِ، وسَلوا اللهَ أنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وأنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ “( أخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني بسند صحيح) ، ولو نظرنا إلى أعمار الأمم السابقة لوجدنا أنهم كانوا يعيشون المئات بل الآلاف من السنين، فهذا نوح عليه السلام لبث في قومه 950 سنة، قال تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ}( العنكبوت: 14)، فلو قارنت عمرك وحسبت صلاتك وصومك وزكاتك وجميع أعمالك في عمرك الذي يتراوح بين الستين والسبعين، كما قال صلى الله عليه وسلم:” أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك”( ابن ماجة والبيهقي والترمذي والحاكم وصححه) فكم تكون أعمالك بين هذه الأعمار المديدة؟؟!! وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم بذلك، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا …… فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ .”، فالله زاد الأمم الماضية بسطة في الجسم والعمر، وما زال الخلق يقصر طولاً وعرضاً وعمراً حتى الآن، لذلك خص الله هذه الأمة بنفحات تتمثل في أوقات قليلة تشمل فضائل ورحمات غزيرة حتى تلحق هذه الأمة غيرها من الأمم في الأجر والفضل والثواب، ومن ذلك كثرة الأجر مع قلة العمل وقصر الوقت؛ فقد أخرج البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” مثلُكم ومثلُ أهلِ الكتابين ، كمثلِ رجلٍ استأَجَرَ أُجَراءَ ، فقال : مَن يَعْمَلُ لي مِن غُدْوَةٍ إلى نصفِ النهارِ على قيراطٍ ؟ فعَمِلَتِ اليهودُ ، ثم قال : مَن يَعْمَلُ لي مِن نصفِ النهارِ إلى صلاةِ العصرِ على قيراطٍ ؟ فعَمِلَتِ النصارى ، ثم قال : مَن يَعْمَلُ لي مِن العصرِ إلى أن تَغِيبَ الشمسُ على قيراطين ؟ فأنتم هم ، فغَضِبَتِ اليهود والنصارى ! فقالوا : ما لنا أكثرَ عملًا وأقلَّ عطاءً ؟ قال : هل نَقَصْتُكم مِن حقِّكم ؟ قالوا : لا ، قال : فذلك فضلي أُوتيه مَن أشاءُ . ” ، فمضاعفة الأجر مع قلة العمل وقصر الوقت، خصوصية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

ومن هذه النفحات – أيضاً-  ليلة القدر فهي خير من ألف شهر: قال الله عز وجل: { إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } ( القدر : 1-3). قال ابن كثير في تفسيره عن مجاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل لَبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، قال: فَعَجب المسلمون من ذلك، فأنزل الله سورة القدر تبين أن ليلة القدر خير من عبادة 83 سنة التي لبس ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر؛  فما بالك لو صادفتك ليلة القدر عشرين سنة مثلاً !!

ومنها صيام يوم عرفه وعاشوراء: فصيام يوم عرفة يكفر ذنوب سنتين؛ وصيام يوم عاشوراء يكفر ذنوب سنة؛ وفي الحديث:” صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ؛ وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ.”( مسلم).

 يقول ابن حجر: “وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء، وقد قيل في الحكمة في ذلك إن يوم عاشوراء منسوب إلى موس عليه السلام ويوم عرفة منسوب إلى نبي هذه الأمة فلذلك كان أفضل.”( فتح الباري )؛ وكأنه خصوصية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

ومنها : صلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة فيما سواه.

كل هذه النفحات جعلت أمة محمد صلى الله عليه وسلم – مع قصر أعمارها – تسبق جميع الأمم السابقة يوم القيامة، مع أنهم قبلنا في الدنيا؛ كما بشرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بذلك، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” نحن الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَومَ القِيامَةِ ، بَيْدَ أنَّهُمْ أُوتُوا الكِتابَ من قَبلِنا “، فمع أن اليهود والنصارى قبلنا في الدنيا إلا أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم قبلهم وسابقة لهم في البعث والحساب ودخول الجنة كما صرحت بذلك رواية الإمام مسلم حيث قال صلى الله عليه وسلم:” نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ؛ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ. ” .

أقول: لو أنك وضعت طعاماً في إناءٍ وأردت أن تغرف منه؛ فإن آخر الطعام وضع هو أول طعام غُرف، ولله المثل الأعلى، وهناك أمثلةٌ  كثيرةٌ لمضاعفة الأجر لا يتسع المقام لذكرها، وأنت بذلك خبير في معرفة بقية الأمثلة من الكتاب والسنة.

أيها الإخوة المسلمون: إن من أعظم نفحات أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الإطلاق ( عشر ذي الحجة ) فها نحن نعيش في هذه الأيام مواسم الخيرات والطاعات التي أكرمنا بها رب الأرض والسماوات، وهذه هبات ربانية لا تكون إلا للأمة المحمدية؛ أمة العمل القليل والأجر الكبير والفضل العظيم، لتحمد الله أن جعلك من أمة محمد صلى الله عليه وسلم:

وممــــــا زادني فخـــــــــراً وتيهـــــــاً ……………… وكـــــدت بأخمــــــــــصي أطــــأ الثــــــــــريـا

دخولي تحت قولك يا عبادي …………….. وأن صــــــــــــــــــــــــــــــــــــيَّرت أحمد لي نبيـــــــاً

فالحمد لله الذي أنعم على الأمة المحمدية بمواسم الطاعات وميادين الخيرات، وساحات المغفرة والرحمات ،حيث يتسابقون فيها إلى رضوانه، ويتنافسون فيما يقربهم من فضله وإحسانه، وهذه المواسم منحة ومنة من الله تعالى على عباده؛ لأن العمل فيها قليل والأجر والثواب جزيل، وهى والله فرصة عظيمة لا يحرم خيرها إلا محروم، ولا يغتنمها إلا مَن وفَّقهُ الله.

العنصر الثاني: خصائص وفضائل عشر  ذي الحجة

أحبتي في الله: أيام العشر هذه خُصَّت بفضائل وخصائص جعلتها أفضل أيام الدنيا؛ ولقد ذكر العلماء عدة أسباب وفضائل وخصائص لهذه العشر جمعتها لكم مدعمة بالأدلة الصحيحة الصريحة من القرآن والسنة وتتمثل فيما يلي:-

أولاً: أن الله تعالى أقسم بها:

وإذا أقسم الله بشيء دل هذا على عظم مكانته وفضله، إذ العظيم لا يقسم إلا بالعظيم، قال تعالى: { وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ }، والليالي العشر هي عشر ذي الحجة، وهذا ما عليه جمهور المفسرين، وكما قال بذلك ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد وقتادة والضحاك والسدى ومقاتل ومسروق، وغير واحد من السلف والخلف.

ثانياً: أنها الأيام المعلومات التي شرع فيها ذكره:

 قال تعالى: { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } ( الحج : 28) ، وجمهور العلماء على أن الأيام المعلومات التي يستحب فيها الإكثار من ذكر الله تعالى هي عشر ذي الحجة، منهم ابن عمر وابن عباس.

ثالثاً: شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها بأنها أفضل أيام الدنيا:

فعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” أفضل أيام الدنيا أيام العشر – يعني عشر ذي الحجة – قيل: ولا مثلهن في سبيل الله؟ قال: ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عفر وجهه بالتراب”( أخرجه البزار وابن حبان بسند حسن)، ولذلك فإن العمل الصالح فيها أحب إلى الله تعالي منه في بقية العام، قال ابن كثير:” وبالجملة.. فهذه العشر أفضل أيام السنة كما نطق به الحديث، وفضلها كثير على عشر رمضان الأخيرة؛ لأن هذا يشرع فيه ما يشرع في ذلك من صلاة وصيام وصدقة وغيره، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه.”، وسُئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله-: أيهما أفضل: عشر ذى الحجة أم العشر الأواخر من رمضان؟ فأجاب: أيام العشر من ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة . قال ابن القيم ـ رحمه الله: وإذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب وجده شافياً كافياً، فإنه ليس من أيام العمل فيها أحب إلى الله من أيام عشر ذى الحجة وفيها يوم عرفة ويوم النحر ويوم التروية، أما ليالي عشر رمضان فهي ليالي الإحياء التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحييها كلها وفيها ليلة خير من ألف شهر، ونخلص من ذلك :أن أيام العشر من ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان لاشتمالها على يوم عرفة ويوم النحر ويوم التروية، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة لاشتمالها على ليلة القدر.

رابعاً: أنها من جملة أربعين موسى عليه السلام :

وهي العشر المذكورة في قوله تعالى: { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} ( الأعراف: 142) ، قال ابن كثير : ” الأكثرون على أن الثلاثين هي: ذو القعدة وعشر ذي الحجة، قال بذلك مجاهد، ومسروق، وابن عباس وابن جريج، وغيرهم. وعن جابر رضي الله عنه قال:{وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} قال: عشر الأضحى. وعن مجاهدـ قال: ما من عمل من أيام السنة أفضل منه في العشر من ذي الحجة، قال: وهي العشر التي أتممها الله عز وجل لموسي عليه السلام.”

خامساً: أنها ضمن أيام الأشهر الحرم:

ومعنى كلمة حرم أي أن هذه الأشهر الحرم لها حرمة ومكانة وقداسة وعظمة عند الله، لذلك تضاعف فيها الحسنات كما تضاعف فيها السيئات، لحرمة هذه الأشهر، فيجب علي المسلم تعظيم الحرمات في هذه الأشهر الحرم.

يقول الإمام القرطبي – رحمه الله – ” لا تظلموا فيهن أنفسكم بارتكاب الذنوب، لأن الله سبحانه إذا عظم شيئاً من جهة واحدة صارت له حرمة واحدة، وإذا عظمه من جهتين أو جهات صارت حرمته متعددة فيضاعف فيه العقاب بالعمل السيئ كما يضاعف الثواب بالعمل الصالح، فإن من أطاع الله في الشهر الحرام في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام، ومن أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في شهر حلال في بلد حلال” ، وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله تعالى: { يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً } (الأحزاب: 30) ؛ وذلك لأن الفاحشة إذا وقعت من إحدى نساء النبي – صلى الله عليه وسلم – يضاعف لها العذاب ضعفين بخلاف ما إذا وقعت من غيرهن من النساء.” أ.ه

سادساً: أن الله أكمل فيها الدين وأتم علينا النعمة:

ففي يوم عرفه  كمل الدين ونزل قوله تعالى : {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} ( المائدة : 3 )، وقد جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فقال: يا أمير المؤمنين، إنكم تقرءون آية في كتابكم، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: وأي آية؟ قال قوله: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزلت عَشية عَرَفَة في يوم جمعة.وكأن الله جعل عيد الفطر لبداية نزول القرآن في رمضان، وعيد الأضحى لإكمال الدين في فريضة الحج، فكان نزول القرآن بدايةً ونهايةً مقروناً بفريضتين عظيمتين هما: ( الصيام والحج ) وعيدين سعيدين هما: ( الفطر والأضحى ).

سابعاً: اجتماع أمهات العبادة فيها :

قال الحافظ  ابن حجر في فتح الباري:”والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة؛ لمكان اجتماع أمهات العبادة فيها وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج ولا يتأتَّى ذلك في غيرها.” وقال الإمام أبو حنيفة: جعلت أفاضل بين العبادات؛ كلما تتبعت عبادة وجدت لها أفضلية؛ فأقول: هي الأفضل؛ فلما تتبعت الحج وجدته أفضلهم لاشتماله على جميع العبادات كلها.

وصورة ذلك: أنك حينما تتكلم عن الصلاة تتكلم عنها منفردة؛ وحينما تتكلم عن الزكاة تتكلم عنها منفردة؛ وهكذا بقية العبادات والطاعات؛ عدا فريضة الحج فإنك حينما تتكلم عنها تجمع معها كل العبادات؛ فموسم الحج يجمع كل فضائل هذه العبادات لاجتماعها فيه دون غيرها !!

العنصر الثالث: الوصايا العشر في اغتنام العشر

أيها المسلمون: هناك عشر وصايا أحببت أن أهديكم إياها في هذه العشر حتى نغتنمها ونكون من الفائزين فيها وتتمثل فيما يلي:

 أولا: التوبة الصادقة : فعلى المسلم أن يستقبل مواسم الطاعات عامة بالتوبة الصادقة والعزم الأكيد على الرجوع إلى الله، ففي التوبة فلاح للعبد في الدنيا والآخرة، يقول تعالى: { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [النور:31].

ثانياً: إصلاح ذات البين: فعلى كل مسلم متخاصم أو متشاحن مع أخيه المسلم؛ أن يبادر بإصلاح ذات البين حتى ترفع الأعمال؛ لذلك أخبرنا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أحاديث كثيرة أن الشحناء والبغضاء والخصام سبب لمنع المغفرة والرحمات، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا”. (مسلم)

وبين صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الخصام والشحناء يحلق الحسنات بل الدين كله فقال:” دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَالكُمْ لَكُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ “[ أحمد والبيهقي والترمذي ].

فبادر أنت بالخير إذا أعرض عنك أخوك وكن أنت الأخير ، فعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ”(متفق عليه).

ثالثاً: العزم الجاد على اغتنام هذه الأيام : فينبغي على المسلم أن يحرص حرصاً شديداً على عمارة هذه الأيام بالأعمال والأقوال الصالحة، ومن عزم على شيء أعانه الله وهيأ له الأسباب التي تعينه على إكمال العمل، ومن صدق الله صدقه الله، قال تعالى:{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}. (العنكبوت: 69) .

رابعاَ: البعد عن المعاصي: فكما أن الطاعات أسباب الود القرب من الله تعالى؛ فالمعاصي سبب البعد والطرد ، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ.”( متفق عليه) .

كما أن ارتكاب المعاصي في هذا الشهر الحرام ظلم للنفس ؛ قال ابن كثير في تفسيره: ” نهى الله تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم، وإن كان في جميع السنة منهيًا عنه، إلا أنه في الأشهر الحرم آكَدُ؛ ولهذا قال: { مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } [التوبة: 36]، وقال في الحرم: { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } [الحج: 25] .”أ.ه

خامساً: المحافظة على الصلاة : وهي من أجل الأعمال وأعظمها وأكثرها فضلاً، ولهذا يجب على المسلم المحافظة عليها في أوقاتها مع الجماعة، وعليه أن يكثر من النوافل في هذه الأيام، فإنها من أفضل القربات، وبها تنال محبة رب الأرض والسماوات؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: ” وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ .” [ البخاري].

سادساً: التكبير والتحميد والتهليل والذكر: فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) [ أحمد]. وقال البخاري ” كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرها. وقال: وكان عمر يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً. وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه، وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعاً.”أ.ه

سابعاً: الصدقة : وهي من جملة الأعمال الصالحة التي يستحب للمسلم الإكثار منها في هذه الأيام، وقد حث الله عليها فقال: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة:254]، وقال صلى الله عليه وسلم:” مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ.” [ مسلم].

ثامناً: صيام التسع ومنها يوم عرفة: فالصيام يدخل في جنس الأعمال الصالحة، بل هو من أفضلها، وقد أضافه الله إلى نفسه لعظم شأنه وعلو قدره، فقال سبحانه في الحديث القدسي: ” كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ .” [متفق عليه].

وعليه فيسن للمسلم أن يصوم تسع ذي الحجة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حث على العمل الصالح فيها؛ وقد ذهب إلى استحباب صيام العشر الإمام النووي وقال: صيامها مستحب استحباباً شديداً.

 وقد روي عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت :” كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيّام من كل شهر.”( أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم)، وأجاب العلماء عن حديث عائشة:” أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَصُمْ الْعَشْرَ “(مسلم)، بأنه إذا تعارض مثبت ومنفي قدم المثبت على المنفي، فلو قال أحدٌ رأيت المحافظ في السوق، وقال آخر : كنت في السوق ولم أره ، قدم المثبت على المنفي.

وكذلك يسن صيام يوم عرفة يوم الحج الأكبر، ويوم مغفرة الذنوب، ويوم العتق من النيران، ولو لم يكن في عشر ذي الحجة إلا يوم عرفة لكفاها ذلك فضلاً، وقد جاءت أحاديث كثيرة في فضل يوم عرفة وصيامه وهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيه، منها ما روي عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء” ( مسلم )، وقد ذكرنا في عنصرنا الأول أن صيام يوم عرفة يكفر ذنوب سنتين.

تاسعاً: الأضحية:  وهي من أفضل أعمال يوم النحر ، وهي سنة مؤكدة ؛ بل أوجبها الإمام أبو حنيفة على القادر؛ وهذا كله لفضلها ومكانتها في التراحم والتكافل؛ فعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما عمل ابن آدم من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم، وإنه ليؤتى يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض فيطيبوا بها نفسا “( أخرجه الترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه)، ويستحب للمضحي أن يمسك عن شعره وأظفاره لما روى مسلم عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :” إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضّحي فليمسك عن شعره وأظفاره ” ولعل ذلك تشبهاً بمن يسوق الهدي، فقد قال الله تعالى: { وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّه} ( البقرة : 196)، وهذا النهي يخص صاحب الأضحية ولا يعم الزوجة ولا الأولاد؛ إلا إذا كان لأحدهم أضحية تخصه، وإذا نوى الأضحية أثناء العشر أمسك عن ذلك من حين نيته ولا أثم عليه فيما أخذه قبل النية.

أيها المسلمون: لقد أكد الشارع الحكيم على سعادة وفرحة الفقراء في العيدين الكريمين وإدخال السرور عليهم ؛ ففي عيد الفطر فرضت زكاة الفطر طعمة للفقراء والمساكين وإغناءً لهم عن السؤال في هذا اليوم ؛ فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:” فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ.” ( أبو داود وابن ماجة ).

وتكريما للفقير وإعلاءً من شأنه أنه أوجب عليه زكاة الفطر كالغني تماماً؛ لأنها تجب على من عنده قوت يكفيه يوم وليلة العيد؛ وهو بلا شك تجتمع عنده زكوات الحي كله ؛ فأصبحت واجبة عليه كالغني تماماً ؛ فيخرجها لأخيه الفقير ؛ فإذا كان الفقير يمد يده طوال العام آخذاً ؛ فقد رفع الإسلام شأنه أن يمد يده في هذا اليوم معطياً لا آخذاً ؛ لتكتمل فرحة وسعادة وبهجة العيد في قلبه وقلب أولاده !!

وفي عيد الأضحى شرعت الأضحية وأصبحت سنة مؤكدة؛ ومن الفقهاء من أوجبها على القادر لأهميتها وفضلها ؛ لما فيها من إغناءٍ وإطعامٍ للفقراء وإدخال البهجة والسرور عليهم في هذا اليوم ؛ فإن فيهم من لا يأكل هذا اللحم من العام إلى العام؛ وهذا تنفيذ لأمر الله المكرر والمؤكد في القرآن ؛ حيث قال المولى – جل في علاه – عن الأضاحي: { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ }(الحج: 28) . وقال: { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ } ( الحج: 36 ).

وإذا كان الإسلام رفع شأن الفقير أن يدفع زكاة الفطر تكريما له ؛ فقد رفع شأنه في أخذه الأضحية؛ حيث يستوي هو والغني تماماً في الأخذ من الأضحية؛ فكرم الفقير معطياً كالغني في عيد الفطر ؛ وآخذاً كالغني أيضاً في عيد الأضحى !!

بل إن هناك جمعياتٍ خيريةً ؛ ورجال أعمالٍ يذبحون أضاحي عن الفقراء من أهل الحي عندهم ؛ وهذه كلها مبادئ إسلامية رفيعة؛ فيها البر والإحسان والتآلف والتراحم؛ وكلها مظاهر من التكريم والفرحة والبهجة وإدخال السرور على الفقراء والمساكين في العيدين الكريمين؛ فما أجمل هذا الدين الحنيف !!

عاشراً: صدق النية مع الله: فعن أبي كبشة الأنماري – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إنما الدنيا لأربعة نفر : عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه ويصل رحمه ويعمل لله فيه بحقه فهذا بأفضل المنازل ، وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية ويقول : لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان فأجرهما سواء ، وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً فهو يتخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعمل فيه بحق فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول : لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان فهو ونيته فوزرهما سواء”( الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح)، فنية العبد خيرٌ من عمله، فقد يحج ولا يقبل منه لسوء نيته، وقد لا يحج ويكتب له أجر حجة وعمرة تامتين تامتين لصدق نيته، لذلك جاء أول حديث في البخاري ” إنما الأعمال بالنيات “. فإذا كان الحج قد فاتك فإن أفعال الخير لا تفوتك فتلحق بركب الحجيج ، وما أجمل مقولة أحد السلف: ” من فاته في هذا العام القيام بعرفة فليقم لله بحقه الذي عَرَفَه، ومن عجز عن المبيت بمزدلفة، فليُبيِّت عزمه على طاعة الله وقد قرَّبه وأزلفه ، ومن لم يقدر على نحر هديه بمنى فليذبح هواه هنا وقد بلغ المُنى ، ومن لم يصلْ إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه أقرب إليه من حبل الوريد”.    

وهناك أعمال أخرى يستحب الإكثار منها في هذه الأيام بالإضافة إلى ما ذكر، نذكر منها على وجه التذكير ما يلي:

قراءة القرآن وتعلمه ـ والاستغفار ـ وبر الوالدين ـ وصلة الأرحام والأقارب ـ وإفشاء السلام وإطعام الطعام ــ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ وحفظ اللسان والفرج ـ والإحسان إلى الجيران ـ وإكرام الضيف ـ والإنفاق في سبيل الله ـ وإماطة الأذى عن الطريق ــ وكفالة الأيتام ـ وزيارة المرضى ـ وقضاء الحوائج ـ وعدم إيذاء المسلمين ـ والرفق بالرعية ـ وصلة أصدقاء الوالدين ـ وأداء الأمانات والوفاء بالعهد ـ وإغاثة الملهوف ـ وغض البصر عن محارم الله ـ وإسباغ الوضوء ـ والدعاء بين الآذان والإقامة ـ وقراءة سورة الكهف يوم الجمعة ـــ والحرص على صلاة العيد في المصلى ـ والحرص على الكسب الحلال ـ وإدخال السرور على المسلمين ــــ  والتعاون مع المسلمين فيما فيه خير.

فاحرص أخي المسلم على اغتنام هذه الأيام، وأحسن استقبالها والعمل فيها قبل أن تفوتك فتندم، ولات ساعة مندم.

رزقنا الله وإياكم حج بيته الحرام.

الدعاء……..                    وأقم الصلاة،،،،       

                                                             كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

                                                                                د / خالد بدير بدوي

______________________________________________________________________________________________

ولقراءة الخطبة الثانية كما يلي:

 

خطبة بعنوان: ماذا قبل الحج؟ ( عشر وصايا لحجاج بيت الله الحرام )

  عناصر الخطبة:

الوصية الأولى: إخلاص العمل لله

الوصية الثانية: التوبة ورد المظالم إلى أهلها

الوصية الثالثة: تحري المال الحلال

الوصية الرابعة: تفقهوا قبل أن تحجوا

الوصية الخامسة: طهارة القلب من الغل والحسد والخلافات والخصومات

الوصية السادسة: التزود من النفقة ومتاع السفر

الوصية السابعة: مراعاة فقه الأولويات في الحج

الوصية الثامنة: صحبة الأخيار.

الوصية التاسعة: الإكثار من الدعاء عند رؤية الكعبة

الوصية العاشرة: الاجتهاد في الطاعات واجتناب المحرمات

المقدمة:                                                            أما بعد:

عباد الله: هناك عشر وصايا ونصائح هامة أوصي بها إخواني وآبائي حجاج بيت الله الحرام، وقد جمعتها لكم مدعمة بالأدلة من القرآن والسنة وأقوال سلف الأمة، مدعما كل وصية  بقصة واقعية تؤيد تلك الوصية، وهاك البيان والله المستعان وعليه التكلان:

الوصية الأولى: إخلاص العمل لله

فيجب على من أراد الحج أن يقصد بحجه وجه الله تعالى، لا من أجل كسب لقب ( حاج )، بل يغضب البعض إذا ناديته باسمه مجرداً، وكأنه حج للقب فقط، فينبغي على الحاج أن يحج مبتغياً الأجر من الله راجياً ثوابه؛ فهو تعالى يلجأ إليه الطائعون فيرفع درجاتهم، وينيب إليه المقصرون المذنبون فيكفر سيئاتهم, والإخلاص عليه مدار الأعمال والأقوال, يقول تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}(البينة: 5), ويقول جل شأنه: { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (الأنعام: 162)

فعلى الحاج أن يجرد نيته من شوائب الشرك أو التعلق بغير الله تعالى أو قصد الدنيا في حجه حتى يكمل ثوابه.

وعليه أن يستحضر نية التقرب إلى الله تعالى في جميع أحواله لتكون أقواله وأفعاله ونفقاته مقربة له إلى الله: ” فإنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى فمن كانت هجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ فَهجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ ومن كانت هجرتُهُ إلى دنيا يصيبُها أو امرأةٍ ينْكحُها فَهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليْهِ” ( متفق عليه )، لذلك جعل الإمام البخاري هذا الحديث هو الحديث الأول في صحيحه، وكأنه يقول لك: قبل أن تقدم على عملٍ عليك بإخلاص النية فيه!!

واعلم أنك لو قصدت بعملك غير الله حبط عملك، كما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ. قَالُوا وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟!.” (صححه الألباني في السلسلة الصحيحة.)، وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَالَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا شَيْءَ لَهُ، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا شَيْءَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ”( صححه الألباني في السلسلة الصحيحة).

إنك لو أنفقت ديناراً واحداً بإخلاص خير من قنطار فيه رياء!! وأسوق لكم قصة جميلة عن إخلاص العمل لله تؤيد هذا الكلام: يحكى أن ملِكا من الملوك أراد أن يبني مسجدا في مدينته وأمر أن لا يشارك أحد في بناء هذا المسجد لا بالمال ولا بغيره…حيث يريد أن يكون هذا المسجد من ماله فقط دون مساعدة من أحد، وحذر وأنذر من أن يساعد أحد في ذلك ، وفعلاً تم البدء في بناء المسجد ووضع اسمه عليه، وفي ليلة من الليالي رأى الملك في المنام كأن ملكا من الملائكة نزل من السماء فمسح اسم الملك عن المسجد وكتب اسم امرأة، فلما استيقظ الملك من النوم استيقظ مفزوعا وأرسل جنوده ينظرون هل اسمه مازال على المسجد، فذهبوا ورجعوا وقالوا نعم اسمك مازال موجودا ومكتوبا على المسجد، وقال له حاشيته هذه أضغاث أحلام، وفي الليلة الثانية رأى الملك نفس الرؤيا، رأى ملكا من الملائكة ينزل من السماء يمسح اسم الملك عن المسجد ويكتب اسم امرأة على المسجد، وفي الصباح استيقظ الملك وأرسل جنوده يتأكدون هل مازال سمه موجودا على المسجد؟ ذهبوا ورجعوا وأخبروه أن اسمه مازال موجودا على المسجد، تعجب الملك وغضب، فلما كانت الليلة الثالثة تكررت الرؤيا، فلما قام الملك من النوم قام وقد حفظ اسم المرأة التي يكتب اسمها على المسجد، وأمر بإحضار هذه المرأة ، فحضرت وكانت المرأة عجوزا فقيرة ترتعش، فسألها هل ساعدت في بناء المسجد الذي يبنى؟ قالت يا أيها الملك أنا امرأة عجوز وفقيرة وكبيرة في السن وقد سمعتك تنهى عن أن يساعد أحد في بناءه، فلا يمكنني أن أعصيك، فقال لها أسألك بالله ماذا صنعت في بناء المسجد؟ قالت والله ما عملت شيئا قط في بناء هذا المسجد إلا؛ ثم سكتت، قال الملك: نعم إلا ماذا ؟! قالت إلا أنني مررت ذات يوم من جانب المسجد فإذا أحد الدواب التي تحمل الأخشاب وأدوات البناء للمسجد مربوط بحبل إلى وتد في الأرض وبالقرب منه سطل به ماء، وهذا الحيوان يريد أن يقترب من الماء ليشرب فلا يستطيع بسبب الحبل والعطش، بلغ منه مبلغ شديد فقمت وقربت سطل الماء منه فشرب من الماء، هذا والله الذي صنعت. فقال الملك: أييييه…عملتي هذا لوجه الله فقبل الله منكِ، وأنا عملت عملي ليقال مسجد الملك فلم يقبل الله مني؟!!! فأمر الملك بمسح اسمه وأن يكتب اسم المرأة العجوز على هذا المسجد!!!!

بل إن عدم إخلاص العمل لله يحول بينك وبين النطق بشهادة أن لا إله إلا الله عند الموت، وأسوق لكم قصة عن ذلك: روى أن منصور بن عمار رحمه الله قال: كان لي صديق مسرف على نفسه ثم تاب، وكنت أراه كثير العبادة والتهجد ففقدته أيامًا، فقيل لي: هو مريض. فأتيت إلى داره فخرجت إلىَّ ابنته فقالت: من تريد؟ قلت: فلانًا، فاستأذنت لي، ثم دخلت فوجدته في وسط الدار، وهو مضطجع على فراشه، وقد اسود وجهه، وأذرفت عيناه، وغلظت شفتاه، فقلت له وأنا خائف منه: يا أخي أكثر من قول لا إله إلا الله ففتح عينيه فنظر إلي شزرًا، وغشي عليه، فقلت له ثانيًا: يا أخي أكثر من قول لا إله إلا الله، ثم ثالثًا، ففتح عينيه وقال: يا أخي منصور، هذه كلمة قد حيل بيني وبينها فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم قلت له: يا أخي، أين تلك الصلاة والصيام والتهجد والقيام؟

 فقال: كان ذلك لغير الله، وكانت توبتي كاذبة، إنما كنت أفعل ذلك ليقال عني وأُذكر به، وكنت أفعل ذلك رياء للناس، فإذا خلوت إلى نفسي أغلقت الباب وأرخيت الستور، وشربت الخمور، وبارزت ربي بالمعاصي، ودمت على ذلك مدة فأصابني المرض، وأشرفت على الهلاك. أترك لكم التعليق على هاتين القصتين!!!!

الوصية الثانية: التوبة ورد المظالم إلى أهلها

فعلى الحاج أن يبادر إلى التوبة النصوح من جميع الذنوب والمعاصي من ترك الواجبات أو ارتكاب للمحظورات؛ فالتوبة طريق المفلحين وسبيل الفائزين, وحقيقة التوبة الإقلاع عن الذنوب وتركها والندم على ما مضى منها والعزيمة على عدم العودة إليها وإن كان عنده للناس مظالم من نفس أو مال أو عرض ردها إليهم أو تحللهم منها قبل سفره، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ؛ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ “( البخاري)؛ فالواجب على العبد أن يعترف بذنبه ويطلب من ربه مغفرته وأن يبادر بالتوبة منه فإنه لا يدري متى يحضره الأجل ومتى يفجأه الموت، وكم من إنسان يعد نفسه بالتوبة فما زال يؤخرها حتى نزل به هادم اللذات ومفرق الجماعات فلقي الله تعالى بذنوب وهو مصر عليها وانتقل إلى الآخرة مثقلاً بالذنوب حاملاً للأوزار والعياذ بالله.

أيها الحجاج الكرام : إن الحج فرصة عظيمة لهدم الذنوب والآثام، وأسوق لكم قصة في حديث تؤيد هذا الكلام، حدَّث بعض الصحابة قائلين: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ فَبَكَى طَوِيلاً وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ؛ فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا؟!! أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا؟!! قَالَ: فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؛ إِنِّي كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلاثٍ لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي وَلا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ؛ فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الإسْلامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ فَبَسَطَ يَمِينَهُ قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي قَالَ مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟! قَالَ قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ. قَالَ تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟ قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي. قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلأ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلالاً لَهُ وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ لأنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلأ عَيْنَيَّ مِنْهُ وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي “.[أخرجه مسلم] من هذه القصة نستفيد ، ” أما علمت أن الحج يهدم ما كان قبله “

فعلى الحاج أن يتوب قبْلَ الذهاب إلى الحج مِن كل الذنوب والآثام، كبيرِها وصغيرِها، جليلِها وحقيرِها، وعليه أن يؤدِّيَ الحقوقَ التي عليه بالتمَّام والكمال، وبخاصة تلك الحقوق المتعلقة بالخلق، لأن حقوق العباد مبنيةٌ على المُشَاحَحَةِ، بينما حقوق الله مبنيةٌ على المسامحة، فعليه أن يؤدِّيَ الحقوق، ويُقلعَ عن الذنوب، والأهمُّ مِن هذا أن يَعقِد العزمَ على ألاّ يعودَ إليها بعد الحجّ، وإلاّ أصبح الحجُّ مِن الطقوس لا من العبادات، فَمِنَ الخطأ الكبير، والوهم الخطير أنْ يظنّ الحاجُّ أنّ الحجَّ يهدمُ ما قبله من الذنوب كلِّها، وفيه تُغفر كل خطيئة، وقد أجمع العلماءُ على أنّ الأحاديثَ الشريفة التي تبيِّن أنّ الحاجّ يعود مِن الحجّ كيوم ولدته أمه، وقد غُفرت ذنوبُه كلُّها، هذه الذنوبُ التي أشار إليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم هي الذنوبُ التي بين العبد وربِّه حصراً، أمّا الذنوبُ التي بينه وبين الخلق، والحقوقُ التي في ذمته، والواجباتُ التي قصَّر في أدائها هذه لا تَسقطُ ولا تُغفر إلا بالأداء أو المسامحة، فالذنوب ثلاثة ؛ ذنب لا يُغفر، وهو الشرك، وذنب لا يُترك، وهو ما كان بين العبد والخلق، وذنب يُغفر، وهو ما كان بين العبد وربه، أي أن جميع الأحاديث التي أشارت أن الحاج يعود من ذنوبه كيوم ولدته أمه، الذنوب حصراً فيما بينه وبين الله تعالى أما التي فيما بينه وبين الخلق هذه لا تغفر إلا بالأداء أو المسامحة، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الظُّلْمُ ثَلاثَةٌ، فَظُلْمٌ لا يَغْفِرُهُ الله، وَظُلْمٌ يَغْفِرُهُ، وَظُلْمٌ لا يَتْرُكُهُ، فَأَما الظُّلْمُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ الله فَالشِّرْكُ، قَالَ الله: {إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يَغْفِرُهُ فَظُلْمُ العِباَدِ أَنْفُسَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ، وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يَتْرُكُهُ الله فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا حَتَّى يُدَبِّرُ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ”( الصحيحة للألباني)

الوصية الثالثة: تحري المال الحلال

  فعلى الحاج أن ينتخب لحجه وعمرته نفقة طيبة من مال حلال لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا”[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” إِذَا خَرَجَ الْحَاجُّ حَاجًّا بِنَفَقَةٍ طَيِّبَةٍ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ فَي الْغَرْزِ – ركاب الدابة – فَنَادَى: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، نَادَاهُ مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، زَادُكَ حَلاَلٌ، وَرَاحِلَتُكَ حَلاَلٌ، وَحَجُّكَ مَبْرُورٌ غَيْرُ مَأْزُورٍ، وَإِذَا خَرَجَ بِالنَّفَقَةِ الْخَبِيثَةِ، فَوَضَعَ رِجْلَهُ فَي الْغَرْزِ فنادى: فَنَادَى: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، نَادَاهُ مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: لاَ لَبَّيْكَ وَلاَ سَعْدَيْكَ، زَادُكَ حَرَامٌ، ونَفَقَتُكَ حَرَامٌ، وَحَجُّكَ مَأْزُورٌ غَيْرُ مبرورٍ”[ الطبراني بسند ضعيف] ، وما دام الحج مِنَ العبادات المالية التي تستوجب إنفاقَ المال، فلا بد في المال الذي سينفقه الحاجُّ في هذه الفريضة أنْ يكون مالاً طيباً وحلالاً.

إن تحري الحلال له تأثير على نفسك وجميع جوارحك، قال سهل رضي الله عنه: من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى، علم أو لم يعلم؛ ومن كانت طعمته حلالاً أطاعته جوارحه ووفقت للخيرات. وقال بعض السلف: إن أول لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر له ما سلف من ذنوبه، ومن أقام نفسه مقام ذل في طلب الحلال تساقطت عنه ذنوبه كتساقط ورق الشجر.

كم من أناسٍ طعامهم حرام وشرابهم حرام ولباسهم حرام، ومع ذلك تاب الله عليهم.

أسوق لكم قصه مؤثره عن توبة أسرة كاملة عن أكل الحرام على يد أحد أبنائها يقول الشاب:( أنا شاب عشت حياة مترفة مع أبي في أحد الأحياء الراقية بالقاهرة وكان الخمر يقدم على المائدة بصورة طبيعية..وكنت أعرف تماماً أن دخل والدي كله من الحرام وخاصة الربا.. وكان بجوار بيتنا مسجد كبير فيه شيخ يسمى(إبراهيم) وفي يوم من الأيام كنت جالساً في شرفة المنزل والشيخ يتحدث فأعجبني كلامه، فنزلت من الشرفة وذهبت إلى المسجد لأجد نفسي كأنني قد انسلخت من كل شيء، وأصبحت شيئاً آخر.

كان الشيخ يتحدث عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم (أيما جسد نبت من حرام فالنار أولى بــه) فوجدت نفسي لا أريد أن أدخل البيت، ولا أن آكل منه شيئاً، صرت أدخل وأخرج وأتعمد ألَّا أكل شيئاً وأجلس بعيداً عن أسرتي وأضع أمامي قطعة من الجبن وبعض(الفلافل) وأسرتي أمامها كل ما تشتهيه النفس من الطعام. كادت أمي تموت همّا من أجلي تريدني أن آكل معهم ولكني رفضت وأفهمتها أن مال أبي حرام وأنهم يأكلون حراماً ويشربون حراماً فانضمت أمي إلىّ والتزمت بالصلاة؛ وبعدها انضمت إلينا أختي؛ أما أبي فقد أصر على فعله عناداً واستكباراً. كنت أتعامل مع أبي بأدب واحترام وقمت أنا وأمي وأختي كل منا يجتهد في الدعــاء لأبي كنت أقوم الليل فأسمع نحيب أمي وأختي وتضرعهما إلى الله أن يهدي والدي. وفي صباح يوم من الأيام استيقظت لأجد أبي قد تخلص من كل الخمور التي في البيت ثم أخذ يبكي بكاءً شديداً ويضمني إلى صدره ويقول: سوف أتخلص من كل شيء يغضب الله.. ولما حان وقت الصلاة أخذت والدي وذهبنا إلى المسجد وصار يسمع خطب الشيخ، والحمد لله تخلص من الربا ومن الخمور واصبح بيتنا ولله الحمد مملوءاً بالطاعـــات..)

أيها الحاج: إن تعجلك بجمع المال عن طريق الحرام كان سبباً في منع الحلال من الوصول إليك، فمن استعجل الرزقَ بالحرام مُنِع الحلال.

أسوق لكم قصة أخرى رائعة تؤيد هذا الكلام: رُوِي عن علي رضي الله عنه أنه دخل مسجد الكوفة فأعطى غلامًا دابته حتى يصلي، فلما فرغ من صلاته أخرج دينارًا ليعطيه الغلام، فوجده قد أخذ خطام الدابة وانصرف، فأرسل رجلا ليشتري له خطامًا بدينار، فاشترى له الخطام، ثم أتى فلما رآه علي رضي الله عنه، قال سبحان الله! إنه خطام دابتي، فقال الرجل: اشتريته من غلام بدينار، فقال علي رضي الله عنه: سبحان الله! أردت أن أعطه إياه حلالا، فأبى إلا أن يأخذه حراما!!

هذا يذكرني بحديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ نَفَثَ في رَوْعِي : أنَّ نَفْسًا لا تَمُوتُ حتى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَها ، فَاتَّقُوا اللهَ و أَجْمِلوا في الطَلَبِ ، و لا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللهِ ، فإنَّ اللهَ لا يُدْرَكُ ما عندَهُ إِلَّا بِطَاعَتِه” [ السلسلة الصحيحة – الألباني ]

فالسارق رزقه كان سيأتيه عن طريق الحلال ولكنه تعجله بطريق الحرام!! والمرتشي رزقه كان سيأتيه عن طريق الحلال ولكنه تعجله بطريق الحرام!! والغاش في البيع والشراء رزقه كان سيأتيه عن طريق الحلال ولكنه تعجله بطريق الحرام!! وقس على ذلك كل طرق الكسب المحرمة والمنتشرة في المجتمع!!

الوصية الرابعة: تفقهوا قبل أن تحجوا

هذه الكلمة قالها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فعلى الحاج أن يحرص على التفقه في أمور الحج حتى يعبد الله على بصيرة؛ والحذر كل الحذر أن يؤدي مناسك الحج على جهل منه بذلك؛ فقد يوقعه هذا في الإخلال بالأركان أو ارتكاب بعض المحظورات أو النقص في القيام بمناسك الحج، إن فَعَلَ ذلك فَقَدْ أَبْطَلَ حجَّه، أو لَزِمه الدمُ، أو أساء، أو قصَّر، أو تركَ الأَوْلَى، وبذلك قد ضيّع فرصة فريدة لا تتكرّر، فرصة لمغفرة ذنبه، واستحقاقه جنّةَ ربه، كلُّ هذا بسببِ الجهل الذي هو أعدى أعداءِ الإنسان، فالجاهلُ يفعل في نفسه ما لا يستطيع أن يفعله عدوُّه به، لذلك نقول: أيها الحجّاجُ تفقَّهوا قبل أن تحجّوا، فعالمٌ واحد أشدُّ على الشيطان مِن أَلْفِ عابدٍ، وقليلٌ مِنَ الفقهِ خيرٌ مِنَ كثيرٍ مِنَ العبادة؛ وكما أن انتظار الصلاة يُعَدّ من الصلاة، كذلك الإعدادُ الفقهيّ للحجّ فهو مِنَ الحجّ، فكم مِن حاجٍّ أهْملَ التفقُّهَ قَبْلَ الحج، وعاد مِنَ الحجّ، ولم يطف طواف الركن، فبطل حجُّه، وكم مِن حاجٍّ اجتاز الميقاتَ المكانيَّ غيرَ محرِم فلزمه الدم، وكم مِن حاجٍّ وقع في محظورات الإحرام، وهو يحسبُ أنه يُحسن صنعاً.

فالذي يعبد الله على علم لا يُخشى عليه من وقوعه في حبائل الشيطان، وتكون عبادته مقبولة لأنها مكتملة الشروط والأركان، وإلا كانت باطلة، وأسوق لكم قصة تبين بطلان عبادة الجاهل مع اجتهاده في العبادة، فقد روي- في الإسرائليات- أن عابداً من بني إسرائيل كان يعبد الله تعالي في صومعة فوق الجبل، وذات يوم خرج كعادته لكي يتجول متأملاً في ملكوت الله تعالي ، وبينما هو يتجول رأي في طريقه جثة آدمي تنبعث منها رائحة كريهة، فمال العبد وأعرض بوجهه لتفادي شم الرائحة الكريهة، عند ذلك ظهر له الشيطان في صورة رجل من الصالحين الناصحين وقال له: لقد تبخرت حسناتك. فقال له العابد: لمَ ؟ قال : لأنك أبيت أن تشم رائحة آدمي مثلك ، وعندما ظهر علي وجه العابد الحزن والألم قال له الشيطان مشفقاً: إذا أردت أن يغفر لك الله هذا الذنب يجب أن تصطاد فأراً جبلياً وتعلقه في رقبتك وتعبد الله به طوال حياتك، ونفذ العابد واصطاد الفأر وظل يعبد الله به ستين عاماً ؛ وهو حامل هذه النجاسة حتى مات فبطلت عبادته، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” مسألة علم – أو مجلس علم – خير من عبادة ستين سنة” ( رواه الديلمي في الفردوس )، فمسألة العلم التي جهلها هذا العابد من شروط صحة الصلاة التي لا تصح الصلاة ولا تقبل إلا بها؛ وهي طهارة البدن والثوب والمكان ، وهذا العابد بجهله بهذه المسألة ظل معلقاً النجاسة في رقبته وهو يصلي بها ستين عاماً، فكيف تصح هذه الصلاة مع النجاسات ؟!! فبطلت صلاة ستين عاماً بجهل مسألة علم واحدة، فما بالك لو كان جاهلاً بمسائل الفقه كلها، لذلك كان العلم أولى من العبادة.

فعليك أخي الحاج أن تتعلم فقه الحج ولا تقدم على نسك حتى تعلم حكمه وشروطه، ومما يفيد في ذلك استصحاب بعض الكتيبات النافعة, وأشرطة التسجيل المفيدة وغيرهما  من أدوات التعلم التي تعينه في تعلم مناسكه.

الوصية الخامسة: طهارة القلب من الغل والحسد والخلافات والخصومات

فعليك أخي الحاج بطهارة القلب من الغل والحسد والخلافات والخصومات؛ لأن ذلك سببٌ لرفع الرحمات وعدم قبول الحسنات.

معاشر الحجاج: إنَّ سنةَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عامرةٌ بالنصوص المؤكِّدة على أهمية طهارةِ القلوب وسلامتها من الغلِّ والشحناء والبغضاء، يُسأل عليه الصلاة والسلام: أيُّ الناس أفضل؟ فيقول: (كلّ مخموم القلب صدوق اللسان)، فيقال له: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ فيقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (هو التّقي النقي، لا إثم ولا بغي ولا غلَّ ولا حسد) (رواه ابن ماجه بإسناد صحيح) ويقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا) (متفق عليه)، بل إنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:(لا تدخُلوا الجنةَ حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا) ( رواه مسلم) ويقول عليه الصلاة والسلام: (ألا أخبركم بأفضلَ من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟) قالوا: بلى، قال: (إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين) (رواه أبو داود بإسناد صحيح.)

أحبتي في الله: وقفت مع نفسي وقفة وتأثرت كثيراً حينما قرأت حديثاً عن ليلة القدر في صحيح البخاري. عن عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ :” أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ ” قلت: رفعت أعظم ليلة بسبب شجارٍ وسبٍّ وخصامٍ بين رجلين !!! فما بالكم بواقع الأمة الآن؟!!!!!

لذلك أخبرنا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أحاديث كثيرة أن الشحناء والبغضاء والخصام سبب لمنع المغفرة والرحمات والبركات ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا” (مسلم)

وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ” [ السلسلة الصحيحة – الألباني ]

وبين صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ذلك يحلق الحسنات بل الدين كله فقال:” دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَالكُمْ لَكُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ “[ صحيح الترغيب والترهيب – الألباني ]

فبادر أنت بالخير إذا أعرض عنك أخوك وكن أنت الأخير ، فعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ”(متفق عليه)

أخي الحاج: هذه رسالة هامة أردت أن أبلغها لك أن تصطلح مع أهلك وجيرانك قبل سفرك إلى الأراضي المقدسة، فإني أخشى عليك أن تكلف نفسك جسديا وماليا وتتحمل كل هذه المشاق، ثم تحجب أعمالك بسبب الخلاف والخصام.

الوصية السادسة: التزود من النفقة ومتاع السفر

 ينبغي للحاج أن يكثر من النفقة ومتاع السفر ويستصحب فوق حاجته احتياطاً لما يعرض من الحاجات، فهذا من باب الأخذ بالأسباب حتى في أداء العبادات، ونحن مقبلون على موسم الحج، قالَ ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: كانَ أهلُ اليمنِ يحجون ولا يتزودونَ ويقولونَ: نحنُ متوكلونَ، فيَحجونَ فيأتونَ مكةَ فيسألونَ الناسَ فأنزل اللهُ: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]، قال الشيخ عبدالرحمن السعدي في تفسيره:” “أمر تعالى بالتزود لهذا السفر المبارك، فإن التزود فيه الاستغناء عن المخلوقين، والكف عن أموالهم، سؤالا واستشرافا، وفي الإكثار منه نفع وإعانة للمسافرين، وزيادة قربة لرب العالمين، وهذا الزاد الذي المراد منه إقامة البنية بلغة ومتاع، وأما الزاد الحقيقي المستمر نفعه لصاحبه، في دنياه، وأخراه، فهو زاد التقوى الذي هو زاد إلى دار القرار، وهو الموصل لأكمل لذة، وأجل نعيم دائم أبدا، ومن ترك هذا الزاد، فهو المنقطع به الذي هو عرضة لكل شر، وممنوع من الوصول إلى دار المتقين. فهذا مدح للتقوى.” أ.ه ، وسألَ رجلٌ أحمدَ بنَ حنبلٍ فقالَ: أيخرجُ أحدُنا إلى مكةَ متوكلاً لا يحملُ معه شيئاً؟ قال: لا يعجبُني فمن أينَ يأكلُ؟ قالَ: يتوكلُ فيعطيه الناسُ، قال: فإذا لم يُعطوه أليس يَتشرفُ حتى يُعطوه؟ لا يُعجبني هذا، لم يبلغُني أن أحداً من أصحابِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم والتابعينَ فعل هذا، ولكن يعملُ ويطلبُ ويتحرى.

الوصية السابعة: مراعاة فقه الأولويات في الحج

فلو حج الشخص واعتمر مرارا وتكرارا، ومن عادته الحج والعمرة كل عام، ففي هذه الحالة لو رجعنا إلى فقه الأولويات لوجدنا أن مساعدة الفقراء والمساكين واليتامي والأرامل وذوي الحاجات أولى من الحج والاعتمار كل عام، وقد حدد بعض العلماء المعاصرين قصر الحج والعمرة كل خمس سنوات، وبذلك تفعل وزارة الداخلية في حج القرعة، وقد بحثت في هذا الأمر فوجدت حديثاً قدسياً يبين أن المدة  ينبغي أن لا تزيد عن خمس سنوات، حتى لا يحرم الأجر والثواب والتمتع بزيارة البلد الحرام، فعَنْ  أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” قَالَ اللَّهُ : إِنَّ  عَبْدًا صَحَّحْتُ لَهُ جِسْمَهُ ، وَوَسَّعْتُ عَلَيْهِ فِي الْمَعِيشَةِ يَمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ لا يَفِدُ إِلَيَّ لَمَحْرُومٌ ” . [ السلسلة الصحيحة – الألباني ]

إن الإسلام أمر بالتوازن ومراعاة الأولى في جوانب الإنفاق، ومن ثم فقصر الإنفاق على جانب معين وإهمال جوانب أخرى قد تكون أولى بالإنفاق منه يعد من قبيل مخالفة مقاصد الشريعة، ولذلك ينبغى أن نُذكر هنا بما جاء على لسان الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عندما قال: «يكثر الناس فى آخر الزمان من الحج بلا سبب يهون عليهم السفر ويبسط لهم فى الرزق، فيهوى بأحدهم بعيره بين الرمال والقفار، يضرب فى الأرض وجاره إلى جنبه مأسور لا يواسيه». وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فالمسلمون هذه الأيام يعانون ويلات الأزمات والأمراض ما ظهر منها وما بطن، ولا يجدون من يشد أزرهم ويخفف عنهم آلامهم، فهناك طالب العلم الفقير ذو الحاجة الذي لا يجد من يؤازره والنتيجة الحتمية فشل ذريع لمستقبله. وهناك المساكين والفقراء الذين تعرفهم بسيماهم وهم لا يسألون الناس إلحافاً ولا يجدون من يسد جوعتهم ويستر عورتهم، وتجاهلهم يعنى فتح الطريق أمامهم إلى عالم الجريمة والرذيلة، وهناك من المسلمين مستضعفون قابضون على دينهم مدافعون عن الأرض والعرض والمقدسات، لا يجدون من يمد إليهم يد المعونة والنصرة ولو بالطعام والشراب، وإن كنا مأمورين بالقتال معهم جنباً إلى جنب لا سيما وقد دخل العدو ديار المسلمين، وهناك أرامل الشهداء وأبناؤهم، مات عائلهم ومن كان ينفق عليهم ولم يعد لهم في هذه الحياة يد حانية تمسح عنهم آهات الدهر وآلامه، فكل هؤلاء أولى عند الله عز وجل من تكرار الحج والعمرة بلا داع، اللهم إلا محاولة إشباع عاطفة لا محيص من وصفها بالأنانية المفرطة، والإغراق في حب الذات. وها هى تلك الحقيقة يرسيها جلية هذا المتصوف الزاهد «بشر بن الحارث» عندما جاءه رجل وقال له: يا أبا نصر إني أردت الحج وجئتك أستوصيك فأوصنى. فقال له: كم أعددت من نفقة الحج؟ قال: ألفى درهم. فقال له: هل تريد الحج تزهداً أم اشتياقاً إلى البيت أم ابتغاء مرضاة الله؟ قال: والله ابتغاء مرضاة الله. فقال له: هل أدلك على ما تحقق به مرضاة ربك وأنت في بلدك وبين عشيرتك، تعطى هذه الدراهم عشرة أنفس: فقيراً ترمم فقره، ويتيماً تقضى حاجته، ومديناً تقضى عنه دينه، ومعيلا تخفف عنه أعباء عياله، ولو أعطيتها واحدًا لتسد بها حاجته فهو أفضل. وهل هناك أسمى من أن يطعم المسلم جائعاً أو يداوى مريضاً أو يأوى مشرداً أو يكفل يتيماً أو يقضى حاجة أرملة، خاصة إن كان كل هؤلاء من المدافعين عن المقدسات والأوطان. وصدق الله تعالى حيث يقول: « أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ» «التوبة:19».

وهناك قصة أخرى ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية يقول:” خرج عبد الله بن المبارك  مرة إلى الحج فاجتاز ببعض البلاد فمات طائر معهم فأمر بإلقائه على مزبلة هناك، وسار أصحابه أمامه وتخلف هو وراءهم، فلما مر بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها فأخذت ذلك الطائر الميت ثم لفته ثم أسرعت به إلى الدار، فجاء فسألها عن أمرها وأخذها الميتة، فقالت أنا وأخي هنا ليس لنا شئ إلا هذا الإزار، وليس لنا قوت إلا ما يلقى على هذه المزبلة، وقد حلت لنا الميتة منذ أيام، وكان أبونا له مال فظلم وأخذ ماله وقتل.

فأمر ابن المبارك برد الأحمال وقال لوكيله: كم معك من النفقة ؟ قال: ألف دينار. فقال: عد منها عشرين دينارا تكفينا إلى بلادنا وأعطها الباقي؛ فهذا أفضل من حجنا في هذا العام، ثم رجع.”

ومع ذلك قد كتب الله له أجر الحج كاملاً – وهو في بيته – فالعبرة بالمعاني لا المباني، فالأعمال بالنيات، فكم من أناس في بيوتهم كتب لهم أجر الحج كاملا دون نقصان، وكم من أناس حجوا مرات عديدة رياء وسمعة لا يتقبل الله منهم كما فصلنا ذلك في الوصية الأولى.

الوصية الثامنة: صحبة الأخيار.

فعلى الحاج أن يجتهد في انتفاء المجموعة التي يحج معها, أو الحملة التي يشترك فيها, فإنها خير معين بعد الله جلا وعلا على إتمام مناسكه على الوجه الصحيح, ولذلك ندب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اختيار الجليس بقوله: ” مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً” ( متفق عليه ) يعني: هو مستفيد على كل حال، إما أن يعطيك، وإما أن يبيع لك، وإما أن يعلق فيك رائحة طيبة، كذلك الجليس الصالح: إما أن يأمرك بالخير، وإما أن ينهاك عن الشر، وإما أن يدعوك إلى الخير ويحضك عليه، فأنت مستفيد، كذلك جليس السوء إما أن يزهدك من الخير أو يرغبك في الشر، فأنت متضرر على كل حال.

 ولا شك أن الحملة بكامل عناصرها هم جلساء الحاج فليحرص على الانتفاء.

كما أن المرء يكون على هدي صاحبه وطريقته ويتأثر به، كما قيل: الصاحب ساحب، حتى لو أردت أن تعرف أخلاق شخصٍ فسأل عن أصحابه.

قال الشاعر:               عَنِ المَرءِ لا تَسأَل وَسَل عَن قَرينَهُ         فَكُلُّ قَرينٍ بِالمُقارِنِ يَقتَدي

وقال آخر:               واحـذرْ مُصاحبـةَ اللئيـم فـإنّـهُ       يُعدي كما يُعدي الصحيـحَ الأجـربُ

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ” [ السلسلة الصحيحة – الألباني ]

قال العلماء: يعني لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانته فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه، ولا تغرر بدينك ولا تخاطر بنفسك فتخالل من ليس مرضيا في دينه ومذهبه.

حتى أن أثر الصحبة – صالحة أو طالحة – تعدَّى من عالم الإنسان إلى عالم الكلاب. قال تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } ( الكهف: 22) فقد استفاد الكلب من صحبة الأخيار، وهو الآن معروف أنه من أخس الحيوانات، ومع ذلك لما صاحب الأخيار صار له شأن وذكر معهم في القرآن وأصابه ما أصابهم،كما أن الكلب المعلم لما تعلم صار له ميزة وارتفع شأنه بالعلم، وصار يصيد بالتعليم، وله حكم يختلف عن بقية الكلاب، قال تعالى: {مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ } [المائدة:4]، حتى الكلاب إذا تعلمت صار لها شرف ومزية على غيرها.

أحبتي في الله: والله إن الصاحب – وخاصة في الحج – إذا كان صالحاً سيأخذ بيديك إلى الجنة ويجعل حجك مبرورا، وإن كان طالحا يجرك إلى جهنم جرا ويجعلك مأزورا، وسأضرب لك مثالين:

الأول: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟! فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:{ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:{ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } ( متفق عليه )

فوجود أبي جهل والصحبة السوء جعلت أبا طالب من أصحاب الجحيم، وحزن عليه النبي حزنا شديدا.

المثال الثاني: عن ابن عباس قال: « كان عقبة بن أبي معيط لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً فدعا إليه أهل مكة كلهم، وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم ويعجبه حديثه، وغلب عليه الشقاء فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاماً ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعامه فقال: ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله . فقال : أطعم يا ابن أخي. قال : ما أنا بالذي أفعل حتى تقول . . . فشهد بذلك وطعم من طعامه . فبلغ ذلك أُبي بن خلف فأتاه فقال: أصبوت يا عقبة؟ – وكان خليله – فقال: لا والله ما صبوت. ولكن دخل عليَّ رجل فأبى أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم، فشهدت له، فطعم. فقال: ما أنا بالذي أرضى عنك حتى تأتيه فتبصق في وجهه. ففعل عقبة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف، فأسر عقبة يوم بدر فقتل صبراً ولم يقتل من الأسرى يومئذ غيره » .( الدر المنثور , للسيوطي ) وفي ذلك نزل قوله تعالى: { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29)} ( الفرقان )، فتخيل أنه فضل رضا صاحب السوء على رضا الله ورسوله وكانت النتيجة جهنم وبئس المصير.

فهذه رسالة أوجهها لآبائي وإخواني وأبنائي وكل فئات المجتمع أن يحسنوا اختيار الصحبة ولا سيما في رحلة الحج لشدة تأثيرها كما ذكر.

الوصية التاسعة: الإكثار من الدعاء عند رؤية الكعبة

 فيستحب لك أيها الحاج الإكثار من الدعاء عند رؤية الكعبة، فقد ذكر العلماء أن الدعاء عند رؤية الكعبة مطلوب ومستجاب؛ لما رواه البيهقي والطبراني في الكبير بسند فيه ضعف عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ، قَالَ:”تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيُسْتَجَابُ دُعَاءُ الْمُسْلِمِ عِنْدَ إِقَامَةِ الصَّلاةِ، وَعِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ، وَعِنْدَ زَحْفِ الصُّفُوفِ، وَعِنْدَ رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ”. قال المناوي في فيض القدير، قوله: وعند رؤية الكعبة يحتمل أن المراد أول ما يقع بصر القادم إليها عليها، ويحتمل أن المراد ما يشمل دوام مشاهدتها، فما دام إنسان ينظر إليها فباب السماء مفتوح والدعاء مستجاب، والأول أقرب . أهـ .

وأفضل الدعاء أن تقول: اللهم اجعلني مجاب الدعوة، وبذلك أخذت بإجابة الدعاء في كل زمان ومكان، فقد سألها سعد بن أبي وقاص من رسول الله فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مجاب الدعوة، فدعا له فأصبح مجاب الدعوة، وأخذ توكيلا عاما في ذلك، بدلا من أن يتردد على النبي طالبا الدعاء كل فترة ، إذ أن كل صحابي يطلب دعوة خاصة، كأن أكون رفيقك في الجنة، أو أن يرد علىَّ بصري، وشواهد ذلك كثيرة ، لكن سعدا فاز بدعوة عامة.

أسوق لكم قصة في حديث تؤكد ذلك: عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ:” شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا أُصَلِّي صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي الْأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قَالَ ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا إِلَى الْكُوفَةِ فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ قَالَ أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ قَالَ سَعْدٌ أَمَا وَاللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ وَأَطِلْ فَقْرَهُ وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنْ الْكِبَرِ وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ” ( البخاري )

أحبتى في الله: أناشد كل من رزقه الله بالحج هذا العام أن يخصني بدعوة بظهر الغيب عند رؤية الكعبة، فعَنْ صَفْوَانَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قال:” قال النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ ؛ عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْله” ( مسلم )، فالداعي مستفيد بأمرين: إجابة الدعوة قطعا، وله بمثل ما دعا به.

الوصية العاشرة: الاجتهاد في الطاعات واجتناب المحرمات

فيجب عليك أخي الحاج الاجتهاد في فعل الطاعات، واجتناب المحرمات، وأن تعظم الحرمات في هذه الرحلة. وخاصة أنك اجتمعت عليك الحرمات، الزمان والمكان والمال والنفس والدين ……إلخ ، فيجب عليك تعظيمها، “قال قتادة: إن الله اصطفى صَفَايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس رسلاً واصطفى من الكلام ذِكْرَه، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فَعَظِّموا ما عظم الله، فإنما تُعَظم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل.”

إن ارتكاب المعاصي والذنوب وانتهاك الحرمات في هذه الأشهر ظلم بيِّن للنفس لذلك قال تعالى: {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } أي: في هذه الأشهر المحرمة؛ لأنه آكد وأبلغ في الإثم من غيرها، كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف، لقوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } (الحج: 25) وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام؛ ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الشافعي، وطائفة كثيرة من العلماء، وكذا في حَقِّ من قتل في الحرم أو قتل ذا محرم، وقال قتادة في قوله: { فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } ” إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيماً، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم.” ويقول الإمام القرطبي – رحمه الله – ” لا تظلموا فيهن أنفسكم بارتكاب الذنوب، لأن الله سبحانه إذا عظم شيئاً من جهة واحدة صارت له حرمة واحدة، وإذا عظمه من جهتين أو جهات صارت حرمته متعددة فيضاعف فيه العقاب بالعمل السيئ كما يضاعف الثواب بالعمل الصالح، فإن من أطاع الله في الشهر الحرام في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام، ومن أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في شهر حلال في بلد حلال” ، وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله تعالى:{ يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً } (الأحزاب: 30)  وذلك لأن الفاحشة إذا وقعت من إحدى نساء النبي – r – يضاعف لها العذاب ضعفين بخلاف ما إذا وقعت من غيرهن من النساء.

فعليك أن تستغل رحلتك في أداء الصلاة في المسجد الحرام لفضله على غيره، فعن جابر أن النبي r قال:”صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة”( أخرجه أحمد وابن ماجه بإسنادين صحيحين.)، فصلاة واحدة تعدل مائة ألف صلاة، ولو قسَّمنا مائة ألف صلاة  على 5 صلوات في اليوم، ثم السنين لخرج الناتج 55 سنة و6 أشهر و20 يوماً، هذه صلاة واحدة فما بالك لو صليت شهراً أو شهرين؟؟؟؟!!!

كما ينبغي عليك أخي الحاج أن تتحلى بمكارم الأخلاق وتبتعد عن كل سوء ورذيلة. قال الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة/197].

قال الشيخ عبدالرحمن السعدي في تفسيره:” أي: يجب أن تعظموا الإحرام بالحج، وخصوصا الواقع في أشهره، وتصونوه عن كل ما يفسده أو ينقصه، من الرفث وهو الجماع ومقدماته الفعلية والقولية، خصوصا عند النساء بحضرتهن. والفسوق وهو: جميع المعاصي، ومنها محظورات الإحرام. والجدال وهو: المماراة والمنازعة والمخاصمة، لكونها تثير الشر، وتوقع العداوة. والمقصود من الحج، الذل والانكسار لله، والتقرب إليه بما أمكن من القربات، والتنزه عن مقارفة السيئات، فإنه بذلك يكون مبرورا؛ والمبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وهذه الأشياء وإن كانت ممنوعة في كل مكان وزمان، فإنها يتغلظ المنع عنها في الحج. واعلم أنه لا يتم التقرب إلى الله بترك المعاصي حتى يفعل الأوامر، ولهذا قال تعالى: { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ } أتى بـ “من “لتنصيص على العموم، فكل خير وقربة وعبادة، داخل في ذلك، أي: فإن الله به عليم، وهذا يتضمن غاية الحث على أفعال الخير، وخصوصا في تلك البقاع الشريفة والحرمات المنيفة، فإنه ينبغي تدارك ما أمكن تداركه فيها، من صلاة، وصيام، وصدقة، وطواف، وإحسان قولي وفعلي.” أ.ه

واعلموا – والله – أن انتهاك الحرمات سبب في زوال الحسنات ولو كانت كالجبال!! ، فَعَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ -r- أَنَّهُ قَالَ : ” لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا ، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، صِفْهُمْ لَنَا ، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ ، وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ انْتَهَكُوهَا.”( صحيح الترغيب والترهيب للألباني)

رزقني الله وإياكم حج بيته الحرام.

 

كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

د / خالد بدير بدوي

 

شارك الخبر علي صفحات التواصل الإجتماعي
ads

عن د.أحمد رمضان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .