خطبة الجمعة القادمة بعنوان : بر الوالدين زينة الأعياد، للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب
خطبة الجمعة القادمة بعنوان : بر الوالدين زينة الأعياد للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب ، بتاريخ 1 شوال 1447هـ ، الموافق 20 مارس 2026م.
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 20 مارس 2026م بعنوان : بر الوالدين زينة الأعياد : كما يلي:
بر الوالدين زينة الأعياد
الأُمُّ
الأُمُّ، هِيَ نُورُ الْحَيَاةِ، وَمَوْطِنُ الرَّاحَةِ، وَجَلْبَةُ السُّكُونِ، وَمَصْدَرُ الْأُنْسِ، وَأَسَاسُ الْهَنَاءِ، وَيَنْبُوعُ السَّعَادَةِ، يَطِيبُ الْحَدِيثُ بِذِكْرَاهَا، وَيَسْعَدُ الْقَلْبُ بِلُقْيَاهَا، حَنَانُهَا فَيَّاضٌ لَا يَنْضَبُ، وَنَبْعُهَا زُلَالٌ لَا يَجِفُّ.
إِنَّهَا عِطْرٌ يَفُوحُ شَذَاهُ، وَعَبِيرٌ يَسْمُو فِي عُلَاهُ، وَالْعَيْشُ فِي كَنَفِهَا حَيَاةٌ.
إِنَّنَا إِذْ نَحْتَفِي بِالْأُمِّ فِي عِيدِهَا السَّنَوِيِّ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْقَوْلِ أَنَّ الْأُمَّ لَا تُوفِيهَا الْكَلِمَاتُ، وَلَا تُعَبِّرُ عَنْ فَضْلِهَا الْعِبَارَاتُ، وَلَا يَسْتَطِيعُ الْوَاحِدُ مِنَّا أَنْ يُوفِيهَا حَقَّهَا، أَوْ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ جَلِيلِ قَدْرِهَا، أَوْ أَنْ يَكْشِفَ بِعِبَارَاتِهِ عَنْ مَكْنُونِ حُبِّهَا.
فَهِيَ الَّتِي وَصَّى بِهَا الْمَوْلَى جَلَّ جَلَالُهُ، وَجَعَلَ حَقَّهَا فَوْقَ كُلِّ حَقٍّ بَعْدَ حَقِّهِ سُبْحَانَهُ، وَجَعَلَ شُكْرَهُ سُبْحَانَهُ مَقْرُونًا بِشُكْرِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) [لُقْمَانَ: ١٤].
وَلَمَّا سُئِلَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ.. الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
إِنَّهَا الْأُمُّ يَا مَنْ تُرِيدُ مَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ، وَسَتْرَ الْعُيُوبِ، يَأْتِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَيَقُولُ: أَذْنَبْتُ ذَنْبًا كَبِيرًا فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ لَهُ مِنْ خَالَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَبِرَّهَا» [رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ].
وَهَذَا رَجُلٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَأْتِي إِلَيْهِ، يَحْدُوهُ شَوْقُهُ إِلَى جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، وَتَتَعَالَى هِمَّتُهُ لِاسْتِرْضَاءِ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، فَيَمْشِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: أُمُّكَ حَيَّةٌ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: الْزَمْ رِجْلَهَا فَثَمَّ الْجَنَّةُ. الطَّبَرَانِيُّ.
إِنَّ الإِحْسَانَ إِلَى الْأُمِّ سَبَبٌ لِقَبُولِ الْأَعْمَالِ، وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ، وَالتَّجَاوُزِ عَنِ السَّيِّئَاتِ، قَالَ سُبْحَانَهُ عَنْ عَبْدِهِ الشَّاكِرِ لِنِعْمَتِهِ، الْبَارِّ بِوَالِدَيْهِ: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) [الأَحْقَافِ: ١٦].
كَمَا أَنَّ الإِحْسَانَ إِلَى الْأُمِّ سَبَبٌ لِلْبَرَكَةِ فِي الرِّزْقِ وَفِي الْعُمْرِ، فِي وَقْتٍ قَلَّتْ فِيهِ الْبَرَكَاتُ، وَفِي الصَّحِيحِ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ. الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَأَعْظَمُ الصِّلَةِ صِلَةُ الْوَالِدَيْنِ، وَأَتَمُّ الإِحْسَانِ الإِحْسَانُ إِلَى الْأُمِّ.
كَمَا أَنَّهُ تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاوَاتِ، وَتُجَابُ الدَّعَوَاتُ، لِمَنْ كَانَ بَارًّا بِوَالِدَتِهِ، مُحْسِنًا إِلَيْهَا، انْطَبَقَتِ الصَّخْرَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ نَفَرٍ، فَدَعَا كُلٌّ مِنْهُمْ، وَتَوَسَّلَ إِلَى اللَّهِ بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلَهُ، وَمِنْهُمْ رَجُلٌ كَانَ بَارًّا بِوَالِدَيْهِ، فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمُ الصَّخْرَةَ وَنَجَوْا مِنَ الْهَلَاكِ.
وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ: أَنَّهُ كَانَ مُجَابَ الدَّعَاءِ، لِأَنَّهُ كَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِوَالِدَتِهِ.
لِأَجْلِ كُلِّ هَذَا، فَالْبِرُّ بِالأُمِّ مَفْخَرَةُ الرِّجَالِ، وَشِيمَةُ الشُّرَفَاءِ، وَقَبْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ هُوَ خُلُقٌ مِنْ خُلُقِ الأَنْبِيَاءِ، قَالَ تَعَالَى عَنْ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) [مَرْيَمَ: ١٤].
وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) [مَرْيَمَ: ٣٢].
وَالْبِرُّ بِالْأُمِّ يَتَأَكَّدُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ إِذَا تَقَضَّى شَبَابُهَا، وَعَلَا مَشِيبُهَا، وَرَقَّ عَظْمُهَا، وَاحْدَوْدَبَ ظَهْرُهَا، وَارْتَعَشَتْ أَطْرَافُهَا، فِي هَذِهِ الْحَالِ مِنَ الْعُمْرِ لَا تَنْتَظِرُ صَاحِبَةُ الْمَعْرُوفِ وَالْجَمِيلِ مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا قَلْبًا رَحِيمًا، وَلِسَانًا رَقِيقًا، وَيَدًا حَانِيَةً.
فَطُوبَى لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَى أُمِّهِ فِي كِبَرِهَا، طُوبَى لِمَنْ سَعَى فِي رِضَاهَا، فَلَمْ تَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَهِيَ عَنْهُ رَاضِيَةٌ.
فَيَا أَيُّهَا الأَبْنَاءُ الْكِرَامُ تَمَثَّلُوا قَوْلَ الْمَوْلَى جَلَّ جَلَالُهُ: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) [الإِسْرَاءِ: ٢٤]، تَخَلَّقُوا بِالذُّلِّ بَيْنَ يَدَيْهَا بِأَقْوَالِكُمْ وَفِعْلِكُمْ.
وَيَا مَنْ قَضَتْ أُمُّهُ نَحْبَهَا، وَانْتَقَلَتْ إِلَى جِوَارِ رَبِّهَا، أَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهَا، وَجَدِّدْ بِرَّكَ بِهَا بِكَثْرَةِ الصَّدَقَةِ عَنْهَا، وَصِلَةِ أَقَارِبِكَ مِنْ جِهَتِهَا، وَصَلَاحُكَ فِي نَفْسِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْبِرِّ الَّذِي تُقَدِّمُهُ لِوَالِدَيْكَ بَعْدَ رَحِيلِهِمَا. جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا. أَبُو دَاوُدَ.
وَفِي التَّنْزِيلِ الْحَكِيمِ: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) [لُقْمَانَ: ١٤].
وَكَمْ يَأْسَى الْمَرْءُ فِي هَذَا الْعَصْرِ وَهُوَ يَسْمَعُ عَنْ صُوَرٍ مِنْ صُوَرِ الْعُقُوقِ، يَنْدَى لِذِكْرِهَا الْجَبِينُ، وَتَنْفَطِرُ لِبَشَاعَتِهَا الْقُلُوبُ، قَطِيعَةٌ وَبَذَاءَةٌ وَتَطَاوُلٌ بِاللِّسَانِ وَرُبَّمَا بِالْيَدِ، تَأَفُّفٌ وَتَضَجُّرٌ، وَإِظْهَارٌ لِلسَّخَطِ وَعَدَمِ الرِّضَا، حَتَّى غَدَتْ مَنْزِلَةُ الزَّوْجَةِ وَرِضَاهَا عِنْدَ الْبَعْضِ مُقَدَّمَةً عَلَى رِضَا أُمَّهَاتِهِمْ وَآبَائِهِمْ، وَلَرُبَّمَا أَبْكَى أُمَّهُ فِي سَبِيلِ أَنْ يُرْقِئَ دَمْعَةَ ابْنِهِ.
وَالْمُصِيبَةُ تَعْظُمُ حِينَ تَكُونُ مِنِ ابْنٍ أَرَاهُ اللَّهُ نَسْلَهُ، وَيُوشِكُ إِنْ لَمْ يَتُبْ أَنْ يَرَى ذَلِكَ الْعُقُوقَ فِي بَنِيهِ، فَالْبِرُّ دَيْنٌ وَالْعُقُوقُ كَذَلِكَ. فَفِي الْحَدِيثِ: مَا ذَنْبٌ أَحْرَى أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَالْبَغْيِ. أَبُو دَاوُدَ.
ثُمَّ أَنْتَ أَيُّهَا الْعَاقُّ: كَيْفَ تَرْجُو تَوْفِيقًا وَقَبُولًا، وَاللَّهُ قَدْ أَعْرَضَ عَنِ الْعَاقِّ، وَالْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ثَلَاثٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ وَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ الْمُتَشَبِّهَةُ بِالرِّجَالِ، وَالدَّيُّوثُ، وَثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ بِوَالِدَيْهِ، وَالْمُدْمِنُ الْخَمْرَ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى. النَّسَائِيُّ.
تَمَثَّلْ أَيُّهَا الْعَاقُّ لَيْلَةً تُصْبِحُهَا بِلَا أُمٍّ، تَذَكَّرْ سَاعَةً تَدْخُلُ فِيهَا الْمَنْزِلَ فَلَا تَسْمَعُ صَوْتَهَا وَلَا تُبْصِرُ رَسْمَهَا، تَذَكَّرْ يَوْمًا تَحْثُو فِيهِ التُّرَابَ عَلَى قَبْرِهَا، وَقْتَهَا سَتَعْرِفُ قَدْرَ أُمِّكَ، وَسَتَعْرِفُ أَيَّ أَمْرٍ فَقَدْتَ، وَأَيَّ بَابٍ أُوصِدَ عَنْكَ، وَأَيَّ خَيْرٍ حُرِمْتَ.
أَلَا فَعُدِ الْيَوْمَ وَأَرْضِ أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَاسْتَدْرِكْ مَا بَقِيَ، وَأَصْلِحْ مَا فَاتَ، وَعَاهِدْ نَفْسَكَ الْآنَ عَلَى الْبِرِّ وَالإِحْسَانِ مَا دَامَ فِي الْعُمْرِ إِمْكَانٌ.
مَكَانَةُ الأَبِ فِي الإِسْلَامِ
رُوِيَ أَنَّ وَلَدًا كَانَ صَالِحًا وَبَارًّا بِأَبِيهِ، وَكَانَ يَبْذُلُ جُهْدَهُ لِيَنَالَ رِضَا اللَّهِ، وَيَكْتَسِبَ مَحَبَّةَ وَالِدِهِ. وَفِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ أَعْجَبَهُ بِرُّهُ بِوَالِدِهِ، وَاغْتَرَّ بِكَثْرَةِ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ، وَجَمِيلِ فَضْلِهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ لأَبِيهِ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَصْنَعَ بِكَ مِنَ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ أَضْعَافَ مَا فَعَلْتَهُ بِي فِي صِغَرِي مِنَ الْجَمِيلِ وَالإِحْسَانِ، وَوَاللَّهِ لَا تَطْلُبُ شَيْئًا مَهْمَا كَانَ عَسِيرًا إِلَّا يَسَّرْتُهُ لَكَ، أَوْ بَعِيدًا إِلَّا قَرَّبْتُهُ مِنْكَ.
وَكَانَ الْوَالِدُ حَكِيمًا مُجَرَّبًا، فَلَمْ يَشَأْ أَنْ يَصْدِمَ ابْنَهُ فِي مَشَاعِرِهِ أَوْ يَجْرَحَ إِحْسَاسَهُ وَوِجْدَانَهُ.
فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ لَسْتُ أَشْتَهِي شَيْئًا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ إِلَّا رِطْلًا مِنَ التُّفَّاحِ، أَسْرَعَ الابْنُ وَأَحْضَرَ لَهُ أَرْطَالًا مِنَ التُّفَّاحِ، وَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: خُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ أَوْ خُذْهَا كُلَّهَا، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْ تَنَاوُلِهِ أَحْضَرْتُ لَكَ أَضْعَافَ أَضْعَافِهِ، فَأَنَا أَقْدِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ تَطْلُبُهُ.
وَقَالَ الأَبُ: إِنَّ فِي هَذَا الْقَدْرِ مِنَ التُّفَّاحِ كِفَايَةً لِنَفْسِي، وَسَدًّا لِحَاجَتِي، وَلَكِنْ لَا أُرِيدُ أَنْ آكُلَهُ هُنَا، وَلَا تَطِيبُ نَفْسِي إِلَّا بِتَنَاوُلِهِ فَوْقَ قِمَّةِ هَذَا الْجَبَلِ، فَاحْمِلْنِي إِلَيْهِ يَا بُنَيَّ إِنْ كُنْتَ بَارًّا بِي، فَهَشَّ الابْنُ لِمَطْلَبِهِ وَقَالَ: لَكَ هَذَا يَا أَبِي، ثُمَّ وَضَعَ التُّفَّاحَ فِي حِجْرِهِ، وَحَمَلَهُ عَلَى كَتِفِهِ، وَصَعِدَ بِهِ الْجَبَلَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى أَعْلَاهُ، وَأَجْلَسَهُ فِي مَكَانٍ مُرِيحٍ، وَوَضَعَ التُّفَّاحَ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَقَالَ لَهُ: (يَا أَبَتَاهُ خُذْ حَاجَتَكَ مِنْهُ، فَإِنَّ نَفْسِي طَيِّبَةٌ بِذَلِكَ)، فَجَعَلَ الْوَالِدُ يَأْخُذُ التُّفَّاحَ لَا لِيَأْكُلَهُ، وَلَكِنْ لِيَرْمِيَ بِهِ إِلَى أَسْفَلِ الْجَبَلِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ أَمَرَ ابْنَهُ أَنْ يَنْزِلَ فَيَجْمَعَهُ لَهُ، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَكُلَّمَا قَذَفَ بِهِ الأَبُ، يُعِيدُهُ الابْنُ، وَفِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ نَفِدَ صَبْرُ الْوَلَدِ، وَضَاقَ صَدْرُهُ، وَأَخَذَ يُغَمْغِمُ مُغْتَاظًا، فَفَطِنَ الأَبُ إِلَى الْغَضَبِ فِي وَجْهِهِ، فَرَوَّحَ عَنْ نَفْسِهِ، وَرَبَّتَ عَلَى كَتِفِهِ، وَقَالَ لَهُ: (لَا تَغْضَبْ يَا بُنَيَّ، فَفِي نَفْسِ هَذَا الْمَكَانِ وَمِنْ فَوْقِ هَذَا الْجَبَلِ كُنْتُ تَرْمِي بِكُرَتِكَ، فَأَنْزِلُ مُسْرِعًا لِأُعِيدَهَا، مَا أَخَذَنِي الْمَلَلُ، وَلَا أَجْهَدَنِي التَّعَبُ حِرْصًا عَلَى إِرْضَائِكَ وَأَنْتَ صَغِيرٌ).
هَذِهِ الْقِصَّةُ تُبَيِّنُ لَنَا أَنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُقَدِّمَ لِآبَائِنَا مَا قَدَّمُوهُ لَنَا، فَلْنَبَرَّهُمْ، وَنَدْعُوَ لَهُمْ، وَنَسْتَغْفِرَ لَهُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا.
أَحْبَبْتُ أَنْ أُقَدِّمَ بِهَا بَيْنَ يَدَيِ الْمَوْضُوعِ الَّذِي أَتَنَاوَلُهُ عَنْ مَكَانَةِ الأَبِ فِي الإِسْلَامِ..
مَا الأُبُوَّةُ؟
الأُبُوَّةُ هِيَ شُعُورٌ لَدَى الْفَرْدِ، وَالطِّفْلُ هُوَ كَالْغِذَاءِ الرُّوحِيِّ لِوَالِدِهِ، حَيْثُ يُدْرِكُ الشَّخْصُ الَّذِي أَصْبَحَ لِتَوِّهِ أَبًا بِأَنَّهُ أَصْبَحَ الآنَ ذُو مَكَانَةٍ خَاصَّةٍ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُهَا مِنْ قَبْلُ، وَلَا يَمْلِكُهَا الْعُزَّابُ أَيْضًا، وَلَا يَقِلُّ دَوْرُ الأَبِ عَنْ دَوْرِ الأُمِّ بَلْ قَدْ يَفُوقُهُ أَحْيَانًا، وَلِوَقَارِ الأَبِ وَهَيْبَتِهِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ دَوْرٌ بَنَّاءٌ فِي الْحَيَاةِ، وَيَحْسِبُ لَهُ الطِّفْلُ أَلْفَ حِسَابٍ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ كَذَلِكَ، فَهُوَ الَّذِي يُوَجِّهُ أَطْفَالَهُ، وَيُنَظِّمُ حَيَاتَهُمْ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَمِنْ خِلَالِ تَرْبِيَتِهِ الصَّالِحَةِ يَتَمَكَّنُ الأَوْلَادُ مِنَ الِاعْتِمَادِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَاتِّخَاذِ الْمَوَاقِفِ الْمُنَاسِبَةِ حِيَالَ الْحَوَادِثِ الْمُخْتَلِفَةِ فِيمَا لَوْ عَمِلَ الأَبُ بِمَسْؤُولِيَّتِهِ وَنَجَحَ فِيهَا.
إِنَّ مُمَارَسَةَ الأُبُوَّةِ وَالْقِيَامَ بِالْوَظَائِفِ الإِسْلَامِيَّةِ فِي هَذَا الْمَجَالِ تُعْتَبَرُ عَمَلِيَّةً مُعَقَّدَةً جِدًّا، وَمِنْ دَوَاعِي الْفَخْرِ أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ وَاعِيًا لِمَسْؤُولِيَّتِهِ بِهَذَا الْخُصُوصِ، فَالأُبُوَّةُ تَعْنِي أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ أَمِينًا لِخَالِقِهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَكْشِفَ عَنْ مَهَارَتِهِ وَكَفَاءَتِهِ فِي أَدَاءِ هَذِهِ الْوَظِيفَةِ طِبْقًا لِأَوَامِرِ اللَّهِ وَتَعَالِيمِهِ جَلَّ وَعَلَا.
مَكَانَةُ الأَبِ فِي الإِسْلَامِ:
لِلأَبِ مَكَانَةٌ مُهِمَّةٌ فِي الإِسْلَامِ، وَلَهُ مَقَامٌ شَامِخٌ وَمَنْزِلَةٌ كَبِيرَةٌ، وَالأَبُ كَلِمَةٌ عَامَّةٌ يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ مِنْهَا أَنَّهَا تَعْنِي الإِشْرَافَ وَالِاحْتِرَامَ وَالْهَيْبَةَ وَالْوَقَارَ وَالْمَرْتَبَةَ الرَّفِيعَةَ، وَتَعْنِي أَنَّ لَهُ كَلِمَةَ الْفَصْلِ وَبِيَدِهِ فَقَطِ الْقَرَارُ النِّهَائِيُّ، وَتَنْطَبِقُ هَذِهِ الْمَفَاهِيمُ وَالصِّفَاتُ عَلَى قَائِدِ الأُمَّةِ وَالشَّعْبِ أَيْضًا، وَيُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ بِالأَبِ.
إِنَّهَا لَمَنْزِلَةٌ عَظِيمَةٌ أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ أَمِينًا لِخَالِقِهِ، وَيَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يُرَبِّيَ وَلَدَهُ وَيُوَجِّهَهُ؛ لِأَنَّهُ هِبَةُ الْخَالِقِ وَوَدِيعَتُهُ، وَيَا لَهُ مِنْ مَقَامٍ عَظِيمٍ أَنْ يَكُونَ الأَبُ رَبَّ أُسْرَتِهِ، فَيَخْضَعُ لَهُ أَفْرَادُ الأُسْرَةِ فِي الرَّأْيِ، وَيُهَيِّئُ لَهُمْ رِزْقَهُمْ.
كَمَا لَهُ دَوْرٌ مُهِمٌّ أَيْضًا فِي تَحْدِيدِ مَصِيرِ الْمُجْتَمَعِ مِنْ خِلَالِ تَرْبِيَتِهِ لِوَلَدِهِ الَّذِي سَيَكُونُ إِمَّا قَائِدًا أَوْ مَقُودًا صَالِحًا، فَالْخَيْرُ وَالصَّلَاحُ الَّذِي يُصِيبُ الْمُجْتَمَعَ إِنَّمَا يَكْشِفُ عَنِ الْجُهُودِ الْخَيِّرَةِ الَّتِي يَبْذُلُهَا الآبَاءُ لِتَرْبِيَةِ أَوْلَادِهِمْ، فَتَنْشَأُ الأَجْيَالُ الصَّالِحَةُ.
الإِسْلَامُ وَاحْتِرَامُ الأَبِ:
ذَكَرَ الإِسْلَامُ مَنْزِلَةً عَظِيمَةً وَاحْتِرَامًا خَاصًّا لِأُولَئِكَ الآبَاءِ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ مَسْؤُولِيَّاتِهِمُ الإِسْلَامِيَّةَ فِي مَجَالِ تَرْبِيَةِ أَبْنَاءٍ صَالِحِينَ، وَنَظَرًا لِأَهَمِّيَّةِ هَذَا الأَمْرِ فَقَدْ ذُكِرَتِ الآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ طَاعَةَ الْوَالِدَيْنِ بَعْدَ طَاعَةِ الْخَالِقِ، قَالَ تَعَالَى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).
وَذَكَرَ الْعُلَمَاءُ جُمْلَةً مِنَ الآدَابِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الآبَاءِ فَقَالُوا:
لَا بُدَّ مِنْ طَاعَةِ الأَبِ فِي قَرَارَاتِهِ، وَلَا يُمْكِنُ مُعَارَضَتُهُ وَالْعَمَلُ بِدُونِ مُوَافَقَتِهِ إِلَّا فِي الْمُوجِبَاتِ الدِّينِيَّةِ.
لَا يَحِقُّ لِلْوَلَدِ إِهَانَةُ وَالِدِهِ أَبَدًا، وَلَا أَنْ يَقُولَ لَهُ حَتَّى كَلِمَةَ «أُفٍّ».
عَلَى الْوَلَدِ أَنْ يَخْفِضَ لِوَالِدَيْهِ جَنَاحَ الرَّحْمَةِ.
عَلَى الْوَلَدِ أَنْ يَدْعُوَ بِالْخَيْرِ لِوَالِدَيْهِ، وَيَطْلُبَ لَهُمَا الرَّحْمَةَ.
لَا يَحِقُّ لِلْوَلَدِ أَنْ يَقُومَ بِالْمُسْتَحَبَّاتِ فِيمَا لَوْ مَنَعَهُ وَالِدُهُ الْمُؤْمِنُ مِنْ ذَلِكَ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ.
لِلأَبِ حَقُّ الأَوْلَوِيَّةِ فِي تَعْيِينِ مَصِيرِ وَلَدِهِ وَتَوْجِيهِهِ نَحْوَ الْخَيْرِ وَالصَّالِحِ الْعَامِّ.
لَا يَشُمُّ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ.
حُرْمَةُ الأَبِ كَحُرْمَةِ الْخَالِقِ جَلَّ وَعَلَا، فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِهَانَةُ بِكَرَامَتِهِ أَبَدًا.
إِضَافَةً لِمَا تَقَدَّمَ لِلأَبِ حَقُّ الإِحْسَانِ إِلَيْهِ وَطَاعَتِهِ، وَاللُّطْفِ مَعَهُ، وَالْحَنَانِ عَلَيْهِ، وَتَحْقِيقِ كُلِّ مَا يَتَمَنَّاهُ، وَوُدِّ الصُّحْبَةِ وَالْعِشْرَةِ، وَمُرَافَقَتِهِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.
فَحَقٌّ لَهُ الأَدَبُ فِي الْحَدِيثِ مَعَهُ، وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ، وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ فِي حَالَةِ الِاحْتِيَاجِ، وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ} (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي صَحِيحِ الْجَامِعِ)، فَلِوَالِدِكَ عَلَيْكَ حَقُّ النَّفَقَةِ وَالرِّعَايَةِ عِنْدَ الْكِبَرِ وَالشَّيْخُوخَةِ، رِفْقًا وَإِحْسَانًا وَاحْتِرَامًا وَوُدًّا وَرَحْمَةً بِهِ يَرْحَمْكَ اللَّهُ فِي الْكِبَرِ.
نَمَاذِجُ مِنْ بِرِّ الأَبْنَاءِ لِآبَائِهِمْ:
وَفِيمَا يَلِي نَمَاذِجُ حَيَّةٌ مِنْ بِرِّ الأَبْنَاءِ لِلآبَاءِ نَرَى فِيهَا ضَآلَةَ حَجْمِ أَعْمَالِنَا بِجِوَارِ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ قُلُوبٍ أَخْلَصَتْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ… نَذْكُرُهَا وَنَضَعُهَا بَيْنَ يَدَيْكَ تَذْكِرَةً… فَالذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى أَنْ نَقْتَدِيَ بِهَا:
رُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ زَيْدٍ: كَيْفَ بِرُّ ابْنُكَ بِكَ؟ قَالَ: مَا مَشَيْتُ نَهَارًا قَطُّ إِلَّا وَهُوَ خَلْفِي، وَلَا لَيْلًا إِلَّا مَشَى أَمَامِي، وَلَا رَقِيتُ سَطْحًا وَأَنَا تَحْتَهُ.
وَيُحْكَى أَنَّهُ كَانَ رَجُلٌ لَهُ أَرْبَعَةُ بَنِينَ فَمَرِضَ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنْ تُمَرِّضُوهُ، وَلَيْسَ لَكُمْ مِنْ مِيرَاثِهِ شَيْءٌ، وَأَمَّا أَنْ أُمَرِّضَهُ وَلَيْسَ لِي مِنْ مِيرَاثِهِ شَيْءٌ، قَالُوا: بَلْ تُمَرِّضُهُ وَلَيْسَ لَكَ مِنْ مِيرَاثِهِ شَيْءٌ، فَمَرَّضَهُ حَتَّى مَاتَ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ مِيرَاثِهِ شَيْئًا…
…هَذِهِ نَمَاذِجُ حَيَّةٌ عَنْ بِرِّ الأَبْنَاءِ بِالآبَاءِ، وَلِتَعْلَمَ أَنَّهُ مَهْمَا أَعْطَيْتَ وَقَدَّمْتَ وَأَنْفَقْتَ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ أَنْ تُوَفِّيَ حَقَّ أَبِيكَ وَأَنْ تُؤَدِّيَ شُكْرَهُ، وَبِالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ فِي هَذِهِ السِّنِّ الْكَبِيرَةِ سِنِّ الشَّيْخُوخَةِ يَرْضَى وَيَسْعَدُ بِلَمَسَاتِكَ الرَّقِيقَةِ الْمُمْتَزِجَةِ بِالْحُبِّ وَالْحَنَانِ وَاللُّطْفِ وَالْوُدِّ وَالرَّحْمَةِ، وَتَكْسِبُ دَعْوَتَهُ لَكَ، وَتَنَالُ رِضَا اللَّهِ لِرِضَاهُ عَلَيْكَ، وَتَفُوزُ بِمَكَانٍ فِي الْجَنَّةِ.
_______________________________
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة القادمة
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات
للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة
للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف













