خطبة الجمعة بعنوان : آياتُ اللهِ في بدرَ ، للدكتور خالد بدير
خطبة الجمعة بعنوان : آياتُ اللهِ في بدرَ ، للدكتور خالد بدير ، بتاريخ 16 رمضان 1447هـ ، الموافق 6 مارس 2026م.
تحميل خطبة الجمعة القادمة 6 مارس 2026م ، للدكتور خالد بدير بعنوان : آياتُ اللهِ في بدرَ:
لتحميل خطبة الجمعة القادمة 6 مارس 2026م ، للدكتور خالد بدير بعنوان : آياتُ اللهِ في بدرَ، بصيغة word أضغط هنا.
ولتحميل خطبة الجمعة القادمة 6 مارس 2026م ، للدكتور خالد بدير بعنوان : آياتُ اللهِ في بدرَ، بصيغة pdf أضغط هنا.
عناصر خطبة الجمعة القادمة 6 مارس 2026م ، للدكتور خالد بدير ، بعنوان : آياتُ اللهِ في بدرَ: كما يلي:
أولًا: آياتُ الطمأنينةِ في غزوةِ بدرٍ الكبرى.
ثانيًا: مشاركةُ الملائكةِ في غزوةِ بدرٍ الكبرى.
ثالثًا: الاجتهادُ في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ.
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 6 مارس 2026م ، للدكتور خالد بدير : آياتُ اللهِ في بدرَ : كما يلي:
خُطبةٌ بعنوانُ: آياتُ اللهِ في بدرَ
16 رمضانَ 1447هـ – 6 مارسَ 2026م
المـــوضــــــــــوعُ
الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ ﷺ. أمَّا بعدُ:
أولًا: آياتُ الطمأنينةِ في غزوةِ بدرٍ الكبرى.
نحنُ نعيشُ في هذهِ الأيامِ المباركةِ ذكرى عزيزةً علينا، ألا وهي ذكرى غزوةِ بدرٍ الكبرى، والتي كانتْ في السابعَ عشرَ من رمضانَ من العامِ الثاني للهجرةِ، وكانَ جيشُ المسلمينَ ثُلثَ جيشِ المشركينَ، ولمَّا أحسَّ المسلمونَ بالخوفِ من كثرةِ عددِ المشركينَ جاءتْ آياتُ اللهِ تترى مطمئنةً المسلمينَ، ومن أهمِّ هذهِ الآياتِ: النعاسُ والمطرُ.
قالَ تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ} [الأنفالِ: 11].
قالَ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ: يذكرُهم اللهُ تعالى بما أنعمَ بهِ عليهم من إلقائِهِ النعاسَ عليهم أمانًا، أمَّنهم بهِ من خوفِهم الذي حصلَ لهم من كثرةِ عدوِّهم وقلةِ عددِهم، وكذلكَ فعلَ تعالى بهم يومَ أُحدٍ كما قالَ تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} [آلِ عمرانَ: 154].
وعن عروةَ بنِ الزبيرِ قالَ: بعثَ اللهُ السماءَ وكانَ الوادي دهسًا، فأصابَ رسولَ اللهِ ﷺ وأصحابَهُ ما لبَّدَ لهم الأرضَ ولم يمنعهم من المسيرِ، وأصابَ قريشًا ما لم يقدروا على أن يرحلوا معهُ. وقالَ مجاهدٌ: أنزلَ اللهُ عليهم المطرَ قبلَ النعاسِ، فأطفأَ بالمطرِ الغبارَ، وتلبَّدتْ بهِ الأرضُ، وطابتْ نفوسُهم، وثبتتْ بهِ أقدامُهم (تفسيرُ ابنِ كثيرٍ).
ويقولُ الإمامُ السيوطيُّ: كانَ نزولُ المطرِ سببًا في إذهابِ وسوسةِ الشيطانِ الذي أرادَ بهِ تثبيطَ المؤمنينَ عن القتالِ بعدَ احتلامِهم بالليلِ حيثُ كانوا يُصلُّونَ جُنُبًا، فحينَ نزولِ المطرِ وجدوا الماءَ الذي اغتسلوا بهِ من الجنابةِ، وأذهبَ اللهُ بذلكَ رجزَ الشيطانِ (الدرُّ المنثورُ).
فذكرَ سبحانهُ وتعالى أنَّهُ أنزلَ المطرَ على المؤمنينَ لأربعةِ أسبابٍ: للتطهيرِ من الحدثِ، ولإذهابِ وسوسةِ الشيطانِ، ولتثبيتِ القلوبِ، ولتلبيدِ الأرضِ الرمليةِ في بدرٍ لتثبتَ عليها أقدامُ المؤمنينَ في سيرِهم.
ولقد أثبتَ العلمُ الحديثُ أنَّ عضلاتِ القلبِ عبارةٌ عن أليافٍ عضليةٍ في شكلِ خيوطٍ طوليةٍ وعرضيةٍ تلفُّ القلبَ، فإذا أُفرزتْ مادةُ «الأدرينالينِ» عملتْ على ارتخاءِ عضلاتِ القلبِ، وبالتالي ترتخي تلكَ الأليافُ والحبالُ العضليةُ، كما تعملُ على ارتعاشِ الأطرافِ، وقد وُجدَ أنَّ من أسرعِ الوسائلِ لتخفيضِ مادةِ «الأدرينالينِ» أن يُرشَّ الجسمُ بالماءِ، فيربطُ على القلبِ بتلكَ الحبالِ العضليةِ بانقباضِ العضلاتِ، ويزولُ الارتخاءُ، كما تثبتُ الأقدامُ من ارتعاشِها، وصدقَ اللهُ القائلُ: {وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفالِ: 11].
ومن آياتِ اللهِ في هذهِ المعركةِ أن جعلَ كلَّ فريقٍ يرى عددَ الفريقِ الآخرِ قليلًا، وذلكَ لحكمةٍ أرادَها اللهُ تعالى، وهي أن تتمَّ هذهِ المعركةُ وينتصرَ الحقُّ على الباطلِ، قالَ تعالى: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [الأنفالِ: 44].
قالَ عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما: لمَّا دنا القومُ بعضُهم من بعضٍ قلَّلَ اللهُ المسلمينَ في أعينِ المشركينَ، وقلَّلَ المشركينَ في أعينِ المسلمينَ.
وقالَ الزمخشريُّ: «وإنما قلَّلهم في أعينِهم تصديقًا لرؤيةِ رسولِ اللهِ ﷺ، وليعاينوا ما أخبرهم بهِ فيزدادَ يقينُهم ويجدُّوا ويثبتوا». قالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: لقد قلَّلوا في أعينِنا حتى قلتُ لرجلٍ إلى جنبي: أتراهم سبعينَ؟ قالَ: أراهم مائةً، فأسرنا رجلًا منهم فقلنا لهُ: كم كنتم؟ قالَ: ألفًا (الكشافُ).
وهكذا كانتْ هذهِ الآياتُ طمأنينةً وتثبيتًا لقلوبِ المسلمينَ في غزوةِ بدرٍ الكبرى.
ثانيًا: مشاركةُ الملائكةِ في غزوةِ بدرٍ الكبرى.
لمَّا رأى رسولُ اللهِ ﷺ كثرةَ عددِ المشركينَ تضرَّعَ إلى اللهِ تعالى، فأمدَّهُ اللهُ تعالى بمددٍ من الملائكةِ.
فعن عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: لمَّا كانَ يومُ بدرٍ نظرَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى المشركينَ وهم ألفٌ، وأصحابُهُ ثلاثمائةٌ وتسعةَ عشرَ رجلًا، فاستقبلَ نبيُّ اللهِ ﷺ القبلةَ، ثم مدَّ يدَيْهِ، فجعلَ يهتفُ بربِّهِ: «اللهمَّ أنجزْ لي ما وعدتَني، اللهمَّ آتِ ما وعدتَني، اللهمَّ إن تُهلكْ هذهِ العصابةَ من أهلِ الإسلامِ لا تُعبدْ في الأرضِ»، فما زالَ يهتفُ بربِّهِ، مادًّا يدَيْهِ، مستقبِلَ القبلةِ، حتى سقطَ رداؤُهُ عن منكبيْهِ، فأتاهُ أبو بكرٍ فأخذَ رداءَهُ فألقاهُ على منكبيْهِ، ثم التزمهُ من ورائِهِ، وقالَ: يا نبيَّ اللهِ، كفاكَ مناشدتُكَ ربَّكَ، فإنَّهُ سينجزُ لكَ ما وعدكَ، فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفالِ: 9]، فأمدَّهُ اللهُ بالملائكةِ.
قالَ أبو زُمَيْلٍ: فحدَّثني ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: بينما رجلٌ من المسلمينَ يومئذٍ يشتدُّ في أثرِ رجلٍ من المشركينَ أمامَهُ، إذ سمعَ ضربةً بالسوطِ فوقَهُ وصوتَ الفارسِ يقولُ: أقدمْ حيزومُ، فنظرَ إلى المشركِ أمامَهُ فخرَّ مستلقيًا، فنظرَ إليهِ فإذا هو قد خُطمَ أنفُهُ، وشُقَّ وجهُهُ كضربةِ السوطِ، فاخضرَّ ذلكَ أجمعُ، فجاءَ الأنصاريُّ فحدَّثَ بذلكَ رسولَ اللهِ ﷺ، فقالَ: «صدقتَ، ذلكَ من مددِ السماءِ الثالثةِ»، فقتلوا يومئذٍ سبعينَ (مسلمٌ).
وفي هذهِ اللحظةِ جاءَ الشيطانُ في صفوفِ المشركينَ مشاركًا لهم، فلمَّا رأى جبريلَ ومعهُ الملائكةُ فرَّ هاربًا مدحورًا.
فعن طلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ بنِ كريزٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ما رُئيَ الشيطانُ يومًا هو فيهِ أصغرُ ولا أدحرُ ولا أحقرُ ولا أغيظُ منهُ في يومِ عرفةَ، وما ذاكَ إلا لما رأى من تنزُّلِ الرحمةِ وتجاوزِ اللهِ عن الذنوبِ العظامِ؛ إلا ما أُريَ يومَ بدرٍ»، قيلَ: وما رأى يومَ بدرٍ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: «أما إنَّهُ قد رأى جبريلَ يزعُ الملائكةَ» (مالكٌ والبيهقيُّ).
ففي يومِ بدرٍ جاءَ الشيطانُ في صورةِ رجلٍ يُحفِّزُ المشركينَ على قتالِ المسلمينَ، وفجأةً رأى جبريلَ عليهِ السلامُ ومعهُ جيشٌ من الملائكةِ، فولَّى الشيطانُ ورجعَ القهقرى ونكصَ على عقبيْهِ لما رأى جبريلَ ومن معهُ.
فعن ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: جاءَ إبليسُ يومَ بدرٍ في جندٍ من الشياطينِ معهُ رايتُهُ في صورةِ رجلٍ من بني مدلجٍ، والشيطانُ في صورةِ سراقةَ بنِ مالكِ بنِ جعشمٍ، فقالَ الشيطانُ للمشركينَ: {لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ}، فلما اصطفَّ الناسُ أخذَ رسولُ اللهِ ﷺ قبضةً من الترابِ فرمى بها في وجوهِ المشركينَ فولَّوا مدبرينَ، وأقبلَ جبريلُ عليهِ السلامُ إلى إبليسَ، فلما رآهُ – وكانتْ يدُهُ في يدِ رجلٍ من المشركينَ – انتزعَ يدَهُ ثم ولَّى مدبرًا هو وشيعتُهُ، فقالَ الرجلُ: يا سراقةُ، أتزعمُ أنَّكَ لنا جارٌ؟ فقالَ: {إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، وذلكَ حينَ رأى الملائكةَ (تفسيرُ ابنِ كثيرٍ).
وفي ذلكَ نزلَ قولُهُ تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفالِ: 48].
ولقد حرصَ رسولُ اللهِ ﷺ على رفعِ الروحِ المعنويةِ للجنودِ، وهذا – أيضًا – مبدأٌ أصيلٌ في الإسلامِ، ولنا الأسوةُ الحسنةُ في نبيِّنا ﷺ، فقد حرصَ في قيادتِهِ لجندِهِ أن يرفعَ الروحَ المعنويةَ لديهم وأن يُبقيَها كذلكَ، وفي جميعِ غزواتِهِ كانَ يبعثُ فيهم الأملَ والتفاؤلَ والغدَ المشرقَ.
ففي غزوةِ بدرٍ يبعثُ فيهم روحَ النصرِ والأملِ بقولهِ: «قوموا إلى جنةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ». وقولهِ: «سيروا وأبشروا، فإنَّ اللهَ تعالى قد وعدني إحدى الطائفتينِ، واللهِ لكأني الآن أنظرُ إلى مصارعِ القومِ»، ثم قالَ: «هذا مصرعُ فلانٍ غدًا إن شاءَ اللهُ» – ووضعَ يدَهُ بالأرضِ – «وهذا مصرعُ فلانٍ غدًا إن شاءَ اللهُ، وهذا مصرعُ فلانٍ غدًا إن شاءَ اللهُ». قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: فوالذي بعثَهُ بالحقِّ ما أخطؤوا الحدودَ التي حدَّها رسولُ اللهِ ﷺ (سبلُ الهدى والرشادِ). وحين رأى رسولُ اللهِ ﷺ جندَ قريشٍ قالَ: «اللهمَّ هذهِ قريشٌ قد أقبلتْ بخيلائِها وفخرِها، تحادُّكَ وتكذِّبُ رسولَكَ، اللهمَّ فنصرَكَ الذي وعدتَني، اللهمَّ أحنِهم الغداةَ» (سيرةُ ابنِ هشامٍ)، فكانَ النصرُ حليفَ المسلمينَ.
وهكذا حظيتْ غزوةُ بدرٍ الكبرى بالتأييدِ والنصرِ من اللهِ تعالى: {وما النصرُ إلا من عندِ اللهِ العزيزِ الحكيمِ} [آل عمرانَ: 126]، وقالَ سبحانهُ: {فلم تقتلوهم ولكنَّ اللهَ قتلهم وما رميتَ إذ رميتَ ولكنَّ اللهَ رمى وليبليَ المؤمنينَ منهُ بلاءً حسنًا إنَّ اللهَ سميعٌ عليمٌ} [الأنفالِ: 17].
ثالثًا: الاجتهادُ في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ.
عباد الله: لا يفوتُنا في هذا المقامِ أن أذكِّرَ نفسي أولًا قبلَكم بفضلِ العشرِ الأواخرِ من رمضانَ؛ فللعشرِ الأواخرِ من رمضانَ فضلٌ عظيمٌ عندَ اللهِ تعالى، وقد ذكرَها اللهُ في قولِهِ: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} (الفجرِ: 1–2)، وقد ذهبَ بعضُ المفسرينَ إلى أنَّها العشرُ الأواخرُ من رمضانَ؛ لذلكَ كانَ يجتهدُ فيها النبيُّ ﷺ بالطاعةِ والعبادةِ والقيامِ.
فعن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالتْ: «كانَ ﷺ إذا دخلَ العشرُ أحيا الليلَ، وأيقظَ أهلَهُ، وجدَّ وشدَّ المئزرَ» (متفقٌ عليهِ). قالَ الإمامُ ابنُ حجرٍ: أي سهرَهُ فأحياهُ بالطاعةِ، وأحيا نفسَهُ بسهرِهِ فيهِ؛ لأنَّ النومَ أخو الموتِ، وأضافَهُ إلى الليلِ اتساعًا؛ لأنَّ القائمَ إذا حييَ باليقظةِ أحيا ليلَهُ بحياتِهِ، وهو نحوُ قولِهِ: «لا تجعلوا بيوتَكم قبورًا» أي لا تناموا فتكونوا كالأمواتِ فتكونَ بيوتُكم كالقبورِ (فتحُ الباري).
وشدُّ المئزرِ كنايةٌ عن بلوغِ الغايةِ في اجتهادِهِ ﷺ في العشرِ الأواخرِ؛ يُقالُ: شددتُ لهذا الأمرِ مئزري؛ أي تشمَّرتُ لهُ وتفرَّغتُ، وقيلَ: هو كنايةٌ عن اعتزالِ النساءِ للاشتغالِ بالعباداتِ.
وعن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالتْ: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يجتهدُ في العشرِ الأواخرِ ما لا يجتهدُ في غيرِها» (مسلمٌ). يقولُ الإمامُ النوويُّ: يُستحبُّ أن يُزادَ من الطاعاتِ في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ، واستحبابُ إحياءِ لياليهِ بالعباداتِ.
كما كانَ من هديِهِ ﷺ في هذهِ العشرِ أنَّهُ يتحرَّى ليلةَ القدرِ، وقالَ في ذلكَ: «من كانَ متحرِّيَها فليتحرَّها من العشرِ الأواخرِ» (البخاريُّ). فيا سعادةَ من نالَ بركتَها، وحظيَ بخيرِها. ويُستحبُّ الإكثارُ من الدعاءِ فيها؛ فعن أمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ إن علمتُ أيَّ ليلةٍ ليلةُ القدرِ ما أقولُ فيها؟ قالَ: «قولي: اللهمَّ إنَّكَ عفوٌّ كريمٌ تحبُّ العفوَ فاعفُ عني» (الترمذيُّ وابنُ ماجهَ).
وقد كانَ الرسولُ ﷺ وسلفُنا الصالحُ رضيَ اللهُ عنهم أجمعينَ يُشمِّرونَ عن سواعدِهم عندَ دخولِ العشرِ الأواخرِ من الشهرِ الفضيلِ؛ فقد سارتْ قوافلُ الصالحينَ المقرَّبينَ على طريقِ النبيِّ ﷺ تقفُ عندَ العشرِ وقفةَ جدٍّ وصرامةٍ، تمتصُّ من رحيقِها، وتنهلُ من معينِها، وترتوي من فيضِ عطاءاتِها، وتعملُ فيها ما لا تعملُ في غيرِها.
قالَ أبو عثمانَ النهديُّ: «كانوا يعظِّمونَ ثلاثَ عشراتٍ: العشرَ الأولَ من محرَّمٍ، والعشرَ الأولَ من ذي الحجةِ، والعشرَ الأواخرَ من رمضانَ». ومن شدةِ تعظيمِهم لهذهِ الأيامِ كانوا يتطيَّبونَ لها ويتزيَّنونَ؛ قالَ ابنُ جريرٍ: كانوا يُستحبُّ أن يغتسلوا كلَّ ليلةٍ من ليالي العشرِ الأواخرِ، وكانَ النخعيُّ يغتسلُ كلَّ ليلةٍ.
وهكذا كانَ يفعلُ سلفُكم الصالحُ في هذهِ العشرِ؛ فماذا أنتم فاعلونَ؟!
أيها الإخوة المؤمنون: لقد أطلقتْ وزارةُ الأوقافِ مبادرةَ «صحِّحْ مفاهيمَكَ» تحتَ عنوانِ: «التحذيرُ من تقديمِ المساعداتِ للمحتاجينَ بشكلٍ غيرِ لائقٍ»، ولا سيما ونحنُ في شهرِ الكرمِ والجودِ.
فاحذرْ أن تجرحَ المحتاجينَ والفقراءِ والمساكينَ حينَ تقديمِ يدِ العونِ لهم، وعليكَ بالسترِ عندَ تفريجِ الكروبِ؛ ليكونَ الجزاءُ من جنسِ العملِ، وفي ذلكَ يقولُ ﷺ: «من فرَّجَ عن مسلمٍ كربةً فرَّجَ اللهُ عنهُ كربةً من كرباتِ يومِ القيامةِ، ومن سترَ مسلمًا سترَهُ اللهُ يومَ القيامةِ» (متفقٌ عليهِ).
وعليكَ بتصحيحِ النيةِ قبلَ العطاءِ، واستحضارِ أنَّ الصدقةَ عبادةٌ بينكَ وبينَ اللهِ، لا وسيلةٌ للمدحِ أو الظهورِ.
واحفظِ الخصوصيةَ والكرامةَ؛ لا تُصوِّرِ المحتاجَ، ولا تنشرْ قصتَهُ إلا بإذنِهِ الصريحِ ولضرورةٍ حقيقيةٍ، وقدِّمِ المساعدةَ في مكانٍ يحفظُ ماءَ وجهِهِ بعيدًا عن أنظارِ الناسِ، واستخدمْ كلماتٍ تُشعرُهُ بالاحترامِ: «هذا حقُّكَ»، «أسألُ اللهَ أن يُوسِّعَ عليكَ»، بدلَ عباراتِ المنَّةِ أو الاستعلاءِ، وابتسمْ في وجهِهِ؛ فالبِشرُ صدقةٌ قبلَ أن يكونَ المالُ صدقةً، وفي ذلكَ يقولُ ﷺ: «تبسُّمُكَ في وجهِ أخيكَ صدقةٌ» (الترمذيُّ بسندٍ حسنٍ).
واحرصْ على الصدقةِ السريةِ قدرَ المستطاعِ؛ فهي أبعدُ عن الرياءِ، وأحفظُ للكرامةِ.
نسألُ اللهَ أن يسترَنا في الدنيا والآخرةِ، وأن يرزقَنا ليلةَ القدرِ،
وأن يجعلَنا من عتقاءِ شهرِ رمضانَ، وأن يحفظَ مصرَنا من كلِّ مكروهٍ وسوءٍ.
الدعاء،،،،،،، وأقم الصلاة،،،،، كتبه : خادم الدعوة الإسلامية
د / خالد بدير بدوي
_____________________________________
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة القادمة
وللمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف















