خطبة الجمعة بعنوان : جَرَائِمُ الِابْتِزَازِ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ ، للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب
جَرَائِمُ الِابْتِزَازِ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ ، بتاريخ 8 شوال 1447هـ ، الموافق 27 مارس 2026م
خطبة الجمعة القادمة بعنوان : جَرَائِمُ الِابْتِزَازِ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب ، بتاريخ 8 شوال 1447هـ ، الموافق 27 مارس 2026م.
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 27 مارس 2026م بعنوان : جَرَائِمُ الِابْتِزَازِ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ : كما يلي:
جَرَائِمُ الِابْتِزَازِ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ
الحمدُ للهِ الكريمِ المنَّانِ، أمرَ بالإحسانِ وكتبَهُ على كلِّ شيءٍ، وهل جزاءُ الإحسانِ إلا الإحسانُ؟! وحرَّم أذيَّةَ الخلقِ بلا حقٍّ ولا برهانٍ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ،
أَهَمِّيَّةُ الحَدِيثِ عَنِ الِابْتِزَازِ
أيُّها المسلمونَ، إنَّ الناسَ بمجموعِهِم في سَعَةٍ من أمرِهِم واسترخاءٍ، يستجلبونَهُما من الأُلْفَةِ والتوادِّ والتراحُمِ، ما لم تَسْطُ عليهم أذيَّةٌ مُفْزِعَةٌ، وأيدٍ موجِعَةٌ، تُصيبُ العِرْضَ أو النفسَ أو المالَ بصورةٍ من صورِ الاحتيالِ، وما أكثرَها في هذا الزمانِ بصورٍ متعدِّدةٍ وأشكالٍ متنوِّعةٍ، ومن أخطرِها الِابْتِزَازُ، وهي كلمةٌ باتتْ تتردَّدُ على الأسماعِ كثيرًا، ومصطلحٌ بات يُشكِّلُ خطرًا، وموضوعٌ صار مُؤرِّقًا، لا يكادُ يومٌ يمرُّ إلا وقد طَرَقَتْ هذهِ المفردةُ البشعةُ الآذانَ، فكم كدَّرتْ من خاطرٍ، وآذَتْ من مؤمنٍ أو مؤمنةٍ، وفتحتْ من بابِ شرٍّ، وكم هدمتْ من بيوتٍ، وهتكتْ من أستارٍ، وكثُرَ ضحاياها في خِضَمِّ العالمِ الإِلِكْتِرُونِيِّ ومواقعِ التواصُلِ الاجتماعيِّ التي حوَتْ في جوفِها الغثَّ والسمينَ، والضارَّ والنافعَ.
وعلى الرغمِ ممَّا قدَّمتْهُ التكنولوجيا من تيسيرٍ لكثيرٍ من الوسائلِ والخدماتِ التي طوَّرتْ حياةَ الناسِ تطوُّرًا هائلًا، فإنَّها في الوقتِ نفسِهِ فتحتْ أبوابًا خلفيَّةً فاسدةً جرَّتِ الإنسانَ إلى السوءِ والرذيلةِ، بل ظهرتْ عصاباتٌ تستغلُّ ضعفَ الناسِ وجهلَهُم، وتقومُ بابتزازِهِم في أموالِهِم وأعراضِهِم، من غيرِ دينٍ يردعُ، ولا خلقٍ يمنعُ، وهي أذيَّةٌ أيَّما أذيَّةٍ.
القُرْآنُ وَالسُّنَّةُ يُحَذِّرَانِ مِنْ أَذِيَّةِ المُسْلِمِينَ
أيُّها الإخوةُ المسلمونَ، لقد حذَّرَنا القرآنُ الكريمُ والسُّنَّةُ النبويَّةُ من أذيَّةِ المسلمينَ أيَّما تحذيرٍ، وأنَّ أذيَّةَ المسلمينَ عقوبتُها أليمةٌ، وعاقبتُها وخيمةٌ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]، والأذى يشملُ الإيذاءَ الحسِّيَّ والمعنويَّ.
وقد نهى اللهُ تعالى المؤمنينَ عن أذيَّةِ المسلمِ ولو بالعطيَّةِ إذا أُتْبِعَتْ بالمنِّ والأذى، قالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٢-٢٦٤].
وحذَّرَنا القرآنُ كذلكَ من السخريةِ وسوءِ الظنِّ والتجسُّسِ، وكلُّها من صورِ الأذى المنهيِّ عنهُ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١١-١٢].
وفي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ يُحَذِّرُ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِن أذِيَّةِ المُسْلِمِينَ، فَعَنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما قالَ: صَعِدَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المنبرَ فنادَى بصوتٍ رفيعٍ فقالَ: «يا معشرَ من أسلمَ بلسانِهِ ولم يُفضِ الإيمانُ إلى قلبِهِ، لا تُؤذُوا المسلمينَ، ولا تُعيِّروهُم، ولا تَتَّبِعُوا عوراتِهِم، فإنَّهُ من يتبِعْ عورةَ أخيهِ المسلمِ تَتَبَّعَ اللهُ عورتَهُ، ومن يتبِعِ اللهُ عورتَهُ يفضحْهُ ولو في جوفِ رحلِهِ» (رواهُ الترمذيُّ).
وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ وِعَاءُ خَيْرٍ لِمَنْ أَحْسَنَ اسْتِخْدَامَهَا
أيُّها الإخوةُ المسلمونَ، إنَّ نِعَمَ اللهِ عزَّ وجلَّ على الإنسانِ كثيرةٌ لا تُعَدُّ ولا تُحصى، يقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ومن تلكَ النِّعَمِ العظيمةِ التي حَظِيَ بها الناسُ في زمانِنا وسائلُ التَّواصُلِ الاجتماعيِّ الحديثةُ بأشكالِها وأنواعِها، وهي في الحقيقةِ نعمةٌ لمن أحسنَ استخدامَها من دعاةٍ ومثقفينَ وأناسٍ جادِّينَ، ومن يتابعُ ذلكَ يلحظُ فيها تناولًا راقيًا للفكرِ، وعلاجًا مناسبًا للمشكلاتِ، ومتنفَّسًا رائقًا للهمومِ، وصوتًا مُعبِّرًا عن الحقِّ في بعضِ الأحيانِ، وعرضًا لمآسي الأُمَّةِ وآلامِها شرقًا وغربًا، ويلحظُ فيها وعظًا ونصيحةً وإرشادًا وتذكيرًا بالحقِّ في وقتِهِ، وذكرًا للهِ، وصلاةً وسلامًا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، ونشرَ المحاضراتِ والخطبِ والدروسِ والكتبِ والمقالاتِ العلميَّةِ والدعويَّةِ، والفتوى والدعوةَ، والتواصُلَ مع العلماءِ والدعاةِ، وحلقاتِ القرآنِ الكريمِ عبرَ الواتسابِ، وغيرها من وسائلِ التواصُلِ.
وهي وسيلةٌ دعويَّةٌ فعَّالةٌ، فقد فتحتْ بابًا كبيرًا للتواصُلِ والدعوةِ مع الآخرينَ مسلمينَ أو غيرِ مسلمينَ، باختلافِ لغاتِهِم واختلافِ أجناسِهِم وبلدانِهِم، وأصبحَ لكثيرٍ من الدعاةِ صفحاتُهُم الخاصَّةُ ومواقعُهُم الإِلِكْتِرُونِيَّةُ، وهو انتقالٌ إيجابيٌّ للتواصُلِ العالميِّ مع سائرِ المسلمينَ في ظلِّ الانفتاحِ المعلوماتيِّ، وتتميَّزُ الدعوةُ عن طريقِ شبكاتِ التواصُلِ الاجتماعيِّ بالعالميَّةِ والفوريَّةِ والتحديثِ المستمرِّ، مع كسرِ حاجزِ الوقتِ والمكانِ، والسهولةِ في الاستخدامِ والتواصُلِ، والتوفيرِ في الجهدِ والتكاليفِ.
وفي ظلِّ وسائلِ الاتِّصالِ الحديثةِ يستطيعُ المسلمُ أن يصنعَ معروفًا كثيرًا بعملٍ يسيرٍ، فيبعثُ موعظةً أو نصيحةً عبرَ جوالِهِ أو حاسوبِهِ إلى أصدقائِهِ، فلعلَّ تلكَ الكلماتِ الحسنةِ والمقاطعِ الطيبةِ المؤثرةِ أن تُنقذَ غريقًا، أو توقظَ غافلًا، أو تهديَ ضالًّا، أو تردَّ شريدًا عن اللهِ، وقد حصلَ من ذلكَ خيرٌ كثيرٌ.
فمن لم يستطعْ أن يكونَ داعيًا إلى اللهِ بلسانِهِ أو كتابتِهِ، فلهُ مجالٌ رحبٌ في هذهِ الوسائلِ، فينتقي من الكلامِ الطيبِ لأهلِ العلمِ والدعوةِ الصادقينَ فيرسلهُ للناسِ ليستفيدوا منهُ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «فواللهِ لأنْ يُهدى بك رجلٌ واحدٌ خيرٌ لك من حُمْرِ النَّعَمِ» (متفقٌ عليهِ)، ومن محاسنِها أيضًا أنَّها قرَّبتِ المسافاتِ بين الأقاربِ بعضِهِم بعضًا، ويمكنُ للإنسانِ أن يطمئنَّ على أقاربِهِ والتعرُّفِ على أخبارِهِم على مدارِ اليومِ دونَ أن يُكلِّفَهُ ذلكَ وقتًا ولا جهدًا ولا سفرًا.
ومن خلالِ وسائلِ التواصُلِ الاجتماعيِّ يمكنُ للإنسانِ أن يعملَ جاهدًا على تطويرِ وتحسينِ العديدِ من الأمورِ المختلفةِ التي تُساعِدُهُ على تطويرِ حياتِهِ؛ كاكتسابِ المهاراتِ الجديدةِ، أو اللُّغاتِ المتعدِّدةِ، وكلُّ ذلكَ يكونُ إذا استُخدِمَتِ الاستخدامَ الأمثلَ.
الِابْتِزَازُ جَرِيمَةٌ سَيَدْفَعُ ثَمَنَهَا المُبْتَزُّ
أيُّها الإخوةُ المسلمونَ، ولئن كانتْ وسائلُ التواصُلِ تحملُ بعضَ الخيرِ فيها، فإنَّ هناكَ من استغلَّها استغلالًا سيِّئًا، من واتسَ وتويترَ وسنابَ شاتٍ وفيسبوك وتيك توك وغيرِها ممَّا لا نعرفُهُ أو نتابعُهُ، وقد أسهمتْ بشكلٍ كبيرٍ في إظهارِ سلبيَّاتٍ عندنا، وسرقتْ أوقاتَنا، وكشفتْ عن ضعفٍ في الخُلُقِ والقيمِ، وبيَّنتْ ثقافةً تافهةً يتابعُها كثيرونَ منا بمشاهداتٍ هائلةٍ لتوافهَ، لا يُضيِّعونَ بها أوقاتَهم فحسبُ، بل يتابعونَ ضياعَ أوقاتِ غيرِهم وسخافاتِهم، ومن يُطالعُ المعروضَ بهذهِ الوسائلِ يكتشفُ عاجلًا كيف نُسهمُ بتشويهِ مجتمعاتِنا بنشرِ ذلكَ ومتابعتِهِ.
وعندَ استخدامِها الاستخدامَ غيرَ الصحيحِ أدَّى ذلكَ إلى نتائجَ سلبيَّةٍ وعواقبَ وخيمةٍ، كالعلاقاتِ التي تُعقدُ بينَ الذكورِ والإناثِ خلفَ الشاشاتِ، وفي العالمِ الافتراضيِّ تحوَّلتْ من علاقاتٍ وهميَّةٍ إلى علاقاتٍ واقعيَّةٍ حقيقيَّةٍ بعدَ التواصلِ المستمرِّ والتعارفِ المملِّ عبرَ وسائلِ التواصُلِ الاجتماعيِّ، حيثُ نجحَ الشيطانُ في تحويلِها إلى علاقاتٍ مترجمةٍ على أرضِ الواقعِ.
وبعضُها تتحوَّلُ إلى طريقةٍ للِابْتِزَازِ، يقعُ ضحاياها أناسٌ من شبابٍ أو بناتٍ في أيدي ذئابٍ بشريَّةٍ تستدرجُهم لإرسالِ صورِهم أو الاطلاعِ على أسرارِهم، فيبتزُّونَ ضحاياهم ليصلوا إلى مآربِهم، إمَّا بدفعِ المالِ مقابلَ السترِ، وإمَّا بالفضيحةِ وتشويهِ السمعةِ بالنشرِ، وهذا ما يُسمَّى بالِابْتِزَازِ الإِلِكْتِرُونِيِّ.
وكم من قصصٍ ومآسٍ وعلاقاتٍ وصداقاتٍ سيئةٍ كانتْ بدايتُها ونقطةُ انطلاقتِها تعارفًا عبرَ الفيسبوكِ أو التويترِ أو الواتسابِ أو غيرِها، وكثيرٌ من هذهِ العلاقاتِ يتحوَّلُ في النهايةِ إلى تعاسةٍ وجحيمٍ وشقاءٍ، خاصةً إذا حانَ موعدُ الجدِّ وأتى وقتُ الصدقِ، تتفاجأُ في النهايةِ بأنَّ هذا الشخصَ ما هوَ إلا ذئبٌ بشريٌّ هدفُهُ فقط قضاءُ نزوتِهِ وشهوتِهِ مع تلكَ المرأةِ، والتمتُّعُ بحديثِها وصورِها وصوتِها، ثم يبدأُ الِابْتِزَازُ بعدما أرسلتْ لهُ صورةً من صورِها، ويأتيها التهديدُ بأنَّها إنْ لم تفعلْ ما يريدُ فسيقومُ بنشرِ الصورِ لها، وسيعملُ للصورةِ إشارةً لتصلَ إلى جميعِ أهلِها وأقاربِها، وفي بعضِ الأحيانِ إلى فضحِها وتسريبِها في وسائلِ التواصُلِ المختلفةِ.
هذهِ هي صورةُ المُبْتَزِّ، فهو شخصٌ أنانيٌّ يريدُ أن يُحقِّقَ رغباتِهِ الخاصَّةَ دونَ اكتراثٍ بالأضرارِ التي تطولُ ضحيَّتَهُ، يتحوَّلُ إلى ذئبٍ اشتدَّ سُعارُهُ، يُكشِّرُ عن أنيابِ الِابْتِزَازِ ومخالبِ الأنانيَّةِ، إنَّهُ امرؤٌ عديمُ المروءةِ والإنسانيَّةِ، بل إنَّهُ شيطانٌ مريدٌ في جثمانِ إنسانٍ مريضٍ.
والِابْتِزَازُ فعلٌ متعدٍّ، فهو طريقٌ إلى جرائمَ أخرى، ربما بدأتْ بالسَّلْبِ الماليِّ، وانتهتْ بالأذى الجسديِّ أو بانتهاكِ العرضِ، بل ربما توسَّعتْ دائرةُ الِابْتِزَازِ لتشملَ أفرادَ أُسْرَةِ المُبْتَزِّ أو المُبْتَزَّةِ من إخوةٍ وأخواتٍ؛ لأنَّ المُبْتَزَّ يبحثُ من خلالِ الضحيَّةِ عن ضحايا جددٍ.
وأكثرُ ما يُسطَّرُ في قضايا الِابْتِزَازِ ابتزازُ الفتى للفتاةِ، أو الرجلِ للمرأةِ بالوعودِ العاطفيَّةِ والخداعِ الآثمِ، والمُبْتَزُّ وإنْ كان جانيًا صاحبَ خطيئةٍ كبرى، فإنَّ ذلكَ ليس بمعفٍ المُبْتَزَّ أو المُبْتَزَّةَ من المسؤوليَّةِ، حينما رمتْ بثقتِها وعاطفتِها تجاهَ من لم تعرفْهُ، كيف لا وهي التي استسمنتْ ذا ورمٍ، واستوثقتْ ذا قناعٍ؟! ومن لم يُحكِمْ بابَ بيتِهِ تركَهُ عرضةً للصوصِ، وندمَ ساعةَ لا مندمَ.
وما دفعَ المُبْتَزَّ إلى ابتزازِهِ إلا احتقارُهُ للضحيَّةِ واستضعافُهُ إيَّاها، ولو لم يكنْ ذلكَ لما وجدَ ضالَّتَهُ عندَها، وحسبُكم بذلكَ دلالةً على الشرِّ المتأصِّلِ في قلبِ المُبْتَزِّ، ومساومتِهِ على أعراضِ وعوراتِ الآخرينَ وما يخصُّهم، وما فعلَ ما فعلَ إلا لأنَّهُ منزوعُ الشرفِ والمروءةِ، والمرءُ إذا كان ذا شرٍّ فإنَّهُ يحتقرُ الآخرينَ ولا يُبالي بحُرُماتِهِم، كما قالَ المصطفى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في حديثِ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: «بحسبِ امرئٍ من الشرِّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المسلمَ، كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ: دمُهُ ومالُهُ وعِرْضُهُ» (رواهُ مسلمٌ).
أيُّها الإخوةُ المسلمونَ، وسببُ هذا الِابْتِزَازِ ضعفُ الوازعِ الدينيِّ، والثقةُ العمياءُ بالغرباءِ، ودواعي التطفُّلِ والتسليةِ، والجهلُ بالتعاملِ مع الأجهزةِ الحديثةِ، وهذهِ الظاهرةُ الخطيرةُ كم هدمتْ من بيوتٍ، وهتكتْ من أعراضٍ، وسلبتْ من أموالٍ.
إنَّ المُبْتَزَّ ضعيفُ الإيمانِ، معدومُ الضميرِ، عديمُ الحياءِ من اللهِ والناسِ، متدثِّرٌ بالوقاحةِ، فالهوى إمامُهُ، والجهلُ سائقُهُ، والغفلةُ مركبُهُ، يسعى إلى تحصيلِ أغراضِهِ الدنيويَّةِ بكلِّ ما أوتيَ من حيلٍ، وما علمَ هذا المُبْتَزُّ أنَّ القضاءَ سيكونُ من أهلِهِ من زوجتِهِ وبناتِهِ ومن تحتَ رعايتِهِ.
فعلى المسلمِ أن يحذرَ ويحذِّرَ أهلَهُ وأبناءَهُ من الوقوعِ في مثلِ هذهِ الممارساتِ التي تجرُّهُ إلى ما لا تُحمَدُ عقباهُ، وعلى المرءِ ألَّا يستجيبَ لما تدعو إليهِ النفسُ الأمَّارةُ بالسوءِ، ولا يتَّبعَ خطواتِ الشيطانِ التي تجرُّ إلى التهلكةِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٨-١٦٩].
كَيْفَ نُوَاجِهُ الِابْتِزَازَ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ؟
أولًا: الِابْتِزَازُ الإِلِكْتِرُونِيُّ مِن أَكْبَرِ الذُّنُوبِ؛ لأنَّهُ مِن إشاعةِ الفاحشةِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]، فحرَّمَ اللهُ تعالى حبَّ شيوعِ الفاحشةِ، فكيفَ بمن يُشيعُها ويمارسُها؟! وفي حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: «مَن قالَ في مؤمنٍ ما ليسَ فيهِ أسكنَهُ اللهُ رَدْغَةَ الخبالِ حتى يخرجَ ممَّا قالَ» (صحيحُ أبي داودَ)، هذا في كلمةٍ قالَها، فكيفَ بعِرضٍ هتكَهُ؟!
ثانيًا: الوعيُ بأهميَّةِ المشاركةِ الأُسَرِيَّةِ التي تسمحُ لأفرادِ الأُسرةِ بالحديثِ عن المشكلاتِ التي قد يتعرَّضُ لها أفرادُها من بنينَ وبناتٍ دونَ خوفٍ أو انعدامِ ثقةٍ تجعلُهم فريسةً سهلةً للمُبْتَزِّ، ومن ثمَّ يزيدُ الضغطُ عليهم بالتهديدِ لمعرفةِ أهلِهم، لذلكَ لا بدَّ من زيادةِ الروابطِ الأُسَرِيَّةِ، وخلقِ مساحاتٍ للحديثِ والنقاشِ، وكذلكَ القدرةِ على الحديثِ سواءٌ للفتاةِ أو الأولادِ في حالةِ التهديدِ من قبلِ أيِّ شخصٍ.
ثالثًا: يجبُ أن نكونَ حذرينَ في تعاملِنا مع الأشخاصِ الذينَ نتواصَلُ معهم عبرَ هذهِ المنصَّاتِ، ونتجنَّبَ تبادلَ المعلوماتِ الشخصيَّةِ مع الغرباءِ والشخصيَّاتِ المجهولةِ، أو فتحَ روابطَ غيرِ موثوقٍ بها؛ حتى لا يقعَ الإنسانُ تحتَ طائلةِ ابتزازِ قراصنةِ الإنترنتِ ولصوصِ الحساباتِ.
رابعًا: يجبُ علينا تبليغُ الجهاتِ المختصَّةِ عن أيِّ حالاتِ ابتزازٍ نتعرَّضُ لها؛ حتى يتمَّ اتخاذُ الإجراءاتِ اللازمةِ لوقفِ هذهِ الأعمالِ غيرِ القانونيَّةِ، وحمايةِ المجتمعِ من خطرِ هذهِ الجريمةِ.
أ.د. عبد الغني الغريب
_______________________________
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة القادمة
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات
للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة
للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف















