خطبة الجمعة :مَفَاتِيحُ الْقُلُوبِ وَبَلَاغُ الرُّوحِ الدَّعْوَةُ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ الْجُمُعَةُ ١٨ شَعْبَان ١٤٤٧هـ – ٠٦-٠٢-٢٠٢٦م إعداد: الشيخ محمد طلعت القطاوى
خطبة الجمعة :مَفَاتِيحُ الْقُلُوبِ وَبَلَاغُ الرُّوحِ الدَّعْوَةُ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ الْجُمُعَةُ ١٨ شَعْبَان ١٤٤٧هـ - ٠٦-٠٢-٢٠٢٦م إعداد: الشيخ محمد طلعت القطاوى

خطبة الجمعة القادمة 6 فبراير 2026 بعنوان : مَفَاتِيحُ الْقُلُوبِ وَبَلَاغُ الرُّوحِ الدَّعْوَةُ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ الْجُمُعَةُ ١٨ شَعْبَان ١٤٤٧هـ – ٠٦-٠٢-٢٠٢٦م إعداد: الشيخ محمد طلعت القطاوى
عناصر خطبة الجمعة القادمة 6 فبراير 2026م بعنوان : خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ: مَفَاتِيحُ الْقُلُوبِ وَبَلَاغُ الرُّوحِ الدَّعْوَةُ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
الْجُمُعَةُ ١٨ شَعْبَان ١٤٤٧هـ – ٠٦-٠٢-٢٠٢٦م للشيخ محمد طلعت القطاوى .
خطبة الجمعة القادمة 6 فبراير 2026م بعنوان : خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ: مَفَاتِيحُ الْقُلُوبِ وَبَلَاغُ الرُّوحِ الدَّعْوَةُ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
الْجُمُعَةُ ١٨ شَعْبَان ١٤٤٧هـ – ٠٦-٠٢-٢٠٢٦م للشيخ محمد طلعت القطاوى خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ: مَفَاتِيحُ الْقُلُوبِ وَبَلَاغُ الرُّوحِ
(الدَّعْوَةُ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)
الْجُمُعَةُ ١٨ شَعْبَان ١٤٤٧هـ – ٠٦-٠٢-٢٠٢٦م
إعداد: الشيخ محمد طلعت القطاوى
عناصر الخطبة:
الْوَقْفَةُ الْأُولَى: الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ بِالرِّفْقِ
الْوَقْفَةُ الثَّانِيَةُ: مَدْرَسَةُ النُّبُوَّةِ (الرَّحْمَةُ الْمُهْدَاةُ)
الْوَقْفَةُ الثَّالِثَةُ: حِكْمَةُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ
الْوَقْفَةُ الرَّابِعَةُ: بَيْنَ النَّاصِحِ وَالْفَاضِحِ
الْوَقْفَةُ الْخَامِسَةُ: خَطَرُ الْغِلْظَةِ وَالتَّنْفِيرِ
الْوَقْفَةُ السَّادِسَةُ تَطْبِيقَاتٌ مُعَاصِرَةٌ: الدَّعْوَةُ فِي زَمَنِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ
خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ: مَفَاتِيحُ الْقُلُوبِ وَبَلَاغُ الرُّوحِ
(الدَّعْوَةُ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَ الرُّسُلَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ، وَجَعَلَ الدَّعْوَةَ إِلَيْهِ مَفْزَعَ الْبَشَرِ، وَمَنَارًا يُسْتَضَاءُ بِهِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُنْجِي قَائِلَهَا يَوْمَ الدِّينِ، وَتُثَقِّلُ مَوَازِينَ الذَّاكِرِينَ، وَتُقِرُّ بِهَا عُيُونُ الْمُوَحِّدِينَ. سُبْحَانَهُ فَتَحَ أَبْوَابَ الْجِنَانِ لِلطَّائِعِينَ، وَأَغْلَقَ مَنَافِذَ النِّيرَانِ عَنِ التَّائِبِينَ، وَجَعَلَ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ جِسْرًا إِلَى قُلُوبِ الْعَالَمِينَ. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ، وَإِمَامُ الْمُتَّقِينَ، وَخَيْرُ النَّاصِحِينَ، خَيْرُ الْأَنَامِ، وَمِسْكُ الْخِتَامِ، وَبَدْرُ التَّمَامِ، الَّذِي بُعِثَ بِالرَّحْمَةِ لَا بِالِانْتِقَامِ، وَبِالرِّفْقِ لَا بِالِاصْطِدَامِ، صَاحِبُ الْوَجْهِ الْأَنْوَرِ، وَالْجَبِينِ الْأَزْهَرِ، وَالْمَقَامِ الْأَطْهَرِ، الَّذِي دَعَا إِلَى اللَّهِ بِالرِّفْقِ حَتَّى لَانَتِ الْقُلُوبُ الْقَاسِيَةُ، وَهَدَاهُمْ لِلْحِكْمَةِ حَتَّى اسْتَقَامَتِ النُّفُوسُ الْعَاصِيَةُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ، وَصَحَابَتِهِ الْغُرِّ الْمَيَامِينِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْكِرَامِ، مَصَابِيحِ الدُّجَى وَأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ، مَا تَعَاقَبَ النُّورُ وَالظَّلَامُ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ.. فَيَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَيَا طَالِبَ الْهُدَى اسْتَقِمْ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، يَا مَنْ تَرُومُونَ صَلَاحَ الْعِبَادِ، وَتَبْغُونَ نَشْرَ الْخَيْرِ فِي الْبِلَادِ، اعْلَمُوا أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ هِيَ وَظِيفَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَحِرْفَةُ الْأَتْقِيَاءِ، وَسِمَةُ النُّبَلَاءِ. لَيْسَتِ الدَّعْوَةُ صِيَاحًا يَمْلَأُ الْفَضَاءَ، وَلَا غِلْظَةً تُنَفِّرُ الضُّعَفَاءَ، بَلْ هِيَ نُصْحٌ رَقِيقٌ، وَإِرْشَادٌ دَقِيقٌ، وَأَخْذٌ بِالْأَيْدِي إِلَى سَوَاءِ الطَّرِيقِ. هِيَ بَذْرُ الْحُبِّ فِي سَبَخِ الْقُلُوبِ لِتُزْهِرَ، وَنَشْرُ النُّورِ فِي دَيَاجِيرِ الظُّلَمِ لِتُبْهِرَ. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ الْقُلُوبَ فَلْيَسْتَعْمِلْ مِفْتَاحَ الْحِكْمَةِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ النَّاسَ فَلْيُحِطْهُمْ بِسِيَاجِ الرَّحْمَةِ.
فَإِنَّ لِلْقُلُوبِ مَفَاتِيحَ لَا يَمْلِكُهَا إِلَّا الْحُكَمَاءُ، وَلِلنُّفُوسِ أَقْفَالًا لَا يَفْتَحُهَا إِلَّا اللُّطَفَاءُ. فَالْحَقُّ ثَقِيلٌ، فَلَا تُثْقِلُوهُ بِسُوءِ الْأُسْلُوبِ، وَإِنَّ الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ يُخَاطِبُ الْقُلُوبَ؛ فَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ مِفْتَاحُ الْقُلُوبِ، وَالِابْتِسَامَةُ الصَّادِقَةُ جِلَاءُ الْكُرُوبِ، فَمَا دَخَلَ الْعُنْفُ فِي شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ، وَلَا فَارَقَ الرِّفْقُ أَمْرًا إِلَّا زَانَهُ. فَالدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ لَيْسَتْ سِيَاطًا تُجْلَدُ بِهَا الظُّهُورُ، بَلْ هِيَ أَنْوَارٌ تُفْتَحُ بِهَا الصُّدُورُ، هِيَ رَبِيعٌ يُحْيِي الْقُلُوبَ الْمَوَاتَ، وَنُورٌ يَمْحُو ظُلْمَةَ الشَّتَاتِ.
يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. فَكَمْ مِنْ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ أَحْيَتْ قَلْبًا قَدْ مَاتَ، وَكَمْ مِنْ غِلْظَةٍ وَفَظَاظَةٍ فَرَّقَتْ شَمْلَ الْجَمَاعَاتِ. إِنَّ طَرِيقَ الدَّعْوَةِ لَيْسَ سِيَاطًا تُولِهبُ الظُّهُورَ، بَلْ هُوَ نُورٌ يَمْلَأُ الصُّدُورَ، وَعِطْرٌ يَفُوحُ كَالزُّهُورِ.
الْوَقْفَةُ الْأُولَى: الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ بِالرِّفْقِ
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: الْمُسْتَقْرِئُ لِآيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ يَجِدُ بَيْنَ طَيَّاتِهَا مَوَاقِفَ تَتَجَلَّى فِيهَا أَسْمَى آيَاتِ الرِّفْقِ وَاللِّينِ فِي الْخِطَابِ الْإِلَهِيِّ لِلْعُصَاةِ؛ فَهَلْ طَغَى فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ كَفِرْعَوْنَ الَّذِي صُنِّفَ أَنَّهُ أَطْغَى طُغَاةِ الدُّنْيَا؟ فِرْعَوْنُ الَّذِي قَالَ: “أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى”، فِرْعَوْنُ الَّذِي ادَّعَى الْأُلُوهِيَّةَ وَقَالَ مُتَهَكِّمًا إِنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصْنَعَ سُلَّمًا يَرْتَقِي بِهِ فِي السَّمَاءِ لِيَرَى إِلَهَ مُوسَى، وَمَعَ هَذَا الطُّغْيَانِ حِينَ أَرْسَلَ اللَّهُ كَلِيمَهُ مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ- إِلَى فِرْعَوْنَ، بِمَاذَا أَمَرَهُمَا؟ هَلْ أَمَرَهُمَا أَنْ يَذْهَبَا إِلَيْهِ بِالسُّيُوفِ؟ هَلْ أَمَرَهُمَا بِالسَّبِّ وَالشَّتْمِ وَالتَّعْنِيفِ؟ لَا وَاللَّهِ.. بَلْ قَالَ لَهُمَا قَوْلًا عَجِيبًا، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [طه: 44].
أخوة الإيمان والإسلام تَأَمَّلُوا – هَذَا الْمِيزَانَ الْعَجِيبَ! قِفُوا عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ وَقْفَةَ مُتَأَمِّلٍ. يَقُولُ أَحَدُ الصَّالِحِينَ مُنَاجِيًا رَبَّهُ: “إِلَهِي.. هَذَا رِفْقُكَ بِمَنْ يَقُولُ (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)، فَكَيْفَ يَكُونُ رِفْقُكَ بِمَنْ يَسْجُدُ لَكَ وَيَقُولُ: (سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى)؟”. إِذَا كَانَ هَذَا التَّعَامُلُ مَعَ عَدُوٍّ قَالَ أَنَا الْإِلَهُ، فَكَيْفَ لُطْفُكَ رَبَّنَا بِمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ إِذَا كَانَ هَذَا التَّعَامُلُ مَعَ أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّعَامُلُ بَيْنَ أَحْبَابِ اللَّهِ؟ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَأَخِيهِ الْمُسْلِمِ؟ بَيْنَ الْأَبِ وَابْنِهِ؟ بَيْنَ الزَّوْجِ وَزَوْجِهِ؟ لَقَدْ وَضَعَ اللَّهُ لَنَا الدُّسْتُورَ الْخَالِدَ لِلدَّعْوَةِ وَالنَّصِيحَةِ فِي آيَةٍ جَامِعَةٍ مَانِعَةٍ فِي سُورَةِ النَّحْلِ، حَيْثُ قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].
الْوَقْفَةُ الثَّانِيَةُ: مَدْرَسَةُ النُّبُوَّةِ (الرَّحْمَةُ الْمُهْدَاةُ)
تَعَالَوْا بِنَا نَرْحَلُ بِقُلُوبِنَا إِلَى مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِنَجْلِسَ فِي مَدْرَسَتِهِ، وَنَرَى كَيْفَ كَانَ يَتَعَامُلُ مَعَ الْمُخْطِئِينَ. لَمْ يَكُنْ ﷺ فَظًّا وَلَا غَلِيظًا، وَقَدْ شَهِدَ لَهُ رَبُّهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي سِيرَةِ الْمُصْطَفَى ﷺ يَجِدُ أَنَّ دَعْوَتَهُ كَانَتْ قَائِمَةً عَلَى “تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ” قَبْلَ “تَعْدِيلِ الصُّفُوفِ”. فَفِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ عِبَرٌ وَعِظَاتٌ يَنْهَلُ مِنْهَا الدُّعَاةُ إِلَى اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا (رَجُلًا مِنَ الْبَادِيَةِ، جَافَّ الطَّبْعِ، قَلِيلَ الْعِلْمِ) دَخَلَ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ، مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ، وَفِي حَضْرَةِ النَّبِيِّ وَكِبَارِ الصَّحَابَةِ، فَمَاذَا فَعَلَ؟ قَامَ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ! تَخَيَّلُوا الْمَوْقِفَ يَا عِبَادَ اللَّهِ.. فِي بَيْتِ اللَّهِ، وَأَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ! ثَارَ النَّاسُ، وَثَارَتْ ثَائِرَةُ الصَّحَابَةِ، وَهَمُّوا أَنْ يَقَعُوا فِيهِ، وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالزَّجْرِ، وَهَذَا رَدُّ فِعْلٍ طَبِيعِيٌّ لِلْغَيْرَةِ عَلَى بَيْتِ اللَّهِ. وَلَكِنْ كَيْفَ تَصَرَّفَ الْمُعَلِّمُ الْأَوَّلُ؟ كَيْفَ تَصَرَّفَ طَبِيبُ الْقُلُوبِ؟ مَا كَانَ مِنَ الْمُعَلِّمِ الْحَكِيمِ إِلَّا أَنْ قَالَ: ﷺ “لَا تُزْرِمُوهُ” أَيْ لَا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ بَوْلَهُ: ((دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ)).
انْظُرُوا إِلَى الْحِكْمَةِ! لَوْ قَطَعُوا عَلَيْهِ بَوْلَهُ لَتَضَرَّرَ فِي جَسَدِهِ، وَلَتَلَوَّثَ الْمَسْجِدُ أَكْثَرَ، وَلَنَفَرَ قَلْبُهُ مِنَ الْإِسْلَامِ. تَرَكَهُ حَتَّى انْتَهَى، ثُمَّ أَمَرَ بِتَطْهِيرِ الْمَكَانِ بِأُسْلُوبٍ عَمَلِيٍّ هَادِئٍ، ثُمَّ دَعَاهُ.. لَمْ يُعَنِّفْهُ، لَمْ يَصْرُخْ فِي وَجْهِهِ، لَمْ يَقُلْ لَهُ “يَا جَاهِلُ”، بَلْ قَالَ لَهُ بِرِفْقٍ: ((إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ)). فَمَاذَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ؟ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ بَعْدَ أَنْ رَأَى هَذِهِ الرَّحْمَةَ: “اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا”. لَقَدْ أَسَرَ قَلْبَهُ بِالرِّفْقِ قَبْلَ أَنْ يُعَلِّمَ عَقْلَهُ، وَبِالْحِكْمَةِ طَهَّرَ مَكَانَهُ:
بِالرِّفْقِ قَدْ سَادَ فِي الْبَطْحَاءِ قَاطِبَةً … وَبِالسَّمَاحَةِ حَازَ الْمَجْدَ وَالْكَرَمَا
لَمْ يَحْمِلِ الْحِقْدَ يَوْمًا فِي سَرِيرَتِهِ … بَلْ كَانَ كَالْغَيْثِ يُحْيِي الْأَرْضَ وَالْأُمَمَا
بَلِ انْظُرُوا إِلَى الْمُصْطَفَى ﷺ وَهُوَ يُوَاجِهُ أَشَدَّ الْمَوَاقِفِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى ضَبْطِ النَّفْسِ لَدَى الدَّاعِيَةِ كَمَا تَحْتَاجُ إِلَى حِكْمَةِ التَّعَامُلِ مَعَ الْمَوْقِفِ، إِنَّهُ مَوْقِفٌ يُزَلْزِلُ الْجِبَالَ، حِينَ جَاءَهُ شَابٌّ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الزِّنَا! شَابٌّ مُرَاهِقٌ يَقْتَحِمُ مَجْلِسَ النَّبِيِّ ﷺ، وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فَيَقُولُ بِجُرْأَةٍ عَجِيبَةٍ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِي الزِّنَا!”. يَا اللَّهُ! أَيُّ وَقَاحَةٍ هَذِهِ؟ وَأَيُّ جُرْأَةٍ؟ كَادَ الصَّحَابَةُ أَنْ يَفْتِكُوا بِهِ، وَزَجَرُوهُ قَائِلِينَ: “مَهْ مَهْ!”. صَدَمَ الْخَبَرُ الصَّحَابَةَ فَهَمُّوا بِهِ، لَكِنَّ مَدْرَسَةَ الْحِكْمَةِ لَهَا أُسْلُوبٌ آخَرُ. لَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ الَّذِي بُعِثَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، قَالَ لَهُ: ((ادْنُهْ)). فَقَرُبَ الشَّابُّ مِنْهُ، فَجَلَسَ قَرِيبًا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مُحَاوِرًا عَقْلَهُ وَفِطْرَتَهُ: ((أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟)). قَالَ الشَّابُّ: “لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ”. قَالَ: ((وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ)). قَالَ: ((أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟)). قَالَ: “لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ”. قَالَ: ((وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ)). وَذَكَرَ لَهُ الْأُخْتَ وَالْعَمَّةَ وَالْخَالَةَ، وَالشَّابُّ يَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: “لَا وَاللَّهِ”. ثُمَّ وَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ الشَّرِيفَةَ عَلَى صَدْرِ الشَّابِّ وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ)).. بِالْحِوَارِ الْهَادِئِ، وَاللَّمْسَةِ الْحَانِيَةِ، وَالدُّعَاءِ الصَّادِقِ، تَحَوَّلَ هَذَا الشَّابُّ مِنْ مَشْرُوعِ عَاصٍ وَمُجْرِمٍ إِلَى شَابٍّ عَفِيفٍ طَاهِرٍ. لَمْ يُطْرَدْ، لَمْ يُفْضَحْ، وَلَمْ يُعَنَّفْ. لَقَدْ خَاطَبَ فِيهِ الْعَقْلَ وَالْعَاطِفَةَ أَوَّلًا، ثُمَّ خَاطَبَ فِيهِ النَّخْوَةَ وَالْمُرُوءَةَ، وَهُوَ الْأَعْرَفُ وَالْأَعْلَمُ بِأَحْوَالِ أُمَّتِهِ، وَيُخَاطِبُ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ، وَيَعْرِفُ أَنَّ الشَّرَفَ عِنْدَ الْعَرَبِ تُقَامُ لَهُ الدُّنْيَا وَلَمْ تَقْعُدْ، فَخَاطَبَ رُجُولَتَهُ وَنَخْوَتَهُ وَغَيْرَتَهُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَلَمْ يَزْجُرْهُ بِالتَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ. فَخَرَجَ الشَّابُّ وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الزِّنَا حَتَّى أَعْلَنَ الشَّابُّ الْمُرَاهِقُ نَتِيجَةَ الْحِكْمَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي الْحَالِ فَقَالَ: “فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ (أَيِ الزِّنَا)”.
ادْعُ لِرَبِّكَ بِالْحُسْنَى كَمَا أَمَرَا … وَانْشُرْ هُدَاكَ وَلَا تَتْرُكْ بِهِ كَدَرَا
فَاللِّينُ يَكْسِرُ صَلْدَ الصَّخْرِ فِي مَهَلٍ … وَالنَّفْحُ يُحْيِي جَفَافَ الْغُصْنِ إِنْ ضَمُرَا
الْوَقْفَةُ الثَّالِثَةُ: حِكْمَةُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ
وَلَنَا فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّابِعِينَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ. يُرْوَى أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، سِبْطَيْ رَسُولِ اللَّهِ، رَأَيَا رَجُلًا كَبِيرًا فِي السِّنِّ يَتَوَضَّأُ، وَلَكِنَّهُ لَا يُحْسِنُ الْوُضُوءَ. أَرَادَا أَنْ يُعَلِّمَاهُ، وَلَكِنَّهُمَا خَافَا أَنْ يَكْسِرَا خَاطِرَهُ، أَوْ يُشْعِرَاهُ بِالْجَهْلِ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ وَهُمَا شَابَّانِ صَغِيرَانِ. فَمَاذَا فَعَلَا؟ ذَهَبَا إِلَيْهِ وَقَالَا: “يَا عَمَّاهُ، اخْتَلَفْنَا أَنَا وَأَخِي أَيُّنَا أَحْسَنُ وُضُوءًا، فَاحْكُمْ بَيْنَنَا”. فَتَوَضَّأَ الْحَسَنُ، ثُمَّ تَوَضَّأَ الْحُسَيْنُ، فَأَحْسَنَا وَأَتْقَنَا. فَنَظَرَ الرَّجُلُ إِلَيْهِمَا وَفَهِمَ الرِّسَالَةَ، وَقَالَ: “يَا أَبْنَائِي، كِلَاكُمَا تُحْسِنَانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ الْمُسِيءَ”. عَلَّمَاهُ دُونَ أَنْ يَجْرَحَاهُ.. نَصَحَاهُ دُونَ أَنْ يَفْضَحَاهُ. هَذِهِ هِيَ الْحِكْمَةُ، وَضْعُ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ.
وَهَذَا فَارُوقُ الْأُمَّةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْقَوِيُّ فِي الْحَقِّ الَّذِي لَا يَخْشَى فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَرَغْمَ قُوَّتِهِ يَرْفِقُ بِشَارِبِ خَمْرٍ فِي دَعْوَتِهِ حَتَّى يَرُدَّهُ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ مُقْبِلًا عَلَى اللَّهِ تَائِبًا. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ افْتَقَدَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ كَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تَتَابَعَ فِي هَذَا الشَّرَابِ (أَيْ سَكِرَ). فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: “مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى فُلَانٍ.. حم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ..”. فَلَمَّا قَرَأَهَا الرَّجُلُ جَعَلَ يَبْكِي وَيَقُولُ: “غَافِرُ الذَّنْبِ وَقَابِلُ التَّوْبِ.. قَدْ حَذَّرَنِي عُقُوبَتَهُ وَوَعَدَنِي أَنْ يَغْفِرَ لِي”، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى تَابَ. لَمْ يَطْرُدْهُ عُمَرُ، وَلَمْ يُشَهِّرْ بِهِ، بَلْ رَاسَلَهُ بِآيَاتِ الرَّجَاءِ لِيُعِيدَهُ إِلَى حَظِيرَةِ الْإِيمَانِ. فَهَذَا هُوَ الْفِقْهُ الدَّعْوِيُّ، وَهَذِهِ هِيَ الْمَوْعِظَةُ الَّتِي تَخْرَقُ الْأَسْمَاعَ لِتَسْتَقِرَّ فِي الْوِجْدَانِ. إِنَّ الدَّاعِيَةَ الصَّادِقَ هُوَ “طَبِيبٌ” يُدَاوِي الْجِرَاحَ، لَا “شُرْطِيٌّ” يَتَرَصَّدُ الْعَثَرَاتِ.
أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ تَسْتَعْبِدْ قُلُوبَهُمُ … فَطَالَمَا اسْتَعْبَدَ الْإِنْسَانَ إِحْسَانُ
وَكُنْ عَلَى الدَّهْرِ مِفْضَالًا وَذَا كَرَمٍ … فَإِنَّ شِيمَةَ كَرِيمِ النَّفْسِ إِحْسَانُ
الْوَقْفَةُ الرَّابِعَةُ: بَيْنَ النَّاصِحِ وَالْفَاضِحِ
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، هُنَاكَ فَرْقٌ دَقِيقٌ بَيْنَ النَّصِيحَةِ وَالْفَضِيحَةِ. النَّصِيحَةُ تَكُونُ سِرًّا وَبِرِفْقٍ، وَدَافِعُهَا الْمَحَبَّةُ وَالْإِشْفَاقُ. أَمَّا الْفَضِيحَةُ فَتَكُونُ عَلَنًا، وَدَافِعُهَا التَّشْهِيرُ وَإِظْهَارُ النَّفْسِ. تَحْكُمُهَا الْغِلْظَةُ وَالْقَسْوَةُ، هَدَفُهَا الِانْتِصَارُ لِلنَّفْسِ أَوْ لِلرَّأْيِ أَوْ لِلْمَذْهَبِ. دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى الْخَلِيفَةِ الْمَأْمُونِ، فَأَغْلَظَ لَهُ فِي الْقَوْلِ، وَقَالَ لَهُ: “يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي نَاصِحُكَ وَمُغْلِظٌ عَلَيْكَ”. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ بِذَكَاءٍ وَحِكْمَةٍ: “يَا هَذَا، ارْفِقْ.. فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ (مُوسَى وَهَارُونَ) إِلَى مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنِّي (فِرْعَوْنَ)، وَأَمَرَهُمَا بِاللِّينِ”.
وَصَدَقَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- حِينَ صَاغَ هَذَا الْمَعْنَى شِعْرًا يُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ، حَيْثُ قَالَ:
تَعَمَّدْنِي بِنُصْحِكَ فِي انْفِرَادِي … وَجَنِّبْنِي النَّصِيحَةَ فِي الْجَمَاعَهْ
فَإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّاسِ نَوْعٌ … مِنَ التَّوْبِيخِ لَا أَرْضَى اسْتِمَاعَهْ
وَإِنْ خَالَفْتَنِي وَعَصَيْتَ قَوْلِي … فَلَا تَجْزَعْ إِذَا لَمْ تُعْطَ طَاعَهْ
الْوَقْفَةُ الْخَامِسَةُ: خَطَرُ الْغِلْظَةِ وَالتَّنْفِيرِ
يَا عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّنَا نَعِيشُ فِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ الْفِتَنُ، وَالنَّاسُ أَحْوَجُ مَا يَكُونُونَ إِلَى مَنْ يَأْخُذُ بِأَيْدِيهِمْ بِرِفْقٍ، لَا مَنْ يُعَنِّفُ قُلُوبَهُمْ وَيُكَدِّرُ حَيَاتَهُمْ وَيُغَالِبُهُمْ وَيُشَتِّتُ ذِهْنَهُمْ بِتَشَدُّدِهِ وَغُلُوِّهِ. إِنَّ الْأُسْلُوبَ الْقَاسِيَ الْمُنَفِّرَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا فِي انْتِكَاسَةِ مُسْلِمٍ، أَوْ ابْتِعَادِ عَاصٍ عَنِ التَّوْبَةِ، وَيَكُونُ “الدَّاعِيَةُ” أَوْ “النَّاصِحُ” شَرِيكًا فِي الْإِثْمِ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي.
جَاءَ فِي الْأَثَرِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ عَابِدًا، وَكَانَ لَهُ صَاحِبٌ مُسْرِفٌ عَلَى نَفْسِهِ (كَثِيرُ الذُّنُوبِ). وَكَانَ الْعَابِدُ كُلَّمَا رَآهُ قَالَ لَهُ: أَقْصِرْ (تَوَقَّفْ). فَآذَاهُ يَوْمًا، فَقَالَ الْمُذْنِبُ: “خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟”. فَقَالَ الْعَابِدُ بِغَضَبٍ: “وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، أَوْ لَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ”. فَقَبَضَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمَا، وَقَالَ لِلْعَابِدِ: “أَكُنْتَ بِي عَالِمًا؟ أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟ اذْهَبُوا بِهَذَا (الْمُذْنِبِ) إِلَى الْجَنَّةِ بِرَحْمَتِي، وَاذْهَبُوا بِهَذَا (الْعَابِدِ) إِلَى النَّارِ”. كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ.. كَلِمَةٌ خَرَجَتْ بِغَضَبٍ وَتَأَلٍّ عَلَى اللَّهِ، أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ.
نَفَعَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَبِهَدْيِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي دِينِنَا فُسْحَةً، وَفِي شَرِيعَتِنَا رَحْمَةً، وَفِي دَعْوَتِنَا حِكْمَةً. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بُعِثَ مُتَمِّمًا لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ. أَمَّا بَعْدُ.. فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي الدَّعْوَةِ لَيْسَتْ ضَعْفًا وَلَا مُدَاهَنَةً، بَلْ هِيَ الْقُوَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ الَّتِي تَفْتَحُ الْقُلُوبَ الْمُغْلَقَةَ. إِنَّ الْحِكْمَةَ لَيْسَتْ هِيَ السُّكُوتَ عَنِ الْحَقِّ، بَلْ هِيَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ. هِيَ أَنْ تُنْكِرَ الْمُنْكَرَ بِقَلْبٍ يَقْطُرُ رَحْمَةً عَلَى فَاعِلِهِ، وَرَغْبَةً فِي نَجَاتِهِ مِنَ النَّارِ.
الْوَقْفَةُ السَّادِسَةُ تَطْبِيقَاتٌ مُعَاصِرَةٌ: الدَّعْوَةُ فِي زَمَنِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَامُ، وَنَحْنُ فِي عَصْرِ التِّكْنُولُوجِيَا، انْتَقَلَتْ مَجَالِسُنَا إِلَى “وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ”. وَهُنَاكَ نَرَى الْعَجَبَ الْعُجَابَ! نَرَى تَعْلِيقَاتٍ مَلِيئَةً بِالسُّمُومِ، وَرُدُودًا قَاسِيَةً، وَسُخْرِيَةً لَاذِعَةً، وَكُلُّ ذَلِكَ تَحْتَ مُسَمَّى “الْغَيْرَةِ عَلَى الدِّينِ” أَوْ “النَّصِيحَةِ”. إِنَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي تَكْتُبُهَا فِي تَعْلِيقٍ، قَدْ يَقْرَأُهَا الْمَلَايِينُ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ لَكَ صَدَقَةً جَارِيَةً، أَوْ وِزْرًا جَارِيًا. هَلْ تَتَوَقَّعُ مِمَّنْ تُهَاجِمُهُ بِكَلِمَاتٍ نَابِيَةٍ، أَوْ تَسْخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَوْ مَلْبَسِهِ أَمَامَ الْمَلَأِ، أَنْ يَقُولَ لَكَ: “جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، سَأَهْتَدِي”؟ كَلَّا، بَلْ سَتَأْخُذُهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، وَسَيَزْدَادُ عِنَادًا. فَلْتَكُنْ تَعْلِيقَاتُنَا رَسَائِلَ مَحَبَّةٍ، وَلْتَكُنْ رَسَائِلُنَا الْخَاصَّةُ (عَلَى الْخَاصِّ) هِيَ مَيْدَانُ النُّصْحِ الْحَقِيقِيِّ، لَا سَاحَاتِ التَّعْلِيقَاتِ الْعَامَّةِ الَّتِي تَتَحَوَّلُ إِلَى حَلَبَاتِ مُصَارَعَةٍ.
الدَّعْوَةُ بِالسُّلُوكِ قَبْلَ الْكَلَامِ (لِسَانُ الْحَالِ): وَاعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- أَنَّ أَعْظَمَ دَعْوَةٍ هِيَ دَعْوَةُ السُّلُوكِ. إِنَّ التَّاجِرَ الصَّدُوقَ فِي سُوقِهِ دَاعِيَةٌ، وَالْمُوَظَّفَ الْأَمِينَ فِي مَكْتَبِهِ دَاعِيَةٌ، وَالْجَارَ الْمُحْسِنَ لِجَارِهِ دَاعِيَةٌ، وَالزَّوْجَ الْكَرِيمَ فِي بَيْتِهِ دَاعِيَةٌ. لَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فِي بِلَادِ الْمَشْرِقِ (أَنْدُونِيسْيَا وَمَالِيزِيَا وَغَيْرِهَا) لَيْسَ بِالسُّيُوفِ، وَلَا بِالْخُطَبِ الرَّنَّانَةِ، بَلْ بِأَخْلَاقِ التُّجَّارِ الْمُسْلِمِينَ. رَأَوْا أَمَانَةً وَصِدْقًا وَوَفَاءً بِالْعَهْدِ، فَقَالُوا: “إِنَّ دِينًا يَأْمُرُ بِهَذَا لَهُوَ دِينُ حَقٍّ”. فَيَا عَبْدَ اللَّهِ، كُنْ مُصْحَفًا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ بِأَخْلَاقِكَ، يَرَاكَ النَّاسُ فَيُحِبُّونَ الْإِسْلَامَ مِنْ خِلَالِكَ.
هَلْ سَمِعْتُمْ مِنْ قَبْلُ عَنْ قِصَّةِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ وَاللِّصِّ: يُحْكَى أَنَّ لِصًّا تَسَوَّرَ بَيْتَ الْعَابِدِ الزَّاهِدِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، فَبَحَثَ اللَّصُّ فِي الْبَيْتِ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَسْرِقُهُ (لِأَنَّ مَالِكًا كَانَ زَاهِدًا فَقِيرًا). فَلَمَحَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ اللَّصَّ وَهُوَ يَهُمُّ بِالْخُرُوجِ مُنْكَسِرًا، فَنَادَاهُ مَالِكٌ بِصَوْتٍ هَادِئٍ: “يَا هَذَا.. لَمْ تَجِدْ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا، فَهَلْ تَرْغَبُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآخِرَةِ؟”. ذَهَلَ اللَّصُّ! وَتَسَمَّرَ مَكَانَهُ.. ظَنَّ أَنَّهُ سَيَصْرُخُ وَيَجْمَعُ عَلَيْهِ الْجِيرَانَ. قَالَ اللَّصُّ: “نَعَمْ”. قَالَ مَالِكٌ: “تَوَضَّأْ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ”. فَفَعَلَ اللَّصُّ، ثُمَّ جَلَسَ يَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. وَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ، قَالَ لَهُ مَالِكٌ: “هَلْ تَخْرُجُ مَعَنَا إِلَى الْمَسْجِدِ؟”. فَخَرَجَ اللَّصُّ مَعَ مَالِكٍ إِلَى الْمَسْجِدِ. فَرَأَى النَّاسُ مَالِكًا وَمَعَهُ هَذَا الرَّجُلُ، فَقَالُوا بِاسْتِغْرَابٍ: “مَنْ هَذَا؟”. قَالَ مَالِكٌ: “جَاءَ لِيَسْرِقَنَا، فَسَرَقْنَاهُ نَحْنُ إِلَى اللَّهِ!”. هَكَذَا تُصْنَعُ الرِّجَالُ، وَهَكَذَا تَتَغَيَّرُ النُّفُوسُ، بِالْحِلْمِ وَالصَّفْحِ وَالدَّعْوَةِ الْحَسَنَةِ.
وَأَخِيرًا نِدَاءٌ إِلَى الْمُرَبِّينَ وَالدُّعَاةِ: يَا كُلَّ أَبٍ يَرَى تَقْصِيرًا مِنِ ابْنِهِ، يَا كُلَّ زَوْجٍ يَرَى خَطَأً مِنْ زَوْجَتِهِ، يَا كُلَّ مُعَلِّمٍ مَعَ طُلَّابِهِ: اسْتَحْضِرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159]. أَيُّهَا الْآبَاءُ، ادْعُوا أَبْنَاءَكُمْ لِلصَّلَاةِ وَالْفَضِيلَةِ بِالْحِكْمَةِ، لَا بِالصُّرَاخِ وَالتَّنْفِيرِ. أَيُّهَا الْمُصْلِحُونَ، اجْعَلُوا قُدْوَتَكُمْ مُحَمَّدًا ﷺ الَّذِي كَانَ “خُلُقُهُ الْقُرْآنَ”. اجْعَلُوا شِعَارَكُمُ السَّتْرَ لَا الْفَضْحَ، وَالرِّفْقَ لَا الْعُنْفَ، وَالتَّبْشِيرَ لَا التَّنْفِيرَ. تَذَكَّرُوا أَنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ. وَاعْلَمُوا أَنَّ الْمُنْبَتَّ (الَّذِي يُسْرِعُ بِشِدَّةٍ وَقَسْوَةٍ) لَا أَرْضًا قَطَعَ، وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى.
يَا دُعَاةَ الْخَيْرِ، يَا كُلَّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ: احْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا قُطَّاعَ طَرِيقٍ إِلَى اللَّهِ بِسُوءِ أَخْلَاقِكُمْ. فَكَمْ مِنْ شَخْصٍ هَجَرَ الْمَسْجِدَ بِسَبَبِ كَلِمَةٍ قَاسِيَةٍ، وَكَمْ مِنْ عَاصٍ اسْتَمْرَأَ الْعِصْيَانَ بِسَبَبِ غِلْظَةِ نَاصِحٍ.
يَا مَنْ يَرَى مَا فِي الضَّمِيرِ وَيَسْمَعُ … أَنْتَ الْمُعَدُّ لِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ
يَا مَنْ يُرْجَى لِلشَّدَائِدِ كُلِّهَا … يَا مَنْ إِلَيْهِ الْمُشْتَكَى وَالْمَفْزَعُ
اللَّهُمَّ يَا هَادِيَ الْحَيَارَى، وَيَا مُجِيبَ الدُّعَاءِ، اجْعَلْ أَلْسِنَتَنَا رَطْبَةً بِذِكْرِكَ، وَعُقُولَنَا مُنِيرَةً بِحِكْمَتِكَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا قُلُوبًا رَحِيمَةً، وَنُفُوسًا زَكِيَّةً. اللَّهُمَّ اهْدِنَا وَاهْدِ بِنَا وَاجْعَلْنَا سَبَبًا لِمَنِ اهْتَدَى. اللَّهُمَّ اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ، لَا ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ، سِلْمًا لِأَوْلِيَائِكَ، حَرْبًا عَلَى أَعْدَائِكَ. اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَاهْدِهِمْ سُبُلَ السَّلَامِ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْحِكْمَةَ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَاجْعَلْنَا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِينَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِينَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِينَ، وَاشْفِ مَرْضَانَا وَمَرْضَى الْمُسْلِمِينَ. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
الشيخ محمد طلعت القطاوي
خُطبةُ صوتِ الدعاةِ – إعداد مدير الجريدة الشيخ محمد طلعت القطاوي
__________________________________
خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف علي صوت الدعاة
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات
و للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع
للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف








