ads
الأربعاء , 24 أكتوبر 2018
جانبي
جانبي
أخر الأخبار
ads
الرئيسية / خطبة الأسبوع / خطبة العقل والعلم . بقلم الشيخ عبد الناصر بليح
خطبة العقل والعلم . بقلم الشيخ عبد الناصر بليح

خطبة العقل والعلم . بقلم الشيخ عبد الناصر بليح

2479 عدد الزيارات

خطبة الجمعة  

الإسلام دين العقل والعلم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين .أما بعد فيا جماعة الإسلام .

يا من تصرون علي رمي الجمرات بعد الزوال وتتمسكون بأفعال بعض السابقين من العلماء وتتمسكون بأن يتزاحم ملايين علي جمرة واحدة في مكان واحد في وقت واحد وتتسببون في كوارث لا حد لها ولا حصر ..أين عقولكم وتفكيركم ؟؟

ولو ظللتم علي هذا وهكذا تركبون عقولكم  ولا تستعملونها فسوف تشهد الأعوام القادمة كوارث أشد من ذلك .. ألم تستعملوا عقولكم طالما هناك خلاف وفسحة وافعل و لا حرج ؟

ألم تقرأوا بأن الرسول فعلها ورخص لغيره أن يرمي قبل الزوال وبعد الزوال  كما سنري فيما بعد و حتي لو لم يكن هناك فسحة في ذلك آن ذاك  أما نستعمل عقولنا طالما أنها ليست عبادة توقيفية علي فعل الرسول صلي الله عليه وسلم فلم يقل  الرسول صلي الله عليه وسلم حجوا كما رأيتموني أحج كما قال صلوا كما رأيتموني أصلي ..بل علق الأمور علي رفع الحرج والمشقة عن الناس فديننا الإسلامي يسر لا عسر ..

ألم تستعملوا عقولكم الذي وهبها الله لكم فقد حج الرسول ومعه مائة وثلاثة وأربعين ألف حاج  ..علي اختلاف في الروايات فهل يقاس هذا العدد بثلاثة ملايين الآن ويزيد ..؟

ألم تستعملوا عقولكم والله عز وجل يقول “وما يعقلها إلا العالمون “؟

و  قد حثنا المولي عز وجل في العديد من نصوص القرآن  على التفكير في ملكوت السموات والأرض .. أليس ذلك – برهانًا واضحًا على مكانة العقل والعلم في نظر الإسلام؟

إذن العقل آلة التفكير، والعلم ثمرته، وهو في الوقت نفسه إعلان وتسجيلٌ لفضْل العلم، وإيحاءٌ بتحصيله، فيَقف الإنسان على الحقائق، وتَزول عنه غِشاوة الجهل، ويُحرَّر من رِقِّ الأوهام والخُرافات.

وبذلك كان الإسلام دينَ الفكر، ودين العقل، ودين العلم، وحسبُنا أن رسوله لم يُقدِّم حُجة على رسالته، إلا ما كان طريقها العقل والنظر والتفكير،

وقد ارتفَع القرآن بالعقل،وسجَّل أن إهماله في الدنيا سيكون سببًا في عذاب الآخرة؛ فقال حكاية لِما يَجري على ألسنة الذين ضلُّوا ولم يستعملوا عقولهم في معرفة الحق والعمل به”لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ”(الملك: 10).

وكذلك ارتفع بالعلم، وجعل أهله في المرتبة الثالثة بعد الله والملائكة؛” شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ” [آل عمران: 18].

 

ثم جعَلهم وحْدهم هم الذين يَخشون الله من عباده، بما أدركوا من آثار قُدرته وعظمته، فقال بعد أن لفَت الأنظار إلى نِعم الله وآياته: “إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ “[فاطر: 28].

ومن هنا كَثُرت آيات القرآن الواردة في ذمِّ التقليد، وجرْي الخلف وراء السلف دون نظرٍ واستدلال، هؤلاء الذين وَرِثوا عقائدهم وآراءَهم عن آبائهم وأجدادهم، لا لشيء سوى أنهم آباؤهم وأجدادهم، وكأنهم يرون أن السَّبق الزمني يخلع على خطة السابقين وآرائهم في المعتقدات، وإفهامهم في النصوص – قداسةَ الحق وسلطان البرهان، فالتزموها وتقيَّدوا بها، وسلَبوا أنفسهم خاصةَ الإنسان – خاصة البحث والنظر – وفي هذا الشأن يقول الله -تعالى-: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ” [البقرة: 170]، “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا “[المائدة: 104].

حكى عنهم الجمود على ما كان عليه سلفهم، فهم يَرثون أفكارهم وآراءهم، كما يرثون عقارهم وأرضهم، وحكي عنهم اكتفاءَهم بمعتقداتهم الموروثة، ووقوفهم بأنفسهم عندها، دون أن يتَّجهوا إلى الترقِّي والتدرُّج في العلم والعمل، ولا شكَّ أن كلا الموقفين – الجمود عند الموروث والاكتفاء به – مُصادم لِما تقضي به طبيعة الكون وطبيعة كلِّ حيٍّ من النمو والتوليد.

والتناسل الفكري كالتناسل النباتي والحيواني والإنساني، كلاهما شأن لا بد منه في الحياة، ولو وقَف التناسل الفكري، لارتَطم الإنسان في حياته بكثرة ما تلد الطبيعيَّات التي هو منها، وعندئذ يَعجِز عن تدبير الحياة النامية التي لم يُقدَّر لها النماء إلا خدمة له وسبيلاً لخيره ونفْعه، فيتحقَّق فشَله في القيام بمهمة الخلافة الأرضية التي اختير لها، ووُكِلت إليه منذ القِدَم.

ونهاية القول:

إن الجمود على آراء المتقدمين، وخُططهم في العلم والمعرفة، وأسلوبهم في البحث والنظر – جِناية على الفطرة البشرية، وسلْبٌ لمزية العقل التي امتاز بها الإنسان، وإهدارٌ لحُجة الله على عباده، وتمسُّك بما لا وزْنَ له عند الله.

هذا وقد نشأ المسلمون في ظلِّ ما قرَّره الإسلام، ودعا إليه القرآن، ففكَّروا وبحثوا وتعقَّلوا، وطلبوا البرهان، وأنكروا التقليد، فسادوا وسادَت بهم الأُمم، ثم لأمر ما انقلبوا على رؤوسهم، وتعفَّنت أمعاؤهم، وتولَّدت في أدمغتهم حُمَّى التقليد، فجهِلوا أنفسهم، وجهِلوا الكون، وجهِلوا الحياة، وتفرَّقوا في دين الله، وكانوا شِيَعًا، فأبْطلوا حُجة الله على خلقه، وصاروا حُجةً على دينه وشرعه.

زعموا أن لآبائهم عِصمة تَمنعهم من النظر في أقوالهم، وبذلك لبِسَ الدينُ فيما بينهم أثوابًا مختلفة الألوان، مختلفة النَّسْج، وراجت عند الجميع البدعُ والخُرافات، وعقَدت على دين الله غُبارًا كثيفًا، فنفَر الناس منه، وأعرَضوا عنه، واتَّهموه بالاضطراب بين حلالٍ وحرام، وصحيح وفاسد، وقوي وضعيف، وأخذوا يتأَهَّبون للخلاص، ناقمين على طوائف الدين مواقِفَهم من موروثاتهم التي جعَلته في جانبٍ، وحياة الناس في جانبٍ آخرَ.

ألا فليَعلم هؤلاء جميعًا أن صدر الحياة – الذي يتَّسع كلَّ يوم وكل ساعة – أصبح غير قابل لضغطٍ تَضيق به رُقعته، ويرجع إلى أغلال الموروثات الأولى، فليَنظروا في أي وضعٍ يكونون، وعلى أي منهجٍ يسيرون؛ حتى يحفظوا لله شرْعه، ويُقيموا له دعوته.

ولقد أحسن مَن قال واصفًا العقلَ:

رَأَيْتُ العَقْلَ نَوْعَيْنِ** فَمَطْبُوعٌ وَمَسْمُوعُ

وَلاَ يَنْفَعُ مَسْمُوعٌ ** إِذَا لَمْ يَكُ مَطْبُوعُ

كَمَا لاَ تَنْفَعُ الشَّمْسُ **وَضَوْءُ العَيْنِ مَمْنُوعُ

فهذا هو التكامل بين ما هو فطري، وما هو مكتسب بالعلم المجرد من الهوى، هو أكمل العقل وأتمُّه، فهذا الذي يوفِّقه الله للفهم الصحيح مع وجود الإيمان الفطري الذي جُبِلنا عليه.

وبذلك قال ابن الجوزي – رحمه الله – أيضًا: “فإن أعظم النِّعم على الإنسان العقل؛ لأنه الآلة في معرفة الإله – سبحانه – والسبب الذي يتوصَّل به إلى تصديق الرسل… فمثال الشرع الشمس، ومثال العقل العين، فإذا فتحتْ وكانت سليمة، رأتِ الشمس.

فالعقل يساعد على فهم الشرع، لا كما يظن الناس أن الأحكام الشرعية قد تنعقد من عقولهم وأفهامهم، إنما هي مُحْكَمَةٌ من عند المشرِّع؛ قال الله – تعالى -: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].

وكما صحَّ عن علي – رضي الله عنه – أنه قال: “لو كان الدِّينُ بالرأي، لكان أسفل الخفِّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيتُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – يمسح على ظاهر خفيه”.

فالمسألة فيها تسليم مطلق لما أراد الله ورسوله، فالطاعة هي الامتثال، حتى لو لم تفهم العقول حكمةَ الأوامر أو النواهي وعلَّتَها.

إذًا؛ فالعقل السوي الذي قد نضج مع العلم والإيمان،هوالعقل الذي لا يتعارض مع النقل،أما الذي قد امتزج بالهوى والمعاصي، فيأبى أن يُذعِن للفطرة السوية؛ لكثرة الران الذي قد كساه؛ قال الله  تعالى:”كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ” [المطففين: 14].

ولننظر إلى هذه المناظرة بين العقل والعلم:

عِلْمُ العَلِيمِ وَعَقْلُ العَاقِلِ اخْتَلَفَا **مَنْ ذَا الَّذِي مِنْهُمَا قَدْ أَحْرَزَ الشَّرَفَا

فَالعِلْمُ قَالَ أَنَا أَحْرَزْتُ غَايَتَهُ *** وَالعَقْلُ قَالَ أَنَا الرَّحْمَنُ بِي عُرِفَا

فَأَفْصَحَ العِلْمُ إِفْصَاحًا وَقَالَ لَهُ***  بِأَيِّنَا اللَّهُ فِي قُرْآنِهِ اتَّصَفَا

فَبَانَ لِلعَقْلِ أَنَّ العِلْمَ سَيِّدُهُ *** فَقَبَّلَ العَقْلُ رَأْسَ العِلْمِ وَانْصَرَفَا.

وخلاصة قول أهل العلم: “لا يتعارض النقل الصريح مع العقل الصحيح”، فالشريعة قد حفظها الله من تأويل المتأوِّلين، وإبطال المبطلين، أما العقل، فمتغيِّر يتأثر بالهوى وزُخرُف القول والمعاصي، أو يُعْلَى شأنه بالعلم والتفكر.

** فضيلة العلم الوسطي المعتدل

إلي السادة العلماء الذين ضيقوا واسعاً: ” أين أنتم من افعل و لا حرج ؟؟

الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص بتحريمها وخاصة في وقت الحرج ولاسيما أن الرسول صلي الله عليه وسلم وضع لنا قاعدة للتيسير في الحج وهي :” افعل ولا حرج “. لا حرج .. لا حرج تيسيراً لا تعسيراً: اليسر والسهولة ورفع المشقة سمة من سمات دين الإسلام، وتظهر صور ذلك بينة في الحج، افعل ولا حرج هي البعد الإنساني للحج والسمة الخاصة بالدين السمح . ففي الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عندما وقف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه. قال: “فما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قدّم ولا أخّر إلا قال: افعل ولا حرج”.

وكذلك الرخصة لذوي الأعذار كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم للعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، والإذن للضعفة من النساء والصبيان بالإفاضة من مزدلفة ليلاً ورمي جمرة العقبة قبل وقتها، وغير ذلك من شواهد التيسير والبعد عن التعسير على الحجاج، بل إن التخيير عند الأمر فيه من التيسير والتسهيل الشيء الكبير، فأنت مخير في حجك بين التمتع والقران والإفراد، ومخير بين الحلق والتقصير، ثم أنت مخير في التعجل أو التأخر نهاية الحج، ولا شك أن هذا درس عظيم لكل داعية ومربٍ ومعلم وكل مسلم في اتباع التيسير والتخفيف لا التعسير والعنت والمشقة على الآخرين عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم:”يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا”.

*وقف رسول الله صلي الله عليه وسلم فى حجة الوداع بمنى، فجاءه رجل فقال: لم أشعر حلقت قبل أن أذبح.. فقال: اذبح ولا حرج.. وجاءه آخر فقال: لم أشعر نحرت قبل أن أرمى (أي الجمرات).. فقال: ارمِ ولا حرج.. فما سُئل الرسول عن شيء قدم ولا أخر يومها إلا قال:”افعل ولا حرج”.

“افعل ولا حرج”

شعار عظيم يُعد مقصداً من مقاصد الشريعة.. وغاية من غاياتها العظمى.

ورمز لليسر والتيسير فى الإسلام.. إنه رمز للرفق بالناس وعدم التشديد عليهم فى عباداتهم وفتاواهم وأحوالهم. فهذا رسول الله أعظم الناس إيماناً لا يريد أن يشدّد على الناس فى تقديم بعض المناسك أو تأخيرها. ويهتف بهتاف التيسير على رعيته «افعل ولا حرج».. ولو اتخذ كل داعية وقائد ومفتٍ ومربٍّ من هذا القول الجامع شعاراً له ودثاراً لصلاح أمر المسلمين.

اختاروا الأيسر لأنفسكم وأسركم وأبنائكم وجماعاتكم ودولكم وشعبكم وأمتكم.. فما خير رسول الله صلي الله عليه وسلم  بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً.. فإن كان إثماً كان أبعد الناس عنه”، تدبروا هذا الحديث العظيم الصحيح وتأملوا كلمة “إلا اختار أيسرهما” كان يمكن أن يختار أشدهما أو أحوطهما أو أشقهما.. ولكنه اختار أيسرهما، شريطة ألا يكون فيه إثم أو مخالفة للشريعة.

ويقول صلي الله عليه وسلم :”إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق “

ويقول :”إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد  إلا غلبه ..”

**أقوال العلماء في  رمي الجمرات قبل الزوال  وحكم المبيت في منى والحلول الممكنة في هذا المجال .

الرمي قبل الزوال يجيزه الشافعي وجماعة من التابعين والمعاصرين  السياسة الشرعية لها دور في تنظيم أمور الحج بما يحقق المصالح وقت الرمي يوم النحر لغير المعذورين:

  وقت الرمي للمعذورين من بعد منتصف الليل إلى آخر أيام التشريق على الخلاف السابق، ومن هنا فالوقت موسع جداً عند جماهير الفقهاء ما عدا المالكية الذين ضيقوا الوقت وجعلوه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس من يوم النحر.

** توسع دائرة المعذورين:

ليس المقصود بالمعذورين في هذا الباب من له مرض وإنما هو أوسع من ذلك حيث تسع دائرتهم كل النساء وكبار السن والأطفال والمرضى، ومرافقيهم من الأصحاء، ولذلك ورد الإذن للضعفة مطلقا من دون تقيد بمرض أو سبب محدد، فقد ترجم البخاري باب: من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون، ويقدم إذا غاب القمر، ثم روى بسنده ان عبد الله بن عمر يقدم ضعفة أهله.. وعن ابن عباس بلفظ “أنا ممن قدم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة في ضعفة أهله” وأحاديث أخرى بخصوص أسماء ومولاها، وسودة.

وترجم مسلم باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة إلى منى في أواخر الليالي قبل زحمة الناس واستحباب المكثف لغيرهن حتى يصلوا الصبح بمزدلفة، ثم روى بسنده حديث ابن عمر السابق، وحديث ابن عباس السابق، وحديث سودة السابق، وحديث أسماء، كما روى عن عطاء ان ابن شوال اخبره انه دخل على أم حبيبة فأخبرته ان النبي صلى الله عليه وسلم بعث بها من جمع بليل.

بل إن السيدة عائشة أم المؤمنين فهمت أن المسألة تتعلق باستئذان الرسول صلى الله عليه وسلم حيث ندمت على أنها أيضا لم تستأذن منه كما فعلت سودة.

 

بل إن الإذن لم يخصص حتى بالنساء والأهل فقط بل شمل الشباب والغلمان، فقد ورد في الصحيحين أن: “ابن عباس كان فيمن قدم النبي صلى الله عليه وسلم في ضعفة أهله من مزدلفة الى منى” علما بأنه لم يكن من المرافقين الضروريين، حيث ان الذي اخذ اهل النبي صلى الله عليه وسلم وضعفاءهم هو العباس، حيث اخرج الطحاوي بسنده عن ابي الصغير عن عطاء قال: اخبرني ابن عباس بلفظ: “إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس ليلة المزدلفة: «اذهب بضعفائنا ونسائنا، فليصلوا الصبح بمنى وليرموا جمرة العقبة، قبل أن يصيبهم دفعة الناس»، قال: فكان عطاء يفعله بعدما كبر وضعف”.

يفهم من هذه الأحاديث بوضوح ان الرمي بعد طلوع الشمس إنما هو الأفضل والأحسن إتباعاً لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ولكنه ليس بواجب، ولا سيما في ظروف الزحام الذي يشهده عصرنا، ذلك الزحام الذي يروح ضحيته كل عام عدد لا بأس به من الحجاج تحت أرجل الناس.

 

** وقال الشيرازي:”وإن رمى بعد نصف الليل وقبل طلوع الفجر أجزأه، لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أم سلمة رضي الله عنها يوم النحر، فرمت قبل الفجر، ثم أفاضت..” قال النووي:”وحديث عائشة هذا صحيح رواه أبو داود بلفظه بإسناد صحيح على شرط مسلم).

والظاهر أن وقت الرمي في يوم النحر يمتد للجميع الى الليل (أي الى الفجر) لحديث البخاري عن ابن عباس انه قال رجل: رميت بعدما أمسيت؟ فقال: (لا حرج) فهذا الحديث الصحيح واضح في دلالته على جواز الرمي في الليل من دون تقييد بمن له عذر ام لا، ومن دون تخصيصه بأول الليل، او آخره، وما روي عن بعض الآثار عن الصحابة لا يمكن ان يعارض هذا الحديث المرفوع الصحيح الصريح.

جمرة العقبة حكم من لم يرم جمرة العقبة في نهار النحر: من لم يرم جمرة العقبة بعذر أو بدونه في نهار اليوم الأول من ايام العيد فإنه يرميه بالليل أداء ولا شيء عليه عند ابي حنيفة، والشافعي، وعند مالك يكون قضاء وعليه دم.

وقد استدلوا بحديث ابن عباس الذي رواه البخاري بلفظ:”فقال رجل: رميت بعدما أمسيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا حرج”، والمساء يشمل الليل أيضا حيث يدل بوضوح على جواز رمي جمرة العقبة بالليل، ولا سيما أن ابن عباس ذكره في بداية الحديث: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل يوم النحر بمنى…”.

ونوقش بأن المساء آخر النهار، وأجيب بأن المساء يطلق في عرف العرب على آخر النهار إلى نصف الليل والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولا سيما أن السؤال يوحي انه يسأل عن الرمي في الليل، لأن هذا هو محل الإشكال، أما النهار فمعلوم جواز الرمي فيه فلا يسأل عنه صحابي. واستدلوا كذلك بحديث ابن عمر الذي أمر زوجته صفية، وابنة أخيها برمي الجمرة بعد الغروب ورأى أنهما لا شيء عليهما، وهذا صريح في أن ذلك كان بعلم الرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لا يفتي ابن عمر بمثل ذلك بمجرد الرأي.

وأجيب بأن صفية كان لها عذر حيث كانت بصحبة ابنة أخيها التي نفست بالمزدلفة. ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنه لو لم يكن ذلك وقتا لبيّن ابن عمر بأن ذلك كان قضاء.

** وقت الرمي في أيام التشريق: ولا خلاف في وجوب رمي الجمرات الثلاث في اليوم الأول والثاني من أيام التشريق لمن تعجل في اليومين، وفي وجوب رميها أيضا لليوم الثالث منها لمن تأخر، ولا خلاف كذلك في أفضلية الرمي بعد الزوال فيها، وان الخلاف في أوقاته على التفصيل الآتي:

أولاً: بداية وقت الرمي في اليوم الأول والثاني من أيام التشريق: لا خلاف بين الفقهاء في أن من رمى الجمار في أيام التشريق بعد زوال الشمس فقد أجزأه ذلك الرمي، وإنما الخلاف في الرمي في ما عدا ذلك حيث ذهب جمهور الفقهاء الحنفية في الرواية المشهورة عنهم، والمالكية، والشافعية عند جمهورهم، والحنابلة عند جماهيرهم، إلى أن وقت الرمي في هذين اليومين يبدأ من بعد الزوال.

وذهب أبو حنيفة في رواية إلى أن وقت الزوال هو وقت الأفضلية، ومع ذلك يجوز الرمي من الفجر وقبل الزوال، قال الكاساني: “وعن أبي حنيفة: إن الأفضل أن يرمي في اليوم الثاني والثالث بعد الزوال، فإن رمى قبله جاز، لأن ما قبل الزوال وقت الرمي في يوم النحر فكذا في اليوم الثاني والثالث”. وهذا رأي مروي عن عطاء وطاووس.

وذهب في رواية ثالثة إلى أن من كان قصده التعجيل في اليومين يجوز له أن يرمي في اليوم الثاني من أيام التشريق قبل الزوال، وذلك لدفع الحرج، لأنه إذا نفر بعد الزوال لا يصل إلى مكة إلا بالليل فيخرج في تحصيل موضع النزول. وهذا الرأي هو رواية لأحمد لكنه قال: ينفر بعد الزوال. وقد قوى بعض متأخري الحنفية هذه الرواية توفيقا بين الروايات عن أبي حنيفة، ولأن الأخذ به مناسب لمن خشي الزحام وفيه رفع الحرج.

وقد استدل الجمهور بفعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث رمى في أيام التشريق بعد الزوال، وما رواه البخاري بسنده عن ابن عمر قال: “كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا”.

واستدل أبو حنيفة في رواية، وعطاء وطاووس بأن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم يحمل على السنية والندب، إذ لا دلالة للفعل المجرد على الوجوب، إضافة إلى أن في ذلك رفع الحرج والتيسير على الناس الذي أكد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم حيث سئل في أيام منى عدة أسئلة فقال فيها (لا حرج) كما سبق. واستدلوا كذلك بالقياس على الرمي في يوم النحر بجامع إن كل هذه الأيام الأربعة يوم نحر، ورمي في الجملة، ومن جانب آخر فإنه لا يوجد نص صريح على منع الرمي فيها قبل الزوال، ومن المعلوم ان الواجب لا يثبت إلا بدليل صريح بل يؤكد هذا المعنى الأدلة السابقة.

مدى جواز الرمي قبل الزوال في أيام التشريق الثلاثة:   المسألة ليست مسألة قطعية مجمعاً عليها بين الفقهاء، وإنما الخلاف فيها خلاف معتبر بين جمهور الفقهاء، وجماعة من الفقهاء الكبار، هكذا عبر الفقهاء عن هذا الخلاف ولم ينفوا هذا الخلاف مما يدل على قوته واعتباره، قال ابن رشد: “واختلفوا إذا رماها قبل الزوال في أيام التشريق، فقال جمهور العلماء: من رماها قبل الزوال أعاد رميها بعد الزوال، وروى عن أبي جعفر محمد بن علي انه قال: رمي الجمار من طول الشمس إلى غروبها” ويقول الزركشي الحنبلي: “وشرط صحة الرمي في الجميع أن يكون بعد الزوال على المشهور، والمختار للأصحاب من الروايتين”.

المجيزون للرمي :”

المجيزون للرمي قبل الزوال في أيام التشريق الثلاثة: ذهب أبو حنيفة في إحدى رواياته إلى جواز الرمي قبل الزوال في اليوم الأول، والثاني، وذهب في رواية أخرى إلى انه إذا نفر في اليوم الثاني لمن تعجل او الثالث لمن تأخر يجوز له أن يرمي قبل الزوال. وجعل بعض الحنفية هذه الرواية من الروايات غير المشهورة، وبالتالي فالمعتمد عندهم هو عدم جواز الرمي قبل الزوال في حين جعل بعضهم هذه الرواية من الروايات المعتمدة، جاء في إرشاد الساري: (ذكر الحاكم في المنتقى عن الإمام (أي أبي حنيفة) انه لو أراد النفر في اليوم الثالث قبل الزوال… جاز له أن يرمي، كذا في المبسوط وكثير من المعتبرات، وهي رواية عن أبي يوسف، كذا في شرح الطحاوي، وعلى هذه الرواية عمل الناس اليوم، وفيها رحمة من الزحمة، ويظهر ان المراد بما قبل الزوال على كل من الروايتين من طلوع الفجر، لأنه أول النهار..).

وروي عن أبي يوسف القول بجواز الرمي قبل الزوال في اليوم الثالث من أيام العيد لمن أراد النفر قبل الزوال.

وممن ذهب إلى جواز الرمي قبل الزوال في أيام التشريق الثلاثة إمام الحرمين والحاكم أبو الفتح الارعيناني صاحب الفتاوى كما ذكره الشاشي، والرافعي، واعتمده الاسنوي حيث أجازوا الرمي من الفجر، وعبر الشرواني عن هذا القول بأنه: (من قبيل مقابل الأصح، لا الصحيح) ومن المعروف ان مقابل الأصح هو الصحيح، ومقابل الصحيح الضعيف، وهذا يعني أن هذا القول ليس ضعيفا.

** يقول الإمام الرافعي بخصوص تدارك رمي يوم في اليوم الآخر وانه أداء على الأصح: “إن قلنا أداء فجملة أيام منى في حكم الوقت الواحد، وكل يوم للقدر المأمور فيه وقت اختيار كأوقات الاختيار للصلوات، ويجوز تقديم رمي يوم التدارك على الزوال… وانه لا دم عليه” ثم قال:”ونقل الإمام أن على هذا القول لا يمتنع تقديم رمي يوم إلى يوم لكن يجوز أن يقال: إن وقته يتسع…”.

وذهب إلى هذا القول أيضا من الحنابلة العلامة ابن الجوزي، جاء في الفروع: “وجوزه ـ أي الرمي قبل الزوال في اليوم الحادي عشر ـ قبل الزوال، وفي الواضح: بطلوع الشمس…” وكذلك ابن الزاغوني في منسكه” نقل عنه انه يجيز رمي الجمار أيام منى، ورمي جمرة العقبة يوم النحر قبل الزوال.

بعض الصحابة والتابعين يرون ذلك: روى الحافظ ابن أبي شيبة في مصنفه بسند صحيح على مسلم عن ابن أبي مليكه قال: “رمقت ابن عباس رماها عند الظهيرة قبل أن تزول”.

وممن قال به من المعاصرين العلامة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، حيث ألف فيه رسالة، ثم وجهها إلى علماء المملكة العربية السعودية،  

فهؤلاء العلماء العظام الذين ذكرناهم قد ذهبوا إلى جواز الرمي قبل الزوال من بعد بعد غروب شمس يوم عرفة  لجمرة العقبة الكبري  وبعضهم من بعد منتصف الليل  و كذا طلوع الشمس، وبعضهم من طلوع الفجر،.. وكفى بهم من حيث الاعتماد على أقوالهم في ظل عدم وجود نص صريح ثابت ..

 

 

 

شارك الخبر علي صفحات التواصل الإجتماعي
ads

عن د.أحمد رمضان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .