صوت الدعاة
الجمعة , 14 ديسمبر 2018
جانبي
جانبي
أخر الأخبار
الرئيسية / أخبار مهمة / خطبة بعنوان: “منزلة العلم في الإسلام”، للدكتور خالد بدير،  بتاريخ: 11 محرم  1440هـ – 21 سبتمبر 2018م
خطبة بعنوان: “منزلة العلم في الإسلام”، للدكتور خالد بدير،  بتاريخ: 11 محرم  1440هـ – 21 سبتمبر 2018م
الدكتور خالد بدير

خطبة بعنوان: “منزلة العلم في الإسلام”، للدكتور خالد بدير،  بتاريخ: 11 محرم  1440هـ – 21 سبتمبر 2018م

18247 عدد الزيارات

خطبة بعنوان: منزلة العلم في الإسلام، للدكتور خالد بدير،  بتاريخ: 11 محرم  1440هـ – 21 سبتمبر 2018م.

 

لتحميل الخطبة بصيغة word  أضغط هنا.

لتحميل الخطبة بصيغة  pdf أضغط هنا.

 

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

 

 

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: منزلة العلم والحث عليه في الإسلام

العنصر الثاني: صور ونماذج مشرقة في حرص السلف الصالح على طلب العلم

العنصر الثالث: بين العلم والعمل

     المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: منزلة العلم والحث عليه في الإسلام

عباد الله: في هذه الأيام المباركة نستقبل عاماً دراسياً جديداً ؛ وبهذه المناسبة نقف مع حضراتكم حول: ( منزلة العلم في الإسلام).

 فقد اهتم الإسلام بقيمة العلم أيما اهتمام، ولقد بلغت عناية الله – عز وجل – بنا لرفع الجهل عنّا أن كان أول ما نزل من الوحي على نبينا أعظم كلمة هبط بها جبريل هي قوله تعالى:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}(العلق:1) ؛ وأمرُ الله عز وجل بالقراءة والعلم في أول آية نزلت من القرآن دليل واضح على أهمية العلم في تكوين عقل الإنسان وفي رفعه إلى المكانة السامية، فلا يستوي عند الله الذي يعلم والذي لا يعلم، فأهل العلم لهم مقام عظيم في شريعتنا الغراء، فهم من ورثة الأنبياء والمرسلين، يقول الله تبارك تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر: 9) ، فلا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم، كما لا يستوي الحي والميت.

ويرفع الله الذي يطلب العلم والذي يعمل به كما يشاء، قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11) أي يرفع الذين أوتوا العلم من المؤمنين بفضل علمهم وسابقتهم درجات أي على من سواهم في الجنة. قال القرطبي: “أي في الثواب في الآخرة وفي الكرامة في الدنيا، فيرفع المؤمن على من ليس بمؤمن والعالم على من ليس بعالم” وقال ابن مسعود: مدح الله العلماء في هذه الآية، والمعنى: أنه يرفع الله الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم (درجات) أي درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به.”أ.هـ

ولشرف العلم أباح الله لنا أكل الصيد الذي صاده الكلب المعلم، وإذا صاده كلب غير معلم لا يؤكل:{يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة:4] فلولا فضل العلم لكان فضل صيد الكلب المعلم والجاهل سواء، وقد علمه كيف يصيد، وكيف يمسك لصاحبه، هذا في عالم الكلاب، رفعه الله درجة عن أقرانه بالعلم ؛ فما بالك بمن تعلم الكتاب والسنة؟!

ويبلغ من فضل العلم أنه يرفع قدر أناس ليس لهم حسب ولا نسب فوق كثير من الأكابر؛ فعَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَبِي الطُّفَيْلِ ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ ، لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِعُسْفَانَ ، وَكَانَ عُمَرُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى مَكَّةَ ، فَقَالَ عُمَرُ : مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي ؟ قَالَ : اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِمُ ابْنَ أَبْزَى ، قَالَ : وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى ؟ قَالَ : رَجُلٌ مِنْ مَوَالِينَا ، قَالَ عُمَرُ : فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى ؟ قَالَ : إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى ، عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ ، قَاضٍ ، قَالَ عُمَرُ : أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا ، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ. ( أحمد والبيهقي في الشعب والسنن الكبرى وابن ماجة بسند حسن).

وقد لعن الرسول – صلى الله عليه وسلم – الدنيا بمن فيها إلا من انتسب لشرف العلم عالما كان أو متعلما، فعن أبي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ ، وَهُوَ يَقُولُ :” الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا ، إِلاَّ ذِكْرَ اللهِ ، وَمَا وَالاَهُ ، أَوْ عَالِمًا ، أَوْ مُتَعَلِّمًا.” ” (الطبراني وابن ماجة والترمذي وحسنه)، وكما قيل: كن عالما أو متعلما ولا تكن الثالث فتهلك.

عباد الله: ما هو أفضل من أن يستغفر لك الحوت في البحر والدواب وحتى النمل تستغفر لطالب العلم؟ ما هو أفضل من أن تضع الملائكة أجنحتها لك إذا سلكت سبيلاً في طلب العلم سواء كان في درس تذهب إليه أو في كتاب تشتريه لتفتحه وتقرأ فيه؟ أي فضل عظيم هو ذاك وفَّره الله عز وجل لطلبة العلم الشرعي الذين يتعلمون الكتاب والسنة، والأحاديث في ذلك كثيرة!!

فعَن أبي الدَّرداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليْه وسلَّمَ يَقُولُ:”مَن سَلَكَ طَرِيْقَاَ يَبْتَغِي فِيْهِ عِلْمَاً سَهَّلَ اللهُ لهُ طَرِيْقَاً إلى الجَنَّة؛ وإنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضَاً بِما يَصْنَعُ؛ وَإنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغفِرُ لهُ مَن في السَّمواتِ ومَن في الأرضِ حَتَّى الحِيْتَانُ في المَاءِ؛ وفَضْلُ العَالِمِ عَلى العَابِدِ كَفَضلِ القَمَرِ على سَائِرِ الكَوَاكِبِ؛ وإنَّ العُلَماءِ وَرَثَةُ الأنبِيْاءِ؛ وإنَّ الأنبِيْاءَ لمْ يُوَرَثُوا دِيْناراً ولا دِرْهَمَاً وَإنَّما وَرَّثُوا العِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أخَذَ بِحَظٍ وَافِرٍ”.( أبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه بسند حسن).

ومع أن الإسلام حرم الحسد إلا أن الشارع أباحه في مجال العلم، فعَنْ ابنِ مَسْعودِ رضيَ الله ُ عنهُ قال: قالَ رسول اللهِ صلى اللهُ عليْهِ وسلَمَ:”لا حَسَدَ إلاَّ في اثنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاه اللهُ مَالاً فسَلَّطَهُ عَلى هَلَكتِهِ في الحَقَّ ورَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقضِي بِها وَيُعَلِمُّها”(متفق عليه).

أيها المسلمون: إن الله لم يقصر الأجر على العلماء في حياتهم؛ بل امتد الأجر بعد موتهم وإلى قيام الساعة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ” إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ” (الترمذي وقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ )، قلت: الإمام البخاري – مثلا – مات من قرون، ومع ذلك عدَّادُ الحسنات يَعُدُّ له إلى قيام الساعة، فمن نحن بجانب البخاري؟!! ويحضرني قول الإمام الشافعي رحمه الله:

قد مات قوم وما ماتت مكارمهم……………وعاش قوم وهم في الناس أموات

وما أجمل قول سيدنا على بن أبي طالب رضي الله عنه:

ما الفخــــر إلا لأهل العلم إنهم ……………..على الهدى لمن استهدى أدلاء

وقدر كل امرئ ما كان يحسنه ………………والجاهـلون لأهل العـلم أعداء

فـفـز بعلم تعش حيـاً به أبــدا……………. الناس موتى وأهل العلم أحياء

أحبتي في الله: ولأهمية العلم نجد أنه صلى الله عليه وسلم جعل فداء كل أسير من أسرى بدر ممن يحسنون فن القراءة والكتابة، أن يعلم عشرة من أبناء الصحابة, فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ” كَانَ نَاسٌ مِنْ الْأَسْرَى يَوْمَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِدَاءٌ ؛ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِدَاءَهُمْ أَنْ يُعَلِّمُوا أَوْلَادَ الْأَنْصَارِ الْكِتَابَةَ “. ( أحمد والبيهقي في السنن الكبرى والحاكم وصححه).

ولم يقتصر اهتمام النبي عليه السلام بالحث على تعليم العربية فحسب؛ بل أمر بتعلم اللغات الأخرى؛ وثبت أنه أمر زيد بن ثابت بتعلم اللغة السريانية ليتولى أعمال الترجمة والرد على الرسائل، فقد تعلم بأمر منه صلى الله عليه وسلم العبرية والفارسية والرومية وغيرها، فعن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: ” أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَتَعَلَّمَ لَهُ كَلِمَاتٍ مِنْ كِتَابِ يَهُودَ؛ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي ؛ قَالَ فَمَا مَرَّ بِي نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى تَعَلَّمْتُهُ لَهُ ؛ قَالَ: فَلَمَّا تَعَلَّمْتُهُ كَانَ إِذَا كَتَبَ إِلَى يَهُودَ كَتَبْتُ إِلَيْهِمْ؛ وَإِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ قَرَأْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ » . (أحمد وأبو داود والحاكم والترمذي وحسنه)، فأصبح الفَتَى زيدُ بنُ ثابتٍ تَرْجُمانَ رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، وأصبحت اللغة سلاحا له يدافع به عن الإسلام والمسلمين، وكما قيل:( من تعلم لغة قوم أمن مكرهم ) . ؛ ولم تقتصر عنايته صلى الله عليه وسلم بتعليم هذه الفنون والعلوم للرجال فحسب, إنما اعتنى أيضا بتعليم النساء العلم والكتابة. فعَنْ الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا عِنْدَ حَفْصَةَ فَقَالَ لِي : ” أَلَا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِيهَا الْكِتَابَةَ “. (والنسائي أبوداود بسند صحيح).

وجملة القول: فإن ما تقدم هو قليل من كثير ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في شأن عنايته بالمسألة العلمية؛ تعلما وتعليما؛ أقوالا وأعمالا؛ مما يبرز اهتمامه الفائق بولاية العلم والتعليم.

العنصر الثاني: صور ونماذج مشرقة في حرص السلف الصالح على طلب العلم

عباد الله: أسوق لكم صورا ونماذج مشرقة من حرص السلف الصالح على طلب العلم، وسأترك لكم التعليق والتعقيب عليها، لتقارنوا بين حالهم والإمكانيات والأدوات الكتابية التي عندهم وبين ما نحن فيه من تقدم علمي وتكنولوجي!!

قيل لبعضهم: بما أدركت هذا العلم؟ قال: بالمصباح والجلوس إلى الصباح.

ورئي مع الإمام أحمد محبرة وقلم فقيل له: أنت إمام المسلمين ولا زلت تحمل المحبرة وتكتب؟! فقال الإمام أحمد: “مع المحبرة إلى المقبرة.”

وقيل للشافعي: “كيف حرصك علي العلم؟ قال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال. فقيل له: فكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره”

وقيل لرجلٍ: من يؤنسُكَ ؟ فضرب بيده إلى الكتب، وقال: هذه ؛ فقيل: مِنَ النّاس؟ فقال: الّذين فيها.”

وليس هذا فحسب؛ بل إن ساعات الأكل لقوام حياتهم ومعاشهم كانت ثقيلة عليهم، فقد سألوا الخليل بن أحمد الفراهيدي – رحمه الله -: ما هي أثقل الساعات عليك؟ قال: ساعة آكل فيها.

 وكان داود الطائي يشرب الفتيت ولا يأكل الخبز فقيل له في ذلك؟ فقال: بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية «كتاب المجالسة وجواهر العلم».

 وكان الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري يقول:” أثقل الساعات عليَّ ساعة آكل فيها.” فالله أكبر ما أشد الفناء في العلم عنده؟! وما أوقد الغيرة على الوقت لديه؟!

قلت متعجباً: أثقل ساعات عليه ساعة الأكل؛ مع أنه مباح وواجب لقوام الحياة وحفظ النفس؛ وما يتوصل به إلى الواجب فهو واجب، فكيف حالنا ونحن نُضَيِّعُ أوقاتنا في الفراغ والحرام وأمام المسلسلات والأفلام وعلى القهاوي والطرقات، وعلى النت والمعاكسات؟!!

أعود إلى سلفنا الصالح: فهذا عبيد بن يعيش يقول: “أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدي بالليل، كانت أختي تلقمني وأنا أكتب الحديث”.

وعن ابن أبي حاتم صاحب الجرح والتعديل يقول: “كنا في مصر سبعة أشهر لم نأكل فيها مرقة، كل نهارنا مقسم لمجالس الشيوخ وبالليل النسخ والمقابلة، فأتينا يوما أنا ورفيق لي شيخا، فقالوا: هو عليل، فرأينا في طريقنا سمكة أعجبتنا فاشتريناها فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس فلم يمكنا إصلاح هذه السمكة ومضينا إلى المجلس، فلم نزل حتى أتى على السمكة ثلاثة أيام وكادت أن تتغير فأكلناها نيئة، لم يكن لنا فراغ أن نشوي السمك. ثم قال: “إن العلم لا يستطاع براحة الجسد”(سير أعلام النبلاء).

وعن أبي الوفاء ابن عقيل  يتحدّث عن نفسه فيقول :” أنا أقصر بغاية جهدي أوقاتَ أكلي، حتّى أختار سَفَّ الكعك وتحسّيه مع الماء على الخبز ؛ لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ ! توفُّراً على مطالعةٍ أو تسطير فائدةِ لم أدركها فيه !!”

وقال الشيخ فخر الدين : ” والله إني أتأسّف في الفوات عن الاشتغال بالعلم في وقت الأكل, فإنّ الوقت والزمان عزيز “

ويحكى أن الشيخ شمس الدين الأصبهاني من حرصه على العلم وشحّه بضياع أوقاته؛ أنه كان يمتنع كثيرا من الأكل؛ لئلا يحتاج إلى الشرب؛ فيحتاج إلى دخول الخلاء؛ فيضيّع عليه الزمان.

والوَقْتُ أنفَسُ ما عُنِيتُ بحفظهِ —— وأُرَاهُ أسْهَلَ مَا عَليَّ يَضِيعُ

يااااااااالله!!!!!!!!!!! كم نضيع من الساعات في الحرام!! إذا كانوا حريصين على الوقت في طعامهم وشرابهم ويعتبرونه مضيعةً فكيف بنا؟!!  ياااااالله؟!!! لطفك بنا يا رحمن.

يقول ابن عقيل الحنبلي تلميذ الحافظ الخطيب البغدادي:” إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة أو مناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في الثمانين، أشدّ مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة.” (ذيل طبقات الحنابلة).

 فانظر كيف يستغل وقت طعامه وراحته في إعمال فكره فيسطره بعد قضاء حوائجه الشخصية؟!!!

يقول عبد الرحمن ابن الإمام أبي حاتم الرازي ” ربما كان أبي يأكل وأقرأ عليه، ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه ” فكانت ثمرة هذا المجهود وهذا الحرص على استغلال الوقت كتاب الجرح والتعديل في تسعة مجلدات وكتاب التفسير في مجلدات عدة وكتاب السند في ألف جزء.

لهذا فتح الله لهم قلوباً غلفا وأعيناً عمياً وآذاناً صماً!!! فإذا كنت تريد اللحاق بهم فاعمل عملهم ؛ فالله يسر لك سبل العلم والتقنيات الحديثة ما لم يصل إليه أحدهم، ومع كل ذلك أقول: لا يصل إليهم أحدكم!!! أليس كذلك؟!!!

على أن هذا الحرص ليس قاصراً على المسلمين، بل اهتم الغربِيُّون به كذلك حتى نهضوا به، فهذا ألبرت إنشتاين، الفيزيائي الألماني الشّهير، من شدّة حرصه على العلم والوقت كان لا يلبس الأقمصة بأكمامٍ ذوات أزرار ، لأنّ غلقها وفتحها يضيع عليه وقتاً ثميناً في تحصيل العلم!

العنصر الثالث: بين العلم والعمل

أيها المسلمون: يجب على العالِم أن يعمل بما يعلم أو يقول، حتى تؤتي الموعظة ثمارها، وإلا  كانت هباءً منثوراً لا وزن لها ولا تأثير.

ولقد ذم الله هؤلاء بقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ،كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}( الصف 2 ، 3)، قال الشيخ السعدي -رحمه الله- في تفسيره: ” أي: لِمَ تقولون الخير وتَحُثُّونَ عليه، وربما تَمَدَّحْتُم به وأنتم لا تفعلونه، وتَنهون عن الشر وربما نزهتم أنفسكم عنه، وأنتم متلوثون به ومتصفون به، فالنفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله، فاقتداؤهم بالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة “.

وعن أسامة بن زيد قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:” يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ؛ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ؟! أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ؟! قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ” ( متفق عليه ).

قال مالك بن دينار رحمه الله ” إن العالم إذا لم يعمل بعمله زلت موعظته عن القلوب كما تزل القطرة عن الصفا”.

 وقال الثوري : ” العلماء إذا علموا عملوا ، فإذا عملوا شُغِلوا … ) .

 وقال : ” العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل”، ويقول الشاطبي ” إذا وقع القول بيانا فالفعل شاهد له ومصدق”.

وإليكم هذا الموقف العملي الذي يدل على مدى حرص سلفنا الصالح على القدوة والعمل بما عملوا ؛ فقد روى أن عبيد البصرة جاؤوا يوما إلى الحسن البصري( شيخ الواعظين) في أول يوم من أيام رمضان وهو يعظ في مسجد البصرة، وشكوا له سوء معاملة الأسياد لهم، وتوسلوا إليه أن يخطب خطبة يحثُّ فيها على فضل عتق الرقاب، فوعدهم خيراً .

وانتظر العبيد خطبة الجمعة، ثم الجمعة التالية، ثم الثالثة دون أن يخطب الحسن البصري كما وعدهم.

ومرَّ عام وجاء رمضان الذي يليه، وفي أول أيام رمضان إذ الحسن البصري يتكلم عن فضيلة عتق الرقاب، حثَّ الناس فيها على عتق العبيد، فلم يبق أحد ممن سمعها إلا خرج وأعتق عبيده .

وبعد أن تحرر العبيد اجتمع بعضهم في بيته، وقالوا له: ما الذي أخرك عن الخطبة هذه المدة ؟!

قال لهم: كنت لا أملك عبداً ، ولم يكن معي ما أشتري به عبدا لأعتقه ، فلما رزقني الله ثمن عبد اشتريته وأعتقته حتى أكون قد طبقت الكلام على نفسي أولاً ، فخرج الكلام صادقاً من القلب فوصل إلى قلوب الناس.

عباد الله: يجب على العالم أن يحقق في نفسه ما يريد أن يحققه في الآخرين، ويكون مثالاً يقتدى به في مكارم الأخلاق؛ فيتعهد نفسه بالرعاية ويمتاز بالشفافية، ويتحرى الصدق في المواقف، والإخلاص في النية، وما لم يستمد قادة الدعوة ومربوها نورهم من مشكاة النبوة، وأخلاقهم من أخلاق النبوة، ويصبحوا كالصحابة نجوما يهتدي بهم في ظلمات هذه الأيام فإن دعوتهم ستبقى ناقصة.

هذا المعلم أو هذا الأساس – القدوة – الذي هو من أهم أسس التربية والذي لن يفيدنا كثيرا إلا بعد أن نراه مطبقا بالفعل متحليا بمكارم الأخلاق؛ ويفيدنا أكثر أن نراه مطبقا في أعلى صوره، لأن ذلك سوف يعطينا فكرة عملية عن المدى الذي يمكن أن يبلغ إليه هذا العنصر لنقيس به جهدنا إليه في كل مرة ونحاول المزيد.

وهناك حكمة تقول: فعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل لرجل، ومعناها: أن الأفعال أقوى تأثيراً من الكلام.

 فلو أن رجلا فعل موقفا أخلاقيا يدل على الأمانة مثلاً ؛ سيكون أقوى بشدة في آلاف الناس من ألف محاضرة يلقيها إنسان عن الأمانة.

وأما حين يكون العالم هو أول الهادمين، بما يلحظه الناس من فرق بين ما يقوله وما يعمله ، وبما يرونه من مفارقات بين أوامره المثالية معلما ومربيا، وتصرفاته المغايرة لأقواله وأوامره، فهذا يدل فساد علاجه.

والمؤمن لا يخالف قوله فعله، وهو الذي يبدأ بنفسه أولاً فيحملها على الخير والبر، ليكون بذلك الأسوة الحسنة والقدوة المثلى لمن يدعوهم ، وليكون لكلامه ذلك التأثير في نفوس السامعين الذين يدعوهم ، بل إنه ليس بحاجة إلى كثير عندئذ ، فحسْبُ الناس أن ينظروا إلي واقعه وسلوكه ، ليروا فيهما الإسلام والإيمان حياً يمشي أمامهم على الأرض ؛ وليشعّ بنوره على من حوله ، فيضيء الطريق للسالكين ، وتنفتح عليه العيون ويقع في القلوب ، فيحمل الناس بذلك على التأسي والإتباع .. فهو يدعو بسلوكه وواقعه قبل أن يدعو بقوله وكلامه..

 ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خير أسوة ، فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا أمر الناس بأمر كان أشد الناس تمسكاً به ، وكان يحمل أهل بيته على ذلك قبل أن يدعو غيرهم .

وما أعظم ذنب أولئك الذين يصدون عن دين الله ويقفون حجرة عثرة أمام الدخول فيه والتمسك بأحكامه ؛ لأنهم بسلوكهم ذاك ينفّرون الناس من الدين، وتنطلق الألسنة المتبجحة لتقول : انظروا إلى فلان .. إنه يدعونا إلى شيء ويخالفنا إلى غيره ، ولو كان ما دعونا إليه حقاً لاتبعه وتمسك به ؟ فيتركون – عندئذ – الدين ، بسبب سلوكه ذاك !!

فكيف يحافظ الناس على الصلاة وإمامهم لها من المهملين؟! كيف يحثهم على أداء صلاة الفجر مع الجماعة وهو عنها من المتكاسلين؟ متى يتعلم الناس الصدق في القول والوفاء بالوعد، وهو يكذب ويخلف؟ متى يعي الناس حرمة الغش ويغش في بيعه وشرائه ومعاملاته؟ ومن هذا الذي سيكرم جاره، وإمامه وجاره متلاحيان متخاصمان؟! كيف ينهى الناس عن الحرام وهو أول الآكلين؟!!

كم يتحملون من أوزار الذين تابعوهم في سلوكهم ذاك، إذ أنهم حملوهم على المخالفة والإثم بالإيحاء والقدوة العملية السيئة، ولولاهم ما وقعوا في ذلك ، فهم الذين سنَّوا هذه السنة السيئة فكان عليهم إثمهم وآثام من اتبعهم فقد : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه مسلم : « مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ».

وما أجمل الحكمة التي أجراها الله تعالى على لسان أبي الأسود الدؤلي، عندما قال :

يا أيها الرجل المعلم غيره … هلا لنفسك كان ذا التعليم

تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى … كيما يصح به وأنت سقيم

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها … فإن انتهت عنه فأنت حكيم

لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم

ولله در ابن الجوزي وهو يقول كما في صيد الخاطر:” ولقد تاب على يدي في مجالس الذكر أكثر من مائتي ألف، وأسلم على يديَّ أكثر من مائتي نفس؛ ولقد جلست يوماً فرأيت حولي أكثر من عشرة آلاف ما فيهم إلا من قد رق قلبه، أو دمعت عينه، فقلت لنفسي: كيف بك إن نجوا وهلكت: فصحت بلسان وجدي: إلهي وسيدي إن قضيت عليَّ بالعذاب غداً فلا تعلمهم بعذابي صيانة لكرمك لا لأجلي، لئلا يقولوا عذَّب من دل عليه”.

فأعوذ بالله أن أذكركم وأنساه وان أكون جسراَ تعبرون به إلى الجنة وأقع أنا في النار.

عباد الله: هناك مصيبة كبيرة –  كما عبر أحد الشعراء – استشرت في المجتمع؛ وهي: أنك كما كلمت أحداً أو نصحته يقول: والله عارف، عارفين كل حاجة. يرد عليهم الشاعر بقوله:

إن كنت لا تدري فتلك مصيبة……………….ولو كنت تدري فالمصيبة أعظم

ومن أجمل ما قيل في ذلك: الرجـــــــــال أ ربعــــــة:

فرجل يدري ويدري ‏أنه يدري * *‏  * * فذلك عالم فاعرفوه

ورجل يدري ولا ‏يدري أنه يدري * *‏  * * فذلك غافل فأيقظوه

ورجل لا يدري ‏ويدري أنه لا يدري * *‏  * *  ‏ فذلك جاهل فعلموه

ورجل لا يدري ولا ‏يدري أنه لا يدري * *‏  * *  ‏ فذلك أحمق فاجتنبوه

عباد الله: أقول للذي يعلم (وعارف كل حاجة)، كيف بك تتبجح وتعلم ثم تعاند وتجادل ولا تعمل؟!!! كيف بك حينما تقف أمام الله ويسألك: ماذا عملت بما علمت؟!! فيتساقط لحم وجهك حياءً من الله!

فعن عَبْدَ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ َقَالَ:”مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا أَنَّ رَبَّهُ سَيَخْلُو بِهِ كَمَا يَخْلُو أَحَدُكُمْ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَيَقُولُ: ابْنَ آدَمَ مَا غَرَّكَ بِي؟ ابْنَ آدَمَ مَا غَرَّكَ بِي؟ ابْنَ آدَمَ، مَاذَا أَجَبْتَ الْمُرْسَلِينَ؟ ابْنَ آدَمَ مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟ ابْنَ آدَمَ مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟ ابْنَ آدَمَ مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟” (الطبراني موقوفا على ابن مسعود).

ورَوى ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: “لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ: عَن عُمُرِه فيما أفناهُ، وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ، وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ، وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ “.

فعلى كل إنسان – داعية أو مدعو – علم من دينه شيئاً ؛ أن يعمل بما علم ؛ حتى لا يقع تحت طائلة المسائلة الربانية أمام الله يوم القيامة؛ ويتساقط لحم وجهه حياءً وخجلاً من الله تعالى .

 

جعلنا الله وإياكم من العالمين العاملين؛؛؛؛؛؛؛

 

نسأل الله أن يرزقنا علماً نافعاً وقلباً خاشعاً وبدنا على البلاء صابراً ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛

 

الدعاء،،،،،،،                                   وأقم الصلاة،،،،،،،                                                                         

كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

د / خالد بدير بدوي

شارك الخبر علي صفحات التواصل الإجتماعي
ads

عن د.أحمد رمضان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .