الخطبة المسموعةخطبة الأسبوعخطبة الجمعةعاجلمحمد القطاوي

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ: “أَهْلًا بِضَيْفِ الْأَرْوَاحِ.. شَوْقٌ وَاسْتِعْدَادٌ”اعداد الشيخ محمد القطاوي

خطبة الجمعة القادمة 13 فبراير 2026 بعنوان : استقبالُ شهرِ رمضانَ ، إعداد: مدير الجريدة الشيخ محمد القطاوي لـ صوت الدعاة ، بتاريخ 25 شعبان 1447هـ ، الموافق 13 فبراير 2026م.

لتحميل خطبة الجمعة القادمة 13 فبراير 2026م بصيغة word بعنوان : استقبالُ شهرِ رمضانَ ، إعداد: مدير الجريدة الشيخ محمد القطاوي .

  لتحميل خطبة الجمعة القادمة 13 فبراير 2026م بصيغة pdf بعنوان : استقبالُ شهرِ رمضانَ ، للشيخ محمد القطاوي.

عناصر خطبة الجمعة القادمة 13 فبراير 2026م بعنوان : استقبالُ شهرِ رمضانَ ، إعداد: مدير الجريدة الشيخ محمد القطاوي.

ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 13 فبراير 2026م : استقبالُ شهرِ رمضانَ ، إعداد: مدير الجريدة الشيخ محمد القطاوي : كما يلي:

    استقبالُ شهرِ رمضانَ

25 شعبان 1447هـ – 13 فبراير 2026م

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ: “أَهْلًا بِضَيْفِ الْأَرْوَاحِ.. شَوْقٌ وَاسْتِعْدَادٌ

استقبال شهر رمضان

الْجُمُعَةُ 25 شَعْبَان ١٤٤٧هـ – 13-٠٢-٢٠٢٦م

إعداد: الشيخ محمد طلعت القطاوى

عناصر الخطبة:

  • نَبْضُ الْقُلُوبِ فِي انْتِظَارِ الْمَحْبُوبِ
  • فَضِيلَةُ رَمَضَان.. مَائِدَةُ الرَّحْمَنِ الْفَاخِرَةُ
  • شَوْقُ الْأَرْوَاحِ وَاسْتِبْشَارُ الصَّالِحِينَ
  • الِاسْتِعْدَادُ الْعَمَلِيُّ.. لَا تَكُنْ كَمَنْ دَخَلَهُ حَافِيًا!
  • رَمَضَانُ وَالْقُرْآنُ.. عَوْدَةُ الرُّوحِ

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ: “أَهْلًا بِضَيْفِ الْأَرْوَاحِ.. شَوْقٌ وَاسْتِعْدَادٌ

استقبال شهر رمضان

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِمَوَاسِمِ الْخَيْرَاتِ، وَجَعَلَ الصِّيَامَ جُنَّةً مِنَ الْفِتَنِ وَالسَّيِّئَاتِ، وَرَفَعَ قَدْرَ شَهْرِ الصَّبْرِ عَلَى سَائِرِ الْأَوْقَاتِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَصَبَ الْمَوَائِدَ لِلطَّائِعِينَ، وَفَتَحَ أَبْوَابَ الْجِنَانِ لِتَّائِبِينَ، وَبَسَطَ يَدَهُ بِالرَّحْمَةِ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ. أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى نِعَمٍ تَتْرَى كَالْأَمْطَارِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْمَلِكُ الْغَفَّارُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارُ، سَيِّدُ مَنْ صَامَ وَقَامَ، وَأَفْضَلُ مَنْ رَكَعَ وَسَجَدَ وَصَلَّى وَصَامَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الْأَطْهَارِ، وَصَحَابَتِهِ الْأَخْيَارِ، مَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ.

أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللَّهِ.. اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التُّقَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ نُورَ الْهُدَى قَدِ اقْتَرَبَ أَنْ يُشْرِقَ، وَأَنَّ نَسِيمَ الْفَلَاحِ قَدْ دَنَا أَنْ يَهَبَّ.

نَبْضُ الْقُلُوبِ فِي انْتِظَارِ الْمَحْبُوبِ

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّنَا الْيَوْمَ عَلَى عَتَبَاتِ مَوْسِمٍ عَظِيمٍ، وَضِيَافَةِ رَبٍّ كَرِيمٍ. إِنَّنَا نَنْتَظِرُ زَائِرًا لَا يَزُورُنَا إِلَّا مَرَّةً فِي الْعَامِ، لَكِنَّ أَثَرَهُ يَبْقَى فِي الْقُلُوبِ مَدَى الْأَيَّامِ. إِنَّهُ شَهْرُ رَمَضَانَ، الَّذِي تَشْرَئِبُّ إِلَيْهِ الْأَعْنَاقُ، وَتَخْفُقُ بِذِكْرَاهُ الْقُلُوبُ وَالْآفَاقُ. تَأَمَّلُوا مَعِي -يَا رَعَاكُمُ اللَّهُ- حَالَ الْمُسَافِرِ الَّذِي طَالَتْ غُرْبَتُهُ، وَاشْتَدَّتْ غُصَّتُهُ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: “غَدًا تَعُودُ إِلَى دَارِكَ، وَتَلْتَقِي بِأَحْبَابِكَ”. كَيْفَ يَكُونُ شَوْقُهُ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ اسْتِعْدَادُهُ؟ هَكَذَا نَحْنُ مَعَ رَمَضَانَ؛ غُرَبَاءُ فِي ضَجِيجِ الدُّنْيَا، وَرَمَضَانُ هُوَ الْوَطَنُ الرُّوحِيُّ الَّذِي نَأْوِي إِلَيْهِ لِنَسْتَرِيحَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَدَرِ الْمَعَاصِي.

فَضِيلَةُ رَمَضَان.. مَائِدَةُ الغفران الْفَاخِرَةُ

يَتَبَايَنُ النَّاسُ فِي طَرِيقَةِ اسْتِقْبَالِهِمْ لِشَهْرِ رَمَضَانَ، فَقَدِ اسْتَعَدَّ لَهُ أَهْلُ الْفَنِّ بِمِئَاتِ الْأَفْلَامِ، وَاسْتَعَدَّ لَهُ الْبَعْضُ بِأَلْوَانِ الطَّعَامِ، فَمَا هُوَ اسْتِعْدَادُ مَنْ يُرِيدُ رِضَا الرَّحْمَنِ وَالرُّقِيَّ إِلَى أَعْلَى الْجِنَانِ؟ لَقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ شَهْرَ الصِّيَامِ فَأَنْزَلَ فِيهِ قُرْآنًا يُتْلَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. هَذَا الشَّهْرُ الْمُبَارَكُ مَوْسِمُ خَيْرٍ، وَمَوْسِمُ عِبَادَةٍ، تَتَضَاعَفُ فِيهِ هِمَّةُ الْمُسْلِمِ لِلْخَيْرِ وَيَنْشَطُ لِلْعِبَادَةِ. وَلَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ بِقُدُومِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَيُحَفِّزُهُمْ فِيهِ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ، حَيْثُ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (أَتَاكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ) [رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ].

فَرَمَضَانُ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِمْسَاكٍ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، بَلْ هُوَ مَدْرَسَةٌ إِلَهِيَّةٌ كُبْرَى. يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [الْبَقَرَة: 185]. يَقُولُ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ اللَّهَ رَبَطَ عَظَمَةَ الشَّهْرِ بِعَظَمَةِ الْكِتَابِ، فَكَأَنَّ رَمَضَانَ هُوَ الْوِعَاءُ الزَّمَانِيُّ لِأَعْظَمِ مُعْجِزَةٍ عَرَفَتْهَا الْبَشَرِيَّةُ. وَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ شَرَّفَ مَكَّةَ لِأَنَّهَا مَهْبِطُ الْوَحْيِ، فَقَدْ شَرَّفَ رَمَضَانَ لِأَنَّهُ زَمَنُ الْوَحْيِ.

فَرَمَضَانُ شَهْرٌ أَيَّامُهُ نَفِيسَةٌ وَحَسَنَاتُهُ كَثِيرَةٌ، شَهْرٌ يُصَفِّدُ فِيهِ الْبَارِي مَرَدَةَ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينَ مِنْ أَجْلِنَا، وَأَمَرَنَا بِالتَّنَافُسِ فِيهِ فِي شَتَّى الْمَيَادِينِ، فَهَنِيئًا لِمَنْ صَامَهُ، وَهَنِيئًا لِمَنْ أَشْغَلَ وَقْتَهُ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَحَفِظَ جَوَارِحَهُ مِنْ شَتَّى الْآثَامِ. رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: “إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ”. تَأَمَّلُوا هَذَا الْكَرَمَ الْإِلَهِيَّ! الْجَنَّةُ تَتَزَيَّنُ لَكَ، وَالنَّارُ تُغْلَقُ فِي وَجْهِكَ، وَعَدُوُّكَ اللَّدُودُ (الشَّيْطَانُ) يُكَبَّلُ بِالسَّلَاسِلِ؛ فَمَا عُذْرُكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنْ لَمْ تَدْخُلْ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ؟

وَيَكْفِي مِنْ فَضَائِلِ رَمَضَانَ أَيْضًا أَنَّهُ يَرْفَعُ الْعَبْدَ إِلَى أَعْلَى دَرَجَاتِ الْجِنَانِ، وَشَاهِدُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ قِصَّةِ رَجُلَيْنِ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ إِسْلَامُهُمَا مَعًا، فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنَ الْآخَرِ، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الْآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ. فَرَأَى طَلْحَةُ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا هُوَ بِهِمَا، فَخَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الْجَنَّةِ، فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الْآخِرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ! فَعَجِبَ طَلْحَةُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟”، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ اجْتِهَادًا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ، وَدَخَلَ هَذَا الْآخَرُ الْجَنَّةَ قَبْلَهُ! فَقَالَ ﷺ: “أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟ وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَ، وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِنْ سَجْدَةٍ فِي السَّنَةِ؟ فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ”. [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ]. يَا لَهَا مِنْ مَنْزِلَةٍ! سَنَةٌ وَاحِدَةٌ عِشْتَهَا وَأَدْرَكْتَ فِيهَا رَمَضَانَ، قَدْ تَرْفَعُكَ دَرَجَاتٍ فَوْقَ الشُّهَدَاءِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، فَكُلُّ رَمَضَانَ تَصُومُهُ يَرْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً أَبْعَدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَلَا يَسْتَحِقُّ أَنْ تَفْرَحَ بِقُدُومِ رَمَضَانَ؟ وَأَنْ تَسْأَلَ رَبَّكَ أَنْ يُبَلِّغَكَ صَوْمَ رَمَضَانَ؟

شَوْقُ الْأَرْوَاحِ وَاسْتِبْشَارُ الصَّالِحِينَ

كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ -رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ- يَعِيشُونَ لِرَمَضَانَ طَوَالَ الْعَامِ. يَقُولُ الْمُعَلَّى بْنُ الْفَضْلِ: “كَانُوا يَدْعُونَ اللَّهَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَنْ يُبَلِّغَهُمْ رَمَضَانَ، ثُمَّ يَدْعُونَهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَنْ يَتَقَبَّلَهُ مِنْهُمْ”. إِنَّهُ الشَّوْقُ الَّذِي لَا تُطْفِئُهُ إِلَّا سَجْدَةٌ فِي لَيْلِ رَمَضَانَ، أَوْ دَمْعَةٌ عِنْدَ إِفْطَارِ تَائِبٍ.

وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ الْبَلِيغُ:

إِلَى السَّمَاءِ تَجَلَّتْ نَظْرَتِي وَرَنَتْ … وَهَلَّلَتْ دَمْعَتِي فِي سَالِفِ الْقِدَمِ

رَمَضَانُ أَقْبَلَ يَا كُلَّ الْمُنَى فَبِهِ … يُجْلَى الظَّلَامُ وَبِالْأَنْوَارِ نَعْتَصِمُ

يَا خَيْرَ ضَيْفٍ أَقَامَ الْقَلْبُ مَنْزِلَهُ … وَفِي الْحَشَا لَهَبُ الْأَشْوَاقِ يَضْطَرِمُ

يَا عِبَادَ اللَّهِ، هَلْ تَشْعُرُونَ بِهَذَا اللَّهَبِ فِي حَشَاكُمْ؟ هَلْ تَتَحَرَّكُ الْأَرْوَاحُ حَنِينًا لِذَاكَ النِّدَاءِ: “يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ”؟ إِنَّ قُلُوبَ الْمُحِبِّينَ تَضِيقُ بِالدُّنْيَا ذَرْعًا، فَإِذَا لَاحَ هِلَالُ رَمَضَانَ، انْشَرَحَتْ صُدُورُهُمْ كَأَنَّمَا وُلِدُوا مِنْ جَدِيدٍ. لَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يُبَالِغُونَ فِي تَعْظِيمِ رَبِّهِمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْفَضِيلِ فَجَعَلُوهُ شَهْرَ طَاعَةٍ وَقُرْبَةٍ وَعِبَادَةٍ. كَانَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ سِتِّينَ خَتْمَةً، كُلُّهَا فِي الصَّلَاةِ! لَيْسَ سُرْعَةً بِلَا تَدَبُّرٍ، بَلْ كَانَ يَعِيشُ مَعَ كُلِّ آيَةٍ. وَكَانَ الْإِمَامُ مَالِكٌ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ، تَرَكَ قِرَاءَةَ الْحَدِيثِ وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْمُصْحَفِ قَائِلًا: “هَذَا شَهْرُ الْقُرْآنِ”.

يُحْكَى أَنَّ عَابِدًا كَانَ يَبْكِي عِنْدَ دُخُولِ رَمَضَانَ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: “أَبْكِي لِأَنَّنِي أَخْشَى أَنْ يُبْسَطَ الْخِوَانُ وَيُحْرَمَ الْجَيْعَانُ، وَأَخْشَى أَنْ يُفْتَحَ الْبَابُ وَيُطْرَدَ الْحَيْرَانُ”. إِنَّهَا خَشْيَةُ الْحِرْمَانِ! فَكَمْ مِنْ شَخْصٍ يَصُومُ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ وَالتَّعَبُ. يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: “رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ” [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. “رَغِمَ أَنْفُ” أَيْ: الْتَصَقَ بِالتُّرَابِ ذُلًّا وَخُسْرَانًا. فَلَا تَكُنْ -يَا أَخِي- مِنْ هَؤُلَاءِ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ يَمُرُّ عَلَيْهِمْ نَهْرُ الرَّحْمَةِ وَهُمْ عِطَاشَى مِنَ التَّقْوَى.

فَكَمَا تَرَوْنَ أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ كَانَ عِنْدَ السَّلَفِ يُعْرَفُ بِشَهْرِ الْقُرْآنِ، وَلَكِنْ حَوَّلَهُ الْإِعْلَامُ إِلَى شَهْرِ مُسَلْسَلَاتٍ وَأَفْلَامٍ! لَقَدْ نَجَحَتْ هَذِهِ الْقَنَوَاتُ الْفَضَائِيَّةُ فِي سَرِقَةِ أَوْقَاتِ النَّاسِ وَإِضْلَالِهِمْ وَإِفْسَادِ عَقَائِدِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ بِاسْمِ التَّرْفِيهِ عَنِ الصَّائِمِينَ. فَلَمْ يَكْفِ هَذِهِ الْقَنَوَاتِ وَالْعَامِلِينَ فِيهَا مَا قَامُوا بِهِ طَوَالَ الْعَامِ مِنْ إِفْسَادٍ فِي بُيُوتِ الْمُسْلِمِينَ لِيَزْدَادَ إِضْلَالُهُمْ فِي مَوْسِمٍ يَحْتَرِمُهُ الْمُسْلِمُونَ. إِنَّ هُنَاكَ كَمًّا هَائِلًا مِنَ الْمُسَلْسَلَاتِ الرَّمَضَانِيَّةِ وَالْبَرَامِجِ التَّرْفِيهِيَّةِ تَمَّ تَجْهِيزُهَا الْآنَ فِي مُعْظَمِ الْقَنَوَاتِ الْفَضَائِيَّةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهَا تَشْتِيتُنَا وَإِلْهَاؤُنَا عَنْ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ فِي رَمَضَانَ، فَلَكُمْ أَنْ تَتَخَيَّلُوا مِنْ بَعْدِ الْإِفْطَارِ وَحَتَّى السَّحُورِ كَمِّيَّةَ الْمُسَلْسَلَاتِ الَّتِي تُعْرَضُ فِي هَذَا التَّوْقِيتِ بِالذَّاتِ، فَمَتَى سَيُصَلِّي الْعَبْدُ الْفَرَائِضَ وَالتَّرَاوِيحَ؟ وَمَتَى سَيَتَفَرَّغُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَمَتَى سَيَصِلُ أَرْحَامَهُ؟ وَمَتَى يُفَرِّغُ قَلْبَهُ لِذِكْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ؟ فَاحْذَرُوا سُرَّاقَ الْأَوْقَاتِ وَهِيَ الْقَنَوَاتُ الْفَضَائِيَّةُ الَّتِي سَتُهَاجِمُنَا بِأَفْلَامِهَا وَخَيْلِهَا وَرَجِلِهَا، فَاحْذَرُوهَا أَنْ تَسْرِقَ مِنْكُمْ أَوْقَاتَكُمْ وَتُلْهِيَكُمْ عَنْ مَرْضَاةِ رَبِّكُمْ، وَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ فِي رَمَضَانَ، فَقَدْ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عُتَقَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ – يَعْنِي فِي رَمَضَانَ – وَإِنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً) [رَوَاهُ الْبَزَّارُ].

 الِاسْتِعْدَادُ الْعَمَلِيُّ.. لَا تَكُنْ كَمَنْ دَخَلَهُ حَافِيًا!

إِنَّ مِنَ الْخَطَأِ الْفَادِحِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْنَا رَمَضَانُ وَنَحْنُ نَغْرَقُ فِي وَحْلِ الذُّنُوبِ وَالتَّبِعَاتِ. الِاسْتِعْدَادُ لَيْسَ بِشِرَاءِ الْأَطْعِمَةِ وَالْمَشْرُوبَاتِ، بَلْ بِتَطْهِيرِ الْقُلُوبِ وَالنِّيَّاتِ إِنَّنَا فِي حَاجَةٍ مَاسَّةٍ إِلَى اسْتِقْبَالٍ بِقُلُوبٍ نَقِيَّةٍ. فَتَعَالَوْا بِنَا لِنَتَعَرَّفَ عَلَى خُطُوَاتِ الِاسْتِعْدَادِ لِاسْتِقْبَالِ هَذَا الضَّيْفِ الْكَرِيمِ.

كَيْفَ نَسْتَقْبِلُ رَمَضَانَ؟ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ مِنْ شِيَمِ الْكِرَامِ، وَعَادَاتِ ذَوِي الْمُرُوءَةِ وَالْأَحْلَامِ، أَنَّهُمْ إِذَا اسْتَشْعَرُوا قُرْبَ ضَيْفٍ عَزِيزٍ، وَطَارِقٍ شَرِيفٍ، سَارَعُوا إِلَى تَزْيِينِ الدِّيَارِ، وَتَطْهِيرِ الْأَفْنِيَةِ وَالْآثَارِ، وَإِزَالَةِ كُلِّ مَا يَشِينُ الْمَشْهَدَ أَوْ يُؤْذِي الْعَيْنَ. وَإِنَّ لَنَا فِي رَمَضَانَ ضَيْفًا لَيْسَ كَالْأَضْيَافِ، فَهُوَ ضَيْفٌ يَزُورُ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَبْدَانِ، وَيَحُلُّ فِي الْقُلُوبِ قَبْلَ الْبُيُوتِ. فَكَيْفَ يَلِيقُ بِنَا – وَنَحْنُ أَهْلُ الْكَرَمِ وَالْإِيمَانِ – أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَحَدُنَا هَذَا الضَّيْفَ الرُّوحَانِيَّ بِقَلْبٍ مُمْتَلِئٍ بِغُبَارِ الْغَفْلَةِ، أَوْ بِبَيْتٍ تَسْكُنُهُ شَيَاطِينُ الْمَعَاصِي؟ فَهَلَّا طَهَّرْنَا الْقُلُوبَ قَبْلَ تَزْيِينِ الشَّوَارِعِ وَالْبُيُوتِ؟ فَلَا يَسْتَقِيمُ طِيبُ الْبُخُورِ فِي مَكَانٍ لَمْ تُنَظَّفْ زَوَايَاهُ. وَتَطْهِيرُنَا لِرَمَضَانَ يَكُونُ بِكَنْسِ أَتْرِبَةِ الذُّنُوبِ بِمِكْنَسَةِ الِاسْتِغْفَارِ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [الْبَقَرَة: 222]. وَالطَّهَارَةُ هُنَا هِيَ طَهَارَةُ الْبَاطِنِ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ، وَطَهَارَةُ الظَّاهِرِ مِنَ الْحَرَامِ وَاللَّغْوِ.

يُروَى أَنَّ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ رَأَى رَجُلًا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَبْكِي، ثُمَّ تَوَقَّفَ فَجْأَةً، فَسَأَلَهُ مَالِكٌ: “مَا بِكَ؟” قَالَ: “ذَكَرْتُ ذَنْبًا لِي خَفِيًّا، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَقْرَأَ كَلَامَ اللَّهِ بِلِسَانٍ لَوَّثَتْهُ الْغِيبَةُ”. انْظُرُوا إِلَى دِقَّةِ التَّطْهِيرِ! هَكَذَا يَكُونُ الِاسْتِعْدَادُ؛ أَنْ نَغْسِلَ أَلْسِنَتَنَا بِذِكْرِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ نَتْلُوَ بِهَا آيَاتِهِ فِي رَمَضَانَ.

أَنْ نُزَيِّنَ مَجَالِسَنَا بِالْأَنْوَارِ الْإِيمَانِيَّةِ وَالنَّفَحَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْقُرُبَاتِ وَالطَّاعَاتِ. إِذَا كَانَ النَّاسُ يُزَيِّنُونَ شَوَارِعَهُمْ بِالزِّينَةِ وَالْأَنْوَارِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يُزَيِّنُ “خَلْوَتَهُ” مَعَ اللَّهِ.

  • زِينَةُ الْعَيْنِ: غَضُّهَا عَنِ الْحَرَامِ لِتَكْتَحِلَ بِنُورِ النَّظَرِ فِي الْمُصْحَفِ.
  • زِينَةُ الْأُذُنِ: صَمُّهَا عَنِ الْغِنَاءِ وَالْغِيبَةِ لِتَشْنَفَ بِآيَاتِ الرَّحْمَنِ.
  • زِينَةُ الْبَيْتِ: صَلَاةُ النَّوَافِلِ الَّتِي تَجْعَلُ الْبَيْتَ كَالنَّجْمِ الْمُضِيءِ لِأَهْلِ السَّمَاءِ. يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ الْبَيْتَ لَيَتَّسِعُ عَلَى أَهْلِهِ، وَتَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَتَهْجُرُهُ الشَّيَاطِينُ، وَيَكْثُرُ خَيْرُهُ، أَنْ يُقْرَأَ فِيهِ الْقُرْآنُ [رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ].

جَاءَ الصِّيَامُ فَجَاءَ الْخَيْرُ أَجْمَعُهُ … تَرْتِيلُ ذِكْرٍ وَتَحْمِيدٌ وَتَسْبِيحُ

فَالنَّفْسُ تَرْتَعُ فِي رَوْضِ التُّقَى مَرِحًا … وَالْقَلْبُ لِلْوَجْدِ وَالْآمَالِ مَفْتُوحُ

طَهِّرْ فُؤَادَكَ مِنْ رِجْسٍ وَمِنْ دَنَسٍ … فَالضَّيْفُ نُورٌ وَفِي الْأَنْوَارِ تَرْوِيحُ

فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِذَا نَزَلَ بِكُمْ ضَيْفٌ مِنَ الْوُجَهَاءِ، غَسَلْتُمُ السَّجَّادَ، وَمَسَحْتُمُ النَّوَافِذَ، وَطَبَخْتُمُ أَشْهَى الطَّعَامِ. فَرَمَضَانُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَعَدَّ لَهُ! وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ نَسْتَحِيَ مِنْهُ.

  • طَهِّرُوا شَاشَاتِكُمْ: مِنْ كُلِّ مَا يُغْضِبُ اللَّهَ، لِيَكُونَ الْبَيْتُ مُهَيَّأً لِنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ.
  • طَهِّرُوا مَوَائِدَكُمْ: مِنَ الْمَالِ الْحَرَامِ وَالشُّبُهَاتِ، فَاللَّهُ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا.
  • زَيِّنُوا أَخْلَاقَكُمْ: بِالْبِشْرِ وَالتَّبَسُّمِ، فَصَائِمٌ بِوَجْهٍ عَبُوسٍ كَأَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ سِرَّ الْجَمَالِ فِي رَمَضَانَ.

تَأَمَّلُوا قَوْلَ اللَّهِ: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الْحَج: 32]. وَتَعْظِيمُ رَمَضَانَ يَبْدَأُ مِنْ هَذَا “الِاسْتِبْشَارِ” الَّذِي يَظْهَرُ فِي تَزْيِينِ الْبَاطِنِ قَبْلَ الظَّاهِرِ.

  1. التَّوْبَةُ النَّصُوحُ: ابْدَأْ بِصَفْحَةٍ بَيْضَاءَ مَعَ اللَّهِ. قُلْ: “يَا رَبِّ، أَتَيْتُكَ بِذُنُوبِي فَارْحَمْنِي”.
  2. سَدَادُ الْمَظَالِمِ: إِنْ كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَخِيكَ شَحْنَاءُ، فَصَالِحْهُ. رَمَضَانُ لَا يَرْتَفِعُ فِيهِ عَمَلُ الْمُتَخَاصِمِينَ.
  3. تَرْوِيضُ النَّفْسِ: ابْدَأْ مِنَ الْآنَ بِتَقْلِيلِ اللَّغْوِ، وَتَدْرِيبِ اللِّسَانِ عَلَى الذِّكْرِ، وَالْعَيْنِ عَلَى غَضِّ الْبَصَرِ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرَان: 133]. وَالْمُسَارَعَةُ تَكُونُ قَبْلَ الدُّخُولِ، لِتَدْخُلَ رَمَضَانَ وَأَنْتَ فِي كَامِلِ لِيَاقَتِكَ الْإِيمَانِيَّةِ.

فَهَلَّا أَقْبَلْنَا عَلَى اللَّهِ مُلَبِّينَ النِّدَاءَ بِتَوْبَةٍ نَصُوحَةٍ وَعَزِيمَةٍ صَادِقَةٍ نُقْلِعُ عَنْ كُلِّ مَا ارْتَكَبْنَاهُ وَمَا اقْتَرَفْنَاهُ مِنَ الْآثَامِ وَالذُّنُوبِ دُونَ يَأْسٍ، فَمَهْمَا عَظُمَتِ الذُّنُوبُ فَعَفْوُ اللَّهِ أَعْظَمُ وَمَهْمَا ضَاقَتِ الدُّنْيَا فَبَابُ اللَّهِ أَرْحَبُ، فَاطْرُقُوا بَابَ التَّوْبَةِ بِقُلُوبٍ بَاكِيَةٍ بِدَمَعَاتِ النَّدَمِ. ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. فَيَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الْعَفْوِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الْغُفْرَانِ أَقْبِلْ وَيَا أَيُّهَا الْمُفَرِّطُ فِي الذُّنُوبِ أَقْصِرْ وَتُبْ إِلَى اللَّهِ الْغَفُورِ، فَاللَّهُ قَدْ وَعَدَكَ بِالْقَبُولِ حِينَ تَرْجِعُ وَبِالْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ حِينَ تَسْتَغْفِرُ: ﴿۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.

فَيَا مَنْ أَثْقَلَتِ الذُّنُوبُ كَوَاهِلَكُمْ، وَيَا مَنْ تَظُنُّونَ أَنَّ مَرْكَبَكُمْ قَدْ غَرِقَ فِي بَحْرِ الْخَطَايَا.. اسْمَعُوا وَعَوْا. هَلْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكُمْ مَبْلَغَ رَجُلٍ سَفَكَ دِمَاءَ مِئَةِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ فَهَلْ قَتَلْتَ مِائَةَ نَفْسٍ حَتَّى تَقْنَطَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ؟ حَتَّى الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَيْأَسْ. هَلْ سَمِعْتُمْ بِقِصَّةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي يَرْوِي لَنَا الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ خَبَرَهُ أَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لَمْ يَتْرُكْ لِلشَّرِّ بَابًا إِلَّا وَطَرَقَهُ، حَتَّى قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا. لَكِنَّ ذَرَّةً مِنْ نُورِ الْفِطْرَةِ كَانَتْ لَا تَزَالُ تَنْبُضُ فِي أَعْمَاقِهِ، فَخَرَجَ هَائِمًا عَلَى وَجْهِهِ يَصْرُخُ فِي أَزِقَّةِ الْحَيَاةِ: “هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟”.

دُلَّ عَلَى “عَابِدٍ” -وَهُنَا مَكْمَنُ الْخَطَرِ، عَابِدٌ بِلَا عِلْمٍ- فَقَالَ لَهُ: “قَتَلْتُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟” فَاسْتَعْظَمَ الْعَابِدُ الْجُرْمَ، وَضَيَّقَ مَا وَسَّعَ اللَّهُ، وَقَالَ: “لَا.. لَيْسَ لَكَ تَوْبَةٌ!”. وَهُنَا، اسْتَبَدَّ الْيَأْسُ بِالرَّجُلِ، وَكَأَنَّ لِسَانَ حَالِهِ يَقُولُ: “إِذَا كَانَ الْبَابُ مُغْلَقًا، فَمَا يَضِيرُنِي لَوْ زِدْتُ الذَّنْبَ ذَنْبًا؟” فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ الْمِئَةَ. فَعَابِدٌ يُغْلِقُ بَابَ الرَّحْمَةِ وَعَالِمٌ يَفْتَحُ أَبْوَابَ الْأَمَلِ. لَمْ يَهْدَأْ قَلْبُهُ، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فدُلَّ عَلَى “عَالِمٍ” رَبَّانِيٍّ. سَأَلَهُ السُّؤَالَ نَفْسَهُ: “قَتَلْتُ مِئَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟”. تَأَمَّلُوا جَوَابَ الْعَالِمِ الَّذِي يُدْرِكُ قَدْرَ عَفْوِ اللَّهِ، قَالَ لَهُ بِمِلْءِ فِيهِ: “نَعَمْ! وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟!”. إِنَّهَا كَلِمَةٌ تَهُزُّ الْجِبَالَ: “مَنْ ذَا الَّذِي يَجْرُؤُ أَنْ يُغْلِقَ بَابًا فَتَحَهُ اللَّهُ؟”. لَكِنَّ التَّوْبَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ بِاللِّسَانِ، بَلْ هِيَ “هِجْرَةٌ” وَتَغْيِيرٌ. فَقَالَ لَهُ الْعَالِمُ: “انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ؛ فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ”.

انْطَلَقَ الرَّجُلُ صَادِقًا، يَحْدُوهُ الشَّوْقُ لِمَغْفِرَةِ اللَّهِ. وَفِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ، أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ. نَزَلَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، وَاخْتَصَمُوا فِيهِ:

  • مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: “إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، وَقَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ!”
  • مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: “إِنَّهُ جَاءَ تَائِبًا، مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ!” فَأَرْسَلَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: “قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ”. وَهُنَا تَتَدَخَّلُ الْعِنَايَةُ الْإِلَهِيَّةُ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى “أَرْضِ السُّوءِ” أَنْ تَبَاعَدِي، وَإِلَى “أَرْضِ الطَّاعَةِ” أَنْ تَقَارَبِي. وُجِدَ أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى أَرْضِ التَّوْبَةِ بِشِبْرٍ وَاحِدٍ! فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَقَبِلَهُ.

رَحْمَةُ اللَّهِ أَوْسَعُ مِنْ ذَنْبِكَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: “يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي”. فَمَنْ أَنْتَ – يَا مِسْكِينُ – بِذَنْبِكَ الصَّغِيرِ أَمَامَ عَظَمَةِ “الْغَفَّارِ”؟

أَنَا الْعَبْدُ الَّذِي سَطَّرْتُ ذَنْبِي … وَأَنْتَ الرَّبُّ تَصْفَحُ عَنْ جِرَاحِي

أَتَيْتُكَ هَارِبًا مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ … كَطَيْرٍ فَرَّ مِنْ رِيحِ الصَّبَاحِ

فَإِنْ عَذَّبْتَنِي.. فَالْعَدْلُ رَبِّي … وَإِنْ تَغْفِرْ.. فَفِي الْعَفْوِ انْشِرَاحِي

مَاذَا أَقُولُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ لَوْعَتِي … وَتَرَى سَوَادَ الْقَلْبِ فِي جَنَبَاتِي؟

 رَمَضَانُ أَقْبَلَ وَالْخَطَايَا أَثْقَلَتْ … ظَهْرِي.. فَهَلْ تَمْحُو جِبَالَ سِيَّاتِي؟

فَإِذَا كَانَ مَنْ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ قَدْ غُفِرَ لَهُ لِأَنَّهُ “تَحَرَّكَ” نَحْوَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِنَا وَنَحْنُ نَتَحَرَّكَ نَحْوَ “رَمَضَانَ”؟ رَمَضَانُ هُوَ “أَرْضُ الطَّاعَةِ” الَّتِي نُهَاجِرُ إِلَيْهَا. هُوَ الْمِينَاءُ الَّذِي تَرْسُو فِيهِ سُفُنُنَا الْمَثْقُوبَةُ لِتُصْلَحَ. فَلَا تَسْمَحْ لِلْيَأْسِ أَنْ يَهْمِسَ فِي أُذُنِكَ: “أَنْتَ مُنَافِقٌ.. أَنْتَ تَائِبُ مَوْسِمٍ.. أَنْتَ ذُنُوبُكَ كَثِيرَةٌ”. قُلْ لَهُ: “بَلْ رَبِّي رَحِيمٌ، وَرَمَضَانُ كَرِيمٌ، وَأَنَا لِلَّهِ رَاجِعٌ”. فَاجْعَلُوا قُلُوبَكُمُ الْآنَ تَضِجُّ بِالِاسْتِغْفَارِ، فَاللَّهُ يَنْظُرُ إِلَى صِدْقِكُمْ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا قَدَّمْنَا وَمَا أَخَّرْنَا، وَارْحَمْ ذُلَّنَا بَيْنَ يَدَيْكَ، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ بِقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ.

رَمَضَانُ وَالْقُرْآنُ.. عَوْدَةُ الرُّوحِ

ارْتِبَاطُ الْقُرْآنِ بِرَمَضَانَ ارْتِبَاطُ الرُّوحِ بِالْجَسَدِ. فِي رَمَضَانَ، يَصْبَحُ لِلْقُرْآنِ طَعْمٌ آخَرُ، وَلِلْآيَاتِ وَقْعٌ أَعْمَقُ. اسْمَعُوا لِقَوْلِ الشَّاعِرِ يَصِفُ حَالَ الْمُتَهَجِّدِينَ بِالْقُرْآنِ:

نَامَتْ عُيُونُ الْغَافِلِينَ وَعَيْنُهُ … تَرْعَى نُجُومَ اللَّيْلِ لَمْ تَتَهَجَّدِ يَتْلُو كِتَابَ اللَّهِ يُحْيِي لَيْلَهُ … بِتَضَرُّعٍ وَتَبَتُّلٍ وَتَجَرُّدِ فَإِذَا مَضَى شَطْرٌ مِنَ اللَّيْلِ انْثَنَى … كَالْغُصْنِ مَسَّتْهُ النَّسِيمُ الْأَبْرَدِ

يَا أَهْلَ الطَّاعَةِ وَالْإِيمَانِ، اجْعَلُوا لِبُيُوتِكُمْ نَصِيبًا مِنْ نُورِ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ. لَا تَهْجُرُوا الْمُصْحَفَ، فَإِنَّهُ الشَّفِيعُ الْمُشَفَّعُ. أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ الْأَيَّامَ تَمْضِي كَالسَّحَابِ، وَالْعُمْرَ يَنْسَلُّ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا كَالثَّوْبِ الْخَلِقِ. رَمَضَانُ فُرْصَةٌ قَدْ لَا تَتَكَرَّرُ، فَكَمْ مِنْ صَدِيقٍ كَانَ مَعَنَا الْعَامَ الْمَاضِي وَهُوَ الْيَوْمَ تَحْتَ التُّرَابِ، مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ، يَتَمَنَّى لَوْ عَادَ لِيُسَبِّحَ تَسْبِيحَةً أَوْ يَسْجُدَ سَجْدَةً. يَا غَافِلًا وَرَمَضَانُ قَدْ دَنَا.. انْتَبِهْ! يَا مُذْنِبًا وَبَابُ التَّوْبَةِ قَدْ فُتِحَ.. أَقْبِلْ! يَا مُشْتَاقًا وَلَحْظَةُ اللِّقَاءِ قَدْ حَانَتْ.. اسْتَعِدْ!

اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا رَمَضَانَ، اللَّهُمَّ سَلِّمْنَا لِرَمَضَانَ، وَسَلِّمْ رَمَضَانَ لَنَا، وَتَسَلَّمْهُ مِنَّا مُتَقَبَّلًا. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ الصَّائِمِينَ الْقَائِمِينَ، وَمِنْ عُتَقَائِكَ مِنَ النَّارِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا، وَاغْفِرْ ذُنُوبَنَا، وَاسْتُرْ عُيُوبَنَا، وَاجْعَلْ هَذَا الشَّهْرَ بِدَايَةَ عَهْدٍ جَدِيدٍ مَعَكَ، تَوْبَةً لَا نَرْتَدُّ بَعْدَهَا أَبَدًا.

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ.. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

 

 

خُطبةُ صوتِ الدعاةِ – إعداد مدير الجريدة: الشيخ محمد القطاوي

___________________________________

 

خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف علي صوت الدعاة 

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة

 

تابعنا علي الفيس بوك

 

الخطبة المسموعة علي اليوتيوب

 

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات

 

و للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع

 

للمزيد عن أخبار الأوقاف

 

و للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف

 

للمزيد عن مسابقات الأوقاف

 

اظهر المزيد

admin

مجلس إدارة الجريدة الدكتور أحمد رمضان الشيخ محمد القطاوي رئيس التحريـر: د. أحمد رمضان (Editor-in-Chief: Dr. Ahmed Ramadan) تليفون (phone) : 01008222553  فيس بوك (Facebook): https://www.facebook.com/Dr.Ahmed.Ramadn تويتر (Twitter): https://twitter.com/DRAhmad_Ramadan الأستاذ محمد القطاوي: المدير العام ومسئول الدعم الفني بالجريدة. الحاصل علي دورات كثيرة في الدعم الفني والهندسي للمواقع وإنشاء المواقع وحاصل علي الليسانس من جامعة الأزهر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى