ads
الأحد , 18 نوفمبر 2018
جانبي
جانبي
أخر الأخبار
ads
الرئيسية / أخبار مهمة / سلسلة الدروس الرمضانية، الدرس السابع والعشرون: الاستقامة علي الطاعة، للدكتور خالد بدير
سلسلة الدروس الرمضانية، الدرس السابع والعشرون: الاستقامة علي الطاعة، للدكتور خالد بدير
الدكتور خالد بدير

سلسلة الدروس الرمضانية، الدرس السابع والعشرون: الاستقامة علي الطاعة، للدكتور خالد بدير

2814 عدد الزيارات

سلسلة الدروس الرمضانية، الدرس السابع والعشرون: الاستقامة علي الطاعة، للدكتور خالد بدير.

لتحميل الدرس بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الدرس بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الدرس كما يلي:

سلسلة الدروس الرمضانية

 

الدرس السابع والعشرون: الاستقامة على الطاعة

 

لقد غمرتني الفرحة حينما رأيت المسجد مكتظاً بالمصلين مع أول ليلة من رمضان ؛ وما هي ليلة أو ليلتان وبدأ المصلون ينقرضون رويداً رويداً ؛ قلت : سبحان الله !! لماذا لا يستقيم الناس على طاعة الله في رمضان وغير رمضان ؟!!

لذلك جاء الحديث في هذا اللقاء عن الاستقامة .

والاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم ، وهو الدين القيم ، من غير ميل عنه يمنة ولا يسرة ، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها ، الظاهرة والباطنة ، وترك المنهيات كلها ، الظاهرة والباطنة . ( انظر : جامع العلوم والحكم لابن رجب).

وهي وسط بين الغول والتقصير ، وكلاهما منهي عنه شرعاً.

ولما كان من طبيعة الإنسان أنه قد يقصر في فعل المأمور ، أو اجتناب المحظور ، وهذا خروج عن الاستقامة ، أرشده الشرع إلى ما يعيده لطريق الاستقامة ، فقال تعالى مشيراً إلى ذلك : { فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ } ( فصلت: 6) .

 فأشار إلى أنه لابد من تقصير في الاستقامة المأمور بها ، وأن ذلك التقصير يجبر بالاستغفار المقتضي للتوبة والرجوع إلى الاستقامة.

فعَنْ أَبِى ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ “[ الترمذي وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ].

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعالب”

والمراوغة دأب اليهود؛ ففي الصحيحين عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ -وَهُوَ بِمَكَّةَ-: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْنَامِ». فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؛ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ؛ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوه، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ».

وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: “استقاموا: أخلصوا العمل لله”.

وقال عليٌّ، وابن عباس رضي الله عنهما: “استقاموا: أدوا الفرائض”.

وقال ابن حجر رحمه الله : “الاستقامة كناية عن التمسك بأمر الله تعالى فعلا وتركا”. قال تعالى: { فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} ( الشورى: 15).

وقال: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ }. ( الأنعام: 153) ، وقال: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. (هود: 112) .

 يقول ابن كثير رحمه الله : ” يأمر الله – تعالى – رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة ، وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ، ومخالفة الأضداد ، وينهى عن الطغيان وهو البغي ؛ فإنه مصرعة حتى ولو على مشرك ، وأعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد لا يغفل عن شيء ، ولا يخفى عليه شيء “.

” وقال ابن عباس : ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع القرآن آية أشد ولا أشق عليه من هذه الآية ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : « شيبتني هود وأخواتها ، » وعن بعضهم قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت له : روي عنك أنك قلت شيبتني هود وأخواتها فقال : « نعم » فقلت : وبأي آية؟ فقال بقوله : { فاستقم كَمَا أُمِرْتَ } . “. ( تفسير الرازي).

وكما حفل القرآن بالعديد من الآيات التي تأمر بالاستقامة؛ فكذلك حفلت السنة النبوية المشرفة بالعديد من الأحاديث التي تحث على الاستقامة ولزومها في كل وقت وحين .

 فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ»، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: «هَذِهِ سُبُلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ»، ثُمَّ قَرَأَ: {وأِنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}. ( أحمد وابن ماجة ).

وأمر نبي الله – صلى الله عليه وسلم – أصحابه بالاستقامة، فعن عبد الله بنِ عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أنَّ معاذَ بن جبل أراد سفراً، فقال: يا رسولَ الله أوصني، قال: «اعبد الله، ولا تشرك به شيئاً». قال: يا رسول الله زِدني. قال: «إذا أسأتَ فأحسنْ»، قال: يا رسول الله زدني. قال: «استقم ولْتُحْسِنْ خلقك». (الطبراني والحاكم ).

وعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ بَعْدَكَ، قَالَ: قُلْ: « آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ ». ( أحمد والطبراني والنسائي ).

يقول ابن رجب : ” الاستقامة : هي سلوكُ الصِّراط المستقيم ، وهو الدِّينُ القيِّم من غير تعريج عنه يَمنةً ولا يَسرةً ، ويشمل ذلك فعلَ الطَّاعات كلّها ، الظاهرة والباطنة ، وتركَ المنهيات كُلِّها كذلك ، فصارت هذه الوصيةُ جامعةً لخصال الدِّين كُلِّها .” ( جامع العلوم والحكم ).

كما أكدت السنة على استقامة اللسان؛ لأن به استقامة الجوارح كلها .

 فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرفُوعاً قَالَ: ”إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ؛ فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا؛ وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا” . [ الترمذي بسند حسن ].

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ؛ وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ “. ( أحمد والطبراني والبيهقى بسند حسن ).

يقول ابن رجب :” متى استقام القلبُ على معرفةِ الله ، وعلى خشيته ، وإجلاله ، ومهابته ، ومحبته ، وإرادته ، ورجائه ، ودعائه ، والتوكُّلِ عليه ، والإعراض عما سواه ، استقامت الجوارحُ كلُّها على طاعته ، فإنَّ القلبَ هو ملكُ الأعضاء ، وهي جنودهُ ، فإذا استقامَ الملك ، استقامت جنودُه ورعاياه ؛ وأعظم ما يُراعى استقامتُه بعدَ القلبِ مِنَ الجوارح اللسانُ ، فإنَّه ترجمانُ القلب والمعبِّرُ عنه ، ولهذا لما أمر النَّبيُّ – صلى الله عليه وسلم – بالاستقامة ، وصَّاه بعدَ ذلك بحفظ لسانه “. ( جامع العلوم والحكم ).

جوانب ومجالات الاستقامة:

إذا نظرنا إلى جوانب ومجالات الاستقامة، نجد أن الاستقامة تشمل جوانب الدين وأموره كلها؛ فالدين الإسلامي يشتمل على ثلاثة أقسام: عقيدة ؛ وشريعة ( عبادة ) ؛ وأخلاق .

وحتى تتحقق الاستقامة للعبد لابد أن يجمع بين هذه الجوانب الثلاثة في الاستقامة ؛ وهاك البيان :

الجانب الأول: الاستقامة على العقيدة الصحيحة:

فلابد من الاستقامة على العقيدة الصحيحة، العقيدة التي هي: إيمان بالله عز وجل، وتوحيد له بجميع أنواع التوحيد..الإلهيات والسمعيات والنبوات.

 استقامة على العقيدة التي تعني أن الإيمان قول وعمل، وليس هو تلفظ باللسان فقط. العقيدة التي تدفع الإنسان إلى العمل، ليس ذلك الإسلام البارد، الذي هو مجموعة من الألفاظ التي يتلفظ بها الناس..

إن هناك مشكلة في سلوك كثير من المسلمين، وهي أن اعتقاداتهم التي يؤمنون بها ليست حافزاً لهم على العمل، ولا دافعاً لهم لمزيد من التقديم في طاعة الله عز وجل.

فالاستقامة الحقة تتمثل في عقيدة وسطية خالصة لله ؛ مجانبة للغلو أو التقصير في حق الله تعالى وحق أنبيائه وحق الغيبيات كلها ؛ بعيدة عن الأوهام والخرافات والعقائد الفاسدة التي تهدم أصول الدين الإسلامي السمح الحنيف .

 الجانب الثاني: الاستقامة في العبادات مع لزوم الاتباع وترك الابتداع:

وهنا يؤكد الرسول – صلى الله عليه وسلم – في باب العبادات على الاستقامة في أداء العبادات اقتداء به واستقامة على هديه وطريقته ؛ ففي الصلاة قال: ” صلُّوا كما رأيتُموني أصلِّي ” (رواه البخاري).

 وفي الحج قال”خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ” (رواه مسلم والنسائي).

ولما علم الرسول شدة اقتداء الصحابة به صلى الله عليه وسلم وخاصة في مناسك الحج خشي عليهم الازدحام والتقاتل في أداء المناسك فرفع عنهم الحرج؛ فعن جابر، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:” قد نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر، ووقف بعرفة، فقال: قد وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف، ووقف بالمزدلفة، فقال: قد وقفت هاهنا، والمزدلفة كلها موقف” ( أبوداود ).

 تصورت هذا المشهد من ازدحام الناس عند جبل الرحمة في أرض عرفات وقلت: لو قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقفت ها هنا وهذا هو الموقف!! ونحرت ها هنا وهذا هو المنحر!! لتقاتل الناس وهلك الكثير ؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم كان رحيماً بأمته.

وفي الصيام اتبعوه- صلى الله عليه وسلم- في الوصال فنهاهم رحمة ورأفة بهم وشفقة عليهم؛ فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ” نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟! إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ؛ فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ؛ فَقَالَ: لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ ؛ كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا ” ( البخاري ).

ولشدة اقتداء الصحابة به – صلى الله عليه وسلم- اتبعوه في خلع نعله أثناء الصلاة ، مع أن هذا الأمر خاص به – لعارض – دون غيره.

فقد أخرج أبو داود والحاكم والببهقي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي إِذْ وَضَعَ نَعْلَيْهِ عَلَى يَسَارِهِ فَأَلْقَى النَّاسُ نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاةَ ، قَالَ: ” مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ ؟ “، قَالُوا : رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ فَأَلْقَيْنَا، فَقَالَ: ” إِنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا أَوْ أَذًى فَمَنْ رَأَى – يَعْنِي – فِي نَعْلِهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُمَا ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا .”

فعليكم بالاستقامة في جميع العبادات مع الاتباع لا الابتداع ؛ مع مجانبة الانحراف في العبادة عن الوسطية السمحة حتى لو كان الذي يجرك إلى ذلك يطير في الهواء أو يمشي على الماء لإيهامك أنه وصل العلا .

” حُكِي للإمام الشافعي رحمه الله ما قاله الليث بن سعد، فقيه مصر ومفتيها في زمانه: “لو رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تعتدوا به ولا تغتروا به حتى تعرضوه على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم”، فقال: “لقد قصَّر الليث، لو رأيتم الرجل يمشي على الماء، أو يطير في الهواء، فلا تعتدوا به ولا تغتروا به حتى تعرضوه على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الشيطان يطير من المشرق إلى المغرب”. (فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب – محمد عويضه ).

الجانب الثالث: الاستقامة في جانب السلوك والأخلاق:

والاستقامة تكون كذلك في جانب السلوك، فلابد أن يكون سلوك الإنسان مستقيماً، ولابد أن تكون أخلاقه مستقيمة، فلا يتلبس بشيء من سفاسف الأمور أو الأخلاق السيئة، ولذلك يعتقد بعض الناس أن الاستقامة فقط في قضايا الأخلاق، فترى أحدهم يُسأل عن فلان: ما رأيك في فلان؟ فيقول: هو والله مستقيم، تسأله: كيف هو مستقيم؟ يقول: لا يكذب، ولا يشتم، ولا يسب، وإنسان لطيف، ومعاملته طيبة، وهو مستقيم لا يستعمل الرشوة، لا يخون في معاملته، إنسان مستقيم. لكن قد يكون هذا الرجل الموصوف بهذه الصفات لا يصلي، وقد يكون خرج إلى الفسق بقضايا كثيرة، ومخالفات عديدة، يرتكبها في حق نفسه.

 فالناس اليوم يعبرون عن الاستقامة، ويقولون: إنسان مستقيم لمجرد الأخلاق الطيبة، والأخلاق الطيبة في حد ذاتها جيدة مطلوبة لكنها لا تكفي، وهذا الفهم للاستقامة فهم قاصر جداً؛ لأنهم اقتصروا على الاستقامة في جانب واحد من الجوانب.

وهكذا تشمل الاستقامة جوانب الدين الثلاثة : العقيدة والعبادة والأخلاق ؛ وإذا تحققت هذه الجوانب الثلاثة أصبح العبد مستقيماً كامل الاستقامة .

يقول الإمام القشيري في رسالته : ” الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها ، وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ، ومن لم يكن مستقيما في حالته ضاع سعيه وخاب جهده “.

علماً بأن منزل الاستقامة صعب المنال ؛ ولا يمكن إحصاؤه إلا بجهد واجتهاد ؛ فعَنْ ثَوْبَانَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ :” اسْتَقِيمُوا ، وَلَنْ تُحْصُوا “. ( أحمد وابن ماجة والحاكم وصححه ) .

” قال ابن نافع معناه : ولن تحصوا الأعمال الصالحات ولا يمكنكم الاستقامة في كل شيء. وقال القاضي أبو الوليد رضي الله عنه معناه عندي: لا يمكنكم استيعاب أعمال البر من قوله تعالى : ( والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه ) . وقال مطرف معناه : ولن تحصوا مالكم من الأجر إن استقمتم “.( شرح الموطأ للباجي ).

ولذلك منزل الاستقامة لا يصل إليه إلا الأكابر في العبادات والطاعات . يقول النووي:” الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر لأنها الخروج عن المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات ، والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق “. ( شرح مسلم ).  وقال ابن رجب :” لن تقدروا على الاستقامة كلها “. ( جامع العلوم والحكم ).

عوامل تحقيق الاستقامة

قد يقول قائل : كل إنسان يتمنى الاستقامة على الطاعة والعبادة فكيف ذلك ؟!!

أقول : هناك عدة عوامل تعينك على لزوم الاستقامة على الطاعة وتتمثل فيما يلي:

أولاً: الدعاء :

فنحن نقول في كل ركعة: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }(الفاتحة: 6) . وقال تعالى: { وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (يونس: 25) . فالهداية بيد الله، وسبيل نيلها دعاؤه.

ثانياً: الصبر على الطاعة:

وقد ذكرت ذلك بالتفصيل في درس الصبر على الطاعة؛ وكيفية تحقيقه ؛ فالإنسان إذا فعل المأمورات واجتنب المنهيات هدي إلى الاستقامة؛ قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } (آل عمران: 66-68) . روى ابن أبي حاتم في التفسير أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر : يا رسول الله، والله لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت، قال: «صدقت يا أبا بكر».

ثالثاً: اتباع القرآن والسنة:

فاتباع القرآن وأوامره ونواهيه متمثل في قوله تعالى: { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ }. (الأحقاف: 29).

واتباع السنة متمثل في قوله تعالى: { وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }. (المؤمنون: 73 ).

بالإيمان:

قال تعالى: { وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. ( الحج: 54)

البرنامج العملى للاستقامة :

قد يقول قائل: أريد خطة أو برنامجاً عملياً أسير عليه لأسلك طريق الاستقامة:

أقول: خطة العمل وبرنامجه الذي يسير عليه في طريق الاستقامة أمور ثلاثة :

أولها : التخلية .

ثانيها : التحلية .

ثالثها : الثبات .

فلا بد من المجيء بالتخلية الذي هو تخلية نفسك وروحك وأفكارك مما كنت فيه في أوقات الجاهلية ، ومفاهيم خاطئة وسلوكيات مشينة وغير ذلك .

وكذلك لا بد من التحلية ، بأن تحلي نفسك بأوامر الإسلام من واجبات, وفرائض ومستحبات, وسنن وأخلاقيات وغير ذلك .

 كما أنه لا بد من أن يثلث بالثبات على الاستقامة إلى أن يتوفاه الله سبحانه وتعالى ؛ ولذلك هذه الثلاثة هي البرنامج العملي الذي يسير عليه الإنسان منذ أن وضع أولى خطواته في طريق الاستقامة ، فلا بد أن يباشر عملية التخلية ، فيتخلى عن معايبه ,وسيئاته ,والمفاهيم الخاطئة التي حملها معه في جاهلية جهلاء تاه فيها ، أو ضلالة عمياء كان في أوحالها ، أو خبط عشواء ، ولو كان يسميه الناس الرجل العادي ، ورجل الشارع .

وهو أيضا بحاجة إلى تحلية ، أن يحلي نفسه بما أوجبه الله سبحانه وتعالى عليه بجميع المأمورات ، والتخلي عن المنهيات والتزود بالإيمان الذي عند أهل السنة والجماعة ، يزيد وينقص ، كذلك هو بحاجة إلى مثبتات تثبته على هذا الطريق حتى لا يغوى .

ثمرات وفوائد الاستقامة

إن العبد إذا استقام في جوانب الإسلام الثلاثة عاد ذلك عليه بثمرات وفوائد كثيرة في الدنيا والأخرة ؛ وذلك من خلال قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ }.( فصلت : 30 – 32).

من هذه الآية وغيرها نستنتج بعضاً من ثمرات الاستقامة منها:

1ـ طمأنينة القلب بدوام الصلة بالله عز وجل.        

2ـ أن الاستقامة تعصم صاحبها – بإذن الله عز وجل – من الوقوع في المعاصي والزلل وسفاسف الأمور والتكاسل عن الطاعات.

3ـ تنزل الملائكة عليهم عند الموت ، وقيل: عند خروجهم من قبورهم ، قائلين : { ألا تخافوا ولا تحزنوا} على ما قدمتم عليه من أمور الآخرة ، ولا ما تركتم من أمور الدنيا من مال وولد وأهل.

4ـ حب الناس واحترامهم وتقديرهم للمسلم المستقيم ، سواء كان صغيراً أو كبيراً على ما يظهر عليه من حرص على الطاعة ، والخلق الفاضل والاستقامة في المعاملات.

5ـ وعد الله المتقين أن لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم ، وتلذ أعينهم ، وتطلبه ألسنتهم ، إحساناً من الله تعالى.       

ألا فالزموا الاستقامة في جميع جوانب حياتكم ؛ ومن كان في رمضان محافظاً على عقيدته ؛ ومحافظاً على جميع العبادات في أوقاتها من الصيام والصلاة والصدقات والقرآن وغير ذلك من الطاعات ؛ ومن كان محافظاً مستقيماً في سلوكياته وأخلاقياته في الصيام ؛ فليحافظ على كل ذلك ويستقيم عليه إن شاء الله بعد رمضان ؛ حتى يكون مستقيماً عند الله ؛ فخير العمل أدومه وإن قل .

أسأل الله أن يهدينا صراطاً مستقيماً ؛ ويؤتينا من لدنه أجراً عظيماً ؛؛؛

كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

د / خالد بدير بدوي

 

شارك الخبر علي صفحات التواصل الإجتماعي
ads

عن د.أحمد رمضان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .