خطبة الأسبوعخطبة الجمعةخطبة الجمعة القادمة ، خطبة الجمعة القادمة لوزارة الأوقاف المصرية مكتوبة word pdfخطبة الجمعة خطبة الأسبوع ، خطبة الجمعة القادمة، خطبة الاسبوع، خطبة الجمعة وزارة الأوقافعاجل

خطبة الجمعة :مِنَ المِحْنَةِ إِلَى المِنْحَةِ.. جَبْرُ الخَوَاطِرِ فِي مِعْرَاجِ السَّمَاءِ : للشيخ محمد طلعت القطاوى

خطبة رائعة للشيخ محمد القطاوي بعنوان جبر الخواطر

خطبة الجمعة القادمة 16 يناير 2026 بعنوان : خطبة الجمعة :مِنَ المِحْنَةِ إِلَى المِنْحَةِ.. جَبْرُ الخَوَاطِرِ فِي مِعْرَاجِ السَّمَاءِ ، إعداد: الشيخ محمد طلعت القطاوى  لـ صوت الدعاة ، بتاريخ 27 رجب1447هـ ، الموافق 16 يناير 2026م.

 

لتحميل خطبة الجمعة القادمة 16 يناير 2026م بصيغة word بعنوان : جبر الخواطر من دروس الاسراء والمعراج ، الشيخ محمد طلعت القطاوى  لـ صوت الدعاة.

 

 انفراد لتحميل خطبة الجمعة القادمة 9 يناير 2026م بصيغة pdf بعنوان : جبر الخواطر من دروس الإسراء والمعراج  ، للشيخ محمد طلعت القطاوي

 

عناصر خطبة الجمعة القادمة 16 يناير 2026م بعنوان : جبر الخواطر من دروس الاسراء والمعراج ، الشيخ محمد طلعت القطاوى .

مِنَ المِحْنَةِ إِلَى المِنْحَةِ..

جَبْرُ الخَوَاطِرِ فِي مِعْرَاجِ السَّمَاءِ

الجمعة ٢٧ رجب ١٤٤٧هـ ١٦-٠١-٢٠٢٦م

إعداد: الشيخ محمد طلعت القطاوى

عناصر الخطبة:

**العُنْصُرُ الأَوَّلُ:** محطات من الإبتلاء وصبر يسبق الفرج (إِصْرَارُ النَّبِيِّ عَلَيَّ تَبْلِيغِ دَعْوَةِ رَبِّهِ)

**العُنْصُرُ الثَّانِي:** بَعْدَ المِحْنَةِ مِنْحَةٌ وَبَعْدَ البَلَايَا عَطَايَا (مِنَ الِانْكِسَارِ إِلَيَّ الِانْتِصَارِ)

**العُنْصُرُ الثَّالِثُ:** مِعْرَاجُ القُلُوبِ.. جَبْرُ الخَاطِرِ فِي حَضْرَةِ القُدُّوسِ

**العُنْصُرُ الرَّابِعُ:** كُنْ جَابِرًا لِلْقُلُوبِ لِيَجْبُرَكَ عَلَّامُ الغُيُوبِ

الخُطْبَةُ الأُولَى

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ بَعْدَ لَيْلِ الِابْتِلَاءِ فَجْرَ الِاصْطِفَاءِ، وَجَبَرَ قُلُوبَ أَوْلِيَائِهِ بَعْدَ مَرَارَةِ الجَفَاءِ. الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِكُلِّ كَسِيرٍ عِنْدَهُ مَقَامًا، وَلِكُلِّ مَحْزُونٍ فِي رِحَابِهِ نَجْوَى وَإِكْرَامًا. الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ بَعْدَ الضِّيقِ مَخْرَجًا، وَبَعْدَ الكَسْرِ جَبْرًا، وَبَعْدَ العُسْرِ يُسْرًا. سُبْحَانَ مَنْ أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا لِيَمْسَحَ عَنْ قَلْبِهِ أَحْزَانَ الدُّنْيَا، وَيُطَيِّبَ خَاطِرَهُ بِأَنْوَارِ العُلَا.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ الجَبَّارُ الَّذِي لَا يَعْظُمُ عَلَيْهِ كَسْرٌ إِلَّا جَبَرَهُ، وَلَا هَمٌّ إِلَّا فَرَّجَهُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، حَبِيبُ الرَّحْمَنِ، وَإِمَامُ الصَّابِرِينَ، الَّذِي ذَاقَ لَوْعَةَ اليُتْمِ، وَمَرَارَةَ الفَقْدِ، وَأَذَى القَرِيبِ، فَصَبَرَ حَتَّى نَادَاهُ مَوْلَاهُ: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ}.

أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ، يَا شَبَابَ الْإِسْلَامِ:

أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَإِنَّ مَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَمَنْ رَاقَبَهُ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ هَدَاهُ. فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الإِسْلَامِ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ جبر الخواطر عبادة ربانية وخلق من اخلاق نبينا صلي الله عليه وسلم

**العُنْصُرُ الأَوَّلُ:** محطات من الإبتلاء وصبر يسبق الفرج (إِصْرَارُ النَّبِيِّ عَلَيَّ تَبْلِيغِ دَعْوَةِ رَبِّهِ)**أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، أَحْبَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ:**

أَعِيرُونِي القُلُوبَ قَبْلَ الآذَانِ، لِنَعِيشَ لَحَظَاتٍ مَعَ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَهُوَ فِي أَصْعَبِ أَيَّامِ حَيَاتِهِ. تَخَيَّلُوا هَذَا القَلْبَ الشَّرِيفَ وَقَدْ تَكَاثَفَتْ عَلَيْهِ الأَحْزَانُ. مَاتَ “أَبُو طَالِبٍ” السَّنَدُ الخَارِجِيُّ، وَلَحِقَتْ بِهِ “خَدِيجَةُ” المَلَاذُ الدَّاخِلِيُّ. تَخَيَّلُوا نَبِيَّكُمْ ﷺ قَبْلَ الإِسْرَاءِ بِأَيَّامٍ.. كَانَ يَمْشِي فِي طُرُقَاتِ مَكَّةَ وَقَدْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ. رَحَلَ عَنْهُ عَمُّهُ الَّذِي كَانَ يَحْمِيهِ، وَمَاتَتْ زَوْجَتُهُ خَدِيجَةُ الَّتِي كَانَتْ تُؤْوِيهِ، فَلَمَّا ضَاقَتْ بِهِ أَرْضُ مَكَّةَ بِمَا رَحُبَتْ حَتَّى خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ يَبْحَثُ عَنْ نَصِيرٍ، فَإِذَا بِأَقْرَبِ الأَقْرَبِينَ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وَيُغْرُونَ بِهِ سُفَهَاءَهُمْ حَتَّى خَضَبُوا قَدَمَيْهِ الشَّرِيفَتَيْنِ بِالدِّمَاءِ.

“تَعَالَوْا مَعِي لِنَنْظُرَ إِلَى مَشْهَدٍ تَنْفَطِرُ لَهُ القُلُوبُ.. حَيْثُ قَطَعَ الحَبِيبُ المُصْطَفَى ﷺ إِلَى الطَّائِفِ مَاشِيًا عَلَى قَدَمَيْهِ، مَسَافَةَ ثَمَانِينَ كِيلُومِتْرًا فِي الجِبَالِ الوَعِرَةِ، لَا لِطَلَبِ مَالٍ، بَلْ لِطَلَبِ الأَمَانِ لِدِينِ اللَّهِ. وَمَعَهُ رَفِيقُ دَرْبِهِ وَابْنُهُ بِالتَّبَنِّي (زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ).

وَقَفَ ﷺ أَمَامَ سَادَةِ ثَقِيفٍ، فَرَدُّوا عَلَيْهِ بِأَقْبَحِ الرَّدِّ. قَالَ أَحَدُهُمْ: ‘أَمَا وَجَدَ اللَّهُ أَحَدًا يَبْعَثُهُ غَيْرَكَ؟’ وَقَالَ الآخَرُ: ‘لَئِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَأَنَا أَشَدُّ تَمْزِيقًا لِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ’.

لَقَدْ ذَهَبَ إِلَى “الطَّائِفِ” يَحْمِلُ النُّورَ، فَقَابَلُوهُ بِالنَّارِ، وَذَهَبَ يَمُدُّ لَهُمْ يَدَ النَّجَاةِ، فَمَدُّوا إِلَيْهِ أَيْدِيَ السَّفَاهَةِ. خَرَجَ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ، لَا لِمَغْنَمٍ وَلَا لِجَاهٍ، بَلْ لِيَقُولَ: “يَا رَبِّ”. فَإِذَا بِأَهْلِ الأَرْضِ يُغْلِقُونَ الأَبْوَابَ، وَيَسْتَهْزِئُونَ بِقَدْرِهِ.

وَلَمْ يَكْتَفُوا بِالقَوْلِ، بَلْ أَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ.. اصْطَفُّوا سِمَاطَيْنِ (صَفَّيْنِ) عَلَى طَرِيقِهِ، وَأَمْسَكُوا بِالحِجَارَةِ المُدَبَّبَةِ. كُلَّمَا خَطَا النَّبِيُّ ﷺ خُطْوَةً، رَمَوْهُ فِي قَدَمِهِ الشَّرِيفِ! كُلَّمَا رَفَعَ قَدَمًا، رَشَقُوهَا بِحَجَرٍ، حَتَّى خُضِبَتْ نَعْلَاهُ بِالدِّمَاءِ الزَّكِيَّةِ.

تَخَيَّلُوا هَذَا المَشْهَدَ الدَّامِيَ: عِصَابَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ وَالغِلْمَانِ، يَصْطَفُّونَ عَلَى جَانِبَيِ الطَّرِيقِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي بَيْنَهُمْ، فَيَرْشُقُونَهُ بِالحِجَارَةِ المُدَبَّبَةِ رَشْقًا مُتَتَابِعًا. لَمْ يَرْحَمُوا شَيْبَتَهُ، وَلَمْ يَرْحَمُوا غُرْبَتَهُ، وَلَمْ يَرْحَمُوا قَدْرَهُ عِنْدَ رَبِّهِ.

وَفِي هَذَا المَوْقِفِ العَصِيبِ، يَتَجَلَّى حُبُّ الصَّحَابَةِ فِي أَبْهَى صُوَرِهِ؛ فَهَذَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لَمْ يَقِفْ مُتَفَرِّجًا، بَلْ أَلْقَى بِجَسَدِهِ عَلَى جَسَدِ النَّبِيِّ ﷺ، كَانَ يَتَلَقَّى الحِجَارَةَ بِرَأْسِهِ لِيَحْمِيَ رَأْسَ المَعْصُومِ، وَيَسْتَقْبِلُ الطَّعَنَاتِ بِصَدْرِهِ لِيَقِيَ صَدْرَ الحَبِيبِ، حَتَّى سَالَتِ الدِّمَاءُ مِنْ رَأْسِ زَيْدٍ، وَانْصَبَغَ ثَوْبُهُ بِالأَحْمَرِ، وَهُوَ لَا يُبَالِي بِنَفْسِهِ، وَهُوَ يَصْرُخُ: ‘يَا قَوْمِ! هَذَا رَسُولُ اللَّهِ! يَا قَوْمِ اتَّقُوا اللَّهَ!’ لَمْ يَهْتَمَّ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا كُلُّ هَمِّهِ أَنْ يَسْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.

أَوَّاهُ مِنْ وَجَعِ الحَبِيبِ بِطَائِفٍ … وَالدَّمْعُ يَجْرِي وَالدِّمَاءُ تَسِيلُ

يَمْشِي وَقَدْ نَكَرَتْهُ أَرْضٌ جَاءَهَا … نُورًا، فَعَامَلَهُ الجَفَا وَجَهُولُ

رَشَقُوهُ بِالأَحْجَارِ حَتَّى أُدْمِيَتْ … قَدَمَاهُ، وَالخَطْوُ الشَّرِيفُ ثَقِيلُ

وَزَيْدُ يَفْدِيهِ بِرُوحٍ حُرَّةٍ … جَسَدٌ لِوَقْعِ أَحْجَارِهِمْ مَقِيلُ

يَرْمُونَ صَدْرَ المُصْطَفَى بِحِجَارَةٍ … وَالقَلْبُ مِنْ أَلَمِ الصُّدُودِ عَلِيلُ

يَا صَاحِبَ الخُلُقِ العَظِيمِ مَكَانَةً … أَنْتَ العَزِيزُ وَمَنْ سِوَاكَ ذَلِيلُ

صَبْرًا أَيَا نُورَ الوُجُودِ فَإِنَّمَا … بَعْدَ المَسِيرِ “مَعَارِجٌ” وَنَزِيلُ

هُنَاكَ.. فِي ظِلِّ نَخْلَةٍ، حَيْثُ لَمْ يَسْتَفِقْ الحبيب إِلَّا وَهُوَ بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَيَدْخُلُ بُسْتَانًا لِابْنَيْ رَبِيعَةَ لِيَسْتَرِيحَ القَلْبُ قَبْلَ الجَسَدِ فَيُنَادَى المَكْسُورُ رَبَّهُ: رَافِعًا نَجْوَاهُ مُتَضَرِّعًا بِشَكْوَاهُ كَلِمَاتٌ يَبُوحُ بِهَا قَلْبٌ حَزِينٌ وَعِبَارَاتٌ تَسْبِقُهَا العَبَرَاتُ نَادَى رَبَّهُ وَدَمَعَاتُ العَيْنِ تَتَقَاطَرُ عَلَى الخَدِّ حُزْنًا عَلَى حَالِ قَوْمٍ رَفَضُوا الهِدَايَةَ وَتَمَسَّكُوا بِالضَّلَالِ بَرْقِيَّةٌ عَاجِلَةٌ تُرْفَعُ مِنَ الحَبِيبِ إِلَى الحَبِيبِ «إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي». لَمْ يَكُنْ يَشْكُو لِفَقْرٍ نَزَلَ أَوْ لِضِيقٍ أَلَمَّ بِهِ وَلَا يَطْلُبُ دُنْيَا وَلَا مَتَاعًا، بَلْ لِأَنَّ قَلْبَهُ جُرِحَ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ وَالجَفَاءِ.

جَلَسَ ﷺ وَالدَّمُ الشَّرِيفُ يَقْطُرُ مِنْ قَدَمَيْهِ، وَبَدَلَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ، نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً تَهْتَزُّ لَهُ الجِبَالُ: «إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ».

**العُنْصُرُ الثَّانِي:** بَعْدَ المِحْنَةِ مِنْحَةٌ وَبَعْدَ البَلَايَا عَطَايَا (مِنَ الِانْكِسَارِ إِلَيَّ الِانْتِصَارِ)

وَلَمَّا بَلَغَ الِانْكِسَارُ مُنْتَهَاهُ، فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، لَا لِتَنْزِلَ مَلَائِكَةُ العَذَابِ، بَلْ لِتَبْدَأَ أَعْظَمُ رِحْلَةِ “جَبْرِ خَاطِرٍ” فِي تَارِيخِ الوُجُودِ. لَمَّا بَلَغَتِ الشِّدَّةُ ذُرْوَتَهَا، جَاءَ الجَبْرُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ فَمَا بَعْدَ المِحَنِ إِلَّا المِنَحُ وَمَا بَعْدَ البَلَايَا إِلَّا العَطَايَا وَمَا بَعْدَ ظَلَامِ اللَّيْلِ إِلَّا فَجْرُ الأَمَلِ الَّذِي يَمْحُو ظَلَامَ العُسْرِ “بَعْدَ هَذَا الكَسْرِ العَظِيمِ، وَبَيْنَمَا هُوَ مُنْكَفِئٌ فِي ظِلِّ حَائِطٍ (بُسْتَانٍ)، جَاءَهُ المَلَكُ.. لَا لِيُعَزِّيَهُ فَحَسْبُ، بَلْ لِيَقُولَ لَهُ: ‘إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ (الجَبَلَيْنِ)’.

لَكِنَّ القَلْبَ المَجْبُورَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ أَبَى، وَقَالَ: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ». وَمِنْ هُنَا انْطَلَقَ حَبِيبُنَا لِلْإِسْرَاءِ.. لِأَنَّ الَّذِي رُجِمَ بِالحِجَارَةِ فِي الأَرْضِ، اسْتُقْبِلَ بِالرَّيَاحِينِ وَالأَنْوَارِ فِي السَّمَاءِ. الَّذِي سَالَ دَمُهُ فِي الطَّائِفِ، جَعَلَ اللَّهُ مَقَامَهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى.

فَإِنَّ الَّذِي رَأَى الدِّمَاءَ تَسِيلُ عَلَى العُشْبِ فِي الطَّائِفِ، هُوَ الَّذِي أَمَرَ السَّمَاوَاتِ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِلِقَائِهِ. هَذَا القَدَمُ الَّذِي جُرِحَ بِالحِجَارَةِ، هُوَ نَفْسُهُ القَدَمُ الَّذِي سَيَطَأُ مَكَانًا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ.

وَفِي لَيْلَةٍ سَكَنَتْ فِيهَا الأَصْوَاتُ، وَهَدَأَتِ الأَنْفَاسُ، نَزَلَ جِبْرِيلُ. لَا لِيَحْمِلَ وَحْيًا مَقْرُوءًا هَذِهِ المَرَّةَ، بَلْ لِيَحْمِلَ “دَعْوَةَ زِيَارَةٍ” إِلَى مَلِكِ المُلُوكِ. فَبَعْدَ جُرْحِ الطَّائِفِ بِأَيَّامٍ، جَاءَ جِبْرِيلُ لِيَقُولَ لَهُ: “يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَبَّكَ يَدْعُوكَ”. لِيَنْتَقِلَ مِنْ جَفَاءِ بَنِي ثَقِيفٍ، إِلَى حَفَاوَةِ أَهْلِ التَّشْرِيفِ.

أَتَاهُ بِالبُرَاقِ، وَانْطَلَقَ بِهِ لَيْلًا. وَتَأَمَّلُوا لِمَاذَا كَانَ الإِسْرَاءُ لَيْلًا؟ لِأَنَّ اللَّيْلَ مَوْعِدُ المُحِبِّينَ، وَلِأَنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يَجْبُرَ خَاطِرَهُ فِي سَاعَةِ الخَلْوَةِ.

أَيُّهَا الأَحْبَابُ.. تَعَالَوْا لِنُغَادِرَ الأَرْضَ وَجِرَاحَهَا، وَنَطِيرَ بِأَرْوَاحِنَا إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، إِلَى تِلْكَ البُقْعَةِ الَّتِي بَارَكَ اللَّهُ حَوْلَهَا. تَخَيَّلُوا المَسْجِدَ الأَقْصَى فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ.. لَمْ تَكُنْ لَيْلَةً عَادِيَةً، بَلْ كَانَتْ لَيْلَةَ ‘العُرْسِ الكَوْنِيِّ’. أُسْرِجَتْ قَنَادِيلُ السَّمَاءِ، وَنَزَلَ المَلَائِكَةُ وُفُودًا، وَاكْتَمَلَ النِّصَابُ.. مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ نَبِيٍّ، كُلُّهُمْ اصْطَفُّوا بِانْتِظَارِ ‘الضَّيْفِ العَظِيمِ’. لَقَدِ التَفُّوا حَوْلَهُ ﷺ، بِحَفَاوَةِ المُحِبِّينَ. التَفُّوا حَوْلَهُ لِيَمْسَحُوا عَنْ قَلْبِهِ غُبَارَ الطَّائِفِ، وَمَرَارَةَ مَكَّةَ، وَجُحُودَ قُرَيْشٍ. كَأَنَّهُمْ كَوَاكِبُ زَاهِرَةٌ تَلْتَفُّ حَوْلَ قَمَرِهَا المُنِيرِ.”

هَا هُوَ حَبِيبِي الآنَ يَدْخُلُ الأَقْصَى مُكَرَّمًا وَخَلْفَهُ الوَفْدُ المَلَائِكِيُّ يَتَقَدَّمُهُمُ النَّبِيُّ الأَمِينُ مُرَافِقًا لَهُ مَبْعُوثُ السَّمَاءِ جِبْرِيلُ فَيَجِدَ الأَنْبِيَاءَ جَمِيعًا فِي اسْتِقْبَالِهِ.. مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ نَبِيٍّ، يَصْطَفُّونَ صُفُوفًا مُتَلَاحِمَةً. وَمَنِ الإِمَامُ؟ إِنَّهُ النَّبِيُّ المَطْرُودُ مِنْ مَكَّةَ! إِنَّهُ الصَّابِرُ عَلَى أَذَى الطَّائِفِ!

هُنَاكَ حَيْثُ أُولَى القِبْلَتَيْنِ وَمَسْرَى النَّبِيُّ وَثَالِثُ الحَرَمَيْنِ حَيْثُ عَبَقُ التَّارِيخِ وَقُدْسِيَّةُ المَكَانِ حَيْثُ الأَقْصَى الشَّامِخُ الذي شرفه الله بنص كتابه فقال سبحان (سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)

الأقصي المَحَطَّةُ الأولي في رحلة الحبيب البُقْعَةُ المُبَارَكَةُ الَّتِي سَتُعْلَنُ فِيهَا قِيَادَةُ النَّبِيِّ وَعَالَمِيَّةُ رِسَالَتِهِ؛ الآنَ وَقَدْ بَدَأَتْ مَرَاسِمُ الِاسْتِقْبَالِ وَقَدْ وَقَفَ كُلُّ نَبِيٍّ فِي ذَلِكَ المَحْفَلِ المَهِيبِ، يُدْلِي بِدَلْوِهِ يُلْقِي كَلِمَةَ التَّرْحِيبِ بِأَعْذَبِ الكَلِمَاتِ مُسْتَهِلًّا كَلَامَهُ بِالثَّنَاءِ عَلَى خَالِقِهِ مُعَدِّدًا نِعَمَهُ وَجَبْرًا لِلْخَاطِرِ وَتَوْقِيرًا لِلْكَبِيرِ يَقُومُ أَبُونَا آدَمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَنَظَرَ إِلَى ذُرِّيَّتِهِ العَظِيمَةِ وَقَالَ: ‘الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي أَبًا لِلْبَشَرِ، وَأَسْجَدَ لِي مَلَائِكَتَهُ’.

ثُمَّ قَامَ إِبْرَاهِيمُ الخَلِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، شَيْخُ الأَنْبِيَاءِ وَجَدُّ المُصْطَفَى، فَقَالَ بِوَقَارٍ: ‘الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، وَجَعَلَ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ’.

ثُمَّ قَامَ مُوسَى الكَلِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَقَالَ بِلَهْجَةِ القُوَّةِ: ‘الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَلَّمَنِي تَكْلِيمًا، وَجَعَلَ هَلَاكَ فِرْعَوْنَ عَلَى يَدَيَّ’.

ثُمَّ قَامَ عِيسَى بن مريم  -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَقَالَ بِسَكِينَةٍ: ‘الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ، وَعَلَّمَنِي الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ’.

كَانَتْ كَلِمَاتُهُمْ كَأَنَّهَا بَلْسَمٌ يُوضَعُ عَلَى جُرْحِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَأَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ يَقُولُ لَهُ: ‘يَا مُحَمَّدُ، إِنْ جَفَاكَ أَهْلُ الأَرْضِ، فَهَا نَحْنُ الأَنْبِيَاءُ قَبْلَكَ، كُلُّنَا نُحِبُّكَ وَنَعْرِفُ قَدْرَكَ عِنْدَ اللَّهِ’.”

أَيُّهَا النَّاسُ الآنَ الكَلِمَةُ لِمَنْ لِأَجْلِهِ تَزَيَّنَتِ السَّمَاوَاتُ العُلَا “قَامَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، اليَتِيمُ المَطْرُودُ، الصَّابِرُ المَكْسُورُ فِي الأَرْضِ، المُكَرَّمُ فِي السَّمَاءِ، فَقَامَ يَخْطُبُ فِيهِمْ وَالأَنْوَارُ تَخْرُجُ مِنْ مُحَيَّاهُ، فَقَالَ كَلِمَاتٍ هَزَّتْ أَرْكَانَ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ:«كُلُّكُمْ حَمِدَ رَبَّهُ، وَأَنَا أَحْمَدُ رَبِّي.. الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَكَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ الفُرْقَانَ فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَجَعَلَ أُمَّتِي خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وَجَعَلَ أُمَّتِي وَسَطًا، وَجَعَلَ أُمَّتِي هُمُ الأَوَّلُونَ وَهُمُ الآخِرُونَ، وَشَرَحَ لِي صَدْرِي، وَوَضَعَ عَنِّي وِزْرِي، وَرَفَعَ لِي ذِكْرِي، وَجَعَلَنِي فَاتِحًا وَخَاتِمًا».قَامَ الجَدُّ الخَلِيلُ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ بِهَذَا فَضَّلَكُمْ مُحَمَّدٌ.

وَهُنَا حَانَتِ اللَّحْظَةُ الحَاسِمَةُ.. حَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ. اسْتَعَدَّ الأَنْبِيَاءُ، وَفِيهِمْ إِبْرَاهِيمُ بِمَقَامِهِ، وَمُوسَى بِهَيْبَتِهِ، وَعِيسَى بِجَلَالِهِ. مَنِ الَّذِي سَيَتَقَدَّمُ؟ مَنْ هُوَ الأَحَقُّ بِالإِمَامَةِ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ؟

تَقَدَّمَ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَأَخَذَ بِيَدِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَدَفَعَهُ فِي المِحْرَابِ دَفْعًا رَقِيقًا، وَقَالَ لَهُ: ‘تَقَدَّمْ يَا مُحَمَّدُ.. فَصَلِّ بِهِمْ، فَأَنْتَ سَيِّدُهُمْ’.

يَا اللَّهُ! انْظُرُوا إِلَى هَذَا الجَبْرِ الإِلَهِيِّ! أصْغَرُ الأَنْبِيَاءِ سِنًّا، وَآخِرُهُمْ بَعْثًا، يَتَقَدَّمُ الصُّفُوفَ، وَيَؤُمُّ جَدَّهُ إِبْرَاهِيمَ، وَيَؤُمُّ الأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ جَمِيعًا. صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، وَكَأَنَّ صَلَاتَهُ خَلْفَهُمْ هِيَ إِعْلَانٌ رَسْمِيٌّ مِنْ رَبِّ العِزَّةِ بِأَنَّ هَذَا ‘المَكْسُورَ’ فِي مَكَّةَ هُوَ ‘القَائِدُ’ فِي مَلَكُوتِ اللَّهِ. وَأَنَّ الَّذِي سَدُّوا فِي وَجْهِهِ طَرِيقَ ‘الطَّائِفِ’، قَدْ فُتِحَتْ لَهُ طُرُقُ السُّمُوِّ وَالسِّيَادَةِ عَلَى كُلِّ الأَنْبِيَاءِ.

أَسْرَى بِكَ اللَّهُ لَيْلًا إِذْ مَلَائِكُهُ … وَالرُّسْلُ فِي المَسْجِدِ الأَقْصَى عَلَى قَدَمِ

لَمَّا خَطَرْتَ بِهِ الْتَفُّوا بِسَيِّدِهِمْ … كَالشُّهْبِ بِالبَدْرِ أَوْ كَالجُنْدِ بِالعَلَمِ

صَلَّى وَرَاءَكَ مِنْهُمْ كُلُّ ذِي خَطَرٍ … وَمَنْ يَفُزْ بِحَبِيبِ اللَّهِ يَأْتَمِمِ

فَيَا مَنْ تَشْكُو ضِيقًا فِي صَدْرِكَ، أَوْ كَسْرًا فِي خَاطِرِكَ.. تَذَكَّرْ إِمَامَ الأَنْبِيَاءِ فِي الأَقْصَى، وَاعْلَمْ أَنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ هُوَ رَبُّكَ، وَأَنَّهُ لَنْ يَتْرُكَكَ أَبَدًا.”

**العُنْصُرُ الثَّالِثُ: مِعْرَاجُ القُلُوبِ.. جَبْرُ الخَاطِرِ فِي حَضْرَةِ القُدُّوسِ**

ثُمَّ بَدَأَ المِعْرَاجُ.. وَمَا أَدْرَاكَ مَا المِعْرَاجُ؟ اخْتِرَاقٌ لِقَوَانِينِ الفِيزِيَاءِ، وَعُرُوجٌ نَحْوَ الجَمَالِ المُطْلَقِ.

ثُمَّ عَرَجَ بِهِ جِبْرِيلُ.. وَكُلَّمَا وَصَلَ إِلَى سَمَاءٍ، سَمِعَ أَعْظَمَ كَلِمَاتِ الجَبْرِ. يُسْتَفْتَحُ لَهُ فَيُقَالُ: «مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ». فِي كُلِّ سَمَاءٍ كَانَ جِبْرِيلُ يَطْرُقُ البَابَ.

* فَيُقَالُ: مَنْ؟

* فَيَقُولُ: جِبْرِيلُ.

* فَيُقَالُ: وَمَنْ مَعَكَ؟

* فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ.

* فَيُقَالُ: “أَوَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ!”

أسمعتم هَذِهِ الكَلِمَةَ: “مَرْحَبًا بِهِ”.. لَقَدْ قَالَهَا مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ السَّبْعِ. كَانَتْ هَذِهِ “الكلمة” هِيَ الضِّمَادُ الَّذِي جَبَرَ جُرُوحَ مَكَّةَ. تَرْحِيبُ المَلَكُوتِ أَنْسَاهُ صُدُودَ البَشَرِ. رَأَى الأَنْبِيَاءَ، رَأَى نُورًا لَا يَنْطَفِئُ، وَرَأَى مَكَانَهُ العَالِي عِنْدَ رَبِّهِ.

تَخَيَّلُوا النَّبِيَّ ﷺ الَّذِي قِيلَ لَهُ فِي مَكَّةَ “كَاذِبٌ” وَ”سَاحِرٌ”، يَسْمَعُ الآنَ تَرْحِيبَ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ العُلَا! كُلُّ مَلَكٍ يَلْقَاهُ يَبْتَسِمُ فِي وَجْهِهِ، وَكُلُّ نَبِيٍّ يَفْرَحُ بِلِقَائِهِ.

تَخَيَّلُوا الحَبِيبَ ﷺ وَهُوَ يَخْتَرِقُ السَّمَاوَاتِ، وَفِي كُلِّ سَمَاءٍ يَجِدُ جَبْرًا لِخَاطِرِهِ:

* فِي السَّمَاءِ الأُولَى يَلْقَى أَبَاهُ آدَمَ، فَيُرَحِّبُ بِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: “لَا تَحْزَنْ يَا بَنِيَّ، فَأَنْتَ فَخْرُ ذُرِّيَّتِي”.

* وَهَكَذَا فَمَا مِنْ سَمَاءٍ إِلَّا وَفِيهَا إِخْوَانُهُ الأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ يُقِرُّونَ بِمَكَانَتِهِ. هَذَا الِاحْتِفَاءُ الكَوْنِيُّ كَانَ بَلْسَمًا لِتِلْكَ الجِرَاحِ الَّتِي خَلَّفَتْهَا كَلِمَاتُ أَبِي جَهْلٍ وَأَبِي لَهَبٍ.

**سِدْرَةُ المُنْتَهَى.. الجَبْرُ الأَعْظَمُ**

ثُمَّ ارْتَقَى الحَبِيبُ.. حَتَّى جَاوَزَ جِبْرِيلَ نَفْسَهُ! اخْتَرَقَ الحُجُبَ، وَدَخَلَ فِي أَنْوَارِ الجَلَالِ، وَوَصَلَ إِلَى مَكَانٍ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ بَشَرٌ وَلَا مَلَكٌ. هُنَاكَ، عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى، جَبَرَ اللَّهُ خَاطِرَهُ بِالقُرْبِ، لَقَدِ ارْتَقَى الحَبِيبُ ﷺ بَعْدَ السَّمَاوَاتِ العُلَا، حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَقَامٍ يَنْقَطِعُ عِنْدَهُ وَصْفُ الوَاصِفِينَ، وَخَيَالُ العَارِفِينَ.. وَصَلَ إِلَى ‘سِدْرَةِ المُنْتَهَى’. هُنَاكَ حَيْثُ تَحَارُ الأَبْصَارُ، وَتَخْشَعُ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ. هُنَاكَ حَيْثُ يَنْطَفِئُ نُورُ المَلَائِكَةِ أَمَامَ نُورِ الحَقِّ.

وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ المَهِيبَةِ، تَوَقَّفَ الرَّفِيقُ المَلَكِيُّ.. تَوَقَّفَ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَهُوَ مَنْ هُوَ؟ هُوَ مَنْ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ سَدَّتِ الأُفُقَ! فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ نَظْرَةَ المُسْتَوْحِشِ لِفِرَاقِ صَاحِبِهِ فِي هَذَا المَقَامِ الغَرِيبِ، وَقَالَ: ‘يَا جِبْرِيلُ، أَهُنَا يَخْذُلُ الخَلِيلُ خَلِيلَهُ؟’. “أَهُنَا يَتْرُكُ الخَلِيلُ خَلِيلَهُ؟”

فَأَجَابَ جِبْرِيلُ بِصَوْتٍ يَرْتَجِفُ تَعْظِيمًا: ‘يَا مُحَمَّدُ، مَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ.. لَوْ تَقَدَّمْتُ أَنَا لَاحْتَرَقْتُ بِنُورِ الجَلَالِ، وَلَوْ تَقَدَّمْتَ أَنْتَ لَاخْتَرَقْتَ بِإِذْنِ ذِي الجَمَالِ’.

وَمَضَى المُصْطَفَى وَحْدَهُ.. مَضَى اليَتِيمُ الَّذِي جُرِحَ فِي الطَّائِفِ، لِيَخْتَرِقَ سَبْعِينَ أَلْفَ حِجَابٍ مِنْ نُورٍ وَظُلْمَةٍ، بَيْنَ كُلِّ حِجَابٍ وَحِجَابٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ! اخْتَرَقَ حُجُبَ العَظَمَةِ، وَحُجُبَ الكِبْرِيَاءِ، وَحُجُبَ البَهَاءِ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَكَانٍ يَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ وَهِيَ تَكْتُبُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ.”

**[فِي حَضْرَةِ الجَبَّارِ: قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى]**

“هاهو الان حبيبي حضرة النَّبِيُّ ﷺ فِي حَضْرَةِ اللَّهِ! لَا وَسِيطَ، لَا مَلَكَ، لَا تَرْجُمَانَ. هُنَاكَ جُبِرَ الخَاطِرُ جَبْرًا لَا حُدُودَ لَهُ. هُنَاكَ نَسِيَ النَّبِيُّ ﷺ كُلَّ لَحْظَةِ حُزْنٍ، وَكُلَّ صَرْخَةِ أَلَمٍ.

دَنَا الجَبَّارُ مِنْ عَبْدِهِ دُنُوَّ تَشْرِيفٍ، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى.. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى!

قَالَ لَهُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ: ‘سَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ’. فَمَاذَا سَأَلَ الحَبِيبُ؟ هَلْ سَأَلَ دُنْيَا؟ هَلْ سَأَلَ انْتِقَامًا مِمَّنْ ضَرَبُوهُ؟

لَا وَاللَّهِ.. بَلْ قَالَ: ‘يَا رَبِّ.. أُمَّتِي.. أُمَّتِي’.

“وَمَا أَجْمَلَ مَا قَالَهُ البُوصِيرِيُّ فِي هَذَا الِارْتِقَاءِ:

تَبَوَّأْتَ مِعْرَاجَ القُبُولِ لَدَى العُلَا … وَجُزْتَ مَقَامًا لَمْ يَنَلْهُ سِوَاكَا

وَأَوْحَى إِلَيْكَ اللَّهُ مَا أَوْحَى فَمَا … زَاغَ الفُؤَادُ وَلَا بَغَى عَيْنَاكَا

أَنْتَ الَّذِي اخْتَرَقَ الحُجُبَ جَمِيعَهَا … وَرَأَيْتَ مِنْ نُورِ الجَلَالِ سَنَاكَا

دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حُجُبِ النُّورِ، خَاطَبَ الرَّبَّ بِلَا تَرْجُمَانٍ، رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ كَلَامٌ عَنِ الذَّنْبِ أَوْ العِتَابِ، بَلْ كَانَ كَلَامُ التَّشْرِيفِ وَالتَّكْلِيفِ.

وَأَعْطَاهُ الهَدِيَّةَ الَّتِي تَجْبُرُ خَاطِرَ كُلِّ مَحْزُونٍ مِنْ أُمَّتِهِ: أَعْطَاهُ اللَّهُ “الصَّلَاةَ” فِي السَّمَاءِ، لِيَجْبَرَ خَاطِرَهُ وَخَاطِرَ أُمَّتِهِ. فَمَنْ كَانَ مَحْزُونًا فَلْيُصَلِّ، فَمَا الصَّلَاةُ إِلَّا مِعْرَاجُ الأَرْوَاحِ إِلَى اللَّهِ. فَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ فَتَحَ لِنَبِيِّهِ حُجُبَ السَّمَاوَاتِ لِيَجْبَرَ قَلْبَهُ، فَأَبْشِرْ أَيُّهَا المُؤْمِنُ.. فَإِنَّ دُعَاءَكَ حِينَ تَنْكَسِرُ، يَخْتَرِقُ هَذِهِ الحُجُبَ نَفْسَهَا لِيَصِلَ إِلَى رَبِّ العَالَمِينَ.”

يَا لَهَا مِنْ مِحْنَةٍ انْتَهَتْ بِمِنْحَةٍ لَمْ يَنَلْهَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ! لَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ فِي السَّمَاءِ بَعْدَمَا حَاوَلُوا خَفْضَهُ فِي الأَرْضِ، وَأَرَاهُ الجَنَّةَ وَالنَّعِيمَ، لِيَعْلَمَ أَنَّ مَا فَاتَهُ مِنَ الدُّنْيَا لَا يُسَاوِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ أَمَامَ هَذَا الرِّضَا.”

يَا مَنْ لَهُ العِزَّةُ العُلْيَا وَمَنْصِبُهَا … وَمَنْ لَهُ العِزُّ فِي الدَّارَيْنِ وَالحَرَمِ

مَا نَالَهُ بَشَرٌ، لَا، وَلَا مَلَكٌ … فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ دَهْرٍ وَمِنْ قِدَمِ

🕌 [الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: كُنْ جَابِرًا لِلْقُلُوبِ لِيَجْبُرَكَ عَلَّامُ الغُيُوبِ]**

الحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَصَلَاةً وَسَلَامًا عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ:

مَا هُوَ الدَّرْسُ الَّذِي نَخْرُجُ بِهِ مِنْ سِدْرَةِ المُنْتَهَى إِلَى حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ؟

إِنَّهُ “جَبْرُ الخَوَاطِرِ”. إِنَّ قِصَّةَ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ هِيَ أَعْظَمُ نَظْرَةٍ رَبَّانِيَّةٍ عَلَى قَلْبٍ بَشَرِيٍّ. وَنَحْنُ اليَوْمَ نَحْتَاجُ أَنْ نَتَعَلَّمَ هَذَا الفَنَّ؛ “فَنَّ جَبْرِ الخَوَاطِرِ”.

* اجْبُرْ خَاطِرَ المَظْلُومِ: كَمَا جَبَرَ اللَّهُ خَاطِرَ نَبِيِّهِ بَعْدَ ظُلْمِ أَهْلِ الطَّائِفِ.

* كُنْ كَـ “زَيْدٍ” فِي الوَفَاءِ: دَافِعْ عَنْ صَاحِبِكَ فِي غَيْبَتِهِ، كُنْ لَهُ دِرْعًا، وَلَا تَتْرُكْهُ لِحِجَارَةِ الأَلْسِنَةِ تَنْهَشُ فِي عِرْضِهِ.

* ثِقْ بِالفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ: مَهْمَا سَالَتْ دِمَاءُ قَلْبِكَ عَلَى أَعْشَابِ الحَيَاةِ، وَمَهْمَا نَكَرَتْكَ الأَرْضُ، فَإِنَّ لَكَ مَقَامًا عِنْدَ خَالِقِكَ إِذَا صَبَرْتَ.

تَأَمَّلُوا هَذَا الإِلَهَ العَظِيمَ، الَّذِي يَمْلِكُ المَجَرَّاتِ وَالسَّمَاوَاتِ، كَيْفَ لَمْ يَنْسَ عَبْدَهُ المَحْزُونَ فِي شِعْبِ مَكَّةَ! أَسْرَى بِهِ لِيَجْبُرَ خَاطِرَهُ.

فَهَلْ نَحْنُ نَجْبُرُ خَوَاطِرَ بَعْضِنَا؟

* كَمْ مَحْزُونٍ بَيْنَنَا يَنْتَظِرُ كَلِمَةً طَيِّبَةً؟

* كَمْ أَرْمَلَةٍ تَحْتَاجُ لِابْتِسَامَةِ أَمَلٍ؟

* كَمْ مَكْسُورٍ جُرِحَ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ كَمَا جُرِحَ النَّبِيُّ ﷺ، فَهَلْ كُنْتَ أَنْتَ مَنْ يَمْسَحُ دَمْعَهُ؟ كُنْ كَنَبِيِّكَ فَقَدْ كَانَ جَابِرًا لِلْخَوَاطِرِ يَجْبُرُ خَاطِرَ الغِلْمَانِ فَيُوَاسِي طِفْلًا فِي وَفَاةِ طَائِرِهِ وَيُوَاسِي جِذْعًا يَبْكِي لِفِرَاقِهِ وَيُوَاسِي جَمَلًا يَشْكُو لَهُ حَالَهُ.

هَذِهِ هِيَ المَدْرَسَةُ المُحَمَّدِيَّةُ.. أَنْ نَكُونَ بَلْسَمًا لِلْجِرَاحِ، لَا سِكِّينًا تَزِيدُ الجُرُوحَ أَلَمًا.

أَيُّهَا المُنْكَسِرُونَ.. يَا مَنْ ضَاقَتْ بِكُمُ الدُّنْيَا:

إِنَّ رَبَّ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ لَمْ يَتَغَيَّرْ. مَنْ جَبَرَ خَاطِرَ مُحَمَّدٍ ﷺ سَيَجْبُرُ خَاطِرَكَ. فَقَطْ قُلْ: “يَا جَبَّارُ اجْبُرْنِي”.

فِي مَكَّةَ كَانَ الِانْكِسَارُ، وَفِي السَّمَاءِ كَانَ الِانْتِصَارُ. فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ، فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا.

اللَّهُمَّ يَا مَنْ أَسْرَيْتَ بِحَبِيبِكَ لَيْلًا، اجْعَلْ لَنَا مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا.

اللَّهُمَّ يَا جَابِرَ العَثَرَاتِ، اجْبُرْ كَسْرَ قُلُوبِنَا، وَارْحَمْ ضَعْفَنَا، وَلَا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ.

اللَّهُمَّ كَمَا طَيَّبْتَ خَاطِرَ نَبِيِّكَ بِلِقَائِكَ، فَطَيِّبْ خَوَاطِرَنَا بِمَا نُحِبُّ مِنَ الخَيْرِ وَالسَّكِينَةِ.

اللَّهُمَّ لَا تَدَعْ لَنَا فِي هَذَا المَقَامِ مَحْزُونًا إِلَّا جَبَرْتَهُ، وَلَا مَهْمُومًا إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا مَدْيُونًا إِلَّا قَضَيْتَ دَيْنَهُ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى مَنْ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ، وَعَادَ لِيَجْبُرَ أَهْلَ الأَرْضِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

اللَّهُمَّ يَا مَنْ جَبَرْتَ مُحَمَّدًا ﷺ فِي لَيْلَةِ المِعْرَاجِ، اجْبُرْنَا جَبْرًا يَلِيقُ بِكَرَمِكَ.

اللَّهُمَّ يَا مَنْ غَسَلْتَ أَحْزَانَهُ بِأَنْوَارِ عَرْشِكَ، اغْسِلْ هُمُومَنَا، وَاشْفِ مَرْضَانَا، وَارْحَمْ مَوْتَانَا.

اللَّهُمَّ لَا تَدَعْ بَيْنَنَا مَكْسُورًا إِلَّا جَبَرْتَهُ، وَلَا مَحْرُومًا إِلَّا أَعْطَيْتَهُ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَجْبُرُونَ خَوَاطِرَ النَّاسِ لِتَجْبُرَ خَوَاطِرَنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ.

وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

عِبَادَ اللَّهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

الشيخ محمد طلعت القطاوي

خُطبةُ صوتِ الدعاةِ – إعداد مدير الجريدة  الشيخ محمد طلعت القطاوي

___________________________________

 

خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف علي صوت الدعاة 

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة

 

تابعنا علي الفيس بوك

 

الخطبة المسموعة علي اليوتيوب

 

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات

 

و للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع

 

للمزيد عن أخبار الأوقاف

 

و للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف

 

للمزيد عن مسابقات الأوقاف

 

اظهر المزيد

admin

مجلس إدارة الجريدة الدكتور أحمد رمضان الشيخ محمد القطاوي رئيس التحريـر: د. أحمد رمضان (Editor-in-Chief: Dr. Ahmed Ramadan) تليفون (phone) : 01008222553  فيس بوك (Facebook): https://www.facebook.com/Dr.Ahmed.Ramadn تويتر (Twitter): https://twitter.com/DRAhmad_Ramadan الأستاذ محمد القطاوي: المدير العام ومسئول الدعم الفني بالجريدة. الحاصل علي دورات كثيرة في الدعم الفني والهندسي للمواقع وإنشاء المواقع وحاصل علي الليسانس من جامعة الأزهر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى