خطبة الجمعة القادمة بعنوان : منزلة الشهيد ، للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب
خطبة الجمعة القادمة بعنوان : منزلة الشهيد للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب ، بتاريخ 23 رمضان 1447هـ ، الموافق 13 مارس 2026م.
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 13 مارس 2026م بعنوان : منزلة الشهيد : كما يلي:
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ.. أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا..
ما المقصود بالشهيد؟
جَاءَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ: الشَّهِيدُ: الحَاضِرُ. وَكُلُّ مَا كَانَ شَهِدَ اللَّهُ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى عَلِمَ اللَّهُ، وَقَوْمٌ شُهُودٌ أَيْ حُضُورٌ، وَاسْتُشْهِدَ: قُتِلَ شَهِيدًا. وَالشَّهِيدُ: الحَيُّ.. وَالشَّهِيدُ: مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ.
وَقِيلَ: الشَّهِيدُ الَّذِي لَا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ. (لسان العرب).
وَيَكُونُ مَعْنَى الشَّهِيدِ: صِفَةٌ تُفِيدُ الحُضُورَ وَالعِلْمَ وَالحَيَاةَ.
وَيُطْلَقُ مُصْطَلَحُ الشَّهِيدِ عَلَى مَنْ مَاتَ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي قِتَالِ الكُفَّارِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ القِتَالُ مَشْرُوعًا، وَالنِّيَّةُ خَالِصَةً لِلَّهِ تَعَالَى.
وسبب تسمية الشهيد شهيدًا: للعلماء في ذلك أقوال شتى منها:
١- لِأَنَّهُ حَيٌّ، فَكَأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ شَاهِدَةٌ أَيْ حَاضِرَةٌ.
٢- وَلِأَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَلَائِكَتَهُ يَشْهَدُونَ لَهُ بِالْجَنَّةِ.
٣- وَلِأَنَّهُ يَشْهَدُ (يَرَى) عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ مَا أُعِدَّ لَهُ مِنَ الكَرَامَةِ.
٤- وَلِأَنَّهُ يُشْهَدُ لَهُ بِالأَمَانِ مِنَ النَّارِ.
٥- وَلِأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ تَشْهَدُهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَتَشْهَدُ لَهُ بِحُسْنِ الخَاتِمَةِ.
٦- لِأَنَّهُ يُشَاهِدُ المَلَائِكَةَ عِنْدَ احْتِضَارِهِ.
٧- لِأَنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ لَهُ بِحُسْنِ نِيَّتِهِ وَإِخْلَاصِهِ.
٨- لِأَنَّهُ الَّذِي يَشْهَدُ يَوْمَ القِيَامَةِ بِإِبْلَاغِ الرُّسُلِ.
وَهُنَاكَ عِلَاقَةٌ بَيْنَ المَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ لِكَلِمَةِ: شَهَادَةٍ، أَنَّ الشَّهِيدَ رَجُلًا كَانَ أَمِ امْرَأَةً حَضَرَ مَوْقِفًا حَقًّا بِنَفْسِهِ وَذَاتِهِ، وَخَبِرَهُ بِمَا فِيهِ، وَكَانَ لَهُ فِيهِ مَوْقِفٌ صَادِقٌ، حَيْثُ كَانَ حُضُورُهُ بِنَفْسِهِ وَرُبَّمَا مَالِهِ، وَهُوَ فِي هَذَا كُلِّهِ قَدْ ضَحَّى بِأَعَزِّ مَا يَمْلِكُ.
أنواع الشهداء:
أَشَارَتِ السُّنَّةُ إِلَى أَنْوَاعِ الشُّهَدَاءِ، وَقَدْ ذَكَرَ الفُقَهَاءُ أَنَّ الشُّهَدَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الأَوَّلُ: شَهِيدُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَالثَّانِي: شَهِيدُ الدُّنْيَا، وَالثَّالِثُ: شَهِيدُ الآخِرَةِ.
شهيد الدنيا والآخرة:
وَهُوَ الَّذِي يُقْتَلُ فِي قِتَالٍ مَعَ الكُفَّارِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا، مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، مُبْتَغِيًا بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى. رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». وَهَذَا لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
شهيد الدنيا:
مَنْ قُتِلَ فِي قِتَالٍ مَعَ الكُفَّارِ غَيْرَ أَنَّهُ ارْتَكَبَ ذَنْبًا، كَأَنْ يَكُونَ غَلَّ فِي الغَنِيمَةِ أَوْ قَاتَلَ رِيَاءً. رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قِيلَ لِرَجُلٍ: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ المَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا المَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا». وَهَذَا كَسَابِقِهِ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
شهيد الآخرة:
وَأَمَّا شَهِيدُ الآخِرَةِ فَهُوَ المَقْتُولُ ظُلْمًا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، أَوِ المَيِّتُ بِدَاءٍ فِي بَدَنِهِ وَبِالأَخَصِّ بَطْنِهِ، كَمَنْ مَاتَ بِالطَّاعُونِ أَوْ بِالغَرَقِ، وَكَالمَيِّتِ فِي الغُرْبَةِ، وَكَطَالِبِ العِلْمِ إِذَا مَاتَ فِي طَلَبِهِ، وَالنُّفَسَاءِ الَّتِي تَمُوتُ فِي طَلْقِهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَذَكَرَ العُلَمَاءُ فِي هَذَا الصِّنْفِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدِ اجْتَمَعَ لَنَا مِنَ الطُّرُقِ الجَيِّدَةِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ خَصْلَةً (فتح الباري لابن حجر).
وَقَدْ جَاءَتْ كَثِيرَةٌ فِي هَذَا الصِّنْفِ، رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. قَالَ: «إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ». قَالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي البَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ».
وَرَوَى أَحْمَدُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ». وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: «مَنْ صُرِعَ عَنْ دَابَّتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ». وَهَذَا يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ.
أَيُّهَا الإِخْوَةُ: إِنَّ الشَّهَادَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دَرَجَةٌ عَالِيَةٌ لَا يَهَبُهَا اللَّهُ إِلَّا لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا؛ فَهِيَ اخْتِيَارٌ مِنَ العَلِيِّ الأَعْلَى لِلصَّفْوَةِ مِنَ البَشَرِ؛ لِيَعِيشُوا مَعَ المَلَإِ الأَعْلَى؛ ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠].
إِنَّهَا اصْطِفَاءٌ وَانْتِقَاءٌ لِلأَفْذَاذِ مِنَ البَشَرِ لِيَكُونُوا فِي صُحْبَةِ الأَنْبِيَاءِ؛ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
أَيُّهَا الإِخْوَةُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَتْلِ وَالشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ الأَجْرِ الكَبِيرِ، لَمَا تَمَنَّى النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَهَا هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا عِنْدَ البُخَارِيِّ يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ».
وَرَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ».
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلَّا الشَّهِيدُ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ؛ فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى». (الترمذي، حسن صحيح).
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ: لَقِينِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي: «يَا جَابِرُ، مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتُشْهِدَ أَبِي، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا. قَالَ: «أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟». قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ. قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً. قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يَرْجِعُونَ. قَالَ: يَا رَبِّ فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي». قَالَ: وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩]. (الترمذي).
وفي صحيحِ مسلمٍ عن مسروقٍ قال: سُئِلَ عبدُاللَّهِ بنُ مسعودٍ رضيَ اللَّهُ عنه عن هذهِ الآيةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، قال: أمَا إنَّا قد سألنا عن ذلكَ النبيَّ، فقال: «أرواحُهم في جوفِ طيرٍ خُضرٍ، لها قناديلُ معلَّقةٌ بالعرشِ، تسرحُ من الجنَّةِ حيثُ شاءت، ثمَّ تأوي إلى تلكَ القناديلِ، فاطَّلعَ إليهم ربُّهم اطِّلاعةً، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أيَّ شيءٍ نشتهي، ونحنُ نسرحُ من الجنَّةِ حيثُ شئنا؟ ففعلَ ذلكَ بهم ثلاثَ مرَّاتٍ، فلمَّا رأوا أنَّهم لن يُتركوا من أن يُسألوا، قالوا: يا ربِّ، نريدُ أن تردَّ أرواحَنا في أجسادِنا حتى نُقتلَ في سبيلِك مرَّةً أُخرى».
أيُّها الإخوةُ: لمَّا عَلِمَ الصحابةُ منزلةَ الشهادةِ وقدرَ الشهداءِ، سارعوا في طلبِ الشهادةِ والفوزِ بها، وفي صحيحِ السُّنَّةِ من أخبارِ هذا الشوقِ الظامئِ، والحبِّ الطهورِ الذي أكرمَ اللَّهُ به هذهِ الكوكبةَ المؤمنةَ والطليعةَ الراشدةَ، ما لا يحدُّه حدٌّ، ولا يستوعبُه بيانٌ:
فهذا عبادةُ بنُ الصامتِ رضيَ اللَّهُ عنه يقولُ للمقوقسِ: وما منَّا رجلٌ إلَّا وهو يدعو ربَّه صباحًا ومساءً أن يرزقَه الشهادةَ، وألَّا يردَّه إلى بلدِه، ولا إلى أرضِه، ولا إلى أهلِه وولدِه ومالِه، وليس لأحدٍ منَّا همٌّ فيما خلَّفه، وقد استودعَ كلُّ واحدٍ منَّا ربَّه أهلَه وولدَه ومالَه، وإنَّما همُّنا ما أمامَنا».
وهذا عميرُ بنُ أبي وقاصٍ، شابٌّ صغيرٌ توجَّهَ إلى اللَّهِ جلَّ وعلا يومَ بدرٍ، فأخذَ حمائلَ السيفِ، وكانت طويلةً عليه، فأخذَها سعدٌ وربطَها، فأصبحَ يسحبُ في الأرضِ من قصرِ الرجلِ وطولِ السيفِ عليه، ويتجهُ إلى اللَّهِ، ماذا يقدِّمُ؟
إنَّه لم يرضَ للجنةِ ثمنًا إلَّا أن يقدِّمَ دمَه للَّهِ عزَّ وجلَّ، فيأخذُ السيفَ ويتوارى بين صفوفِ المسلمين؛ لأنَّه لو رآه النبيُّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم لردَّه، فرآه المصطفى صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم وقال لعميرٍ: ارجع. فماذا كان من عميرٍ؟ أفرحَ والسيوفُ تنتظرُه هناك؟ بل دمعتْ عيناه ورجعَ هذا الصبيُّ حسيرًا كسيرًا، فيقولُ أخوه سعدٌ بعد أن تأثَّر من منظرِه: يا رسولَ اللَّهِ! واللَّهِ ما خرجَ إلَّا ليُقتلَ في سبيلِ اللَّهِ، فلا تحرمْه الشهادةَ في هذا اليومِ، فيسمحُ له النبيُّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم ويدخلُ غزوةَ بدرٍ، فينتصرُ المسلمون ليكونَ أحدَ شهدائِها بإذنِ اللَّهِ عميرُ بنُ أبي وقاصٍ.
وها هو خيثمةُ بنُ الحارثِ عليه رضوانُ اللَّهِ ورحمتُه، ما كان منه يومَ أن دعا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم للنُّفرةِ إلى غزوةِ بدرٍ إلَّا أن جاء إلى ابنٍ له اسمُه سعدٌ، ابنٌ صغيرٌ، وكان معه من النساءِ الكثيرُ، ومعه من البناتِ والأخواتِ يعولُهنَّ هذا الرجلُ الكبيرُ خيثمةُ بنُ الحارثِ، فقال لابنه سعدٍ: يا بنيَّ تعلَمْ نساءَنا، وليس لهنَّ من يحميهنَّ، وأريدُ أن تبقى معهنَّ وأذهبَ لأجاهدَ في سبيلِ اللَّهِ جلَّ وعلا. قال: يا أبتاه، للنساءِ ربٌّ يحميهنَّ، واللَّهِ ما تطمعُ نفسي في هذهِ الدنيا بشيءٍ دونَك، لكنَّها الجنَّةُ يا أبتاه، واللَّهِ لو كان غيرُ الجنَّةِ لآثرتُك به. وانطلقَ يجاهدُ في سبيلِ اللَّهِ، وجلسَ الأبُ الكبيرُ مع هؤلاءِ النساءِ، وقُتلَ هذا الابنُ شهيدًا ـ بإذنِ اللَّهِ ـ في سبيلِ اللَّهِ، ويومَ جاء الخبرُ أباه في اليومِ الثاني قالوا له: لقد قُتلَ ونحتسبُه شهيدًا عندَ اللَّهِ جلَّ وعلا، فما كان منه إلَّا أن قال: أواه أواه، واللَّهِ لقد فازَ بها دوني، واللَّهِ لقد كان أعقلَ منِّي، لقد رأيتُه البارحةَ يسرحُ ويمرحُ في أنهارِ الجنَّةِ وثمارِها وأزهارِها، ويقولُ: يا أبتاه! الحقْ بنا، فإنَّا قد وجدنا ما وعدَنا ربُّنا حقًّا».
وهذا عميرُ بنُ الحُمامِ، أخرجَ مسلمٌ في صحيحِه عن أنسٍ رضيَ اللَّهُ عنه أنَّه قال: انطلقَ رسولُ اللَّهِ وأصحابُه حتى سبقوا المشركينَ إلى بدرٍ، وجاء المشركون، فقال رسولُ اللَّهِ: «لا يقدمنَّ أحدٌ منكم إلى شيءٍ حتى أكونَ أنا دونَكم»، فدنا المشركون، فقال رسولُ اللَّهِ: «قوموا إلى جنَّةٍ عرضُها السمواتُ والأرضُ»، فقال عميرُ بنُ الحُمامِ: يا رسولَ اللَّهِ، إلى جنَّةٍ عرضُها السمواتُ والأرضُ؟ قال: «نعم». قال: بخٍ بخٍ! قال: «ما يحملُك على قولِ بخٍ بخٍ؟». قال: لا واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ إلَّا رجاءَ أن أكونَ من أهلِها. فقال: «فإنَّك من أهلِها». فأخرجَ تمراتٍ من قَرَنِه ـ وهو جعبةُ النبالِ ـ فجعلَ يأكلُ منهنَّ، ثم قال: إن أنا حييتُ حتى آكلَ تمراتي هذهِ إنَّها لحياةٌ طويلةٌ، فرمى ما كان معه من التمرِ، ثم قاتلَ حتى قُتل.
فانظروا كيف استبطأ رضيَ اللَّهُ عنه الشهادةَ لتأخُّرِها عنه دقائقَ معدوداتٍ، ولقد كانت كلماتُ بعضِهم عندَ الشهادةِ صرخاتٍ مدوِّيةً زلزلت قلوبَ قاتليهم، وحملتْهم على الدخولِ في دينِ اللَّهِ.
وهذا حرامُ بنُ ملحانَ رضيَ اللَّهُ عنه، أحدُ القراءِ الذين بعثَ بهم رسولُ اللَّهِ يدعون قومًا من المشركينَ إلى الإسلامِ، ويقرؤونَ عليهم القرآنَ، فغدرتْ بهم رعلٌ وذكوانُ من قبائلِ العربِ وقتلوهم عند بئرِ معونةَ، فإذا بحرامِ بنِ ملحانَ يتلقَّى سنانَ الرمحِ بظهرِه فيخرجُ من بينِ ثدييه، والدماءُ تثعبُ منه، فينضحُ من هذهِ الدماءِ على وجهِه وجسدِه، ويقولُ وقد ذاقَ بلسمَ الحياةِ: فزتُ وربِّ الكعبةِ، فزتُ وربِّ الكعبةِ، حتى قال قاتلُه: فقلتُ في نفسي: ما فاز؟ ألستُ قتلتُ الرجلَ؟ فما زال يسألُ حتى أُخبرَ أنَّه فازَ بالشهادةِ وبما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ، فقال قاتلُه: فاز لعمرُ اللَّهِ! أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللَّهِ.
فقد روى البخاريُّ بسندِه عن ثمامةَ بنِ عبداللَّهِ بنِ أنسٍ أنَّه سمع أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: لمَّا طُعنَ حرامُ بنُ ملحانَ ـ وكان خالَه ـ يومَ بئرِ معونةَ، قال بالدمِ هكذا فنضحَه على وجهِه ورأسِه، ثم قال: «فزتُ وربِّ الكعبةِ».
وهذا أنسُ بنُ النضرِ، تغيَّبَ عن قتالِ بدرٍ وقال: تغيَّبتُ عن أوَّلِ مشهدٍ شهده النبيُّ، واللَّهِ لئن أرانِي اللَّهُ قتالًا ليرينَّ ما أصنعُ. فلمَّا كان يومُ أُحدٍ قال: اللهمَّ إنِّي أعتذرُ إليك ممَّا صنع هؤلاء ـ يعني أصحابَه ـ وأبرأُ إليك ممَّا صنع هؤلاء ـ يعني المشركينَ ـ، ثم تقدَّمَ، واستقبلَه سعدُ بنُ معاذٍ، فقال: يا سعدَ بنَ معاذٍ، الجنَّةَ! فوالذي نفسي بيدِه إنِّي لأجدُ ريحَ الجنَّةِ دونَ أُحدٍ. قال: فحملَ فقاتلَ فقُتل، فقال سعدٌ: واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ ما أطاقتُ ما أطاق، فقالت أختُه: واللَّهِ ما عرفتُ أخي إلَّا بحسنِ بنانِه، فوُجدَ فيه بضعٌ وثمانون جراحةً: ضربةُ سيفٍ، ورميةُ سهمٍ، وطعنةُ رمحٍ، فأنزلَ اللَّهُ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]. البخاري ومسلم.
ثم استمعوا ـ رعاكمُ اللَّهُ ـ إلى خبرِ هذا الأعرابيِّ المسلمِ كيف صدقَ اللَّهَ في طلبِ الشهادةِ فصدقه اللَّهُ وبلَّغه ما أراد؛ فقد أخرجَ النسائيُّ في سننه بإسنادٍ صحيحٍ عن شدادِ بنِ الهادِ رضيَ اللَّهُ عنه أنَّ رجلًا من الأعرابِ جاء إلى النبيِّ فآمنَ به واتَّبعه، ثم قال: أهاجرُ معك، فأوصى به النبيُّ بعضَ أصحابِه، فلمَّا كانت غزاةٌ غنمَ النبيُّ فقسم، وقسمَ له للأعرابيِّ، فأعطى أصحابُه ما قسمَ له، وكان الأعرابيُّ يرعى ظهرَهم ـ يعني إبلَهم ـ وما يركبون من دوابِّ، فلمَّا جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسمٌ قسمه لك النبيُّ. فأخذَه فجاء به إلى النبيِّ فقال: ما هذا؟ قال: «قسمتُه لك». قال الأعرابيُّ: ما على هذا اتبعتُك، ولكن اتبعتُك على أن أُرمى هاهنا ـ وأشار إلى حلقِه ـ بسهمٍ فأموتَ فأدخلَ الجنَّةَ. فقال النبيُّ: «إن تصدُقِ اللَّهَ يصدُقْك». فلبثوا قليلًا ثم نهضوا إلى قتالِ العدوِّ، فأُتي به النبيُّ يُحملُ قد أصابَه سهمٌ حيث أشار، فقال النبيُّ: «أهو هو؟» قالوا: نعم. قال: «صدقَ اللَّهَ فصدقه». ثم كفنه النبيُّ في جبَّته، ثم قدمه فصلَّى عليه، وكان ممَّا ظهر من صلاتِه: «اللهمَّ هذا عبدُك خرجَ مهاجرًا في سبيلِك فقُتلَ شهيدًا، أنا شهيدٌ على ذلك».
وهذا عبداللهُ بنُ جحشٍ: جهادٌ طويلٌ لهذا الصحابيِّ الجليلِ، جهادٌ في مكةَ، وجهادٌ في الحبشةِ، وجهادٌ في المدينةِ المنوَّرةِ. وقد دار حوارٌ رائعٌ بينه وبين سعدِ بنِ أبي وقاصٍ رضيَ اللَّهُ عنهما، قال عبداللهُ بنُ جحشٍ لسعدِ بنِ أبي وقاصٍ رضيَ اللَّهُ عنهما يومَ أُحدٍ: ألا تأتي ندعو اللَّه؟ فخلا في ناحيةٍ، فدعا سعدٌ فقال: يا ربِّ، إذا لقينا القومَ غدًا فلَقِّني رجلًا شديدًا بأسُه، شديدًا حردُه، فأقاتله فيك ويقاتلني، ثم ارزقني عليه الظفرَ حتى أقتله وآخذَ سلبَه. فقام عبداللهُ بنُ جحشٍ ثم قال: اللهمَّ ارزقني غدًا رجلًا شديدًا حردُه، شديدًا بأسُه، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتُك غدًا قلتَ: يا عبدالله، فيمَ جُدع أنفُك وأذنُك؟ فأقول: فيك وفي رسولِك، فتقول: صدقتَ. قال سعدُ بنُ أبي وقاصٍ: يا بُنيَّ، كانت دعوةُ عبداللهِ بنِ جحشٍ خيرًا من دعوتي، لقد رأيتُه آخرَ النهارِ وإنَّ أذنَه وأنفَه لمعلَّقانِ في خيطٍ.
إِنَّهُ لَمَوْقِفٌ رَائِعٌ لِعَبْدِاللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، الَّذِي آثَرَ الشَّهَادَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَيَتَمَنَّى لِقَاءَ اللَّهِ وَقَدْ شُوِّهَتْ مَعَالِمُهُ، وَذَلِكَ فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَطَمَعًا فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَحَدَثَ مَا تَمَنَّاهُ.
وَهَذَا عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ: كَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ أَعْرَجَ شَدِيدَ الْعَرَجِ، وَكَانَ كَبِيرَ السِّنِّ، وَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ بَنِينَ شَبَابٌ يَغْزُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إِذَا غَزَا، فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى أُحُدٍ، أَرَادَ أَنْ يَتَوَجَّهَ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ بَنُوهُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكَ رُخْصَةً، فَلَوْ قَعَدْتَ وَنَحْنُ نَكْفِيكَ، فَقَدْ وَضَعَ اللَّهُ عَنْكَ الْجِهَادَ. فَأَتَى عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَنِيَّ هَؤُلَاءِ يَمْنَعُونَنِي أَنْ أَخْرُجَ مَعَكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أُسْتَشْهَدَ فَأَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ». فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: «أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ وَضَعَ اللَّهُ عَنْكَ الْجِهَادَ»، وَقَالَ لِبَنِيهِ: «وَمَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَدَعُوهُ؛ لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَرْزُقَهُ الشَّهَادَةَ». فَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا.
وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ قُتِلَ الْيَوْمَ دَخَلَ الْجَنَّةَ؟» قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي حَتَّى أَدْخُلَ الْجَنَّةَ». فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا عَمْرُو! لَا تَتَأَلَّ عَلَى اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «مَهْلًا يَا عُمَرُ! فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ يَخُوضُ فِي الْجَنَّةِ بِعَرْجَتِهِ».
أَرَأَيْتُمْ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ: قَدْ خَرَجَ يَتَمَنَّى الشَّهَادَةَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ تَجَاوَزَ السِّتِّينَ مِنَ الْعُمُرِ، فَرَزَقَهُ اللَّهُ الشَّهَادَةَ؛ لِأَنَّهَا رِزْقٌ، وَلَا يَنَالُ هَذَا الرِّزْقَ الْعَظِيمَ إِلَّا مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ لَهُ.
وَهَذَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ: كَانَ حَنْظَلَةُ قَدْ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ حِينَ خُرُوجِهِ إِلَى أُحُدٍ، ثُمَّ هَجَمَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ فِي النَّفِيرِ فَأَنْسَاهُ الْغُسْلَ أَوْ أَعْجَلَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ شَهِيدًا أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ أَصْحَابَهُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ غَسَّلَتْهُ؛ فَسُمِّيَ غَسِيلَ الْمَلَائِكَةِ.
فَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِامْرَأَةِ حَنْظَلَةَ: «مَا كَانَ شَأْنُهُ؟» قَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ حِينَ سَمِعَ الْهَاتِفَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ». فَقَدْ خَرَجَ فِي صَبِيحَةِ عُرْسِهِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَلَقِيَ رَبَّهُ شَهِيدًا.
وَصَدَقَ مَنْ قَالَ:
أَهْلُ الشَّهَادَةِ فِي الآثَارِ قَدْ أَمِنُوا
مِنْ فِتْنَةٍ وَابْتِلَاءَاتٍ إِذَا قُبِرُوا
وَيَوْمَ يُنْفَخُ صُورٌ لَيْسَ يُزْعِجُهُمْ
وَالنَّاسُ قَائِمَةٌ مِنْ هَوْلِهِ ذُعِرُوا
وَمَا سِوَى الدَّيْنِ مِنْ ذَنْبٍ وَسَيِّئَةٍ
عَلَى الشَّهِيدِ فَعِنْدَ اللَّهِ مُغْتَفَرُ
أَرْوَاحُهُمْ فِي عُلَا الْجَنَّاتِ سَارِحَةٌ
تَأْوِي الْقَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ تَزْدَهِرُ
وَحَيْثُ شَاءَتْ مِنَ الْجَنَّاتِ تَحْمِلُهَا
طَيْرٌ مُغَرِّدَةٌ أَلْوَانُهَا خُضَرُ
إِنَّ الشَّهِيدَ شَفِيعٌ فِي قَرَابَتِهِ
سَبْعِينَ مِنْهُمْ كَمَا فِي مُسْنَدٍ
وَالتِّرْمِذِيُّ أَتَى بِاللَّفْظِ فِي سُنَنٍ
وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ مُعْتَبَرُ
مَعَ ابْنِ مَاجَهْ وَالْمِقْدَامِ نَاقِلُهُ
فِي ضِمْنِ سِتِّ خِصَالٍ سَاقَهَا الْخَبَرُ
مَا كُلُّ مَنْ طَلَبَ الْعُلْيَا نَائِلُهَا
إِنَّ الشَّهَادَةَ مَجْدٌ دُونَهُ حُفَرُ
وَقَدْ تَرَدَّدَ فِي الْأَمْثَالِ مِنْ زَمَنٍ
لَا يَبْلُغُ الْمَجْدَ حَتَّى يَلْعَقَ الصَّبِرُ
رَبِّي اشْتَرَى أَنْفُسًا مِمَّنْ يَجُودُ بِهَا
نِعْمَ الْمَبِيعُ وَرَبُّ الْعَرْشِ مَا خَسِرُوا
ثَانِيًا: كَرَامَةُ الشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى:
١- الأَجْرُ الْعَظِيمُ: قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤].
٢- الْفَوْزُ الْعَظِيمُ:
وَقَدْ أَظْهَرَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ مَكَانَتَهُمْ الْعَظِيمَةَ وَهِيَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَقَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].
٣- الْكَرَامَةُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى:
رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ». (رواه البخاري).
٤- الشَّفَاعَةُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ:
عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُشَفَّعُ الشَّهِيدُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ». (سنن أبي داود).
٥- أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ…» (رواه أبو داود).
٦- الأَمْنُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَدَمُ انْقِطَاعِ عَمَلِهِ:
عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا الشَّهِيدَ؟ قَالَ: «كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً». (رواه النسائي).
٧- مَغْفِرَةُ ذُنُوبِهِ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ:
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ». (رواه الترمذي).
٨- الشَّهِيدُ رَائِحَةُ دَمِهِ مِسْكٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ ـ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ». (رواه البخاري).
الخطبة الثانية
ليلة القدر
أَعْظَمُ لَيْلَةٍ فِي حَيَاتِكَ لَيْسَتْ لَيْلَةَ زِفَافِكَ.
وَلَيْسَتْ لَيْلَةَ ذَهَابِكَ إِلَى جُزُرِ الْمَالْدِيفِ لِقَضَاءِ شَهْرِ الْعَسَلِ.
وَلَيْسَتْ لَيْلَةَ إِنْجَابِكَ.
وَلَيْسَتْ لَيْلَةَ تَخَرُّجِكَ وَحُصُولِكَ عَلَى الْمَاجِسْتِيرِ وَالدُّكْتُورَاهِ.
لَا وَاللَّهِ، أَعْظَمُ لَيْلَةٍ فِي حَيَاتِكَ هِيَ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ، أَنْ تَأْخُذَ عِبَادَةَ أَلْفِ شَهْرٍ، أَيْ ثَمَانُونَ عَامًا.
وَالسُّؤَالُ الَّذِي يَطْرَحُ نَفْسَهُ: هَلْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ تَعْدِلُ ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ؟
الآيَةُ لَمْ تَقُلْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالَتْ: خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.
فَمَا مَدَى الْخَيْرِيَّةِ؟ وَهَلْ تُسَاوِي الْأَلْفَ؟ أَمِ الْمِلْيُونَ؟ أَمِ الْمِلْيَارَ؟
سُؤَالٌ آخَرُ: هَلِ الْأَلْفُ مَقْصُودَةٌ فِي ذَاتِهَا؟
إِنَّ الْأَلْفَ لَقَبٌ مِنْ أَلْقَابِ الْأَعْدَادِ، وَلَمْ يَكُنِ الصَّحَابَةُ يَعْرِفُونَ أَعْلَى مِنْهُ وَلَا أَكْبَرَ مِنْهُ، وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ اللَّفْظَ يُفْهَمُ عَلَى فَهْمِ الصَّحَابَةِ لَهُ، فَلَمْ يَكُنِ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَعْرِفُ أَكْثَرَ مِنَ الْأَلْفِ.
فَلَمْ يَعْرِفِ الْوَاحِدُ مِنْهُمُ الْمِلْيُونَ، وَلَا الْمِلْيَارَ، وَلَا التِّرِلْيُونَ، فَكَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَقِيسُ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا بِالْأَلْفِ.
فَحِينَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» أَيْ خَيْرٌ مِنْ أَكْبَرِ عَدَدٍ تَعْرِفُونَهُ.
فَإِذَا كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ الْمِلْيُونَ فَهِيَ خَيْرٌ مِنَ الْمِلْيُونِ، وَإِذَا كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ الْمِلْيَارَ فَهِيَ خَيْرٌ مِنَ الْمِلْيَارِ، فَالْأَمْرُ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنْ تَصَوُّرَاتِنَا.
لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الْأَرْقَامِ.
بَلْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَأْذَنُ كُلَّ عَامٍ بِإِقَامَةِ احْتِفَالٍ كَوْنِيٍّ، يَأْذَنُ اللَّهُ فِيهَا لِمَلَائِكَتِهِ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ لِيَشْهَدُوا مَنْ قَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، وَيَسْتَمِرُّ نُزُولُهُمْ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى أَذَانِ الْفَجْرِ أَعْدَادًا أَعْدَادًا، لِتَشْهَدَ هَذَا الْمَشْهَدَ، وَمَعَهُمْ جِبْرِيلُ.
يَأْذَنُ اللَّهُ لِجِبْرِيلَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً لِيَنْزِلَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ لِيَشْهَدَ لِمَنْ صَلَّى لِلَّهِ، وَمَنْ قَامَ لِلَّهِ، وَمَنْ ذَكَرَ اللَّهَ.
جَعَلَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَنَالُونَ شَرَفَ إِقَامَتِهَا وَالْفَوْزَ بِهَا. اللَّهُمَّ آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
_______________________________
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة القادمة
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات
للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة
للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف















