أخبار مهمةخطبة الأسبوعخطبة الجمعةخطبة الجمعة القادمة ، خطبة الجمعة القادمة لوزارة الأوقاف المصرية مكتوبة word pdfعاجل

خطبة الجمعة القادمة 27 فبراير : أَيَّامُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ ، للدكتور محروس حفظي

 

خطبة الجمعة القادمة

خطبة الجمعة القادمة 27 فبراير 2026م بعنوان : أَيَّامُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ ، للدكتور محروس حفظي بتاريخ 9 رمضان 1447هـ الموافق 27 فبراير 2026م

 

لتحميل خطبة الجمعة القادمة 27 فبراير 2026م ، للدكتور محروس حفظي بعنوان : أَيَّامُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ.

ولتحميل خطبة الجمعة القادمة 27 فبراير 2026م ، للدكتور محروس حفظي بعنوان : أَيَّامُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَمِ ، بصيغة  word أضغط هنا.

لتحميل خطبة الجمعة القادمة 27 فبراير 2026م، للدكتور محروس حفظي بعنوان : أَيَّامُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ ، بصيغة  pdf أضغط هنا.

___________________________________________________________

عناصر خطبة الجمعة القادمة 27 فبراير 2026م. بعنوان: أَيَّامُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ، للدكتور محروس حفظي :

 

  • (1) الْعِبَادَةُ وَالْعَمَلُ فِي الْإِسْلَامِ لَا يَفْتَرِقَانِ.

    (2) انْتِصَارَاتٌ وَقَعَتْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.

    (3) مُسَاعَدَةُ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ.

ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 27 فبراير 2026م بعنوان: أَيَّامُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ ، للدكتور محروس حفظي : كما يلي: 

 

 أَيَّامُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ

بِتَارِيخِ 9 رمضان 1447 ه‍ = المُوَافِقِ 27 فبراير 2026 م

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ، وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ، لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ، وَلِعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْأَتَمَّانِ الْأَكْمَلَانِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا بَعْدُ،،،

(1) الْعِبَادَةُ وَالْعَمَلُ فِي الْإِسْلَامِ لَا يَفْتَرِقَانِ: فَهُمَا مُتَلَازِمَتَانِ تَلَازُمًا لَا انْفِكَاكَ لِأَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ، فَالْعِبَادَةُ عَمَلٌ يَسْعَى بِهِ الْعَبْدُ إِلَى إِرْضَاءِ الْخَالِقِ، وَهِيَ الْمَقْصِدُ الْأَسْمَى مِنْ إِيجَادِ الْإِنْسَانِ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذَّارِيَاتِ: 56]، وَالْعَمَلُ عِبَادَةٌ؛ إِذْ يُحَقِّقُ مَعْنَى الِاسْتِخْلَافِ فِي الْأَرْضِ، قَالَ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ صَالِحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هُودٍ: 61].

وَالْمُسْتَقْرِئُ لِلسِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ يَجِدُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ رَبَطَ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالسَّعْيِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، وَتَحْصِيلِ لُقْمَةِ الْعَيْشِ، فَقَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الْجُمُعَةِ: 10].

الْبَعْضُ قَدْ حَوَّلَ هَذَا الشَّهْرَ إِلَى حَالَةٍ مِنَ الْكَسَلِ وَالتَّبَاطُؤِ عَنِ الْعَمَلِ، فَتَجِدُ أَحَدَهُمْ يَسْهَرُ اللَّيْلَ كُلَّهُ، وَيَنَامُ النَّهَارَ وَلَا يَسْتَيْقِظُ إِلَّا عَلَى الْإِفْطَارِ، فَهَلْ هَذَا حَقَّقَ مَقْصِدَ الصِّيَامِ وَالْغَايَةَ مِنْهُ؟! أَلَا وَهِيَ تَحْقِيقُ التَّقْوَى الَّتِي تَدْفَعُ الْمُسْلِمَ إِلَى أَنْ يَقُومَ بِوَاجِبَاتِهِ، وَيُؤَدِّيَ عَمَلَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الْبَقَرَةِ: 183].

تَرْكُ الْعَمَلِ وَالتَّقَاعُسُ عَنْ أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ بِحُجَّةِ الصِّيَامِ فِيهِ خِيَانَةٌ لِلْأَمَانَةِ الَّتِي وُسِّدَتْ إِلَيْهِ، وَلْيَحْذَرْ فَاعِلُهُ فَهُوَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَ.عَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

أَحْيَانًا قَدْ تَفُوقُ قِيمَةُ الْعَمَلِ، وَثَوَابُ الْعَامِلِ قِيمَةَ بَعْضِ الْعِبَادَاتِ؛ فَعَنْ عَائِشَةَ رَحِمَهَا اللَّهُ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ].

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ – وَأَحْسِبُهُ قَالَ – وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

فَمَا أَعْظَمَ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ أَنْ يَسْعَى الْمُسْلِمُ لِقَضَاءِ مَصَالِحِ الْخَلْقِ، وَإِنْجَازِ مَهَامِّ عَمَلِهِ، فَيَكُونَ بِذَلِكَ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، مِغْلَاقًا لِأَبْوَابِ الشَّرِّ؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ، مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ].

الْمُتَصَفِّحُ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ يَجِدُ أَنَّ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرِدْ عَنْهُ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتْرُكُونَ فِيهِ أُمُورَ مَعَاشِهِمْ لِلتَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ، بَلْ يَجْمَعُونَ بَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي تَوَازُنٍ مُحْكَمٍ يَضْمَنُ أَدَاءَ الْعَبْدِ مَا افْتَرَضَهُ اللَّهُ مِنْ عِبَادَاتٍ، وَاسْتِقْرَارَ الْعَمَلِ وَالْإِنْتَاجِ بِطَرِيقَةٍ وَسَطِيَّةٍ لَا إِفْرَاطَ فِيهَا وَلَا تَفْرِيطَ؛ وَلِذَا رَفَضَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ حُجَّةً لِتَرْكِ الْعَمَلِ، وَالتَّعَلُّلِ بِهِ، وَجَعْلِهِ سَبِيلًا إِلَى الْعَنَتِ وَالْمَشَقَّةِ؛ فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

لَقَدْ فَهِمَ الْأَوَائِلُ أَنَّ رَمَضَانَ شَهْرُ عَمَلٍ وَعِبَادَةٍ لَا شَهْرُ رَاحَةٍ، وَأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ مَفْهُومِ الْعِبَادَةِ وَبَيْنَ السَّعْيِ وَالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ طَلَبًا لِلرِّزْقِ، بَلْ فِعْلُ هَذَا دَاخِلٌ بِالضَّرُورَةِ تَحْتَ الْعِبَادَةِ، وَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ إِلَّا جَاهِلٌ جَهُولٌ لَا يَعْرِفُ مِنَ الدِّينِ سِوَى الْقُشُورِ، وَلَا يُدْرِكُ الْمَقَاصِدَ السَّامِيَةَ لِلْعِبَادَاتِ، «أَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ بِقَصِيدَةٍ لِلْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ حَيْثُ كَانَ فُضَيْلٌ فِي مَكَّةَ مُلَازِمًا لِلْحَرَمِ، وَكَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ مُرَابِطًا فِي الثُّغُورِ فِي طَرْسُوسَ، وَمِمَّا جَاءَ فِي قَصِيدَتِهِ:

يَا عَابِدَ الْحَرَمَيْنِ لَوْ أَبْصَرْتَنَا … لَعَلِمْتَ أَنَّكَ بِالْعِبَادَةِ تَلْعَبُ

مَنْ كَانَ يَخْضِبُ جِيدَهُ بِدُمُوعِهِ … فَنُحُورُنَا بِدِمَائِنَا تَتَخَضَّبُ

أَوْ كَانَ يُتْعِبُ خَيْلَهُ فِي بَاطِلٍ … فَخُيُولُنَا يَوْمَ الصَّبِيحَةِ تَتْعَبُ

رِيحُ الْعَبِيرِ لَكُمْ وَنَحْنُ عَبِيرُنَا … رَهَجُ السَّنَابِكِ وَالْغُبَارُ الْأَطْيَبُ

وَلَقَدْ أَتَانَا مِنْ مَقَالِ نَبِيِّنَا … قَوْلٌ صَحِيحٌ صَادِقٌ لَا يُكَذَّبُ

لَا يَسْتَوِي وَغُبَارُ خَيْلِ اللَّهِ فِي … أَنْفِ امْرِئٍ وَدُخَانُ نَارٍ تَلْهَبُ

هَذَا كِتَابُ اللَّهِ يَنْطِقُ بَيْنَنَا … لَيْسَ الشَّهِيدُ بِمَيِّتٍ لَا يُكَذَّبُ»

وَلَمَّا أُلْقِيَ بِكِتَابِ ابْنِ الْمُبَارَكِ إِلَى الْفُضَيْلِ، وَكَانَ فِي الْحَرَمِ، قَرَأَهُ وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَنَصَحَ» [سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ لِلذَّهَبِيِّ].

الِانْتِصَارُ عَلَى النَّفْسِ وَالْهَوَى: خَيْرُ انْتِصَارٍ يُحَقِّقُهُ الْمُسْلِمُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَنْ يَنْتَصِرَ عَلَى شَيْطَانِهِ وَنَفْسِهِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ؛ فَيُرَوِّضَهَا وَيُهَذِّبَهَا عَلَى قَبُولِ الْخَيْرِ وَمَا فِيهِ النَّفْعُ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، وَيُقْلِعَ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَالْعَادَاتِ السَّيِّئَةِ، فَيَكُونَ مِمَّنْ فَازَ وَسَعِدَ {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشَّمْسِ: 7 – 10].

وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمٌ غُزَاةٌ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “قَدِمْتُمْ خَيْرَ مَقْدَمٍ مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ”. قَالُوا: وَمَا الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ؟ قَالَ: “مُجَاهَدَةُ الْعَبْدِ هَوَاهُ”» [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي “الزُّهْدِ الْكَبِيرِ”].

(2) انْتِصَارَاتٌ وَقَعَتْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ:

حَفِلَ تَارِيخُ الْمُسْلِمِينَ بِكَثِيرٍ مِنَ الِانْتِصَارَاتِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّهُ شَهْرُ الْإِنْتَاجِ وَالْعَمَلِ لَا الْخُمُولِ وَالْكَسَلِ، فَفِيهِ وَقَعَ:

«غَزْوَةُ بَدْرٍ» فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقَدْ سَمَّاهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ يَوْمَ الْفُرْقَانِ – الَّذِي أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ – {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آلِ عِمْرَانَ: 123].

فَالْمُسْلِمُونَ كَانُوا أَذِلَّةً مُتَضَرِّعِينَ صَائِمِينَ، أَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَنَرَى فِيهِمُ الْكِبْرَ وَالْغُرُورَ؛ فَأَبُو جَهْلٍ لَمَّا جَاءَهُ خَبَرُ نَجَاةِ الْقَافِلَةِ أَصَرَّ عَلَى التَّقَدُّمِ، وَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَرِدَ بَدْرًا – وَكَانَ بَدْرٌ مَوْسِمًا مِنْ مَوَاسِمِ الْعَرَبِ، يَجْتَمِعُ لَهُمْ بِهِ سُوقٌ كُلَّ عَامٍ – فَنُقِيمُ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَنَنْحَرُ الْجُزُرَ، وَنُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَنُسْقِي الْخَمْرَ، وَتَعْزِفُ عَلَيْنَا الْقِيَانُ، وَتَسْمَعُ بِنَا الْعَرَبُ وَبِمَسِيرِنَا وَجَمْعِنَا، فَلَا يَزَالُونَ يَهَابُونَنَا أَبَدًا بَعْدَهَا، فَامْضُوا»، لَكِنَّ رَسُولَنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ، فَسُرَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالُوا، ثُمَّ قَالَ: «سِيرُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ الْآنَ مَصَارِعَ الْقَوْمِ» [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ»].

كَانَ النَّصْرُ حَلِيفَهُمْ، وَالتَّوْفِيقُ سَبِيلَهُمْ، وَالْمَدَدُ الْإِلَهِيُّ مَعَهُمْ، وَاسْتَمِعْ إِلَى السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ وَهُوَ يُجَسِّدُ هَذَا الْمَشْهَدَ فِي صُورَةٍ حَيَّةٍ كَأَنَّهُ وَاقِعٌ مُشَاهَدٌ، فَيَقُولُ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الْأَنْفَالِ: 10 – 12].

فَتْحُ مَكَّةَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ الَّذِي ضَرَبَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي الصَّفْحِ وَالْعَفْوِ عَنِ الْمُسِيئِينَ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَرَوْنَ أَنِّي صَانِعٌ بِكُمْ؟» قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «السُّنَنِ الْكُبْرَى»]، وَلِذَا سَمَّاهُ «يَوْمَ الْمَرْحَمَةِ»، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا سُفْيَانَ، الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ، الْيَوْمَ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ قُرَيْشًا» [رَوَاهُ الْأُمَوِيُّ فِي «الْمَغَازِي»]، وَقَدْ وَفَّرَ لَهُمْ وَسَائِلَ كَيْ يَأْمَنَ أَهْلُ مَكَّةَ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، وَتِلْكَ هِيَ خَصَائِصُ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَهُوَ شَهْرُ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعَفْوِ، وَالْأَمْنِ وَالْأَمَانِ، وَالسِّلْمِ وَالسَّلَامِ.

مَوْقِعَةُ الْبُوَيْبِ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ الَّتِي حَدَثَتْ فِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَدْ وَقَعَتْ عَلَى ضِفَافِ نَهْرِ الْفُرَاتِ فِي بِلَادِ فَارِسَ، بِوَصِيَّةٍ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ قَائِدُ الْمُسْلِمِينَ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ، وَانْتَصَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْفُرْسِ، وَارْتَفَعَ فِيهَا لِوَاءُ الْإِسْلَامِ [الْكَامِلُ فِي التَّارِيخِ لِابْنِ الْأَثِيرِ].

كَانَ رَمَضَانُ مُنْطَلَقًا بِالْأُمَّةِ نَحْوَ الْعَالَمِيَّةِ حَيْثُ خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ حُدُودِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ إِلَى آفَاقِ الْعَالَمِ، وَحَمَلُوا مَعَهُمْ قِيَمَ الْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ، وَنَسَائِمَ الْحُرِّيَّةِ عِنْدَمَا فَتَحُوا الْأَنْدَلُسَ فِي مَعْرَكَةِ وَادِي لَكَّةَ الشَّهِيرَةِ بِقِيَادَةِ طَارِقِ بْنِ زِيَادٍ اسْتَمَرَّتْ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ مِنَ الْأَحَدِ 28 رَمَضَانَ إِلَى الْأَحَدِ الْخَامِسِ مِنْ شَوَّالٍ (92هـ) = يُولْيُو (711م)، وَظَلَّتْ دَوْلَةً مُسْلِمَةً ثَمَانِيَةَ قُرُونٍ، وَأَصْبَحَ غَرْبُ الْقَارَّةِ الْأُورُبِّيَّةِ مُسْلِمًا يَتَرَدَّدُ الْأَذَانُ فِي جَنَبَاتِهِ. [الْبَيَانُ الْمُغْرِبُ فِي أَخْبَارِ الْأَنْدَلُسِ وَالْمَغْرِبِ لِابْنِ عَذَارِي الْمَرَّاكُشِيِّ].

ثُمَّ فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ جَزِيرَةَ صِقِلِّيَّةَ فِي عَهْدِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – عِنْدَمَا قَادَ الْقَائِدُ الْفَقِيهُ الْمُحَدِّثُ أَسَدُ بْنُ الْفُرَاتِ جُيُوشَ الْمُسْلِمِينَ لِمَعْرَكَةِ «سَهْلِ بَلَّاطَةَ» فِي التَّاسِعِ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ (212هـ)؛ لِيَفْتَحَ أَكْبَرَ جُزُرِ الْبَحْرِ الْمُتَوَسِّطِ، وَيُصْبِحَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى بُعْدِ خَمْسَةِ أَمْيَالٍ فَقَطْ مِنْ إِيطَالِيَا، ثُمَّ وَاصَلَ الْمُسْلِمُونَ انْطِلَاقَهُمْ إِلَى الْعَالَمِيَّةِ لِنَشْرِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ رُبُوعِ الْمَعْمُورَةِ. [نَفْحُ الطِّيبِ مِنْ غُصْنِ الْأَنْدَلُسِ الرَّطِيبِ لِلتِّلِمْسَانِيِّ].

مَعْرَكَةُ عَيْنِ جَالُوتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ 25 مِنْ رَمَضَانَ (658هـ) عَلَى أَرْضِ فِلَسْطِين، وَكَانَتْ هَذِهِ الْمَعْرَكَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الْمَمَالِيكِ بِقِيَادَةِ مُظَفَّرِ قُطُزَ، وَبَيْنَ الْمَغُولِ، تِلْكَ الْمَعْرَكَةُ الَّتِي قَامَتْ أُمَّةُ الْإِسْلَامِ مِنْ غَفْلَتِهَا حَيْثُ قَامَتْ تَحْتَ قِيَادَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَضَوْا عَلَى أُسْطُورَةِ التَّتَارِ الْجَيْشِ الَّذِي لَا يُهْزَمُ، وَأَنْقَذَتِ الْعَالَمَ الْإِسْلَامِيَّ مِنْ خَطَرٍ دَاهِمٍ لَمْ يُوَاجَهْ مِثْلُهُ مِنْ قَبْلُ، وَأَنْقَذَتْ حَضَارَتَهُ مِنَ الضَّيَاعِ وَالِانْدِثَارِ، وَحَمَتِ الْعَالَمَ الْأُورُوبِّيَّ مِنْ شَرٍّ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ مُلُوكِ أُورُوبَّا وَقْتَئِذٍ أَنْ يَدْفَعَهُ. [الْعِبَرُ لِلذَّهَبِيِّ].

أَعْظَمُ مَعْرَكَةٍ وَقَعَتْ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ أُكْتُوبَرُ الْمَجِيدُ الَّذِي وَقَعَ فِي الْعَاشِرِ مِنْ رَمَضَانَ عَامَ (1393هـ) = السَّادِسِ مِنْ أُكْتُوبَرَ 1973م، حَيْثُ الْتَقَى الْمِصْرِيُّونَ مَعَ عَدُوِّهِمُ الْغَاشِمِ عَلَى أَرْضِ سِينَاءَ الْحَبِيبَةِ، فَهَزَمَ الْجَيْشُ الْمِصْرِيُّ الْعَظِيمُ هَذَا الْمُحْتَلَّ، وَأَبْطَلَ مَقُولَتَهُ الَّتِي طَالَمَا تَغَنَّى بِهَا «الْجَيْشُ الَّذِي لَا يُقْهَرُ»، وَاسْتَرَدُّوا أَرْضَهُمْ، وَحَمَوْا عِرْضَهُمْ، وَرَفَعُوا رَايَةَ بِلَادِهِمْ عَالِيَةً خَفَّاقَةً، عَبْرَ جُنُودِنَا وَهُمْ صَائِمُونَ رَغْمَ أَنَّ الشَّرْعَ الْحَنِيفَ رَخَّصَ لَهُمُ الْفِطْرَ لَكِنْ أَبَتْ أَخْلَاقُ هَؤُلَاءِ الْعِظَامِ – وَمَحَبَّتُهُمْ لِلشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ تَحْرِيرِ وَطَنِهِمْ – إِلَّا أَنْ يَكُونُوا صَائِمِينَ: «لَا نُرِيدُ أَنْ نُفْطِرَ إِلَّا فِي الْجَنَّةِ»، فَعَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِكَلِمَةِ «اللَّهُ أَكْبَرُ»، وَكَانَ عُنْصُرُ الْمُفَاجَأَةِ أَذْهَلَ الْجَمِيعَ، وَخَرَجَ الْعَدُوُّ مِنْ وَكْرِهِ مَذْعُورًا خَائِفًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَبْطَالِ الْبَوَاسِلِ الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْبٍ، وَتَدَفَّقُوا كَالسَّيْلِ الْعَرِمِ، وَكَانَتِ الرُّوحُ الْمَعْنَوِيَّةُ الَّتِي قَامَ بِهَا مَوْلَانَا الْعَارِفُ بِاللَّهِ الْإِمَامُ الْأَكْبَرُ أ.د/ عَبْدُ الْحَلِيمِ مَحْمُودٍ لِجُنُودِنَا لَهَا عَظِيمُ الْأَثَرِ فِي تَخْفِيفِ حَرَارَةِ الْجَوِّ، وَوَطْأَةِ الْمَوْقِفِ حَيْثُ بَشَّرَهُمْ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ، وَهُوَ يَرْفَعُ رَايَةَ «اللَّهُ أَكْبَرُ”.

وَمَا زَالَ الْجَيْشُ الْمِصْرِيُّ عَلَى الْعَهْدِ بَاقِيًا، وَسَيَظَلُّ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا رَغْمَ كَيْدِ الْكَائِدِينَ، وَأَبْوَاقِ الْمُفْسِدِينَ مِصْدَاقًا لِقَوْلِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ؛ فَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِصْرَ بَعْدِي فَاتَّخِذُوا فِيهَا جُنْدًا كَثِيفًا؛ فَذَلِكَ الْجُنْدُ خَيْرُ أَجْنَادِ الْأَرْضِ»، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: وَلِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِأَنَّهُمْ وَأَزْوَاجَهُمْ فِي رِبَاطٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» [رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي «فُتُوحِ مِصْرَ»].

(3) مُسَاعَدَةُ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ: تَعَامَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ بِكُلِّ رَحْمَةٍ وَسُهُولَةٍ وَبَسَاطَةٍ، فَلَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ آذَى امْرَأَةً أَوْ شَقَّ عَلَيْهِنَّ، وَفِيمَا يَلِي بَيَانٌ لِقَبَسٍ مِنْ حَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَهْلِهِ:

أَوَّلًا: قَضَاءُ حَوَائِجِ الزَّوْجَةِ وَمُسَاعَدَتُهَا بِبَعْضِ الْأَعْمَالِ: الزَّوْجَةُ بَشَرٌ تَتْعَبُ وَتَمْرَضُ، فَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُرَاعِيَ ذَلِكَ فَيَقُومَ بِمُسَاعَدَتِهَا، وَقَضَاءِ حَوَائِجِهَا، وَالْقِيَامِ بِبَعْضِ أَعْمَالِ الْمَنْزِلِ عَنْهَا، فَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ بِخِدْمَةِ وَرِعَايَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ سُئِلَتْ عَائِشَةُ: «هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ» [رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ]، فَالتَّوَاضُعُ وَالْبَسَاطَةُ مَعَ شَرِيكَةِ الْعُمْرِ مِنْ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ، وَالْمَرْأَةُ فِي الْبَيْتِ لَيْسَتْ هَمَلًا أَوْ مَتَاعًا، بَلْ هِيَ إِنْسَانٌ كَالرَّجُلِ تُشَارِكُهُ وَتُشَاطِرُهُ الْأَفْرَاحَ وَالْأَتْرَاحَ، فَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَقِفَ مَعَ زَوْجِهِ وَيُعِينَهَا.

ثَانِيًا: الْجُلُوسُ مَعَ الزَّوْجَةِ وَالتَّحَدُّثُ إِلَيْهَا وَمُشَاوَرَتُهَا: إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَزْوَاجِ كَثِيرُ التَّرْحَالِ وَالْخُرُوجِ، كَثِيرُ الِارْتِبَاطَاتِ، فَأَيُّ حَيَاةٍ هَذِهِ؟! وَأَيْنَ حَقُّ الزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ وَالْجُلُوسُ مَعَهُمْ؟! وَانْظُرْ مِثَالًا لِهَذَا الْفَنِّ فِي الْجُلُوسِ مَعَ الزَّوْجَةِ وَالْحَدِيثِ مَعَهَا، حَدِيثُ أُمِّ زَرْعٍ الطَّوِيلُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ لِلسَّيِّدَةِ عَائِشَةَ تَحْكِيهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «وَفِيهِ أَيْ: هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْفَوَائِدِ- حُسْنُ عِشْرَةِ الْمَرْءِ أَهْلَهُ بِالتَّأْنِيسِ وَالْمُحَادَثَةِ بِالْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ مَا لَمْ يُفْضِ ذَلِكَ إِلَى مَا يُمْنَعُ» ا.هـ.

إِنَّ اسْتِشَارَةَ الزَّوْجَةِ فِي أُمُورِ الْمَنْزِلِ يُشْعِرُهَا بِقِيمَتِهَا وَحُبِّهَا، وَلَنْ تَعْدَمَ الرَّأْيَ وَالْمَشُورَةَ أَبَدًا فَرُبَّمَا فَتَحَتْ عَلَيْكَ بِرَأْيٍ صَائِبٍ كَانَ السَّبَبَ فِي سَعَادَتِكَ، فَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَشِيرُ أَزْوَاجَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِشَارَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ سَلَمَةَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ عِنْدَمَا أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِنَحْرِ الْهَدْيِ وَحَلْقِ الرَّأْسِ فَلَمْ يَفْعَلُوا؛ لِأَنَّهُ شَقَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا وَلَمْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَدَخَلَ مَهْمُومًا حَزِينًا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِخَيْمَتِهَا، فَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَّا أَنْ جَاءَتْ بِالرَّأْيِ الصَّائِبِ: «اخْرُجْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَاحْلِقْ وَانْحَرْ»، فَحَلَقَ وَنَحَرَ؛ فَإِذَا بِأَصْحَابِهِ كُلِّهِمْ يَقُومُونَ قَوْمَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَيَحْلِقُونَ وَيَنْحَرُونَ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].

وَأَيْضًا انْظُرْ لِاسْتِشَارَتِهِ لِخَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي أَمْرِ الْوَحْيِ، وَوُقُوفِهَا مَعَهُ وَشَدِّهَا مِنْ أَزْرِهِ، هَكَذَا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا مُعِينَةٌ لِزَوْجِهَا إِذَا أَشْعَرَهَا زَوْجُهَا بِقِيمَتِهَا، فَالْعَلَاقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ تَنْمُو وَتَتَأَصَّلُ كُلَّمَا تَجَدَّدَتْ وَدَارَتِ الْأَحَادِيثُ بَيْنَهُمَا، فَالْأَحَادِيثُ وَسِيلَةُ التَّعَارُفِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى التَّآلُفِ، فَالْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ تَعَوُّدِ الصَّمْتِ الدَّائِمِ بَيْنَكُمَا؛ فَتَتَحَوَّلَ الْحَيَاةُ إِلَى رُوتِينٍ بَغِيضٍ وَمِنْ ثَمَّ تُقْتَلُ الْمَشَاعِرُ وَتَنْعَدِمُ الْعَوَاطِفُ بَيْنَهُمَا.

ثَالِثًا: حُسْنُ الْعِشْرَةِ بَيْنَ الْأَهْلِ مِنْ تَمَامِ الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ: الْعَلَاقَةُ الزَّوْجِيَّةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ قَائِمَةً عَلَى الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ مِصْدَاقًا لِقَوْلِ رَبِّنَا: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرُّومِ: 21]، فَالْحَيَاةُ لَا تَسِيرُ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِذَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَتَحَمَّلَ بَعْضُهُمَا بَعْضًا قَالَ تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النِّسَاءِ: 19]، وَيَنْظُرَا إِلَى الْجَانِبِ الْمُشْرِقِ وَالْحَسَنِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» أَوْ قَالَ: «غَيْرَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

وَتَأَمَّلْ قَوْلَ اللَّهِ: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [الْبَقَرَةِ: 187] تَجِدْ فِيهِ مَعْنًى لَطِيفًا دَقِيقًا؛ لِمَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَزَوْجِهِ مِنْ شِدَّةِ الِاتِّصَالِ وَالْمَوَدَّةِ، وَاسْتِتَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ، فَاللِّبَاسُ كَمَا يَسْتُرُ جَسَدَ الْإِنْسَانِ مِنْ تَقَلُّبَاتِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَمِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَكَذَا الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ كِلَاهُمَا سِتْرٌ لِلْآخَرِ مِنْ عَوَاصِفِ الْحَيَاةِ، وَأَمْوَاجِ الْفِتَنِ، بِذَلِكَ تَسْتَمِرُّ الْحَيَاةُ وَلَا تَكُونُ عُرْضَةً لِلْعَوَاصِفِ فِي رِحْلَةِ الْحَيَاةِ الطَّوِيلَةِ، فَالْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ إِذَا نُزِعَتَا مِنَ الْمَنْزِلِ كَانَتِ الْحَيَاةُ شَقَاءً وَدَمَارًا عَلَى الْأُسَرِ؛ وَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى سَيِّدِنَا عُمَرَ وَقَالَ: «إِنَّنِي لَا أُحِبُّ زَوْجَتِي وَأُرِيدُ طَلَاقَهَا»، فَظَلَّ عُمَرُ يُنَاقِشُ الرَّجُلَ، وَفِي نِهَايَةِ حِوَارِهِ مَعَهُ قَالَ لَهُ: يَا أَخَا الْإِسْلَامِ وَهَلْ عَلَى الْحُبِّ وَحْدَهُ تُبْنَى الْبُيُوتُ؟! [الزَّوَاجِرُ لِابْنِ حَجَرٍ]، وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:

احْرِصْ عَلَى حِفْظِ الْقُلُوبِ مِنَ الْأَذَى … فَرُجُوعُهَا بَعْدَ التَّنَافُرِ يَصْعُبُ

إِنَّ النُّفُوسَ إِذَا تَنَافَرَ وُدُّهَا … مِثْلُ الزُّجَاجَةِ كَسْرُهَا لَا يُشْعَبُ

نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنَا حُسْنَ الْعَمَلِ، وَفَضْلَ الْقَبُولِ، إِنَّهُ أَكْرَمُ مَسْؤُولٍ، وَأَعْظَمُ مَأْمُولٍ، وَأَنْ يَجْعَلَ بَلَدَنَا مِصْرَ سَخَاءً رَخَاءً، أَمْنًا أَمَانًا، سِلْمًا سَلَامًا وَسَائِرَ بِلَادِ الْعَالَمِينَ، وَوَفَّقَ وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا فِيهِ نَفْعُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ.

أَعَدَّهُ: الفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ الحَنَّانِ المَنَّانِ            د/ مَحْرُوسُ رَمَضَانُ حِفْظِي عَبْدُ العَالِ

مُدَرِّسُ التَّفْسِيرِ وَعُلُومِ القُرْآنِ ـ                        كُلِّيَّةُ أُصُولِ الدِّينِ وَالدَّعْوَةِ ـ أَسْيُوطُ

_____________________________________

 

وللإطلاع علي قسم خطبة الجمعة

 

تابعنا علي الفيس بوك

 

الخطبة المسموعة علي اليوتيوب

 

للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة

 

للمزيد عن أخبار الأوقاف

 

وللمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف

 

للمزيد عن مسابقات الأوقاف

 

اظهر المزيد

كتب: د.أحمد رمضان

الدكتور أحمد رمضان حاصل علي الماجستير من جامعة الأزهر بتقدير ممتاز سنة 2005م ، وحاصل علي الدكتوراه بتقدير مع مرتبة الشرف الأولي من جامعة الأزهر الشريف سنة 2017م. مؤسس جريدة صوت الدعاة ورئيس التحرير وكاتب الأخبار والمقالات المهمة بالجريدة، ويعمل بالجريدة منذ 2013 إلي اليوم. حاصل علي دورة التميز الصحفي، وقام بتدريب عدد من الصحفيين بالجريدة. للتواصل مع رئيس التحرير على الإيميل التالي: ahmed_dr.ahmed@yahoo.com رئيس التحريـر: د. أحمد رمضان (Editor-in-Chief: Dr. Ahmed Ramadan) للمزيد عن الدكتور أحمد رمضان رئيس التحرير أضغط في القائمة علي رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى