خطبة الجمعة القادمة 6 مارس : أَيات الله في بدر الكبري ، للدكتور محروس حفظي

خطبة الجمعة القادمة
خطبة الجمعة القادمة 6 مارس 2026م بعنوان : ايات الله في بدر الكبري ، للدكتور محروس حفظي بتاريخ 16 رمضان 1447هـ الموافق 6 مارس 2026م
لتحميل خطبة الجمعة القادمة 6 مارس 2026م ، للدكتور محروس حفظي بعنوان : ايات الله في بدر الكبري
ولتحميل خطبة الجمعة القادمة 6 مارس 2026م ، للدكتور محروس حفظي بعنوان : ايات الله في بدر الكبري ، بصيغة word أضغط هنا.
لتحميل خطبة الجمعة القادمة 6 مارس 2026م، للدكتور محروس حفظي بعنوان : ايات الله في بدر الكبري ، بصيغة pdf أضغط هنا.
___________________________________________________________
خطبة بعنوان: «آيات الله يوم بدر»
بتاريخ 16 رمضان 1447 ه = الموافق 6 مارس 2026 م
عناصر الخطبة:
(1) آيات وقعت في غزوة بدر الكبرى.
(2) مقومات النصر على الأعداء يوم بدر.
(3) مجاهدة النفس مقصد عظيم من مقاصد الصوم.
الحمد لله حمداً يوافي نعمه، ويكافىء مزيده، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما بعد ،،،
(1) آيات وقعت في غزوة بدر الكبرى: حفل تاريخ المسلمين بكثير من الانتصارات في شهر رمضان مما يؤكد أنه شهر الانتصار على النفس والعدو معاً: من ذلك: “غزوة بدر” التي وقعت في السنة الثانية من الهجرة، وقد سماه القرآن الكريم يوم الفرقان- الذي أعز الله فيه نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين- {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123]، فالمسلمون كانوا أذلة متضرعين، أما المشركون فنرى فيهم الكِبر والغرور؛ فأبو جهل لما جاءه خبر نجاة القافلة أصر على التقدم، وقال:«وَاَللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَرِدَ بَدْرًا- وَكَانَ بَدْرٌ مَوْسِمًا مِنْ مَوَاسِمِ الْعَرَبِ، يَجْتَمِعُ لَهُمْ بِهِ سُوقٌ كُلَّ عَامٍ- فَنُقِيمُ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَنَنْحَرُ الْجُزُرَ، وَنُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَنُسْقِي الْخَمْرَ، وَتَعْزِفُ عَلَيْنَا الْقِيَانُ، وَتَسْمَعُ بِنَا الْعَرَبُ وَبِمَسِيرِنَا وَجَمْعِنَا، فَلَا يَزَالُونَ يَهَابُونَنَا أَبَدًا بَعْدَهَا، فَامْضُوا»، لكن رسولنا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استشار أصحابه، فسُّر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما قالوا ثُمَّ قَالَ:«سِيرُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاللهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ الْآنَ مَصَارِعَ الْقَوْمِ». [رواه البيهقي في “الدلائل”]، وقد كان النصر حليف المؤمنين، والتوفيق سبيلهم، والمدد الإلهي معهم، وفيما يلي بيان ذلك:
آيات وقعت في غزوة بدر الكبرى:
(1) إمداد الملائكة الكرام للمؤمنين: قال سبحانه: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9]، وقال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ } [الأنفال: 12].
قال القرطبي: (تظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت، ومن ذلك: قول أبى أسيد مالك بن ربيعة- وكان قد شهد بدراً-: «لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري لَأَرَيْتُكُمُ الشِّعْبَ- أي الطريق في الجبل- الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أَمْتَرِي»، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ المشركين أمامه إذ يسمع ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ- اسم فرس من خيل الملائكة-، فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ وَشُقَّ وَجْهُهُ، فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: صَدَقْتَ ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ» [الجامع لأحكام القرآن].
– وقد سئل الإمام تقي الدين السبكي: «ما الحكمة في قتال الملائكة مع أن جبريل – عليه السلام- قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟. فأجاب: بأن ذلك لإرادة أن يكون الفضل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتكون الملائكة مدداً على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التي أجراها- سبحانه- في عباده، والله تعالى هو فاعل الجميع». [فتح الباري شرح صحيح البخاري].
(2) أصابهم النعاس: قال القرطبي: «وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها، فكان النوم عجيباً مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم، ولكن الله ربط جَأْشَهُمْ»، وعن علي رضي الله عنه قال: «مَا كَانَ فِينَا فَارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرَ الْمِقْدَادِ عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ شَجَرَةٍ يُصَلِّي وَيَبْكِي حَتَّى أَصْبَحَ» ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ»، وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان: أحدهما: أن قواهم بالاستراحة على القتال من الغد، الثاني: أن أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم: كما يقال: الْأَمْنُ مُنِيمٌ، وَالْخَوْفُ مُسْهِرٌ» [الجامع لأحكام القرآن].
(3) إنزال الماء من السماء: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ } [الأنفال: 11].
فالآية قد أخبرت عن بعض آثار الماء على المؤمنين يوم بدر: “طهرهم به من الحدثين: الأصغر والأكبر، وأذهب عنهم وسوسة الشيطان، وتخويفه إياهم من العطش وغيره عند فقدهم الماء، وبث الثقة في نفوسهم بلُطف الله فيما بعد مشاهدة طلائعِه، وثبت أقدامهم به حتى لا تسوخ في الرمال، ويسهل المشي عليها”. [إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم].
(4) إلقاء الرعب في قلوب الكافرين: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} [الأنفال: 12].
“ولم يسند إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا إلى الملائكة بل أسنده الله إلى نفسه وحده بقوله: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ}؛ لأن أولئك الملائكة المخاطبين كانوا ملائكة نصر وتأييد فلا يليق بقواهم إلقاء الرعب؛ لأن الرعب خاطر شيطاني ذميم، فجعله الله في قلوب الذين كفروا بواسطة أخرى غير الملائكة”. [التحرير والتنوير لابن عاشور].
(5) رمية الرسول صلى الله عليه وسلم: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17].
عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب: «نَاوِلْنِي كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ»، فَنَاوَلَهُ، فَرَمَى بِهِ وُجُوهَ الْقَوْمِ، فَمَا بَقِي أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ إِلَّا امْتَلَأَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحَصْبَاءِ، فنزلت: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]». [رواه الطبراني في “المعجم الكبير”، ورجاله رجال الصحيح].
(6) التكثير والتقليل في أعين المشركين: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} [آل عمران: 13].
“قُللِّوا أولاً في أعين المشركين حتى اجترءوا عليهم، فلما لاقوهم كَثَّروا في أعينهم حتى غلبوا، فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين، وتقليلهم تارة وتكثيرهم تارة أخرى في أعينهم أبلغ في القدرة، وإظهار الآية”. [مفاتيح الغيب للفخر الرازي].
(2) مقومات النصر على الأعداء يوم بدر:
أولاً: الالتصاف بالذل والافتقار لله جل وعلا: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123]، وذلتهم: “ما كان بهم من ضعف الحال، وقلة السلاح والمال والمركوب، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وما كان معهم إلا فرس واحد. وقلتهم: أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدوهم في حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس، ومعهم السلاح والقوة”. [الكشاف عن حقائق التنزيل].
وقد ختم الله سبحانه {فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}: تنبيه لهم إلى وجوب تفويض أمورهم إلى خالقهم، وإلى أن القلة المؤمنة التقية الصابرة كثيراً ما تنتصر على الكثرة الظالمة.
ثانياً: طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: والبعد عن التنازع والخلاف يقول ربنا: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].
ثالثاً: الصبر والتقوى: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125].
رابعاً: الإلحاح في الدعاء، ورمضان شهر الإجابة: قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].
وكان سيدنا عمر رضي اللَّه يقول: «إني لا أحمل هَمَّ الإجابة، ولكن أحمل هَمَّ الدعاء، فإن ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه». [رواه أبو الشيخ في “العظمة”].
وعن عُمَر بْن الْخَطَّابِ، قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ»، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9] فَأَمَدَّهُ اللهُ بِالْمَلَائِكَةِ». [رواه مسلم].
فإن قيل: إن هذه النصوص يؤخذ منها أن هذه الاستغاثة كانت من النبي صلى الله عليه وسلم، فلماذا أسندها القرآن إلى المؤمنين؟ فالجواب: «أن المؤمنين كانوا يؤمِّنون على دعائه صلى الله عليه وسلم، ويتأسون به في الدعاء، إلا أن الروايات ذكرت دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو قائد المؤمنين، وهو الذي يحرص الرواة على نقل دعائه، أكثر من حرصهم على نقل دعاء غيره من أصحابه». [التفسير الوسيط للقرآن الكريم].
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَهُوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ: «أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ اليَوْمِ أَبَدًا» فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ، وَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ، وَهُوَ فِي الدِّرْعِ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: {سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46]. [رواه البخاري].
(3) مجاهدة النفس مقصد عظيم من مقاصد الصوم: إن تحقيق هذا النوع من الانتصار هو الأساس الذي تنبني عليه كل الانتصارات الأخرى، فإن تربى العبد على الاستحضار الدائم لعامل المراقبة لله، وتجنُّب ما لا يرضيه من قولٍ أو خلقٍ، فيكن بذلك قد تجاوز عتبة الانتصار الأول والمهم في مدرسة الصيام ليصحبه صحبة دائمة لازمة طيلة العام، ومن لم يستطع أن ينتصر في معركته مع لسانه- وهو صائم- لا يُمكنه أن ينتصر في معركته مع شيطانه وشهواته بل إن الانهزام أمام اللسان وآفاته يؤدي بصاحبه إلى الإفلاس والخسران {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].
قال سيدنا جابر بن عبد الله الأنصاري: “إذا صمتَ فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء”. [لطائف المعارف لابن رجب].
قال سفيان الثوري: “مَا عَالَجْتُ شَيْئاً أَشدَّ عَلَيَّ مِنْ نَفْسِي مَرَّةً عَلَيَّ، وَمَرَّةً لِي”. [سير أعلام النبلاء].
وقال الحسن البصري: “ما الدابة الجموح بأحوج إلى اللجام الشديد من نفسك”. [إحياء علوم الدين].
وقال يحيى بن معاذ الرازي: “جاهد نفسك بأسياف الرياضة، والرياضة على أربع أوجه: القوت من الطعام، والغمض من المنام، والحاجة من الكلام، وحمل الأذى من جميع الأنام، فيتولد من قلة الطعام موت الشهوات، ومن قلة المنام صفو الإرادات، ومن قلة الكلام السلامة من الآفات، ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات”. [إحياء علوم الدين].
– لما كان الشبع من أسباب تسلط الشيطان على بني آدم شرع الصيام تضييقاً على مسالكه؛ فعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، قَالَتْ: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ». [متفق عليه]؛ لذا كان خير انتصار يحققه المسلم في شهر رمضان أن ينتصر على شيطانه ونفسه الأمارة بالسوء؛ فيروضها ويهذبها على قبول الخير وما فيه النفع في العاجل والآجل، ويقلع عن الشهوات، والعادات السيئة؛ فعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ – أَوْ تَمْلَأُ – مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» [رواه مسلم]، وهذا الحديث يجمع عبادات يمكن تحقيقها في شهر رمضان، فتأمل.
قال عبد الله بن المبارك: “فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ» يشمل النصرَ في الجهادين: جهادُ العدوِّ الظاهر، وجهادُ العدوِّ الباطن، فمن صبرَ فيهما، نُصِرَ وظفر بعدوِّه، ومن لم يصبر فيهما وجَزِعَ، قُهِرَ وصار أسيرًا لعدوه، أو قتيلًا له”. [جامع العلوم والحكم لابن رجب].
أولاً: ينتصر على النفس بكبح جماح الغضب، وحفظ اللسان؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» [متفق عليه].
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [رواه البخاري].
وقد ضمن هذا الحديث أبو بكر غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي:
إذا لم يكن في السمع مني تصاون … وفي بصري غض وفي منطقي صمت
فحظي إذا من صومي الجوع والظمأ … فإن قلت إني صمت يومي صمت [دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين].
قال ابن هُبَيْرَة: «في هذا الحديث من الفقه: أن الصائم مأمور بتنزيه صومه عن أن يجرحه بشيء من فلتات لسانه حتى إن شهادة تبلغ في إفساد الصوم إلى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: فليس لله حاجة”: فإنه كلام يشير إلى مغاضبة عليه مع العلم بأن الله لا حاجة به إلى صيام صائم، وإنما ذكر صلى الله عليه وسلم هذا إعلاماً لمن فعله أن الله سبحانه قد بلغ غضبه على شاهد الزور إلى ألا يراه معدودًا في الصائمين» [الإفصاح عن معاني الصحاح].
ثانياً: ينتصر على الرياء والمباهاة بالطاعة: تحقيق تقوى الله ومراقبتِه في السر والعلانية هي الغاية الأساسية التي انطوى عليها الصوم؛ إذ المسلم يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل خالقه وهو سرٌّ لا يطَّلع عليه سواه؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ، بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ اللَّهُ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي» [رواه مسلم].
ينبغي أن تظل هذه المراقبة حاضرة مع العبد في حياته كلها، وقد خص جبريل عليه السلام هذا المقام في حديثه الطويل بعد سؤاله عن الإسلام والإيمان؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [متفق عليه].
ثالثاً: ينتصر على الشح والبخل: الذي عده النبي صلى الله عليه وسلم من المهلكات؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا» [رواه أبو داود وأحمد].
فالفلاح الذي هو غاية الغايات في الدنيا والآخرة لا يمكن أن يحوزها العبد إلا إذا نجح في معركته مع الشح والبخل في رمضان {وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التغابن: 16].
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللهِ بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَلَجَاهِلٌ سَخِيٌّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ عَابِدٍ بِخَيْلٍ» [رواه البيهقي في “شعب الإيمان”].
– ينتصر على النوم والكسل بالقيام سريعاً للصلوات؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» [رواه مسلم].
أخي الكريم: من أحب الله، وعَظَّم شعائره حال صومه خالف هواه، ومن أَتْبَعَ نفسه هواها، وأَرْخَى لها زِمَامها كان عاجزاً عن إدراك مبتغاه؛ فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ» [رواه الترمذي في “سننه” وحسنه].
قال الإمام ابن حجر:«”قال ابن بطَّال: جِهَادُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ هُوَ الْجِهَادُ الْأَكْمَلُ قَالَ اللَّهُ: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37 – 42]، وَيَقَعُ بِمَنْعِ النَّفْسِ عَنِ الْمَعَاصِي، وَبِمَنْعِهَا مِنَ الشُّبُهَاتِ، وَبِمَنْعِهَا مِنَ الْإِكْثَارِ مِنَ الشَّهَوَاتِ الْمُبَاحَةِ؛ لِتَتَوَفَّرَ لَهَا فِي الْآخِرَةِ”. قُلْتُ: وَلِئَلَّا يَعْتَادَ الْإِكْثَارَ فَيَأْلَفَهُ فَيَجُرُّهُ إِلَى الشُّبُهَاتِ، فَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَقَعَ فِي الْحَرَامِ، وَنَقَلَ الْقُشَيْرِيُّ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ: “مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي بِدَايَتِهِ صَاحِبَ مُجَاهِدَةٍ لَمْ يَجِدْ من هَذِه الطَّرِيقِ شِمَّةً”، وَعَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ بُجَيْدٍ: “مَنْ كَرُمَ عَلَيْهِ دِينُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ”».
نسأل الله أن يرزقنا حسن العمل، وفضل القبول، إنه أكرم مسؤول، وأعظم مأمول، وأن يجعل بلدنا مِصْرَ سخاءً رخاءً، أمناً أماناً، سلماً سلاماً وسائر بلاد العالمين، ووفق ولاة أُمورنا لما فيه نفع البلاد والعباد.
أعده: الفقير إلى عفو ربه الحنان المنان
د / محروس رمضان حفظي عبد العال
مدرس التفسير وعلوم القرآن – كلية أصول الدين والدعوة – أسيوط
_____________________________________
للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة
وللمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف















