خطبة الجمعة : من دروس الإسراء والمعراج: جَبْرُ الخَواطِرِ، للدكتور أحمد رمضان
خطبة الجمعة القادمة 16 يناير 2026 بعنوان : من دروس الإسراء والمعراج: جَبْرُ الخَواطِرِ وبناءُ الإنسان ، إعداد: رئيس التحرير الدكتور أحمد رمضان لـ صوت الدعاة ، بتاريخ 27 رجب 1447هـ ، الموافق 16 يناير 2026م.
لتحميل خطبة الجمعة القادمة 16 يناير 2026م بصيغة word بعنوان : من دروس الإسراء والمعراج: جَبْرُ الخَواطِرِ وبناءُ الإنسان، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان لـ صوت الدعاة.
انفراد لتحميل خطبة الجمعة القادمة 9 يناير 2026م بصيغة pdf بعنوان : من دروس الإسراء والمعراج: جَبْرُ الخَواطِرِ وبناءُ الإنسان ، للدكتور أحمد رمضان.
عناصر خطبة الجمعة القادمة 16 يناير 2026م بعنوان : من دروس الإسراء والمعراج: جَبْرُ الخَواطِرِ وبناءُ الإنسان، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان.
العنصر الأوّل: جَبْرُ الخَاطِرِ: عِبَادَةٌ خَفِيَّةٌ عَظِيمَةُ الأَثَرِ
العنصر الثاني: جَبْرُ خَاطِرِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ الإِسْرَاءِ: الطَّائِفُ، وَعَامُ الحُزْنِ.
العُنْصُرُ الثَّالِثُ: مَظَاهِرُ جَبْرِ خَاطِرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةِ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ
العُنْصُرُ الرَّابِعُ: دَعْوَةُ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ إِلَى جَبْرِ الخَوَاطِرِ فِي حَيَاةِ الأُمَّة
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 16 يناير 2026م : من دروس الإسراء والمعراج: جَبْرُ الخَواطِرِ وبناءُ الإنسان ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان : كما يلي:
من دروس الإسراء والمعراج: جَبْرُ الخَواطِرِ وبناءُ الإنسان
27 رجب 1447هـ – 16 يناير 2026م
إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان
المـــوضــــــــــوع
الحمدُ للهِ الَّذي جَعَلَ بعدَ الكَسْرِ جَبْرًا، وبعدَ العُسْرِ يُسْرًا، وبعدَ الظُّلْمَةِ نُورًا، وجَعَلَ مِن سُنَنِهِ أنْ يَجْبُرَ القُلُوبَ إذا انْكَسَرَتْ، ويُثَبِّتَ الأرْوَاحَ إذا ضَعُفَتْ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، جَبَرَ اللهُ بخاطِرِهِ، فصارَ جابرًا لخواطِرِ الخَلْقِ، صلّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا، أمّا بعدُ:
عناصر الخطبة:
العنصر الأوّل: جَبْرُ الخَاطِرِ: عِبَادَةٌ خَفِيَّةٌ عَظِيمَةُ الأَثَرِ
العنصر الثاني: جَبْرُ خَاطِرِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ الإِسْرَاءِ: الطَّائِفُ، وَعَامُ الحُزْنِ.
العُنْصُرُ الثَّالِثُ: مَظَاهِرُ جَبْرِ خَاطِرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةِ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ
العُنْصُرُ الرَّابِعُ: دَعْوَةُ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ إِلَى جَبْرِ الخَوَاطِرِ فِي حَيَاةِ الأُمَّة
جبرُ الخاطرِ ليس خُلُقًا هامشيًّا، ولا سلوكًا تكميليًّا، بل هو من صميمِ الدِّينِ، ومن جوهرِ الرسالةِ، ومن أخلاقِ النبوّةِ، وقد جاءَ القرآنُ يؤصّلُ لهذا الخُلُقِ تأصيلًا عميقًا، فقالَ تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، فأمرَ بحُسنِ القولِ لا لأنّهُ لفظٌ جميلٌ فحسبُ، بل لأنّهُ دواءُ القلوبِ المكسورةِ.
العنصر الأوّل: جَبْرُ الخَاطِرِ: عِبَادَةٌ خَفِيَّةٌ عَظِيمَةُ الأَثَرِ
أيّها المؤمنونَ، إنَّ مِن أدقِّ العباداتِ وأعظمِها أثرًا، وأخفَاها حركةً، وأثقلِها وزنًا عندَ اللهِ، عبادةَ جبرِ الخواطِرِ، تلك العبادةُ التي لا تحتاجُ إلى مالٍ كثيرٍ، ولا إلى جهدٍ كبيرٍ، ولكنّها تحتاجُ إلى قلبٍ حيٍّ، ونفسٍ رحيمةٍ، وعقلٍ واعٍ يدركُ أنَّ القلوبَ إذا انكسرتْ لا يجبرُها إلا اللُّطفُ.
قالَ سبحانهُ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: 263] فبيَّنَ أنَّ الكلمةَ الطيّبةَ التي تجبرُ الخاطرَ، وتُحافظُ على كرامةِ الإنسانِ، خيرٌ عندَ اللهِ من صدقةٍ تُكسَرُ بها النفوسُ. وفي السُّنّةِ النبويّةِ، جعلَ النبيُّ ﷺ جبرَ الخاطرِ طريقًا من طُرُقِ الفلاحِ، فقالَ: “من نفَّسَ عن مسلمٍ كُربةً مِن كُربِ الدُّنيا نفَّسَ اللَّهُ عنهُ كربةً مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومن يسَّرَ على مُعسرٍ في الدُّنيا يسَّرَ اللَّهُ عليهِ في الدُّنيا والآخرةِ، ومن سَترَ على مُسلمٍ في الدُّنيا سترَ اللَّهُ علَيهِ في الدُّنيا والآخرةِ، واللَّهُ في عونِ العَبدِ، ما كانَ العَبدُ في عونِ أخيهِ» رواه مسلم (2699). فجعلَ تفريجَ الكُرَبِ – وهو عينُ جبرِ الخاطرِ – سببًا لتفريجِ كُرَبِ الآخرةِ.
وقالَ ﷺ: “تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ» أخرجه الترمذي (1956) واللفظ له، وابن حبان (529)، وابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (5/275) صحيح. فابتسامةٌ صادقةٌ قد تجبرُ نفسًا مكسورةً، وتُحيي قلبًا مُتعبًا، وتفتحُ بابَ أجرٍ عظيمٍ.
ولذلك كانَ جبرُ الخواطرِ ملازمًا لدعاءِ النبيِّ ﷺ، فكانَ يقولُ بينَ السجدتينِ: “رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَارْزُقْنِي، وَارْفَعْنِي» ابن ماجه (898) واللفظ له، وأخرجه أبو داود (850)، والترمذي (284)، حديث صحيح، فطلبَ الجبرَ لنفسِهِ، ليكونَ بعدها جابرًا لغيرِهِ.
أيّها المؤمنونَ، إنّ القلوبَ المكسورةَ في الناسِ كثيرَةٌ، والأنفُسَ المُتعبةَ لا تُحصى، وجبرُ الخاطرِ قد يكونُ بكلمةٍ، أو نظرةِ رحمةٍ، أو إصغاءٍ صادقٍ، أو صمتٍ حكيمٍ، ولكنَّ أثرَهُ عندَ اللهِ عظيمٌ، ومن هنا نفهمُ لماذا كانَ جبرُ خاطرِ النبيِّ ﷺ محورًا عظيمًا في رحلةِ الإسراءِ والمعراجِ.
العنصر الثاني: جَبْرُ خَاطِرِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ الإِسْرَاءِ: الطَّائِفُ
أيّها المؤمنونَ، ما كانت رحلةُ الإسراءِ والمعراجِ حدثًا مفاجئًا بلا مقدّماتٍ، ولا منحةً جاءتْ في فراغٍ، بل كانت جبرًا إلهيًّا عظيمًا بعد سلسلةٍ طويلةٍ من الانكساراتِ البشريةِ المؤلمةِ، ليُعلِّمَ اللهُ بها الأمةَ سنّةً ربّانيةً ثابتةً: أنَّ الجبرَ يأتي بعدَ الكسرِ، وأنَّ المنحةَ تولدُ من رحمِ المحنةِ.
لقد مرَّ رسولُ اللهِ ﷺ قبلَ الإسراءِ بأقسى مراحلِ حياته، مرحلةٍ اجتمعَ فيها فقدُ السندِ، وشدّةُ الأذى، ووحشةُ الطريقِ، وانكسارُ القلبِ.
أوّلًا: عامُ الحُزنِ… حينَ تكسَّرَ السَّندُ
في عامٍ واحدٍ، فُجِعَ النبيُّ ﷺ بموتِ خديجةَ بنتِ خويلدٍ رضيَ اللهُ عنها، الزوجةِ، والمؤنسةِ، والمُثبِّتةِ، ثم أعقبَ ذلكَ موتُ عمِّهِ أبي طالبٍ، الحامي، والناصرِ، والدرعِ الاجتماعيِّ. وكانَتْ خديجةُ رضيَ اللهُ عنها وزيرةَ صدقٍ لرسولِ اللهِ ﷺ، يسكُنُ إليها، ويستريحُ عندَها، فلمّا فقدَها اشتدَّ عليهِ البلاءُ. وهنا يظهرُ الانكسارُ الإنسانيُّ للنبيِّ ﷺ، لا ضعفًا – وحاشاه – بل بشريةً، ليُعلِّمَنا أنَّ الألمَ ليس نقيضَ الإيمانِ.
ثانيًا: رحلةُ الطائفِ… حينَ يُغلَقُ بابُ الأرضِ
بعدَ أن ضاقتْ مكةُ، خرجَ ﷺ إلى الطائفِ، لا طالبَ مُلكٍ، ولا جاهٍ، بل باحثًا عن قلبٍ يسمعُ، وأذنٍ تعي، وظهرٍ يُساندُ. لكنَّ القومَ قابلوهُ بأقسى ما يُقابَلُ بهِ نبيٌّ، كما جاء في الحديثِ الصحيحِ الطويلِ عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها: قالتْ للنبيِّ ﷺ: “يَا رَسولَ اللهِ، هلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كانَ أَشَدَّ مِن يَومِ أُحُدٍ؟ فَقالَ: لقَدْ لَقِيتُ مِن قَوْمِكِ وَكانَ أَشَدَّ ما لَقِيتُ منهمْ يَومَ العَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي علَى ابْنِ عبدِ يَالِيلَ بنِ عبدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إلى ما أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ علَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إلَّا بقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بسَحَابَةٍ قدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَما ردُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بما شِئْتَ فيهم، قالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ قدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بأَمْرِكَ، فَما شِئْتَ، إنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عليهمُ الأخْشَبَيْنِ، فَقالَ له رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أَصْلَابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شيئًا“. مسلم (1795).
رُميَ بالحجارةِ، وأُدمِيَتْ قدماهُ الشريفتانِ، وسالَ الدمُ، وانصرفَ مكسورَ الخاطرِ لا الجسدِ فقط.
ثالثًا: الدعاءُ العظيم… ذروةُ الانكسارِ وبدايةُ الجبرِ
وهنا، أيّها المؤمنونَ، يقفُ النبيُّ ﷺ في قرنِ الثعالبِ، لا ناصرَ من البشرِ، ولا سندَ من الأرضِ، فيرفعُ رأسَهُ إلى السماءِ، ويخرجُ الدعاءُ من قلبٍ مكسورٍ صادقٍ:
اللَّهُمَّ إليك أشكو ضَعْفَ قُوَّتي، وقِلَّةَ حِيلتي وهواني على الناسِ، أرحمُ الراحمينَ أنتَ؛ ارحمْني، إلى منْ تكلُني ؟ إلى عدوٍ يتجَهَّمُني، أمْ إلى قريبٍ ملَّكتَهُ أمري ؟ إن لمْ تكنْ غضبانًا عليَّ فلا أُبالي، غيرَ أنَّ عافيتَكَ هي أوسعُ لي، أعوذُ بنورِ وجهِكَ الذي أشرقتْ لهُ الظُّلُماتُ وصلُحَ عليهِ أمرُ الدنيا والآخرةِ أن تُنزلَ بيَ غضبَكَ أو تُحلَّ عليَّ سخطَكَ، لكَ العُتْبى حتى تَرضَى ولا حولَ ولا قوةَ إلا بكِ“. الطبراني في (13/ 73) (181)، والبيهقي في دلائل النبوة، والخطيب البغدادي في ((السابق واللاحق)) (210)، وابن عساكر في ((تاريخه)) (10513). وهنا بلغَ الانكسارُ غايتَهُ… فكانَ لا بدَّ أن يأتي الجبرُ من اللهِ.
رابعًا: هنا يبدأُ الجبرُ الإلهيُّ
بعدَ أن أُغلِقَتْ أبوابُ الأرضِ، فُتِحَ بابُ السماءِ. بعدَ أن آذتهُ القلوبُ، خاطبهُ ربُّ القلوبِ. بعدَ أن طُرِدَ من الطائفِ، دُعِيَ إلى حضرةِ الجبارِ. قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا…﴾ الإسراء:1
وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا • إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ الشرح:5–6، وروي أنه خرجَ النبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومًا مسرورًا فرحًا وهو يقولُ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ. فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا“. رواه ابن جرير عن الحسن وقتادة مرسلا، ورواه الحاكم في المستدرك 2/ 528، عن الحسن مرسلا، وقال الذهبي: مرسل، ورواه ابن جرير موقوفا على عمر رضي الله عنه.
ومن أعظمِ مشاهدِ جبرِ الخاطرِ عند الكربِ ما قصَّهُ اللهُ تعالى علينا في قصةِ نبيِّه يونسَ عليه السلام، حين انكسرتِ النفسُ، وضاقتِ الأسبابُ، وانقطعتِ الحيلُ، فلم يبقَ إلا بابُ السماءِ مفتوحًا، فقال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]، فكان هذا النداءُ الصادقُ الخارجُ من قلبٍ مكسورٍ، ولسانٍ معترفٍ، وروحٍ متعلقةٍ بربِّها، سببًا في أعظمِ فرجٍ بعد أعظمِ كربٍ، إذ اجتمع فيه توحيدُ اللهِ، وتنزيهُهُ، والاعترافُ بالتقصيرِ، فاستحقَّ صاحبهُ رحمةَ اللهِ وعنايتَهُ.
وقد وقفَ الإمامُ ابنُ القيّمِ رحمهُ اللهُ عند هذا الدعاءِ وقفةَ المتأمّلِ العارفِ بأسرارِ العبوديةِ، فقال كلمتهُ الجامعةَ التي تكتبُ بماءِ الذهب: “فما نُوديَ بهِ في الكُرَبِ إلا كُشِفَتْ، ولا عُوِّلَ عليهِ في الشدائدِ إلا فُرِّجَتْ، وهو متضمِّنٌ للتوحيدِ، والاعترافِ بالذنبِ، والتوسُّلِ إلى اللهِ بأحبِّ ما يُتوسَّلُ بهِ إليهِ”. زاد المعاد، ابن القيم، ج4، ص185.
وهذا المعنى بعينهِ هو الذي تجلّى في جبرِ خاطرِ النبيِّ ﷺ ليلةَ الإسراءِ والمعراج؛ فبعد سنواتٍ من الإيذاءِ، والصدِّ، والتكذيبِ، وفقدِ الناصرِ والمعينِ، وانكسارِ القلبِ البشريِّ الشريفِ تحت وطأةِ البلاءِ، جاء الفرجُ الإلهيُّ من حيثُ لا يحتسبُ البشرُ، فجبرَ اللهُ خاطرَ نبيِّه ﷺ، ورفعهُ من ضيقِ الأرضِ إلى سعةِ السماءِ، ليعلّمَ الأمةَ أنَّ الفرجَ يولدُ من رحمِ الكسرِ، وأنَّ أعظمَ مقاماتِ العبوديةِ تُصنعُ في لحظاتِ الضعفِ والانطراحِ بين يدي اللهِ.
العُنْصُرُ الثَّالِثُ: مَظَاهِرُ جَبْرِ خَاطِرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةِ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ
أيّها المؤمنونَ، إذا كانَ العُنصرُ السَّابقُ قد كشفَ لنا كيفَ انكسرَ القلبُ البشريُّ، فإنَّ هذا العُنصرَ يكشفُ كيفَ جَبَرَ اللهُ ذلكَ القلبَ جبرًا سماويًّا لا نظيرَ لهُ، جبرًا لم يكن بكلمةٍ، ولا بمواساةٍ عابرةٍ، بل باصطفاءٍ، وتشريفٍ، وقُربٍ، واصطفافٍ في أعلى المقاماتِ.
أوّلًا: شَقُّ الصَّدْرِ… تَهْيِئَةُ القَلْبِ لِلجَبْرِ
لم تكن ليلةُ الإسراءِ والمعراجِ رحلةَ انتقالٍ فقط، بل كانت رحلةَ إعدادٍ داخليٍّ عميقٍ، بدأها اللهُ بشقِّ صدرِ نبيِّهِ ﷺ. عن مالكِ بنِ صَعصعةَ رضيَ اللهُ عنهُ قال: أنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ قال: “بَيْنا أنا عِنْدَ البَيْتِ بيْنَ النَّائِمِ والْيَقْظانِ، إذْ سَمِعْتُ قائِلًا يقولُ: أحَدُ الثَّلاثَةِ بيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَأُتِيتُ فانْطُلِقَ بي، فَأُتِيتُ بطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ فيها مِن ماءِ زَمْزَمَ، فَشُرِحَ صَدْرِي إلى كَذا وكَذا، قالَ قَتادَةُ: فَقُلتُ لِلَّذِي مَعِي ما يَعْنِي قالَ: إلى أسْفَلِ بَطْنِهِ، فاسْتُخْرِجَ قَلْبِي، فَغُسِلَ بماءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُعِيدَ مَكانَهُ، ثُمَّ حُشِيَ إيمانًا وحِكْمَةً، ثُمَّ أُتِيتُ بدابَّةٍ أبْيَضَ، يُقالُ له: البُراقُ، فَوْقَ الحِمارِ، ودُونَ البَغْلِ، يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عليه، ثُمَّ انْطَلَقْنا حتَّى أتَيْنا السَّماءَ الدُّنْيا، فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقِيلَ: مَن هذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ، قيلَ: ومَن معكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قيلَ: وقدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَفَتَحَ لَنا، وقالَ: مَرْحَبًا به ولَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ، قالَ: فأتَيْنا علَى آدَمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، وساقَ الحَدِيثَ بقِصَّتِهِ، وذَكَرَ أنَّه لَقِيَ في السَّماءِ الثَّانِيَةِ عِيسَى، ويَحْيَى عليهما السَّلامُ، وفي الثَّالِثَةِ يُوسُفَ، وفي الرَّابِعَةِ إدْرِيسَ، وفي الخامِسَةِ هارُونَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنا حتَّى انْتَهَيْنا إلى السَّماءِ السَّادِسَةِ، فأتَيْتُ علَى مُوسَى عليه السَّلامُ، فَسَلَّمْتُ عليه، فقالَ: مَرْحَبًا بالأخِ الصَّالِحِ والنبيِّ الصَّالِحِ، فَلَمَّا جاوَزْتُهُ بَكَى، فَنُودِيَ: ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: رَبِّ، هذا غُلامٌ بَعَثْتَهُ بَعْدِي يَدْخُلُ مِن أُمَّتِهِ الجَنَّةَ أكْثَرُ ممَّا يَدْخُلُ مِن أُمَّتِي، قالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنا حتَّى انْتَهَيْنا إلى السَّماءِ السَّابِعَةِ، فأتَيْتُ علَى إبْراهِيمَ، وقالَ في الحَديثِ: وحَدَّثَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، أنَّه رَأَى أرْبَعَةَ أنْهارٍ يَخْرُجُ مِن أصْلِها نَهْرانِ ظاهِرانِ، ونَهْرانِ باطِنانِ، فَقُلتُ: يا جِبْرِيلُ، ما هذِه الأنْهارُ؟ قالَ: أمَّا النَّهْرانِ الباطِنانِ فَنَهْرانِ في الجَنَّةِ، وأَمَّا الظّاهِرانِ: فالنِّيلُ والْفُراتُ، ثُمَّ رُفِعَ لي البَيْتُ المَعْمُورُ، فَقُلتُ: يا جِبْرِيلُ ما هذا؟ قالَ: هذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَومٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، إذا خَرَجُوا منه لَمْ يَعُودُوا فيه آخِرُ ما عليهم، ثُمَّ أُتِيتُ بإناءَيْنِ أحَدُهُما خَمْرٌ، والآخَرُ لَبَنٌ، فَعُرِضا عَلَيَّ فاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فقِيلَ: أصَبْتَ أصابَ اللَّهُ بكَ أُمَّتُكَ علَى الفِطْرَةِ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ كُلَّ يَومٍ خَمْسُونَ صَلاةً…، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّتَها إلى آخِرِ الحَديثِ. وفي رواية: وزادَ فِيهِ: فَأُتِيتُ بطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وإيمانًا، فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إلى مَراقِّ البَطْنِ، فَغُسِلَ بماءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وإيمانًا”. رواه البخاري (3207)، ومسلم (488). فكانَ هذا جبرًا نفسيًّا عميقًا قبلَ الجبرِ المعنويِّ، وكأنَّ المعنى: لن تصعدَ بقلبٍ مُتعَبٍ، بل بقلبٍ مغسولٍ مُهيَّأٍ.
ثانيًا: رُكُوبُ البُرَاقِ… جَبْرُ الكَرَامَةِ بَعْدَ الإِهَانَةِ
بعدَ أن رُميَ ﷺ بالحجارةِ في الطائفِ، وبعدَ أن مشى دامِيَ القدمينِ، يركبُ الآن دابَّةً لم يركبها بشرٌ قبلهُ. ثُمَّ أُتِيتُ بدابَّةٍ أبْيَضَ، يُقالُ له: البُراقُ، فَوْقَ الحِمارِ، ودُونَ البَغْلِ، يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عليه، ثُمَّ انْطَلَقْنا حتَّى أتَيْنا السَّماءَ الدُّنْيا
ثالثًا: إِمَامَتُهُ بِالأَنْبِيَاءِ… جَبْرُ المَكَانَةِ وَإِعْلَانُ القِيَادَةِ
من أعظمِ مشاهدِ الجبرِ في تلكَ الليلةِ، أن يقفَ ﷺ إمامًا للأنبياءِ جميعًا، عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: “وقد رأَيتُني في جَماعةٍ مِن الأنبياءِ، فإذا موسى قائمٌ يُصَلِّي، وذكَرَ إبراهيمَ وعيسى، ووَصَفَهما، ثمَّ قال: فجاءَتِ الصَّلاةُ فأمَمْتُهم“. رواه مسلم (172). قال ابن حجر رحمه الله: “وفي تقدُّمِه ﷺ للإمامةِ بالأنبياءِ إشارةٌ إلى أنه إمامُهم، وأفضلُهم، والمقدَّمُ عليهم”. فتح الباري، ج7، ص206.
وهنا كانَ الجبرُ جبرَ مكانةٍ ورسالةٍ، ليعلمَ ﷺ – وتعلمَ الأمةُ – أنَّهُ ليس نبيًّا مكسورًا، بل قائدُ موكبِ النبوّاتِ كلِّها.
رابعًا: فَرْضُ الصَّلَاةِ… هَدِيَّةُ الجَبْرِ الدَّائِمِ
ثمَّ يبلغُ الجبرُ ذروتَهُ حينَ يُخاطَبُ ﷺ بلا واسطةٍ، ويُهدى للأمةِ أعظمُ عبادةٍ.
عن مالكِ بنِ صَعصعةَ رضيَ اللهُ عنهُ في حديثِ المعراجِ الطويلِ: “فُرِضَتْ على النبي صلى الله عليه وسلم ليلةَ أُسرِيَ به الصلواتُ خمسينَ، ثم نقَصتْ حتى جُعِلَتْ خمسا، ثم نُوديَ: يا محمدُ: إنه لا يبدّلُ القولُ لديَّ، وإنَّ لكَ بهذهِ الخَمْسُ خمسينَ“. البخاري (349)، ومسلم (163).
فالصلاةُ معراجُ كلِّ مكسورٍ، وملجأُ كلِّ مهمومٍ، وجبرُ الخاطرِ اليوميُّ للأمةِ كلِّها.
خامسًا: رُؤْيَةُ الآيَاتِ الكُبْرَى… جَبْرُ اليَقِينِ بَعْدَ التَّكْذِيبِ
قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ النجم:18، قال الطبريُّ رحمهُ اللهُ: “لقد رأى محمد هنالك من الأدلة الكبرى. واختلف أهل التأويل في تلك الآيات الكبرى، فقال بعضهم: رأى رَفْرفا أخضر قد سدّ الأفق”. تفسير الطبري ج22، ص45، بعدَ أن كذَّبهُ الناسُ، أراهُ اللهُ ما لا يُكَذَّبُ، ليقومَ بالدعوةِ بقلبٍ لا يتزلزلُ.
أيّها المؤمنونَ، ما كانت ليلةُ الإسراءِ والمعراجِ مجرَّدَ معجزةٍ، بل كانت:
جبرَ نفسٍ بشقِّ الصدرِ.
وجبرَ كرامةٍ بركوبِ البراقِ.
وجبرَ مكانةٍ بإمامةِ الأنبياءِ.
وجبرَ رسالةٍ بفرضِ الصلاةِ.
وجبرَ يقينٍ برؤيةِ الآياتِ الكبرى.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيهِ كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك عليهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ. أمَّا بعدُ:
العُنْصُرُ الرَّابِعُ: دَعْوَةُ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ إِلَى جَبْرِ الخَوَاطِرِ فِي حَيَاةِ الأُمَّةِ
أيُّها المؤمنونَ، إذا كانَ اللهُ قد جَبَرَ خاطرَ نبيِّهِ ﷺ جبرًا سماويًّا عظيمًا، فإنَّ رسالةَ الإسراءِ والمعراجِ لا تكتملُ إلا حين تتحوَّلُ إلى خُلُقٍ يُمارَسُ، ومنهجٍ يُعاشُ، وسلوكٍ يسري في حياةِ الأمةِ.
أولًا: جَبْرُ الخَوَاطِرِ طَرِيقٌ إِلَى مَحَبَّةِ اللهِ
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما أنَّ النبيِّ ﷺ قالَ: “أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ، تَكشِفُ عنه كُربةً، أو تقضِي عنه دَيْنًا، أو تَطرُدُ عنه جوعًا، ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ؛ أَحَبُّ إليَّ من أن أعتكِفَ في هذا المسجدِ -يعني: مسجدَ المدينةِ- شهرًا، ومن كظم غيظَه ولو شاء أن يُمضِيَه أمضاه؛ ملأ اللهُ قلبَه يومَ القيامةِ رِضًا، ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى يَقضِيَها له؛ ثبَّتَ اللهُ قدمَيه يومَ تزولُ الأقدامُ“. الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (6026)، وحسَّنهُ أهلُ العلمِ.
فيا عبدَ اللهِ، ما أسرعَ ما تبلغُ محبَّةَ اللهِ بكلمةٍ طيِّبةٍ، أو موقفٍ إنسانيٍّ، أو سترٍ، أو قضاءِ حاجةٍ.
ثانيًا: جَبْرُ الخَوَاطِرِ سَبَبٌ لِمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ
عن حذيفةَ وأبي مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهما قالا: قال رسولُ اللهِ ﷺ: ” إنَّ رَجُلًا كانَ فِيمَن كانَ قَبْلَكُمْ، أتاهُ المَلَكُ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ، فقِيلَ له: هلْ عَمِلْتَ مِن خَيْرٍ؟ قالَ: ما أعْلَمُ، قيلَ له: انْظُرْ، قالَ: ما أعْلَمُ شيئًا، غيرَ أنِّي كُنْتُ أُبايِعُ النَّاسَ في الدُّنْيا وأُجازِيهِمْ، فَأُنْظِرُ المُوسِرَ، وأَتَجاوَزُ عَنِ المُعْسِرِ، فأدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ”. مسلم (1560)، أحمد (23353) واللفظ له. جبرَ خاطرَ عبادِ اللهِ… فجبرَ اللهُ خاطرَهُ يومَ الحسابِ.
ثالثًا: جَبْرُ الخَوَاطِرِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ نَمَاذِجُ عَمَلِيَّةٌ
جَبْرُ خَاطِرِ المَكْسُورِ: عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قال لي رسولُ اللهِ ﷺ بعدَ استشهادِ أبي: “يا جابرُ ما لي أراكَ منكسِرًا؟ قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ استُشْهِدَ أبي قُتِلَ يومَ أُحُدٍ، وترَكَ عيالًا ودَينًا، قالَ: (أفلَا أبشِّرُكَ بما لقيَ اللَّهُ بِهِ أباكَ؟) قلتُ: بلَى يا رسولَ اللَّهِ قالَ: ما كلَّمَ اللَّهُ أحدًا قطُّ إلَّا من وراءِ حجابِه وأحيي أباكَ فَكَلَّمَهُ كِفاحًا فقالَ: يا عَبدي تَمنَّ عليَّ أُعْطِكَ قالَ: يا ربِّ تُحييني فأقتلَ فيكَ ثانيةً قالَ الرَّبُّ تبارك وتعالَى: إنَّهُ قد سبقَ منِّي أنَّهم إليها لَا يُرجَعونَ قالَ: وأُنْزِلَت هذِهِ الآيةُ: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا) الترمذي (3010) واللفظ له، وابن ماجه (190) باختلاف يسير، وأحمد (14881). حديث حسن.
كلمةٌ صادقةٌ… فكانت جبرًا لقلبٍ مكسورٍ.
جَبْرُ خَاطِرِ الضَّعِيفِ: عن أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: “إن كانَتِ الأَمةُ من أَهلِ المدينةِ لتأخذُ بيدِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ فما يَنزعُ يدَهُ من يدِها حتَّى تذْهبَ بِهِ حيثُ شاءَت منَ المدينةِ في حاجَتِها“. رواه البخاريُّ (6072).
جَبْرُ خَاطِرِ الطِّفْلِ: عن أنسٍ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: “كان رسولُ اللهِ يدخُلُ علينا ولي أخٌ صغيرٌ يُكنَى أبا عميرٍ، وكان له نُغَرٌ يلعبُ به، فمات فدخل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذاتَ يومٍ، فرآه حزينًا، فقال: ما شأنُه؟ فقالوا مات نغرُهُ، فقال: يا أبا عُميرٍ، ما فعل النُّغيرُ“ البخاري (6129)، ومسلم (2150).
رابعًا: الأُمَّةُ الَّتِي لَا تَجْبُرُ خَوَاطِرَهَا أُمَّةٌ مُنْكَسِرَةٌ
أيُّها المؤمنونَ، في زمنٍ كثُرَتْ فيهِ الهمومُ، وتضاعفَتِ الأحزانُ، وتكسَّرَتِ القلوبُ:
هذا يتيمٌ. وهذه أرملةٌ. وذاك مديونٌ. وآخرُ مريضٌ. وجبرُ الخاطرِ ليس نافلةً… بل ضرورةٌ لبقاءِ المجتمعِ سليمًا. قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ البقرة:263.
أيُّها المؤمنونَ، ليلةُ الإسراءِ والمعراجِ لم تكن ذكرى تُروى، بل منهجَ حياةٍ:
جبرَ اللهُ خاطرَ نبيِّهِ ﷺ. فعلَّمَنا كيفَ نَجبرُ خواطرَ عبادِهِ. فاجعلوا من بيوتِكم مواطنَ جبرٍ، ومن ألسنتِكم كلماتِ رحمةٍ، ومن أيديكم عونًا للمنكسرينَ.
قال ﷺ: “ومن نفَّسَ عن مسلمٍ كُربةً من كُرَبِ الدنيا نفَّسَ اللهُ عنهُ كُربةً من كُرَبِ يومِ القيامةِ” مسلم (2699)
اللهمَّ اجعلنا من جابري الخواطرِ، اللهمَّ لا تجعلنا سببًا في كسرِ قلبٍ، اللهمَّ كما جبرتَ خاطرَ نبيِّكَ فاجبر خواطرَ عبادِكَ،
وصلِّ اللهمَّ وسلِّم على سيِّدِنا محمّدٍ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ.
المراجع: القرآن الكريم
كتب الحديث: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن ابن ماجه، صحيح ابن خزيمة، سنن أبي داود، سنن الترمذي، المعجم للطبراني. صحيح ابن حبان. المستدرك للحاكم.
تفسيرُ الطبريِّ، تفسير القرطبي، تفسير ابن كثير، شرح صحيح مسلم للنووي، فتح الباري لابن حجر، الجامعُ لأخلاقِ الراوي وآدابِ السامعِ للخطيبِ البغداديّ، زاد المعاد، ابن القيم، السابق واللاحق للخطيب البغدادي، الكامل في الضعفاء لابن عدي، دلائل النبوة للبيهقي، التاريخ لابن عساكر.
د. أحمد رمضان
خُطبةُ صوتِ الدعاةِ – إعداد رئيس التحرير: الدكتور أحمد رمضان
___________________________________
خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف علي صوت الدعاة
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات
و للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع
و للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف






