خطبة الجمعة 20 فبراير : رَمَضَانُ شَهْرُ الإِرَادَةِ وَالْكَرَمِ ، للدكتور محروس حفظي
خطبة الجمعة القادمة
خطبة الجمعة القادمة 20 فبراير 2026م بعنوان : رَمَضَانُ شَهْرُ الإِرَادَةِ وَالْكَرَمِ ، للدكتور محروس حفظي بتاريخ 2 رمضان 1447هـ الموافق 20 فبراير 2026م
لتحميل خطبة الجمعة القادمة 20 فبراير 2026م ، للدكتور محروس حفظي بعنوان : رَمَضَانُ شَهْرُ الإِرَادَةِ وَالْكَرَمِ.
ولتحميل خطبة الجمعة القادمة 20 فبراير 2026م ، للدكتور محروس حفظي بعنوان : رَمَضَانُ شَهْرُ الإِرَادَةِ وَالْكَرَمِ ، بصيغة word أضغط هنا.
لتحميل خطبة الجمعة القادمة 20 فبراير 2026م، للدكتور محروس حفظي بعنوان : رَمَضَانُ شَهْرُ الإِرَادَةِ وَالْكَرَمِ ، بصيغة pdf أضغط هنا.
___________________________________________________________
عناصر خطبة الجمعة القادمة 20 فبراير 2026م. بعنوان: رَمَضَانُ شَهْرُ الإِرَادَةِ وَالْكَرَمِ ، للدكتور محروس حفظي :
- رَمَضَانُ شُهُورُ الْجُودِ وَالإِحْسَانِ.
- رَمَضَانُ فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ نَحْوَ الإِرَادَةِ وَالتَّغْيِيرِ الأَخْلَاقِيِّ.
- كُنْ عَلَى حَذَرٍ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ الصَّائِمُ.
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 20 فبراير 2026م بعنوان: رَمَضَانُ شَهْرُ الإِرَادَةِ وَالْكَرَمِ ، للدكتور محروس حفظي : كما يلي:
رَمَضَانُ شَهْرُ الإِرَادَةِ وَالْكَرَمِ
بِتَارِيخِ 2 رمضان 1447 ه = المُوَافِقِ 20 فبراير 2026 م
الحَمْدُ للهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ، وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ، لَكَ الحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ، وَلِعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الأَتَمَّانِ الأَكْمَلَانِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا بَعْدُ ،،،
اسْتَقْبَلَ المُسْلِمُونَ ضَيْفًا كَرِيمًا، وَغَائِبًا عَزِيزًا، طَالَمَا انْتَظَرُوهُ، ضَيْفٌ إِذَا جَاءَ أَقْبَلَ مَعَهُ الخَيْرَاتُ، وَتَنَزَّلَتْ مَعَهُ البَرَكَاتُ، شَهْرٌ قَالَ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ” [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ]، إِنَّهُ فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَعُودَ إِلَى رَبِّهِ، وَيُقَوِّمَ فِيهِ اعْوِجَاجَهُ.
شُرِعَ الصِّيَامُ لِمَقَاصِدَ عَالِيَةٍ، وَأَحْكَامٍ سَامِيَةٍ، حَيْثُ لَمْ يَقِفِ الشَّارِعُ الحَكِيمُ عِنْدَ مَظَاهِرِ الصَّوْمِ مِنَ الامْتِنَاعِ عَنْ شَهْوَتَيِ البَطْنِ وَالفَرْجِ فَحَسْبُ {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النِّسَاءِ: 147]، بَلْ عَمِدَ إِلَى سُمُوِّ الرُّوحِ، وَرُقِيِّ النَّفْسِ وَحِفْظِهَا، وَتَزْكِيَةِ الجَوَارِحِ وَالصُّعُودِ بِهَا مِنَ الدَّرَكِ المَادِّيِّ إِلَى آفَاقِ السُّمُوِّ الرُّوحِيِّ؛ لِيَنْعَمَ الصَّائِمُ بِصِفَاتِ أَهْلِ البِرِّ وَالإِحْسَانِ، وَيَسْعَدَ بِالفَوْزِ بِالجِنَانِ، وَالدُّخُولِ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَالنَّظَرِ إِلَى الرَّحْمَنِ، وَمُرَافَقَةِ سَيِّدِ الأَنَامِ.
فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الحَسَنَةُ، بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ اللَّهُ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي» [رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ]، وَجِمَاعُ مَقَاصِدِ الصَّوْمِ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وَمِنْ هُنَا كَانَ رَمَضَانُ مَوْسِمًا لِكَثِيرٍ مِنَ الطَّاعَاتِ؛ فَهُوَ سَيِّدُ الشُّهُورِ، وَمَوْسِمُ الخَيْرَاتِ، وَالسِّبَاقُ فِي القُرُبَاتِ، تَكْثُرُ فِيهِ المِنَحُ وَالبَرَكَاتُ، وَتَزْدَادُ فِيهِ العَطَايَا وَالهِبَاتُ، يُضَاعِفُ اللَّهُ فِيهِ الأَجْرَ، وَيُجْزِلُ المَوَاهِبَ، وَيَفْتَحُ أَبْوَابَ الخَيْرِ لِكُلِّ رَاغِبٍ:
- رَمَضَانُ شُهُورُ الْجُودِ وَالإِحْسَانِ:
إِحْلَالُ خُلُقِ التَّكَافُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْمُجْتَمَعِ، وَتَعْوِيدُ النَّفْسِ عَلَى الْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ”: مِنْ أَعْظَمِ الطَّاعَاتِ الَّتِي نَشْعُرُ بِهَا فِي رَمَضَانَ إِحْلَالُ قِيَمِ التَّكَافُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْمُجْتَمَعِ حَتَّى يُدْرِكَ الْأَغْنِيَاءُ مَا يُعَانِيهِ الْفُقَرَاءُ الَّذِينَ يَذُوقُونَ وَيْلَاتَ الْفَقْرِ، وَمَرَارَةَ الْحِرْمَانِ، وَأَلَمَ الْجُوعِ، فَيُوجِبُ ذَلِكَ تَنْبِيهًا وَحَثًّا لَهُمْ عَلَى مُوَاسَاتِهِمْ وَالإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ «رُوِيَ أَنَّ يُوسُفَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – قِيلَ لَهُ: أَتَجُوعُ وَبِيَدِكَ خَزَائِنُ الْأَرْضِ فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ أَشْبَعَ فَأَنْسَى الْجِيَاعَ» [رَوَاهُ الإِمَامُ مَالِكٌ فِي “الْمُوَطَّأِ”]، وَرَحِمَ اللَّهُ الإِمَامَ الْقُسْطُلَانِيَّ حِينَ كَتَبَ: «إِعَانَتُهُ عَلَى بَذْلِ الصَّدَقَاتِ، فَإِنَّ الصَّائِمَ يَجُوعُ؛ فَيَعْرِفُ قَدْرَ أَلَمِ الْجُوعِ، فَيُحَرِّضُهُ ذَلِكَ عَلَى حِرْصِهِ فِي الإِحْسَانِ إِلَى الْجِيَاعِ، وَيَحْمِلُهُ عَلَى تَدَبُّرِ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الْعَجْزِ وَالِانْقِطَاعِ، وَإِنَّمَا يَجِدُ ذَوْقَ التَّعَبِ مَنْ نَازَلَهُ، وَيَعْرِفُ قَدْرَ الضَّرَرِ مَنْ وَاصَلَهُ»، قِيلَ:
لَا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إِلَّا مَنْ يُكَابِدُهُ … وَلَا الصَّبَابَةَ إِلَّا مَنْ يُعَانِيهَا
لَا تَعْذِلِ الْمُشْتَاقَ فِي أَشْوَاقِهِ … حَتَّى تَكُونَ حَشَاكَ فِي أَحْشَائِهِ» [مَدَارِكُ الْمَرَامِ فِي مَسَالِكِ الصِّيَامِ].
وَلِهَذَا حَثَّ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ مِنْ أَجْلِ إِدْخَالِ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ، وَلَيْسَ فِي رَمَضَانَ فَحَسْبُ فَعَنِ النُّعْمَانِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، بِهَذَا يُصْبِحُ الْمُجْتَمَعُ قَوِيًّا مُتَمَاسِكًا صَامِدًا لَا تُزَعْزِعُهُ الْفِتَنُ وَلَا تُخَلْخِلُهُ الْأَزَمَاتُ وَلَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الضَّرَبَاتُ الَّتِي تُوَجَّهُ لَهُ.
كَرَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ: كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْرَمَ الْخَلْقِ؛ فَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ”» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
لَكِنْ هَذَا الْكَرَمُ كَانَ يُزَادُ مِنْهُ فِي رَمَضَانَ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
يَقُولُ ابْنُ الجَوْزِيِّ: (وَإِنَّمَا كَثُرَ جُودُهُ-عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي رَمَضَانَ لِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ شَهْرٌ فَاضِلٌ، وَثَوَابُ الصَّدَقَةِ يَتَضَاعَفُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ العِبَادَاتُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ شَهْرُ الصَّوْمِ، فَإِعْطَاءُ النَّاسِ إِعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى الفِطْرِ وَالسُّحُورِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ إِنْعَامَ الحَقِّ يَكْثُرُ فِيهِ، فَأَحَبَّ الرَّسُولُ أَنْ يُوَافِقَ رَبَّهُ-عَزَّ وَجَلَّ- فِي الكَرَمِ، وَالرَّابِعُ: أَنَّ كَثْرَةَ الجُودِ كَالشُّكْرِ لِتَرَدَّادِ جِبْرِيلَ إِلَيْهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، وَالخَامِسُ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يُدَارِسُهُ القُرْآنَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ زَادَتْ مُعَايَنَتُهُ الآخِرَةَ، فَأَخْرَجَ مَا فِي يَدَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا). [كَشْفُ المُشْكِلِ].
مُضَاعَفَةُ أَجْرِ الصَّدَقَةِ فِي رَمَضَانَ: قَالَ تَعَالَى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البَقَرَةِ: 261]، وَقَالَ أَيْضًا: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سَبَإٍ: 39].
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا طَيِّبٌ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].
وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ الأَنْمَارِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ» قَالَ: «مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ].
فَلْيُسَارِعِ المُسْلِمُ فِي بَذْلِ الصَّدَقَاتِ فِي رَمَضَانَ قَبْلَ أَنْ يَفُوتَ الأَوَانُ، وَقَبْلَ أَنْ يَنْدَمَ عَلَى مَا قَصَّرَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المُنَافِقُونَ: 10]؛ وَهُنَا تَعْبِيرٌ لَطِيفٌ؛ إِذِ المَيِّتُ يَتَمَنَّى الرُّجُوعَ قَائِلًا: “فَأَصَّدَّقَ” دُونَ غَيْرِهَا مِنَ العِبَادَاتِ؛ لِمَا رَأَى مِنْ أَثَرِ وَثَوَابِ الصَّدَقَةِ هُنَاكَ بَعْدَ مَوْتِهِ وَفِي قَبْرِهِ، فَخُذْ بِيَدِكَ وَدَاوِمْ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَبَذْلِ المَنْفَعَةِ لِلآخَرِينَ لِتَلْحَقَ بِرَكْبِ الصَّالِحِينَ.
إِنَّ اللَّهَ سَيَدْفَعُ عَنْكَ بِالصَّدَقَةِ فِي رَمَضَانَ مِنَ المَصَائِبِ مَا لَوْ عَرَفْتَهُ لَأَنْفَقْتَ لِلَّهِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَضَعْ ضِمْنَ بَرْنَامَجِ رَمَضَانَ الصَّدَقَةَ، فَتَصَدَّقْ، وَأَخْرِجْ زَكَاةَ مَالِكَ قَالَ رَبُّنَا: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } [آلِ عِمْرَانَ: 92]، وَالمُؤْمِنُ لَا يَسْتَقِلُّ شَيْئًا، فَقَدْ يَسْبِقُ القَلِيلُ الكَثِيرَ، وَمِنْ أَعْظَمِ الصَّدَقَاتِ فِي إِطْعَامُ الطَّعَامِ؛ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ].
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا “يَصُومُ وَلَا يُفْطِرُ إِلَّا مَعَ المَسَاكِينِ”؛ جَبْرًا لِخَاطِرِهِمْ، وَلَعَلَّهُ تُصِيبُ دَعْوَةُ أَحَدِهِمْ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَا تُرَدُّ» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ].
قَالَ المُلاَّ الهَرَوِيُّ القَارِيُّ: (وَمِنْهَا: كَوْنُهُ- أَيْ شَهْرُ رَمَضَانَ- مُوجِبًا لِلرَّحْمَةِ وَالعَطْفِ عَلَى المَسَاكِينِ، فَإِنَّهُ لَمَّا ذَاقَ أَلَمَ الجُوعِ فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ ذَكَرَ مِنْ هَذَا حَالَهُ فِي عُمُومِ السَّاعَاتِ، فَتَسَارَعَ إِلَى الرِّقَّةِ عَلَيْهِ، وَالرَّحْمَةُ حَقِيقَتُهَا فِي حَقِّ الإِنْسَانِ نَوْعُ أَلَمٍ بَاطِنٍ فَيُسَارِعُ لِدَفْعِهِ عَنْهُ بِالإِحْسَانِ إِلَيْهِ، فَيَنَالُ بِذَلِكَ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ حُسْنِ الجَزَاءِ، وَمِنْهَا: مُوَافَقَةُ الفُقَرَاءِ بِتَحَمُّلِ مَا يَتَحَمَّلُونَ أَحْيَانًا وَفِي ذَلِكَ رَفْعُ حَالِهِ عِنْدَ اللَّهِ كَمَا حُكِيَ عَنْ بِشْرٍ الحَافِي: “أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فِي الشِّتَاءِ فَوَجَدَهُ جَالِسًا يَرْعُدُ وَثَوْبُهُ مُعَلَّقٌ عَلَى المِشْجَبِ، فَقَالَ لَهُ: فِي مِثْلِ هَذَا الوَقْتِ تَنْزِعُ الثَّوْبَ أَوْ مَعْنَاهُ، فَقَالَ: يَا أَخِي الفُقَرَاءُ كَثِيرٌ، وَلَيْسَ لِي طَاقَةُ مُوَاسَاتِهِمْ بِالثِّيَابِ فَأُوَاسِيهِمْ بِتَحَمُّلِ البَرْدِ كَمَا يَتَحَمَّلُونَ”). [مِرْقَاةُ المَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ المَصَابِيحِ].
الكَرَمُ بِالأَخْلَاقِ فِي رَمَضَانَ: ارْبَأْ بِنَفْسِكَ أَنْ يَمُرَّ عَلَيْكَ رَمَضَانُ دُونَ أَنْ تُحَسِّنَ مِنْ أَخْلَاقِكَ، وَتُغَيِّرَ مِنْ سُلُوكِيَّاتِكَ الخَاطِئَةِ كَيْ تَرْتَقِيَ بِنَفْسِكَ، وَتُخَلِّصَهَا مِنَ القُيُودِ المَادِّيَّةِ وَالمَعْنَوِيَّةِ، فَتَأْخُذَكَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ؛ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
إِنْ لَمْ تَجُدْ عَلَى الخَلْقِ بِالمَالِ، فَجُدْ بِحُسْنِ أَخْلَاقِكَ، وَكُفَّ أَذَاكَ عَنْهُمْ؛ فَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ» قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «فَيَعْمَلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ» قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: «فَيُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ» قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: «فَيَأْمُرُ بِالخَيْرِ» أَوْ قَالَ: «بِالمَعْرُوفِ» قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: «فَيُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].
- رَمَضَانُ فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ نَحْوَ الإِرَادَةِ وَالتَّغْيِيرِ الأَخْلَاقِيِّ:
يُعْتَبَرُ رَمَضَانُ فُرْصَةً حَقِيقِيَّةً لِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَتَهْذِيبِهَا مِنْ كُلِّ الشَّوَائِبِ وَالأَضْغَانِ الَّتِي تَتَعَزَّزُ فِي النَّفْسِ الإِنسَانِيَّةِ عَلَى مَدَى سَنَةٍ كَامِلَةٍ، فَبِصَوْمِ الْمُسْلِمِ لِرَمَضَانَ يَتَجَدَّدُ إِيمَانُهُ مَعَ إِحْسَاسِهِ بِالْعَطَشِ وَالْجُوعِ، فَتَسْمُو الرُّوحُ عَنِ الْمَادِّيَّاتِ؛ لِأَنَّ الامْتِنَاعَ عَنِ الْمُبَاحِ يُسَاعِدُ بِلَا شَكٍّ عَلَى مُحَارَبَةِ أَهْوَاءِ النَّفْسِ، فَتَنْعَكِسُ حَالَةُ الصِّيَامِ الْمَادِّيِّ عَلَى مَنْظُومَةِ حَرَكَةِ الإِنسَانِ الْحَيَاتِيَّةِ فِي أَفْعَالِهِ وَسُلُوكِهِ وَتَعَامُلِهِ بِشَكْلٍ عَامٍّ؛ وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ ذَلِكَ:
أَوَّلًا: مِنَ الْجَوَانِبِ الإِيمَانِيَّةِ الَّتِي تَبْعَثُهَا مَدْرَسَةُ الصِّيَامِ أَنَّهُ فُرْصَةٌ لِلتَّغَيُّرِ إِلَى الأَفْضَلِ، فَمَنْ كَانَ مُفْرِطًا أَوْ مُقَصِّرًا فِي طَاعَةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَدْرِكَ مَا فَاتَهُ؛ إِذِ الْعِبَادَةُ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ لَيْسَتْ كَغَيْرِهِ مِنَ الأَشْهُرِ؛ فَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جَعَلَ اللَّهُ صِيَامَهُ فَرِيضَةً، وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا، مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ، كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ، وَشَهْرٌ يَزْدَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ، مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ» [رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ].
وَمَنْ كَانَ عَلَى اسْتِقَامَةٍ فَلْيَسْتَكْثِرْ، وَلْيَسْأَلِ اللَّهَ الثَّبَاتَ وَالدَّوَامَ، أَمَّا أَنْ يَنْقَضِيَ رَمَضَانُ وَالْمُسْلِمُ عَلَى حَالِهِ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ فَهُوَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ مَعَ نَفْسِهِ وَقْفَةً يُرَاجِعُ فِيهَا حِسَابَاتِهِ، وَيُلَمْلِمَ أَوْرَاقَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ وَقْتٌ يَنْدَمُ عَلَى مَا فَرَّطَ وَقَصَّرَ {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرَّعْدِ: 11].
ثَانِيًا: رَمَضَانُ شَهْرُ الإِرَادَةِ نَحْوَ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ، وَتَعْوِيدِهَا عَلَى الصَّبْرِ؛ فَلِلصَّوْمِ تَأْثِيرٌ كَبِيرٌ فِي دَفْعِ الشَّهَوَاتِ، وَكَسْرِ حِدَّتِهَا، وَلِذَا أَوْصَى بِهِ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّبَابَ الَّذِي لَا يَجِدُ مُؤُونَةَ الزَّوَاجِ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
يَقُولُ الإِمَامُ ابْنُ الهُمَامِ -أَحَدُ فُقَهَاءِ الحَنَفِيَّةِ- فِي فَوَائِدِ الصَّوْمِ: «شَرَعَهُ سُبْحَانَهُ لِفَوَائِدَ أَعْظَمُهَا: سُكُونُ النَّفْسِ الأَمَّارَةِ، وَكَسْرُ سَوْرَتِهَا فِي الفُضُولِ المُتَعَلِّقَةِ بِجَمِيعِ الجَوَارِحِ مِنَ العَيْنِ وَاللِّسَانِ وَالأُذُنِ وَالفَرْجِ، فَإِنَّ بِهِ تَضْعُفُ حَرَكَتُهَا فِي مَحْسُوسَاتِهَا، وَلِذَا قِيلَ: إِذَا جَاعَتِ النَّفْسُ شَبِعَتْ جَمِيعُ الأَعْضَاءِ وَإِذَا شَبِعَتْ جَاعَتْ كُلُّهَا». [فَتْحُ القَدِيرِ].
إِنَّ رَمَضَانَ شَهْرُ الإِرَادَةِ نَحْوَ تَدَرُّبِ الْمُسْلِمِ عَلَى الصَّبْرِ، وَضَبْطِ النَّفْسِ عَنِ النَّظَرِ أَوِ التَّطَلُّعِ إِلَى الحَرَامِ أَوِ التَّكَلُّمِ بِمَا لَا يُرْضِي اللَّهَ، فَهُوَ أَشْبَهُ بِالسَّاتِرِ الَّذِي يَقِي صَاحِبَهُ مِمَّا يَضُرُّهُ وَيُؤْذِيهِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
ثَالِثًا: الصَّوْمُ يُعَلِّمُكَ الصَّبْرَ عَلَى الْخَلْقِ، وَتَحَمُّلَ أَذَاهُمْ، وَالْعَفْوَ عَنْ زَلَّاتِهِمْ؛ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» [ابْنُ مَاجَهْ]، الصَّوْمُ يُرَبِّيكَ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى أَقْدَارِ اللَّهِ وَالرِّضَا بِهَا، وَالْيَقِينِ بِأَنَّ مَا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ.
الْمُتَأَمِّلُ يَجِدُ أَنَّ الصَّوْمَ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى أَنْوَاعِ الصَّبْرِ الثَّلَاثَةِ: الصَّبْرِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَالْمَعْصِيَةِ، وَعَلَى قَدَرِ اللَّهِ الْمُتَمَثِّلِ فِي الْجُوعِ وَالْعَطَشِ؛ فَعَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ: عَقَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ أَوْ فِي يَدِي فَقَالَ: «… وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ].
وَلِذَا كَانَ حَظُّ الَّذِي يُرْخِي لِنَفْسِهِ الْعِنَانَ، وَيُطْلِقُ لِنَظَرِهِ وَجَوَارِحِهِ اللِّجَامَ فَتَتَنَاوَلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ].
رَابِعًا: الْبَعْضُ قَدْ يَكُونُ مُدَاوِمًا عَلَى عَادَاتٍ سَيِّئَةٍ كَالتَّدْخِينِ، وَالإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ، وَتَضْيِيعِ الصَّلَوَاتِ، وَإِضَاعَةِ الأَوْقَاتِ فِي اللَّعِبِ، وَالتَّسَكُّعِ فِي الطُّرُقَاتِ، وَالْوُقُوعِ فِي الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، فَجَاءَ رَمَضَانُ مِنْ أَجْلِ تَرْبِيَةِ نُفُوسِنَا عَلَى الْفَضَائِلِ، وَإِعَانَةِ الأَبْدَانِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَإِصْلَاحِ الْمُعَامَلَاتِ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ بِأَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]؛ فَرَمَضَانُ يُسَاعِدُ الْمُسْلِمَ عَلَى التَّغَلُّبِ عَلَى نَفْسِهِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ الَّتِي دَائِمًا تَدْعُوهُ لِانْتِهَاكِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالإِقْبَالِ عَلَى الشَّهَوَاتِ {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} [يُوسُفَ: 53].
وَقَدْ أَثْبَتَ الطِّبُّ الْحَدِيثُ أَنَّ الصَّوْمَ يُسَاعِدُ فِي عِلَاجِ الْكَثِيرِ مِنَ الِاضْطِرَابَاتِ النَّفْسِيَّةِ، وَمِنْهَا: التَّخَلُّصُ مِنَ الأَفْكَارِ السَّلْبِيَّةِ، تَعْدِيلُ الْمِزَاجِ، ضَبْطُ الِانْفِعَالِ، التَّخَلُّصُ مِنَ الْغَضَبِ، وَغَيْرُهَا، وَلِلصِّيَامِ عِلَاقَةٌ بِالسَّلَامِ، وَإِظْهَارِ الْمَحَبَّةِ تَجِدُ ذَلِكَ فِي الْمَوَائِدِ الرَّمَضَانِيَّةِ فَهَذَا الِاجْتِمَاعُ الْيَوْمِيُّ يُسَاعِدُ عَلَى الشِّفَاءِ مِنَ الِانْطِوَاءِ وَعَدَمِ الِانْدِمَاجِ مَعَ الآخَرِينَ.
خَامِسًا: رَمَضَانُ شَهْرُ الْإِرَادَةِ نَحْوَ الدِّقَّةِ وَالنِّظَامِ، وَاحْتِرَامِ الْمَوَاعِيدِ، فَالْمُسْلِمُونَ يُمْسِكُونَ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالشَّهْوَةِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ – حَسَبَ التَّوْقِيتِ – وَيُفْطِرُونَ فِي مِيعَادٍ وَاحِدٍ بِلَا تَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ، وَهَذَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُرَبِّيَ الْمُسْلِمَ عَلَى الدِّقَّةِ وَاحْتِرَامِ الْعُهُودِ؛ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
الصَّوْمُ يَجْعَلُ الْعَبْدَ يَعِيشُ مَعَ اللَّهِ، فَيَذْكُرُهُ فِي نَهَارِهِ بِالْبُعْدِ عَنِ الْمَعَاصِي أَوِ التَّلَفُّظِ بِمَا لَا يَلِيقُ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يُرْضِي اللَّهَ تُقَسِّي الْقُلُوبَ؛ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]، وَفِي اللَّيْلِ بِالْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيْهِ يَرْجُو رَحْمَتَهُ، وَيَخْشَى عَذَابَهُ.
- كُنْ عَلَى حَذَرٍ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ الصَّائِمُ:
إِذَا أَرَدْتَ اغْتِنَامَ هَذَا الشَّهْرِ فَلَا بُدَّ أَنْ تَضَعَ لِنَفْسِكَ خُطَّةً تَسِيرُ عَلَيْهَا، وَبَرْنَامَجًا لَا تَحِيدُ عَنْهُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَالصَّدَقَةِ وَأَعْمَالِ الْبِرِّ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الذُّنُوبِ لَا يُكَفِّرُهَا إِلَّا الصَّوْمُ؛ فَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ، يُكَفِّرُهَا الصِّيَامُ، وَالصَّلَاةُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، فَلْتَحْرِصْ إِذًا عَلَى أَنْ تَغْتَنِمَ تِلْكَ الْفُرْصَةَ قَبْلَ رَحِيلِكَ عَنِ الْحَيَاةِ، وَإِلَّا أَيْنَ أَحْبَابُكَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَكَ فِي رَمَضَانَ الْمَاضِي؟! لَقَدْ تَرَكُوا الدُّنْيَا، وَهُمْ الْآنَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، وَيَتَمَنَّى الْوَاحِدُ مِنْهُمْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا لِيَصُومَ لِلَّهِ، أَوْ لِيُصَلِّيَ رَكْعَةً لِلَّهِ، أَوْ لِيَفْتَحَ كِتَابَ اللَّهِ، أَوْ لِيَتَصَدَّقَ عَلَى فَقِيرٍ، أَوْ لِيَصِلَ رَحِمَهُ قَالَ تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الْمُؤْمِنُونَ: 99، 100]، وَمِنْ كَثْرَةِ مَا تَجْتَمِعُ أُصُولٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ فِي رَمَضَانَ، وَيَكْثُرُ الْخَيْرُ وَيُجَدَّدُ فِيهِ الْإِيمَانُ كَانَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهُ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِي عِدَادِ الْمَحْرُومِينَ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
أَخِي الْحَبِيبُ: إِنَّ مِنَ الْغَفْلَةِ كُلَّ الْغَفْلَةِ أَنْ يَجْعَلَ الْإِنْسَانُ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ وَلَيَالِيهِ كَأَيَّامِ الْعَامِ كُلِّهَا، فَلَا يُغَيِّرُ مِنْ حَيَاتِهِ شَيْئًا، وَلَا يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِتَوْبَةٍ، وَلَا يَعْزِمُ أَبَدًا عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَلَا يُرَى فِي الْمَسَاجِدِ لَا فِي صَلَاةِ تَرَاوِيحَ وَلَا فِي غَيْرِهَا، وَهَذَا – وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ – مِنَ الْغَفْلَةِ، يَنْبَغِي إِخْلَاصُ النِّيَّةِ، وَعَقْدُ الْعَزْمِ، وَإِقَامَةُ الْعَمَلِ، وَالصَّبْرُ وَالْمُصَابَرَةُ؛ طَلَبًا لِلْأَجْرِ، وَدَفْعًا لِلْوِزْرِ، وَإِرْضَاءً لِلرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهِ مَظَالِمُ الْعِبَادِ.
نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنَا حُسْنَ الْعَمَلِ، وَفَضْلَ الْقَبُولِ، إِنَّهُ أَكْرَمُ مَسْؤُولٍ، وَأَعْظَمُ مَأْمُولٍ، وَأَنْ يَجْعَلَ بَلَدَنَا مِصْرَ سَخَاءً رَخَاءً، أَمْنًا أَمَانًا، سِلْمًا سَلَامًا وَسَائِرَ بِلَادِ الْعَالَمِينَ، وَوَفَّقَ وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا فِيهِ نَفْعُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ.
أَعَدَّهُ: الفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ الحَنَّانِ المَنَّانِ د/ مَحْرُوسُ رَمَضَانُ حِفْظِي عَبْدُ العَالِ
مُدَرِّسُ التَّفْسِيرِ وَعُلُومِ القُرْآنِ ـ كُلِّيَّةُ أُصُولِ الدِّينِ وَالدَّعْوَةِ ـ أَسْيُوطُ
_____________________________________
للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة
وللمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف











