رُؤْيَةٌ نَقْدِيَّةٌ لِفِكْرَةِ وَحْدَةِ الوُجُودِ بقلم أ.د/ زينب عبد السلام أبو الفضل
رُؤْيَةٌ نَقْدِيَّةٌ لِفِكْرَةِ وَحْدَةِ الوُجُودِ بقلم أ.د/ زينب عبد السلام أبو الفضل

رُؤْيَةٌ نَقْدِيَّةٌ لِفِكْرَةِ وَحْدَةِ الوُجُودِ
«فِكْرَةُ وَحْدَةِ الوُجُودِ فِكْرَةٌ فَلْسَفِيَّةٌ غَامِضَةٌ، تَرْتَكِزُ فِي جَوْهَرِهَا عَلَى عَقِيدَةِ الإِيمَانِ بِالْمَوْجُودِ الحَقِّ الَّذِي لَيْسَ فِي الوُجُودِ حَقِيقَةٌ غَيْرُهُ؛ فَالْمُؤْمِنُونَ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ يَرَوْنَ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ المَخْلُوقَاتِ الَّتِي نَرَاهَا مَا هِيَ إِلَّا أَشْبَاحٌ لَا وُجُودَ لَهَا فِي الحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ وَالطَّبِيعَةَ وَالْمَوْجُودَاتِ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ مُتَّحِدَةٌ فِيمَا بَيْنَهَا، وَتُعَبِّرُ عَنْ ذَاتٍ وَاحِدَةٍ هِيَ الذَّاتُ الإِلَهِيَّةُ.
وَالصُّوفِيَّةُ الحَقَّةُ يَرْفُضُونَ هَذِهِ الفِكْرَةَ الَّتِي تُضَاهِي عِنْدَهُمْ فِكْرَةَ الحُلُولِ وَالاتِّحَادِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الرَّفْضُ التَّامُّ مِنْ قِبَلِ هَؤُلَاءِ المُحَقِّقِينَ لِلْحَلَّاجِ وَمُحْيِي الدِّينِ ابْنِ عَرَبِيٍّ وَابْنِ سَبْعِينَ وَكُلِّ مَنْ يَتَدَيَّنُ بِهَذِهِ الفِكْرَةِ، وَإِنْ ظَلَّ هُنَاكَ مَنْ يُحَاوِلُ تَأْوِيلَ كَلَامِ ابْنِ عَرَبِيٍّ مُلْتَمِسًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ المَخَارِجَ مِنْ ظَاهِرِ مَا تَلَفَّظُوا بِهِ مِنْ أَقْوَالٍ مُشْكِلَةٍ، إِذْ يَرَوْنَهَا مِنْ قَبِيلِ ضِيقِ العِبَارَةِ حَالَ اتِّسَاعِ الرُّؤْيَا.
يَعْنِي أَنَّهُ فِي حَالِ تَحَقُّقِ الصُّوفِيِّ بِمَقَامِ الشُّهُودِ تَضِيقُ عِبَارَتُهُ عَنْ وَصْفِ مَا يُعَايِنُهُ؛ لِأَنَّ مَا يُعَايِنُهُ فَوْقَ الطَّوْقِ البَشَرِيِّ فَتَضِيقُ عِبَارَتُهُ، وَقَدْ يَخْرُجُ مِنْ حَالِ الصَّحْوِ إِلَى حَالِ الغَيْبَةِ أَوِ السُّكْرِ فَيَقُولُ مَا لَا يُدْرَكُ، أَوْ مَا يُشْكِلُ فَهْمُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ.
وَلَكِنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ فِي عَلَاقَتِنَا بِالكَوْنِ وَالْمَوْجُودَاتِ وَجَّهَنَا تَوْجِيهًا آخَرَ بِهَدَفِ أَنْ نَتَجَانَسَ مَعَ الكَوْنِ فِي عَلَاقَتَيْنِ: عَلَاقَةِ تَسْخِيرٍ وَانْتِفَاعٍ وَهَذِهِ لِإِعْمَارِ الحَيَاةِ، وَعَلَاقَةِ تَأَمُّلٍ وَاعْتِبَارٍ وَهَذِهِ الأَخِيرَةُ تَدْفَعُنَا إِلَى تَأَمُّلِ كُلِّ مَا خَلَقَ اللهُ لِنَقِفَ عَلَى حَقِيقَةِ المُبْدِعِ وَالفَاعِلِ الأَعْلَى وَمَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ.
يَعْنِي مِنَ المُهِمِّ أَنْ نُدْرِكَ وَأَنْ نَرَى وَنَتَأَمَّلَ وَنَسْتَنْتِجَ وَنَتَحَقَّقَ، أَمَّا أَنْ نَغِيبَ عَنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ تَفَلْسُفًا بِأَنَّهُ لَا وُجُودَ لِلْمَخْلُوقَاتِ فِي الحَقِيقَةِ، فَهَذَا مَعْنَاهُ الفِرَارُ إِلَى مَعَانٍ غَيْرِ مَعْقُولَةٍ وَلَا مُرَادَةٍ لِلشَّارِعِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْنَا وَيَخْلُقْ لَنَا هَذَا الكَوْنَ بِمَا فِيهِ وَمَنْ فِيهِ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ مُسَخَّرَةٍ لِمَنَافِعِنَا لِنَعِيشَ فِي غَيْبُوبَةٍ عَنْهُ.
إِنَّ المَطْلُوبَ أَبْعَدُ وَأَعْمَقُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ؛ مَطْلُوبٌ مِنَ المُؤْمِنِ أَنْ يَعِيشَ الحَيَاةَ بِكُلِّ تَفَاصِيلِهَا وَمَبَاهِجِهَا، مَعَ التَّرَقِّي الدَّائِمِ فِي مَقَامَاتِ المُجَاهَدَةِ وَالقُرْبِ حَتَّى يَنْتَقِلَ بِرُوحِهِ مِنْ عَالَمِ الحِسِّ إِلَى مَا وَرَاءَ الحِسِّ، وَمِنَ الشَّهَادَةِ إِلَى الشُّهُودِ، وَمِنَ المُلْكِ إِلَى المَلَكُوتِ، وَمِنَ السُّجُودِ عَلَى الأَرْضِ إِلَى السُّجُودِ فِي مَوَاطِنِ القُرْبِ، وَهَذَا هُوَ التَّرَقِّي الحَقِيقِيُّ.
فَالْمُؤْمِنُ الحَقُّ يُمْكِنُهُ أَنْ يَعِيشَ بَيْنَ النَّاسِ يَرُوحُ وَيَجِيءُ وَيَبِيعُ وَيَشْتَرِي وَيَتَنَزَّهُ وَيَبْتَهِجُ بِزِينَةِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَكِنَّهُ دَائِمًا فِي حَالَةِ حُضُورٍ مَعَ رَبِّهِ، فَهُوَ أَمَامَهُ وَتِجَاهَهُ وَلَا يَغِيبُ عَنْ عَيْنِ قَلْبِهِ، يَعِيشُ الشُّهُودَ وَالحُضُورَ وَالمُرَاقَبَةَ وَالتَّجَلِّيَ وَالتَّحَلِّيَ.
يَعْلَمُ أَنَّهُ عَبْدٌ للهِ يُصَرِّفُهُ أَنَّى يَشَاءُ، وَلَكِنَّهُ يَخُوضُ فِي الأَسْبَابِ إِلَى نِهَايَتِهَا وَهُوَ مُسْتَسْلِمٌ لِيَدِ القُدْرَةِ اسْتِسْلَامَ الضَّعِيفِ المُقِرِّ بِعَجْزِهِ وَعَوْزِهِ. وَهَذَا هُوَ المُرَادُ الأَعْلَى.
يَعْنِي بِاخْتِصَارٍ: مَطْلُوبٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يَعِيشَ الحَقِيقَةَ وَلَا يَفِرَّ مِنْهَا إِلَى مَعَانٍ غَيْرِ مَعْقُولَةٍ وَلَا أَظُنُّهَا مُرَادَةً.»



