أخبار مهمةالخطبة المسموعةخطبة الأسبوعخطبة الجمعةخطبة الجمعة القادمة ، خطبة الجمعة القادمة لوزارة الأوقاف المصرية مكتوبة word pdfعاجل

زاد الأئمة : الإصدار (38) لـ خطبة الجمعة القادمة : الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ

الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ

زاد الأئمة : وزارة الأوقاف تعلن رسميا عن زاد الأئمة والخطباء.. الدليل الإرشادي الإصدار (38) لـ خطبة الجمعة القادمة : الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، ١٨ شَعْبَان ١٤٤٧هـ – ٠٦-٠٢-٢٠٢٦م

رابط تحميل اَلْإِصْدَارُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: سِلْسِلَةُ زَادِ الْأَئِمَّةِ وَالْخُطَبَاءِ… الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، بصيغة WORD

رابط تحميل اَلْإِصْدَارُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: سِلْسِلَةُ زَادِ الْأَئِمَّةِ وَالْخُطَبَاءِ… الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، بصيغة pdf

الإصدار (37) من سلسلة ” زاد الأئمة والخطباء: الدليل الإرشادي لخطب الجمعة”

استمراراً لما انتهجته وزارة الأوقاف مؤخراً من التيسير على السادة الأئمة والخطباء ودعماً لنماء زادهم العلمي والفكري والمعرفي نقدم هذا الإصدار من تلك السلسلة التي هي عبارة عن بحث موسع يجمع الشواهد والمعاني التي يمكن للخطيب أن يديم النظر فيها طوال الأسبوع، لتعينه على الإعداد الجيد لخطبته، وإتقان تناوله للموضوع، وزيادة عمقه وأصالته، وربط نصوص الشريعة بالواقع المعيش، حتى إذا صدرت الخطبة في موعدها المعتاد يوم الأربعاء من كل الأسبوع في صورتها النهائية المركزة المختصرة، يكون الخطيب قد هضم موضوعه وخالطه وعايشه، بما يحقق استيعاب الخطبة النهائية وأداءها على النحو المأمول.

وتهيب وزارة الأوقاف بكل أبنائها إلى التوسع في القراءة الواعية المستوعبة لكل ميادين الحياة واهتماماتها، وامتلاك الثقافة الواسعة التي تعينهم على أداء دورهم الديني الوطني على أكمل وجه.

ولقراءة زاد الأئمة والخطباء.. لـ خطبة الجمعة القادمة :

اَلْإِصْدَارُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: سِلْسِلَةُ زَادِ الْأَئِمَّةِ وَالْخُطَبَاءِ الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ

الْجُمُعَةُ ١٨ شَعْبَان ١٤٤٧هـ – ٠٦-٠٢-٢٠٢٦م

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ

الْهَدَفُ مِنَ الْخُطْبَةِ: التَّوْعِيَةُ بِأَهَمِّيَّةِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَأَثَرُ ذَلِكَ عَلَى الْمَدْعُوِّينَ، وَالتَّحْذِيرُ مِنَ التَّشَدُّدِ وَالْغُلُوِّ.

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَكْمَلَ لَنَا الدِّينَ، وَأَتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَةَ، وَجَعَلَ أُمَّتَنَا خَيْرَ أُمَّةٍ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ: فَالدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَرِيضَةُ الْفَرَائِضِ، وَسَنَامُ الْوَاجِبَاتِ، وَهِيَ الرِّسَالَةُ الَّتِي اصْطَفَى اللَّهُ لَهَا أَنْبِيَاءَهُ، وَهِيَ زَادُ الْعُلَمَاءِ، وَتَاجُ الصَّالِحِينَ، وَدُرَّةُ الْعَارِفِينَ؛ هِيَ أَشْرَفُ الْأَعْمَالِ قَدْرًا، وَأَعْلَى الْمَقَامَاتِ شَأْنًا، بِهَا تَنْفَتِحُ الْقُلُوبُ لِمَعْرِفَةِ اللَّهِ، فَيَنْتَبِهُ الْغَافِلُ مِنْ غَفْلَتِهِ، وَتَنْهَضُ الْهِمَمُ الْخَامِلَةُ مِنْ رُقَادِهَا، وَيَتَعَلَّمُ الْجَاهِلُ سَبِيلَ الْحَقِّ، وَتَسْمُو الْأَخْلَاقُ، وَيَتَهَذَّبُ السُّلُوكُ، وَيَسْتَقِيمُ مِيزَانُ الْمُجْتَمَعِ، وَيُسْتَأْصَلُ الْفَسَادُ مِنْ جُذُورِهِ.

وَيُمْكِنُ أَنْ نُبَيِّنَ أَهَمِّيَّةَ الدَّعْوَةِ وَطَرِيقَهَا الصَّحِيحَ مِنْ خِلَالِ مَا يَلِي:

١. الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَظِيفَةُ النَّبِيِّينَ:

لِأَجْلِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى اصْطَفَى اللَّهُ الرُّسُلَ وَالنَّبِيِّينَ، وَبَعَثَهُمْ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، يَحْمِلُونَ مَشَاعِلَ الْهِدَايَةِ، وَيُوقِظُونَ الْقُلُوبَ مِنْ سُبَاتِهَا، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]؛ أَيْ: مَا مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا مَضَى فِيهَا رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، يَدْعُوهَا إِلَى الْحَقِّ، وَيُقِيمُ عَلَيْهَا الْحُجَّةَ. وَقَدْ تَجَلَّتْ عَظَمَةُ هَذَا الِاصْطِفَاءِ فِي كَثْرَةِ مَنْ بَعَثَهُمُ اللَّهُ لِهِدَايَةِ الْبَشَرِ، حَتَّى رَوَى الْإِمَامُ ابْنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ» عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الْأَنْبِيَاءُ؟ قَالَ: «مِائَةُ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ أَلْفًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: “ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، جَمًّا غَفِيرًا”.

وَلَوْلَا الدَّعْوَةُ مَا بَعَثَ اللَّهُ الرُّسُلَ، وَلَا أَنْزَلَ الْكُتُبَ، وَصَدَقَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ إِذْ قَالَ: “فَالْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَا بُعِثُوا إِلَّا لِلدَّعْوَةِ إِلَى الْحَقِّ” [مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ]. فَالْدَّعْوَةُ إِذَنْ هِيَ الشِّعَارُ الْأَوَّلُ لِلِاقْتِدَاءِ بِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالطَّرِيقُ الْوَاضِحُ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَ سَبِيلَهُ، كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨].

٢. الدَّعْوَةُ إِقَامَةٌ لِلْحُجَّةِ وَأَدَاءٌ لِلْأَمَانَةِ:

بِالدَّعْوَةِ تُقَامُ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْخَلْقِ، وَتَنْهَضُ الرِّسَالَةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا أُرْسِلَ الرُّسُلُ، فَهِيَ أَمَانَةُ الْبَلَاغِ، وَمَقَامُ الشَّهَادَةِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ. بِهَا تُرْفَعُ الْأَعْذَارُ، وَتُقْطَعُ الْمَعَاذِيرُ، فَلَا يَبْقَى لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ أَنْ أَشْرَقَتْ أَنْوَارُ الرِّسَالَةِ فِي الْآفَاقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥].

أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، لِيَكُونَ الطَّرِيقُ وَاضِحًا، وَالْحُجَّةُ قَائِمَةً، فَلَا يَقُولُ قَائِلٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُتَحَسِّرًا: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]، عِنْدَئِذٍ لَا يَبْقَى عُذْرٌ، وَلَا يُقْبَلُ احْتِجَاجٌ، فَقَدْ بَلَغَ الْبَيَانُ مُنْتَهَاهُ.

وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ مُهِمَّةَ الدَّاعِيَةِ أَنْ يُبَلِّغَ وَيُبَيِّنَ، أَنْ يَزْرَعَ الْكَلِمَةَ الصَّادِقَةَ فِي الْقُلُوبِ، ثُمَّ يَكِلَ ثَمَرَةَ دَعْوَتِهِ إِلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ. فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْسِرَ النُّفُوسَ، وَلَا أَنْ يُسَيْطِرَ عَلَى الْقُلُوبِ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ الْكَرِيمِ: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]، وَقَالَ: ﴿وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]، وَقَالَ: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩].

فَلَا يُثْقِلْ قَلْبَكَ ضَلَالُ مَنْ أَعْرَضَ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ، وَلَا يَحْزُنْكَ مَنْ وَلَّى بَعْدَ أَنْ بُيِّنَ لَهُ السَّبِيلُ؛ إِنَّمَا الَّذِي يُخِيفُ وَيُدَانُ هُوَ السُّكُوتُ عَنِ الْحَقِّ، وَتَرْكُ الْبَلَاغِ، وَإِهْمَالُ النُّفُوسِ حَتَّى تُقْبِلَ عَلَى رَبِّهَا وَلَمْ يَصِلْهَا نُورُ الْهِدَايَةِ. ذَاكَ هُوَ التَّقْصِيرُ الَّذِي تُسْأَلُ عَنْهُ الضَّمَائِرُ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَ عَنْهُ الْمَحَاكِمُ الْإِلَهِيَّةُ. وَقَدْ لَخَّصَ الْإِمَامُ الْقُشَيْرِيُّ هَذَا الْمَعْنَى بِكَلِمَاتٍ تَهُزُّ الْقَلْبَ وَتُوقِظُهُ؛ حَيْثُ قَالَ: “لَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ؛ فَإِنْ آمَنُوا فَبِهَا، وَإِلَّا فَكُلُّهُمْ سَيَرَوْنَ يَوْمَ الدِّينِ مَا يَسْتَحِقُّونَ” [لَطَائِفُ الْإِشَارَاتِ]. فَهَنِيئًا لِمَنْ أَدَّى الْأَمَانَةَ، وَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَتَرَكَ الْقُلُوبَ لِرَبِّ الْقُلُوبِ.

٣. الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ: طَرِيقُ الْجَنَّةِ وَأَمَانُ الْأُمَّةِ مِنَ الْهَلَاكِ:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

وَعَنْ سَيِّدِنَا سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِسَيِّدِنَا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ “يَوْمَ خَيْبَرَ”: «…، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: (هِيَ الْإِبِلُ الْحُمْرُ، وَهِيَ أَنْفَسُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ، يَضْرِبُونَ بِهَا الْمَثَلَ فِي نَفَاسَةِ الشَّيْءِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَتَشْبِيهُ أُمُورِ الْآخِرَةِ بِأَعْرَاضِ الدُّنْيَا إِنَّمَا هُوَ لِلتَّقْرِيبِ مِنَ الْأَفْهَامِ، وَإِلَّا فَذَرَّةٌ مِنَ الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ خَيْرٌ مِنَ الْأَرْضِ بِأَسْرِهَا وَأَمْثَالِهَا مَعَهَا لَوْ تُصُوِّرَتْ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ فَضِيلَةِ الْعِلْمِ، وَالدُّعَاءِ إِلَى الْهُدَى، وَسَنِّ السُّنَنِ الْحَسَنَةِ). [شَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ].

وَكَمَا أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ يَقُومُ بِالدَّعْوَةِ وَرَتَّبَ لَهُ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ؛ فَقَدْ ذَمَّ مَنْ يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا وَلَا يَقُومُونَ بِحَقِّهَا، إِذْ لَا قِيمَةَ لِأُمَّةِ الْإِسْلَامِ إِذَا لَمْ تَسْلُكْ مَسْلَكَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَقَدْ لَعَنَ اللَّهُ تَعَالَى أَقْوَامًا لِأَجْلِ تَرْكِهِمْ دَعْوَةَ نَبِيِّهِمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩].

وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ، حَتَّى يَرَوْا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ فَلَا يُنْكِرُوهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، عَذَّبَ اللَّهُ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ].

وَلَا أَجِدُ عِبَارَةً فِي مَدْحِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كَلَامِ عُلَمَائِنَا أَوْفَى مِنْ عِبَارَةِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ قَالَ: “فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ هُوَ الْقُطْبُ الْأَعْظَمُ فِي الدِّينِ، وَهُوَ الْمُهِمُّ الَّذِي ابْتَعَثَ اللَّهُ لَهُ النَّبِيِّينَ أَجْمَعِينَ، وَلَوْ طُوِيَ بِسَاطُهُ، وَأُهْمِلَ عِلْمُهُ وَعَمَلُهُ؛ لَتَعَطَّلَتِ النُّبُوَّةُ، وَاضْمَحَلَّتِ الدِّيَانَةُ، وَعَمَّتِ الْفَتْرَةُ، وَفَشَتِ الضَّلَالَةُ، وَشَاعَتِ الْجَهَالَةُ، وَاسْتَشْرَى الْفَسَادُ، وَاتَّسَعَ الْخَرْقُ، وَخُرِّبَتِ الْبِلَادُ، وَهَلَكَ الْعِبَادُ، وَلَمْ يَشْعُرُوا بِالْهَلَاكِ إِلَّا يَوْمَ التَّنَادِ. [إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ].

٤. الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِقَدْرِ مَعْرِفَتِهِ:

إِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى تَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ إِذَا تَعَلَّقَتْ بِدَقِيقِ الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى، أَمَّا مُجَرَّدُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْخَيْرِ وَتَحْذِيرِ النَّاسِ مِنَ الشَّرِّ، فَفَرْضٌ لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ، إِذْ هُوَ وَاجِبٌ مُجْتَمَعِيٌّ، وَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يُنْكِرَ حَتَّى لَوْ بِقَلْبِهِ، وَرَحِمَ اللَّهُ الْإِمَامَ الْفَقِيهَ مُجَدِّدَ الْمِائَةِ السَّابِعَةِ ابْنَ دَقِيقِ الْعِيدِ الْمُتَوَفَّى ٧٠٢هـ حِينَ قَالَ: “ثُمَّ إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِي سَقَطَ عَنِ الْبَاقِي، وَإِذَا تَرَكَهُ الْجَمِيعُ أَثِمَ كُلُّ مَنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ. ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ يَتَعَيَّنُ كَمَا إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ إِلَّا هُوَ، أَوْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِزَالَتِهِ إِلَّا هُوَ، وَكَمَنْ يَرَى زَوْجَتَهُ أَوْ وَلَدَهُ أَوْ غُلَامَهُ عَلَى مُنْكَرٍ وَيُقَصِّرُ…. ثُمَّ قَالَ نَقْلًا عَنِ الْعُلَمَاءِ: وَلَا يَخْتَصُّ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ بِأَصْحَابِ الْوِلَايَةِ، بَلْ ذَلِكَ ثَابِتٌ لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا يَأْمُرُ وَيَنْهَى مَنْ كَانَ عَالِمًا بِمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ مِثْلَ: الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَكُلُّ الْمُسْلِمِينَ عُلَمَاءُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ دَقَائِقِ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالِاجْتِهَادِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْعَوَامِّ فِيهِ مَدْخَلٌ، فَلَيْسَ لَهُمْ إِنْكَارُهُ، بَلْ ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ” [شَرْحُ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ].

وَقَدْ جَاءَ عَنِ الْعُرْسِ ابْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: “إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ، كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا، وَقَالَ مَرَّةً: «أَنْكَرَهَا» كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا، كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا” [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: “لِأَنَّ الرِّضَا بِالْخَطَايَا مِنْ أَقْبَحِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَيَفُوتُ بِهِ إِنْكَارُ الْخَطِيئَةِ بِالْقَلْبِ، وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ” [جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ]. وَقَالَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ: “وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ عُظْمَى، حَيْثُ يَكُونُ الرِّضَا بِالْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةً” [الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ].

وَلَمَّا سَمِعَ سَيِّدُنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ مَسْعُودٍ رَجُلًا يَقُولُ: “هَلَكَ مَنْ لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ”، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «لَا، وَلَكِنْ هَلَكَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ بِقَلْبِهِ مَعْرُوفًا، وَلَمْ يُنْكِرْ بِقَلْبِهِ مُنْكَرًا” [جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ] . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: “يُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ بِالْقَلْبِ فَرْضٌ لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ هَلَكَ، وَأَمَّا الْإِنْكَارُ بِاللِّسَانِ وَالْيَدِ، فَإِنَّمَا يَجِبُ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ” [جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ].

فَقَدْ جَعَلَ سَيِّدُنَا ابْنُ مَسْعُودٍ الْهَلَاكَ لَيْسَ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ؛ إِذْ ذَلِكَ مَرْتَبَةٌ عَالِيَةٌ جِدًّا لَا يَقْوَى عَلَيْهَا إِلَّا الْكِبَارُ، وَلَكِنَّهُ جَعَلَ الْهَلَاكَ عَلَى أَقَلِّ تَقْدِيرٍ لِمَنْ لَمْ يُنْكِرْ بِقَلْبِهِ كَأَقَلِّ شَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، فَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَقْدِرُ عَلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ جَهْرًا، وَيُفَسِّرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: “إِنَّهَا سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ [أُمُورٌ سَيِّئَةٌ لَا تُرْضِي]، فَبِحَسْبِ امْرِئٍ إِذَا رَأَى مُنْكَرًا لَا يَسْتَطِيعُ لَهُ غَيْرَ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ لَهُ كَارِهٌ” [مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيْبَة].

فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا يَخْتَصُّ بِالْعُلَمَاءِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، حَتَّى إِذَا رَأَى الْمُنْكَرَ وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ أَوْ لِسَانِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ حَاسَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى، عَلَى أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِالظُّلْمِ، وَيَحْمِلُ الْوِزْرَ كَمَنْ ظَلَمَ وَأَسَاءَ تَمَامًا.

إِنَّ مَا نَطْلُبُهُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُعَلِّمَ أَوْلَادَهُ – عَلَى الْأَقَلِّ – أَبْرَزَ الْآدَابِ الْعَامَّةِ مِثْلَ: الْبَسْمَلَةِ عَلَى الطَّعَامِ، وَالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ، وَأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: حَسِّنُوا أَخْلَاقَكُمْ مَعَ النَّاسِ، وَإِذَا وَجَدْتُمْ إِنْسَانًا فِي شِدَّةٍ فَسَاعِدُوهُ، أَوْ وَجَدْتُمْ ضَرِيرًا عَلَى الطَّرِيقِ فَخُذُوا بِيَدِهِ، فَكُلُّ هَذَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى عِلْمٍ، بَلْ هَذَا مِمَّا يُدْرَكُ بِسَلَامَةِ الْفِطْرَةِ وَأَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِتَعَالِيمِ الْوَحْيِ الشَّرِيفِ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَى صُوَرِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَشْهَدُ لِكُلِّ هَذَا قَوْلُ رَسُولِنَا الْكَرِيمِ: “بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ” [صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ]. فَالْمُسْلِمُ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِ وَلَوْ آيَةٍ، وَالْآيَةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا آيَةٌ قُرْآنِيَّةٌ أَوْ سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ، أَوْ عَلَامَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ إِشَارَةٌ لِمَعْرُوفٍ أَوْ خَيْرٍ، وَحَرْفُ “وَلَوْ” يُفِيدُ التَّقْلِيلَ لِمُسَارَعَةِ الْمُسْلِمِ فِي تَبْلِيغِ مَا يَقَعُ لَهُ مِنْ عِلْمٍ.

٥. الْحِكْمَةُ فِي الدَّعْوَةِ: تَحْقِيقُ الْمَقَاصِدِ وَوَضْعُ الْأُمُورِ فِي مَوَاضِعِهَا:

الْحِكْمَةُ: وَقَدْ عَرَّفَهَا الْعُلَمَاءُ بِأَنَّهَا: “وَضْعُ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ، وَقِيلَ: كُلُّ كَلَامٍ وَافَقَ الْحَقَّ فَهُوَ حِكْمَةٌ، وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ هِيَ الْكَلَامُ الْمَعْقُولُ الْمَصُونُ عَنِ الْحَشْوِ، وَقِيلَ: هِيَ مَا لَهُ عَاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ. [الْكُلِّيَّاتُ].

فَإِذَا لَمْ تَكُنِ الدَّعْوَةُ حَامِيَةً لِلنَّاسِ مِنَ الِانْحِرَافِ، وَمُحَقِّقَةً لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ فَلَا خَيْرَ فِيهَا، وَهَذَا أَصْلُ الْحِكْمَةِ الَّتِي وَرَدَ ذِكْرُهَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨].

فَهَذَا حُصَيْنٌ الْخُزَاعِيُّ وَالِدُ سَيِّدِنَا عِمْرَانَ، كَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَظِّمُهُ، فَطَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يُكَلِّمَ النَّبِيَّ ﷺ فِي آلِهَتِهَا، فَجَاءَ حُصَيْنٌ وَمَعَهُ بَعْضُ أَفْرَادِ قُرَيْشٍ حَتَّى جَلَسُوا قَرِيبًا مِنْ بَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَدَخَلَ حُصَيْنٌ، “فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «يَا حُصَيْنُ كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ إِلَهًا»؟ قَالَ أَبِي: سَبْعَةً، سِتَّةً فِي الْأَرْضِ، وَوَاحِدًا فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «فَأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ»؟ قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «يَا حُصَيْنُ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ تَنْفَعَانِكَ». قَالَ: فَلَمَّا أَسْلَمَ حُصَيْنٌ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِيَ الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدْتَنِي، فَقَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي “سُنَنِهِ”]، «فَقَامَ إِلَيْهِ وَلَدُهُ عِمْرَانُ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَلَمَّا أَرَادَ حُصَيْنٌ الْخُرُوجَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: شَيِّعُوهُ إِلَى مَنْزِلِهِ». [إِنْسَانُ الْعُيُونِ فِي سِيرَةِ الْأَمِينِ الْمَأْمُونِ]. أَرَأَيْتَ كَيْفَ دَخَلَ الرَّجُلُ مُعْرِضًا نَاقِمًا، فَخَرَجَ صَادِقًا مُسْلِمًا؟! إِنَّهَا الدَّعْوَةُ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ.

بَرَزَ هَذَا الْأُسْلُوبُ الْحَكِيمُ فِي مَوَاقِفَ كَثِيرَةٍ مِنْ سِيرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمِنْ أَظْهَرِهَا مَوْقِفُهُ مِنَ الْخِلَافِ الَّذِي نَشَبَ بَيْنَ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ عِنْدَ وَضْعِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي مَوْضِعِهِ. فَقَدْ أَعَادَتْ قُرَيْشٌ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا بَلَغُوا مَوْضِعَ الْحَجَرِ اخْتَلَفُوا: أَيُّهُمْ يَنَالُ شَرَفَ رَفْعِهِ؟ حَتَّى كَادَ النِّزَاعُ أَنْ يُفْضِيَ إِلَى اقْتِتَالٍ وَسَفْكِ دِمَاءٍ، وَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ أَيَّامًا، ثُمَّ اتَّفَقُوا أَخِيرًا عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا الْحَكَمَ بَيْنَهُمْ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ، فَكَانَ الدَّاخِلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – وَذَلِكَ قَبْلَ بَعْثَتِهِ – فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا الْأَمِينُ، رَضِينَا بِهِ حَكَمًا، فَطَلَبَ ﷺ ثَوْبًا، فَوَضَعَ الْحَجَرَ فِيهِ، وَأَمَرَ كُلَّ قَبِيلَةٍ أَنْ تُمْسِكَ بِطَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِهِ، فَرَفَعُوهُ جَمِيعًا، ثُمَّ أَخَذَهُ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ فَوَضَعَهُ فِي مَكَانِهِ.

فَبِهَذَا التَّدْبِيرِ الْحَكِيمِ أَطْفَأَ فِتْنَةً كَادَتْ تَعْصِفُ بِالْقَبَائِلِ، وَأَشْرَكَ الْجَمِيعَ فِي الشَّرَفِ، وَقَدَّمَ نَمُوذَجًا عَمَلِيًّا بَلِيغًا فِي الْحِكْمَةِ الدَّعْوِيَّةِ، وَحُسْنِ إِدَارَةِ الْخِلَافِ، وَجَمْعِ الْقُلُوبِ قَبْلَ جَمْعِ الْأَحْجَارِ.

٦. الرِّفْقُ وَلِينُ الْخِطَابِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ:

إِنَّ مِنْ حُسْنِ الْمَوْعِظَةِ أَنْ تَكُونَ حَسَنَةً فِي كُلِّ شَيْءٍ، فِي الْأَلْفَاظِ وَالْأَدَاءِ وَالطَّرِيقَةِ أَثْنَاءَ مُخَاطَبَةِ النَّاسِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا نَبِيَّهُ مُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَنْ يَقُولَا لِفِرْعَوْنَ فِي حَالِ تَبْلِيغِ رِسَالَةِ اللَّهِ إِلَيْهِ «قَوْلًا لَيِّنًا» أَيْ: كَلَامًا لَطِيفًا سَهْلًا رَقِيقًا، لَيْسَ فِيهِ مَا يُغْضِبُ وَيُنَفِّرُ”.

وَلَمَّا قَرَأَ رَجُلٌ عِنْدَ سَيِّدِنَا يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ هَذِهِ الْآيَةَ: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا، فَبَكَى يَحْيَى، وَقَالَ: إِلَهِي هَذَا رِفْقُكَ بِمَنْ يَقُولُ أَنَا الْإِلَهُ، فَكَيْفَ رِفْقُكَ بِمَنْ يَقُولُ أَنْتَ الْإِلَهُ؟ [تَفْسِيرُ الْبَغَوِيِّ].

وَقَالَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ: “وَهَذَا كُلُّهُ حَضٌّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لِلنَّاسِ لَيِّنًا، وَوَجْهُهُ مُنْبَسِطًا طَلْقًا مَعَ: الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَالسُّنِّيِّ وَالْمُبْتَدِعِ مِنْ غَيْرِ مُدَاهَنَةٍ، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَهُ بِكَلَامٍ يَظُنُّ أَنَّهُ يُرْضِي مَذْهَبَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ لِمُوسَى وَهَارُونَ: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾ [طه: ٤٤]، فَالْقَائِلُ لَيْسَ بِأَفْضَلَ مِنْ مُوسَى وَهَارُونَ، وَالْفَاجِرُ لَيْسَ بِأَخْبَثَ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَقَدْ أَمَرَهُمَا اللَّهُ بِاللِّينِ مَعَهُ”. [الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ].

وَعَنْ سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلْيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» [الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ].

وَعَنْ سَيِّدِنَا مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ؛ فَقُلْتُ: “يَرْحَمُكَ اللَّهُ”، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: “وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ [الثُّكْلُ: فَقْدُ الْوَلَدِ]، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ”، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي [أَيْ: مَا نَهَرَنِي]، وَلَا ضَرَبَنِي، وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ؛ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

٧. اخْتِيَارُ الْأَوْقَاتِ الْمُنَاسِبَةِ لِلدَّعْوَةِ:

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُ أَصْحَابَهُ بِالْمَوْعِظَةِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؛ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ، مُرَاعِيًا فِي ذَلِكَ نَشَاطَهُمْ؛ فَعَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ؛ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ! قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].

وَقَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “أَيُّهَا النَّاسُ: لَا تُبَغِّضُوا اللَّهَ إِلَى عِبَادِهِ، قَالُوا: وَكَيْفَ ذَاكَ أَصْلَحَكَ اللَّهُ؟، قَالَ: يَكُونُ أَحَدُكُمْ إِمَامًا، فَيُطَوِّلُ عَلَى الْقَوْمِ حَتَّى يُبَغِّضَ إِلَيْهِمْ مَا هُوَ فِيهِ، وَيَقْعُدُ أَحَدُكُمْ قَاصًّا فَيُطَوِّلُ عَلَى الْقَوْمِ حَتَّى يُبَغِّضَ إِلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ”. [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي “شُعَبِ الْإِيمَانِ”، وَصَحَّحَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي “فَتْحِ الْبَارِي”].

وَكَانَ سَيِّدُنَا ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُوصِي أَصْحَابَهُ بِالْحَثِّ عَلَى التَّقْلِيلِ مِنَ الْوَعْظِ خَشْيَةَ الْمَلَلِ؛ فَيَقُولُ: «حَدِّثِ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ، فَإِنْ أَكْثَرْتَ فَثَلَاثَ مِرَارٍ، وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ، وَلَا أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي الْقَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ؛ فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ، فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلُّهُمْ! وَلَكِنْ أَنْصِتْ، فَإِذَا أَمَرُوكَ فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. أَيْ: يَطْلُبُونَهُ وَيَشْتَاقُونَ سَمَاعَهُ.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: حَدِّثِ الْقَوْمَ مَا حَدَجُوكَ بِأَبْصَارِهِمْ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْكَ قُلُوبُهُمْ، فَإِذَا انْصَرَفَتْ عَنْكَ قُلُوبُهُمْ، فَلَا تُحَدِّثْهُمْ، قِيلَ: وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «إِذَا الْتَفَتَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَرَأَيْتَهُمْ يَتَثَاءَبُونَ، فَلَا تُحَدِّثْهُمْ» [شَرْحُ السُّنَّةِ لِلْبَغَوِيِّ].

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: “حَدِّثِ الْقَوْمَ مَا أَقْبَلُوا عَلَيْكَ بِوُجُوهِهِمْ، فَإِذَا الْتَفَتُوا؛ فَاعْلَمْ أَنَّ لَهُمْ حَاجَاتٍ”. [مُسْنَدُ الدَّارِمِيِّ].

٨. مِنْ أَهَمِّ مُمَيِّزَاتِ الدَّاعِيَةِ النَّاجِحِ: التَّيْسِيرُ وَعَدَمُ التَّشْدِيدِ:

وَكَذَا مِنْ أَهَمِّ مِيزَاتِ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ أَنَّ أَحْكَامَهَا وَتَشْرِيعَاتِهَا سَهْلَةٌ خَالِيَةٌ مِنَ التَّشَدُّدِ وَالْمَشَقَّةِ، فَحَيْثُ وُجِدَتِ الْمَشَقَّةُ وُجِدَ التَّيْسِيرُ، وَتَقَرَّرَتِ الْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي تَقُولُ: “الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ”، وَقَاعِدَةُ: “إِذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ” [الْأَشْبَاهُ وَالنَّظَائِرُ لِلسُّبْكِيِّ، الْأَشْبَاهُ وَالنَّظَائِرُ لِابْنِ نُجَيْمٍ]، وَعَنْ سَيِّدِنَا مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّكُمْ لَنْ تَنَالُوا هَذَا الْأَمْرَ بِالْمُغَالَبَةِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ].

قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ إِلَّا مَنْ كَانَ فِيهِ خِصَالٌ ثَلَاثٌ: رَفِيقٌ بِمَا يَنْهَى، عَدْلٌ بِمَا يَأْمُرُ، عَدْلٌ بِمَا يَنْهَى، عَالِمٌ بِمَا يَأْمُرُ، عَالِمٌ بِمَا يَنْهَى» [الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ لِابْنِ يَزِيدَ الْخَلَّالِ].

وَجَمِيعُ الْعِبَادَاتِ فِي الْإِسْلَامِ سَهْلَةٌ مَيْسُورَةٌ، لَيْسَ فِيهَا حَرَجٌ أَوْ تَضْيِيقٌ، فَالصَّلَاةُ خَمْسٌ فِي الْعَمَلِ وَخَمْسُونَ فِي الْأَجْرِ، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الصَّلَاةِ قَائِمًا صَلَّى قَاعِدًا، وَمَنْ عَجَزَ قَاعِدًا فَعَلَى جَنْبٍ، ثُمَّ قُصِرَتْ فِي السَّفَرِ تَخْفِيفًا، وَالْحَجُّ فَرْضٌ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمْرِ، وَكَانَ شِعَارُ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ ﷺ فِي جَمِيعِ مَنَاسِكِهِ أَنَّهُ مَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ؛ إِلَّا قَالَ: “افْعَعْلْ وَلَا حَرَجَ” [رَوَاهُ الشَّيْخَانِ]، وَالزَّكَاةُ عَلَى الْقَادِرِ بِشُرُوطٍ مَعْلُومَةٍ، وَالصِّيَامُ فَرْضٌ لِمَنْ سَلِمَ مِنَ الْأَعْذَارِ، وَبَعْضُ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ أَوِ الْفِدْيَةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ: “فَإِنَّ الْحَرَجَ عُذْرٌ مُسْقِطٌ بِالنَّصِّ” [أُصُولُ السَّرَخْسِيِّ].

وَهَذَا التَّيْسِيرُ فِي الْأَحْكَامِ وَالتَّكْلِيفَاتِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الرَّحْمَةِ بِالْمُكَلَّفِينَ وَالْتِمَاسِ الْأَعْذَارِ لَا تَجِدُ مِثْلَهُ فِي دِينٍ مِنَ الْأَدْيَانِ إِلَّا الْإِسْلَامَ.

٩. فِقْهُ الْوَاقِعِ وَمُرَاعَاةُ حَالِ الْمَدْعُوِّ:

الدَّعْوَةُ بَصِيرَةٌ بِالْوَاقِعِ، وَنَظَرٌ عَمِيقٌ فِي الْمَآلَاتِ. فَالدَّاعِيَةُ الْحَكِيمُ لَا يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا يَعْلَمُ هُوَ فَقَطْ، بَلْ بِمَا تَحْتَمِلُهُ عُقُولُهُمْ، وَيَخْتَارُ مِنَ الْحَقِّ مَا يُصْلِحُ حَالَهُمْ، وَيُقَالُ لَهُمْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ النُّفُوسُ مُهَيَّأَةً لِلْقَبُولِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، وَالْحِكْمَةُ هُنَا تَشْمَلُ مَعْرِفَةَ حَالِ الْمَدْعُوِّ، وَاعْتِبَارَ وَاقِعِهِ، وَاسْتِحْضَارَ مَآلِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ؛ لِأَنَّ كَلِمَةً تُقَالُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا قَدْ تُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا تُصْلِحُ، وَنَصِيحَةً تُلْقَى بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ قَدْ تُغْلِقُ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْهِدَايَةِ.

وَقَدْ جَسَّدَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْمَعْنَى أَصْدَقَ تَجْسِيدٍ؛ فَكَانَ يُخَاطِبُ كُلَّ قَوْمٍ بِمَا يُنَاسِبُهُمْ، وَيُقَدِّمُ الْأَهَمَّ فَالْأَهَمَّ، وَيُؤَخِّرُ مَا قَدْ تَنْفِرُ مِنْهُ النُّفُوسُ حَتَّى تَتَهَيَّأَ لَهُ. وَمُرَاعَاةُ الْمَآلِ أَصْلٌ رَاسِخٌ فِي الشَّرِيعَةِ؛ إِذِ الْمَقْصُودُ مِنَ الدَّعْوَةِ هِدَايَةُ النَّاسِ لَا تَعْقِيدُ الطَّرِيقِ عَلَيْهِمْ، وَإِصْلَاحُ الْقُلُوبِ لَا كَسْرُهَا، وَجَمْعُهُمْ عَلَى الْحَقِّ لَا تَنْفِيرُهُمْ مِنْهُ. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً».

فَالدَّعْوَةُ الرَّاشِدَةُ هِيَ الَّتِي تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ بِقَدَمِ الْوَاقِعِ، وَتَنْظُرُ إِلَى الْغَايَةِ بِعَيْنِ الْمَآلِ، وَتَبْقَى مُعَلَّقَةَ الْقَلْبِ بِالسَّمَاءِ، تَسْتَنِيرُ بِالْوَحْيِ، وَتَتَحَرَّكُ بِالرَّحْمَةِ، وَتُثْمِرُ هِدَايَةً وَأَثَرًا وَبَقَاءً.

١٠. الْجِدَالُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: مَنْهَجُ الْأَنْبِيَاءِ فِي إِظْهَارِ الْحَقِّ:

وَهِيَ أَسَاسٌ عَظِيمٌ مِنْ أَسَاسِيَّاتِ دَعْوَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي دَعْوَةِ أَقْوَامِهِمْ، فَقَدْ كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يَجْتَهِدُ بِقَدْرِ مَا أُوتِيَ مِنْ قُوَّةٍ لِرَدْعِ قَوْمِهِ عَنِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَذَلِكَ بِإِدْخَالِهِمْ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَذْلِ الْقُوَّةِ وَالِاجْتِهَادِ فِي إِيرَادِ الْأَدِلَّةِ الْمُقْنِعَةِ وَالْحُجَجِ الْقَوِيَّةِ لِإِظْهَارِ أَنَّ مَا عَلَيْهِ الْقَوْمُ لَيْسَ بِمَقْبُولٍ وَلَا مَعْقُولٍ.

وَهُوَ الَّذِي عُرِفَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِ الْجَدَلِ وَالْمُنَاظَرَةِ، وَقَدْ قَالُوا: “الْجَدَلُ: مُقَابَلَةُ الْحُجَّةِ بِالْحُجَّةِ، وَالْمُنَاظَرَةُ: أَنْ يَدْفَعَ الْحُجَّةَ بِنَظِيرَتِهَا”. [الْغَرِيبَيْنِ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ لِأَبِي عُبَيْدٍ الْهَرَوِيِّ].

وَمَعَ أَنَّ هَذِهِ هِيَ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الْمُنَاظَرَةِ وَالْجَدَلِ لِإِظْهَارِ الْحَقِّ وَإِزْهَاقِ الْبَاطِلِ، إِلَّا أَنَّ الْإِسْلَامَ قَيَّدَ هَذَا الْجِدَالَ بِأَنْ يَكُونَ بِالْحُسْنَى، قَالَ الْإِمَامُ الزَّجَّاجُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] أَيْ: أَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ وَجَادِلْهُمْ غَيْرَ فَظٍّ وَلَا غَلِيظِ الْقَلْبِ. [الْمُحْكَمُ وَالْمُحِيطُ الْأَعْظَمُ].

وَمَا أُمِرَ بِهِ الرَّسُولُ الْأَكْرَمُ ﷺ أُمِرَ بِهِ أَتْبَاعُهُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦].

لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْحِوَارِ أَوِ الْمُنَاظَرَةِ مُجَابَهَةَ الْخَصْمِ وَإِفْحَامَهُ وَالتَّغَلُّبَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ الْمُحَاوِرَ وَالْمُنَاظِرَ كَنَاشِدِ الضَّالَّةِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ أَنْ تَظْهَرَ عَلَى يَدِهِ أَوْ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ، بَلِ الْقَصْدُ سَمَاعُ الْآخَرِ وَمَعْرِفَةُ مَا عِنْدَهُ، مَعَ تَصْوِيبِ فَهْمِهِ إِنْ كَانَ مُخْطِئًا، وَتَبْصِيرِهِ بِمَا غَابَ عَنْهُ مِنْ قَوَاعِدِ الْعِلْمِ وَطَرَائِقِ الْفَهْمِ، قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا قَطُّ فَأَحْبَبْتُ أَنْ يُخْطِئَ، وَقَالَ: مَا كَلَّمْتُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا أَحْبَبْتُ أَنْ يُوَفَّقَ وَيُسَدَّدَ وَيُعَانَ، وَيَكُونَ عَلَيْهِ رِعَايَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَحِفْظٌ، وَمَا كَلَّمْتُ أَحَدًا قَطُّ وَأَنَا أُبَالِي أَنْ يُبَيِّنَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِي أَوْ عَلَى لِسَانِهِ، وَقَالَ: مَا أَوْرَدْتُ الْحَقَّ وَالْحُجَّةَ عَلَى أَحَدٍ فَقَبِلَهَا مِنِّي إِلَّا هِبْتُهُ، وَاعْتَقَدْتُ مَحَبَّتَهُ، وَلَا كَابَرَنِي أَحَدٌ عَلَى الْحَقِّ وَدَفَعَ الْحُجَّةَ إِلَا سَقَطَ مِنْ عَيْنَيَّ وَرَفَضْتُهُ.

قَالَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ مُعَلِّقًا: “فَهَذِهِ الْعَلَامَاتُ هِيَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْفِقْهِ وَالْمُنَاظَرَةِ، فَانْظُرْ كَيْفَ تَابَعَهُ النَّاسُ مِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الْخِصَالِ الْخَمْسِ عَلَى خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، ثُمَّ كَيْفَ خَالَفُوهُ فِيهَا أَيْضًا، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَا رَأَيْتُ وَلَا رَأَى الرَّاؤُونَ مِثْلَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. [إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ].

١١. اجْعَلْ خِطَابَكَ لِلْمُخَالِفِينَ خِطَابَ رَحْمَةٍ لَا خِطَابَ عَذَابٍ:

لَيْسَ مَقْصِدُ الدَّاعِيَةِ تَخْوِيفَ النَّاسِ أَوِ الْحُكْمَ عَلَى مُخَالِفِيهِ بِالنَّارِ، وَلَا التَّشَفِّيَ بِسُوءِ أَحْوَالِهِمْ، بَلِ الدَّاعِيَةُ طَبِيبٌ يُدَاوِي الْمَرْضَى، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ رَحِيمًا بِهِمْ، وَأَشْفَقَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَيَحْزَنُ لِضَلَالِ مَنْ ضَلَّ، وَمَعْصِيَةِ مَنْ عَصَى، وَيَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى لَهُمْ عَلَى الدَّوَامِ بِالْهِدَايَةِ، وَلَا يَدْعُو عَلَيْهِمْ قَطُّ، وَإِنْ أَسَاءُوا إِلَيْهِ، فَقَدْ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَهْرًا فِي قُنُوتِهِ، فَعَنْ سَيِّدِنَا ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنَ الْفَجْرِ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا، بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] [الشَّيْخَانِ] يَعْنِي: رُبَّمَا يُسْلِمُونَ يَا مُحَمَّدُ، فَلَا تَدْعُ عَلَيْهِمْ.

فَكَانَ ﷺ بَعْدَهَا يَدْعُو لِلْعُصَاةِ عَلَى الدَّوَامِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ دَوْسًا قَدْ هَلَكَتْ عَصَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ» [صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ]. قَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ: “فَأَسْلَمُوا فَوُجِدُوا مِنْ صَالِحِي النَّاسِ إِسْلَامًا، وَوُجِدَ مِنْهُمْ أَئِمَّةٌ وَقَادَةٌ” [تَارِيخُ الْمَدِينَةِ لِابْنِ شَبَّةَ].

فَاللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حُسْنَ الْفَهْمِ عَنْكَ، وَارْزُقْنَا هَدْيَ نَبِيِّنَا فِي دَعْوَتِهِ وَرِسَالَتِهِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ لَا ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

إِجْرَاءَاتٌ عَمَلِيَّةٌ لِلدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ بِالْحِكْمَةِ:

تَرْسِيخُ مَبْدَأِ الْحِكْمَةِ فِي الْخِطَابِ الدَّعْوِيِّ، وَذَلِكَ بِاخْتِيَارِ الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ، وَالْأُسْلُوبِ اللَّطِيفِ، وَالْكَلِمَةِ الْمَوْزُونَةِ، وَمُرَاعَاةِ حَالِ الْمُخَاطَبِ؛ فَالْحِكْمَةُ هِيَ مِفْتَاحُ الْقُلُوبِ، وَبِهَا تَتَحَقَّقُ الْغَايَةُ مِنَ الدَّعْوَةِ دُونَ تَنْفِيرٍ أَوْ صَدٍّ.

اعْتِمَادُ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ طَرِيقًا لِلتَّأْثِيرِ، فَتَكُونَ الْمَوْعِظَةُ صَادِقَةً، رَفِيقَةً، مَشْفُوعَةً بِالرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ، بَعِيدَةً عَنِ التَّوْبِيخِ الْجَارِحِ وَالتَّقْرِيعِ الْفَظِّ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ مَفْطُورَةٌ عَلَى قَبُولِ اللِّينِ، وَالنُّفُورِ مِنَ الْعُنْفِ.

الْجَمْعُ بَيْنَ الْبَيَانِ الْعَقْلِيِّ وَالتَّأْثِيرِ الْقَلْبِيِّ.

تَقْدِيمُ الْقُدْوَةِ الْعَمَلِيَّةِ قَبْلَ كَثْرَةِ الْقَوْلِ.

مُرَاعَاةُ التَّدَرُّجِ وَعَدَمِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ.

التَّحْذِيرُ مِنَ التَّشَدُّدِ وَالْغُلُوِّ فِي الدَّعْوَةِ، فَالْغُلُوُّ يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ، وَيُشَوِّهُ صُورَةَ الدِّينِ، وَيُغْلِقُ أَبْوَابَ الْقَبُولِ.

اسْتِحْضَارُ مَقْصِدِ الْهِدَايَةِ لَا الِانْتِصَارِ، فَغَايَةُ الدَّعْوَةِ إِنْقَاذُ النَّاسِ لَا إِدَانَتُهُمْ، وَإِصْلَاحُهُمْ لَا كَسْرُهُمْ، وَهِدَايَةُ الْقُلُوبِ لَا مُجَرَّدُ إِسْكَاتِ الْمُخَالِفِ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: الْمُبَالَغَةُ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ

إِنَّ الْمُغَالَاةَ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ إِحْدَى سِمَاتِ هَذَا الْعَصْرِ الَّذِي تَكَاثَرَتْ فِيهِ الْمَظَاهِرُ، وَتَعَاظَمَتْ فِيهِ الْأَعْبَاءُ، وَتَحَوَّلَ فِيهِ الزَّوَاجُ، وَهُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ السَّكِينَةِ وَالْمَوَدَّةِ، مِنْ بَابٍ لِلطُّمَأْنِينَةِ إِلَى ظَاهِرَةٍ مُثْقَلَةٍ بِالدُّيُونِ وَالْهُمُومِ، فَلَمْ تَعُدِ الْعَقَبَةُ فِي الزَّوْجِ الْآنَ فِي ضَعْفِ الرَّغْبَةِ وَلَا فِي غِيَابِ الْقِيَمِ، بَلْ فِي مُغَالَاةٍ أَنْهَكَتِ الشَّبَابَ، وَقُيُودٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ فُرِضَتْ بِاسْمِ الْعُرْفِ وَالتَّفَاخُرِ، حَتَّى صَارَ الْحَلَالُ عَسِيرًا، فَتَعَطَّلَ بِنَاءُ بُيُوتٍ، وَتَأَخَّرَ الزَّوَاجُ، وَامْتَدَّ الْقَلَقُ فِي النُّفُوسِ، وَارْتَفَعَتْ نِسَبُ الْعُنُوسَةِ، وَاهْتَزَّ الْبِنَاءُ الِاجْتِمَاعِيُّ الَّذِي لَا يَقُومُ إِلَّا عَلَى الْأُسْرَةِ الْمُسْتَقِرَّةِ.

وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ، تُدْرِجُ مُبَادَرَةُ «صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ» هَذَا الْمَوْضُوعَ ضِمْنَ مَحَاوِرِهَا الْأَسَاسِيَّةِ، بِوَصْفِهِ سُلُوكًا يُظْهِرُ غِيَابَ الِانْضِبَاطِ الْعَامِّ، وَضَعْفَ الْوَعْيِ بِحُقُوقِ الْآخَرِينَ، وَهُوَ مَا يَسْتَدْعِي تَدَخُّلًا عَاجِلًا عَلَى مُسْتَوَى الْوَعْيِ الدِّينِيِّ، وَالْمُجْتَمَعِيِّ، وَالْقَانُونِيِّ.

اَلتَّيْسِيرُ مَبْدَأٌ إِسْلَامِيٌّ:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلَا تُنَفِّرُوا» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]، وَالدَّعْوَةُ النَّبَوِيَّةُ إِلَى التَّيْسِيرِ لَا شَكَّ أَنَّهَا تَشْمَلُ الرَّابِطَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ الْأُولَى وَهِيَ الزَّوَاجُ، بَلْ لَا نُبَالِغُ إِذَا قُلْنَا إِنَّهَا لَا تَتَجَلَّى حَقِيقَةً إِلَّا فِيهِ، وَلَا يُقْدِمُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ مِنَ التَّيْسِيرِ إِلَّا مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا حَقًّا بِاللَّهِ تَعَالَى وَمُقْتَدِيًا صِدْقًا بِالنَّبِيِّ ﷺ.

أَعْظَمُ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ:

مِنْ أَكْبَرِ الدَّلَائِلَ عَلَى أَنَّ التَّيْسِيرَ هُوَ الْمَعْلَمُ الْأَهَمُّ فِي النِّكَاحِ وَأَنَّ الزَّوَاجَ هُوَ الْمَظْهَرُ الْأَكْبَرُ فِي التَّيْسِيرِ، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: “إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً” [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ]؛ فَبَيَّنَ ﷺ أَنَّ الْبَرَكَةَ الْمَرْجُوَّةَ مِنَ النِّكَاحِ إِنَّمَا تَحْصُلُ بِالتَّيْسِيرِ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ وَعَدَمِ الْمُبَالَغَةِ فِيهَا مُبَالَغَةً فَادِحَةً.

مُحَارَبَةُ الْإِسْرَافِ وَالتَّفَاخُرِ:

نَهَى الْإِسْلَامُ عَنِ الْإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وَمِنْ جُمْلَةِ هَذَا الْإِسْرَافِ مَا يَتَكَفَّلُهُ الْأَهْلُ فِي أَمْرِ الزَّوَاجِ مِنْ أَعْبَاءٍ تَزِيدُ عَنْ طَاقَتِهِمْ، دَفَعَ إِلَيْهَا التَّمَسُّكُ بِالْأَعْرَافِ وَالْعَادَاتِ، وَوَلِيمَتِهِ، فَالْوَلَائِمُ الْبَاذِخَةُ، وَالْمَظَاهِرُ الْمُتَكَلِّفَةُ فِي إِعْدَادِ مَسْكَنِ الزَّوْجِيَّةِ، وَأَثَاثِهِ وَفَرْشِهِ، وَالْمُبَالَغَةُ فِي الشَّبْكَةِ وَحَفْلِ الزَّفَافِ، لَيْسَتْ مِنْ مَقَاصِدِ الزَّوَاجِ، بَلْ تُحَوِّلُهُ إِلَى عِبْءٍ اجْتِمَاعِيٍّ لَا طَاقَةَ لِأَحَدٍ بِهِ. وَمِنْ هُنَا وَجَّهَ الْإِسْلَامُ الْمُجْتَمَعَ إِلَى تَجَنُّبِ ثَقَافَةِ التَّكَلُّفِ، وَذَمِّ الْإِسْرَافِ، وَرَفْعِ الْحَرَجِ عَنِ الْمُقْبِلِينَ عَلَى الزَّوَاجِ.

مَظَاهِرُ الْمُبَالَغَةِ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ:

اَلْمُغَالَاةُ فِي الْمُهُورِ: وَهُوَ أَمْرٌ مِنَ الْخُطُورَةِ بِمَكَانٍ، إِذْ إِنَّ بَعْضَ الْبِيئَاتِ تَعُدُّ الْمُغَالَاةَ فِي الْمُهُورِ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ تَعْزِيزِ الْمَرْأَةِ وَتَقْدِيرِهَا، حَتَّى يَضْطَرَّ الشَّبَابُ إِلَى الِاسْتِدَانَةِ مِنْ أَجْلِ الْمَهْرِ وَحْدَهُ دُونَ تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ الْأُخْرَى لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ، لَكِنَّ الْإِسْلَامَ نَظَرَ إِلَى أَمْرِ الْمُهُورِ مِنْ نَاحِيَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ، يَحْفَظُ عَلَى الْمَرْأَةِ كَرَامَتَهَا، وَلَا يَجْعَلُ مِنَ الْمَهْرِ عَقَبَةً لَا يَسْتَطِيعُ تَجَاوُزَهَا الشَّبَابُ فِي بِنَاءِ أُسْرَةٍ جَدِيدَةٍ، فَكَمَا نَرَى أَمْثِلَةً لِلْمُوسِرِينَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ يَمْهُرُونَ الْمَرْأَةَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، نَرَى أَيْضًا أَمْثِلَةً يُخَاطِبُهَا النَّبِيُّ ﷺ بِمَا يُخَفِّفُ عَنْهَا عِبْءَ التَّكَلُّفِ فِي الْمَهْرِ التَّكَلُّفَ الزَّائِدَ عَنْ طَاقَتِهِ الْبَشَرِيَّةِ، وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].

اَلْإِسْرَافُ فِي حَفَلَاتِ الزَّوَاجِ: وَهُوَ مِنْ أَبْرَزِ مَظَاهِرِ الْمُبَالَغَةِ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ، حَيْثُ تَحَوَّلَتْ هَذِهِ الْمُنَاسِبَةُ مِنْ إِعْلَانٍ بَسِيطٍ لِلْفَرَحِ إِلَى مَظَاهِرَ فَاخِرَةٍ تَتَّسِمُ بِالْبَذَخِ وَالتَّكَلُّفِ، مِنْ قَاعَاتٍ، وَوَلَائِمَ، وَزِينَةٍ وَمَظَاهِرَ لَا ضَرُورَةَ لَهَا. وَقَدْ نَهَى الْإِسْلَامُ عَنِ الْإِسْرَافِ صَرَاحَةً، لِمَا فِيهِ مِنْ إِضَاعَةٍ لِلْمَالِ وَإِرْهَاقٍ لِلْأُسْرَةِ دُونَ فَائِدَةٍ حَقِيقِيَّةٍ. وَمِنَ النَّاحِيَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ يَفْرِضُ هَذَا الْإِسْرَافُ ضَغْطًا مَالِيًّا كَبِيرًا عَلَى الشَّبَابِ، وَيَدْفَعُ بَعْضَهُمْ إِلَى الِاسْتِدَانَةِ، مِمَّا يَنْعَكِسُ سَلْبًا عَلَى اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ مُنْذُ بِدَايَتِهَا، كَمَا يُعَزِّزُ ثَقَافَةَ التَّفَاخُرِ وَالْمُقَارَنَةِ بَيْنَ النَّاسِ بَدَلَ التَّرْكِيزِ عَلَى جَوْهَرِ الزَّوَاجِ الْقَائِمِ عَلَى الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ. وَلِذَلِكَ رَغِبَ الْإِسْلَامُ فِي الِاعْتِدَالِ فِي حَفَلَاتِ الزَّوَاجِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الضَّرُورِيِّ بِمَا يُحَقِّقُ الْفَرَحَ دُونَ إِسْرَافٍ، وَيَحْفَظُ الْمَالَ، وَيُسْهِمُ فِي بِنَاءٍ أُسْرَةٍ مُسْتَقِرَّةٍ.

كَثْرَةُ الْمُتَطَلَّبَاتِ الْكَمَالِيَّةِ: مِنْ أَبْرَزِ الْعَوَائِقِ الَّتِي تَقِفُ فِي وَجْهِ تَيْسِيرِهِ، إِذْ لَمْ يَعُدْ يَقْتَصِرُ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةِ، بَلِ امْتَدَّ إِلَى اشْتِرَاطِ الْكَمَالِيَّاتِ وَالْمَظَاهِرِ الَّتِي لَا أَثَرَ لَهَا فِي نَجَاحِ الزَّوَاجِ أَوِ اسْتِقْرَارِهِ، وَتَشْمَلُ هَذِهِ الْمُتَطَلَّبَاتُ الْمُبَالَغَةَ فِي تَجْهِيزِ الْمَسْكَنِ، وَكَثْرَةَ الْأَثَاثِ الْفَاخِرِ، وَتَعَدُّدَ الْمَلَابِسِ وَالْمُقْتَنَيَاتِ بَاهِظَةِ الثَّمَنِ، مِمَّا يُرْهِقُ الشَّابَّ مَادِّيًّا وَيُؤَخِّرُ إِقْدَامَهُ عَلَى الزَّوَاجِ.

اَلتَّقْلِيدُ وَالتَّفَاخُرُ الِاجْتِمَاعِيُّ: حَيْثُ يَلْجَأُ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى مُحَاكَاةِ غَيْرِهِمْ فِي تَفَاصِيلِ حَفَلَاتِ الزَّوَاجِ وَتَجْهِيزاتِهِ وَجَلَسَاتِ التَّصْوِيرِ بِدَافِعِ الْمُنَافَسَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، لَا بِدَافِعِ الْحَاجَةِ أَوِ الْقَنَاعَةِ، فَيَتَحَوَّلُ الزَّوَاجُ إِلَى سَاحَةٍ لِلْمُقَارَنَةِ وَاسْتِعْرَاضِ الْمَكَانَةِ، وَيُقَاسُ نَجَاحُهُ بِحَجْمِ الْإِنْفَاقِ لَا بِحُسْنِ الِاخْتِيَارِ وَالتَّفَاهُمِ.

أَثَرُ الْمُغَالَاةِ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ:

لَا شَكَّ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمُغَالَاةِ سَتَعُودُ بِالسَّلْبِ عَلَى الْبِنْيَةِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَمِنْ هَذِهِ الْآثَارِ:

ارْتِفَاعُ نِسْبَةِ تَأَخُّرِ الزَّوَاجِ: وَذَلِكَ لِعُزُوفِ الشَّبَابِ عَنِ الزَّوَاجِ، لِمَا فِيهِ مِنْ أَعْبَاءٍ تَفُوقُ طَاقَتَهُ وَقُدْرَتَهُ الْمَالِيَّةَ، وَزِيَادَةِ مُتَطَلَّبَاتِ الْبَنَاتِ، وَالَّتِي تَسْتَلْزِمُ قُدْرَةَ الشَّابِّ الْمَالِيَّةَ وَاسْتِطَاعَتَهُ لِأَنْ يَفِيَ بِمَرَاسِمِ الزَّوْجِ وَتَكَالِيفِهِ فِي صُورَةٍ لَافِتَةٍ.

اَلِاسْتِدَانَةُ: نَظَرًا لِزِيَادَةِ حَجْمِ التَّكَالِيفِ، يَضْطَرُّ الزَّوْجُ لِأَنْ يَسْتَدِينَ لِكَيْ يَفِيَ بِهَذِهِ التَّكَالِيفِ، وَفِي الْمُقَابِلِ أَيْضًا تَضْطَرُّ بَعْضُ الْأُسَرِ لِلِاسْتِدَانَةِ لِلْأَمْرِ نَفْسِهِ.

تَهْدِيدُ التَّمَاسُكِ الْمُجْتَمَعِيِّ: وَالَّذِي مِنْ أَجْلِهِ شُرِعَ الزَّوَاجُ، فَارْتِفَاعُ التَّكَالِيفِ لَا مَحَالَةَ سَيُؤَدِّي إِلَى انْهِيَارِ هَذَا التَّمَاسُكِ، نَظَرًا لِكَثْرَةِ الْأَعْبَاءِ وَالدُّيُونِ.

اَلِانْحِلَالُ الْقِيَمِيُّ وَالْأَخْلَاقِيُّ: لَا شَكَّ أَنَّ تَعْسِيرَ الْحَلَالِ سَيَفْتَحُ بَابًا مِنَ الِانْحِلَالِ الْقِيَمِيِّ وَالْأَخْلَاقِيِّ، يَجْنِي ثِمَارَهُ مُجْتَمَعٌ آثَرَ الْمَظَاهِرَ عَلَى الْمَقَاصِدِ، وَآثَرَ التَّفَاخُرَ عَلَى الِاعْتِدَالِ وَالتَّوَسُّطِ.

إِجْرَاءَاتٌ عَمَلِيَّةٌ لِلْحَدِّ مِنَ الْمُغَالَاةِ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ:

تَرْسِيخُ ثَقَافَةِ التَّيْسِيرِ مُنْذُ الصِّغَرِ: غَرْسُ قِيمَةِ الْقَنَاعَةِ وَالِاعْتِدَالِ فِي نُفُوسِ الْأَبْنَاءِ، وَتَعْوِيدُهُمْ عَلَى أَنَّ السَّعَادَةَ الزَّوْجِيَّةَ لَا تُبْنَى عَلَى كَثْرَةِ الْمَالِ وَلَا عَلَى الْمَظَاهِرِ، وَإِنَّمَا عَلَى التَّفَاهُمِ وَالدِّينِ وَالْخُلُقِ، حَتَّى يَنْشَأَ جِيلٌ يَرْفُضُ التَّكَلُّفَ بِطَبْعِهِ.

تَخْفِيفُ الْمُهُورِ وَالِالْتِزَامُ بِالْحَدِّ الْمَعْقُولِ: اَلِاتِّفَاقُ الْأُسَرِيُّ وَالْمُجْتَمَعِيُّ عَلَى تَحْدِيدِ مُهُورٍ مُعْتَدِلَةٍ تَتَنَاسَبُ مَعَ وَاقِعِ النَّاسِ، وَإِحْيَاءُ سُنَّةِ التَّخْفِيفِ الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ فَتْحٍ لِأَبْوَابِ الزَّوَاجِ، وَجَلْبٍ لِلْبَرَكَةِ، وَصِيَانَةٍ لِلشَّبَابِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَجِ.

تَبْسِيطُ حَفَلَاتِ الزَّوَاجِ وَمَظَاهِرِ الْفَرَحِ: اَلِاقْتِصَارُ عَلَى إِعْلَانِ النِّكَاحِ وَالْوَلِيمَةِ الْمَشْرُوعَةِ دُونَ إِسْرَافٍ أَوْ مُبَالَغَةٍ، وَتَرْكُ الْمَظَاهِرِ الدَّخِيلَةِ مِنْ حَفَلَاتٍ مُكْلِفَةٍ وَاسْتِعْرَاضَاتٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ لَا تَمُتُّ لِمَقَاصِدِ الزَّوَاجِ بِصِلَةٍ.

دَوْرُ الْأُسْرَةِ فِي التَّيْسِيرِ:

يَتَحَمَّلُ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ مَسْؤُولِيَّةً كَبِيرَةً فِي تَشْجِيعِ التَّيْسِيرِ، وَعَدَمِ تَكْبِيلِ أَبْنَائِهِمْ بِمَا يَفُوقُ طَاقَتَهُمْ، وَتَقْدِيمِ مَصْلَحَةِ الِاسْتِقْرَارِ الْأُسَرِيِّ عَلَى الْمَظَاهِرِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.

 _____________________________________

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة القادمة

وللإطلاع علي قسم خطبة الجمعة

تابعنا علي الفيس بوك

الخطبة المسموعة علي اليوتيوب

وللإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات

للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة

للمزيد عن أخبار الأوقاف

وللمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف

للمزيد عن مسابقات الأوقاف

 

اظهر المزيد

كتب: د.أحمد رمضان

الدكتور أحمد رمضان حاصل علي الماجستير من جامعة الأزهر بتقدير ممتاز سنة 2005م ، وحاصل علي الدكتوراه بتقدير مع مرتبة الشرف الأولي من جامعة الأزهر الشريف سنة 2017م. مؤسس جريدة صوت الدعاة ورئيس التحرير وكاتب الأخبار والمقالات المهمة بالجريدة، ويعمل بالجريدة منذ 2013 إلي اليوم. حاصل علي دورة التميز الصحفي، وقام بتدريب عدد من الصحفيين بالجريدة. للتواصل مع رئيس التحرير على الإيميل التالي: ahmed_dr.ahmed@yahoo.com رئيس التحريـر: د. أحمد رمضان (Editor-in-Chief: Dr. Ahmed Ramadan) للمزيد عن الدكتور أحمد رمضان رئيس التحرير أضغط في القائمة علي رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى