سِلْسِلَةُ زَادِ الْأَئِمَّةِ وَالْخُطَبَاءِ : اَلْإِصْدَارُ الثَاسع وَالثَّلَاثُونَ… اسْتِقْبَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ

زاد الأئمة : وزارة الأوقاف تعلن رسميا عن زاد الأئمة والخطباء.. الدليل الإرشادي الإصدار (39) لـ خطبة الجمعة القادمة : اسْتِقْبَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ ، بتاريخ 25 شعبان 1447هـ الموافق 13 فبراير 2026م
الإصدار (39) من سلسلة ” زاد الأئمة والخطباء: الدليل الإرشادي لخطب الجمعة”
استمراراً لما انتهجته وزارة الأوقاف مؤخراً من التيسير على السادة الأئمة والخطباء ودعماً لنماء زادهم العلمي والفكري والمعرفي نقدم هذا الإصدار من تلك السلسلة التي هي عبارة عن بحث موسع يجمع الشواهد والمعاني التي يمكن للخطيب أن يديم النظر فيها طوال الأسبوع، لتعينه على الإعداد الجيد لخطبته، وإتقان تناوله للموضوع، وزيادة عمقه وأصالته، وربط نصوص الشريعة بالواقع المعيش، حتى إذا صدرت الخطبة في موعدها المعتاد يوم الأربعاء من كل الأسبوع في صورتها النهائية المركزة المختصرة، يكون الخطيب قد هضم موضوعه وخالطه وعايشه، بما يحقق استيعاب الخطبة النهائية وأداءها على النحو المأمول.
وتهيب وزارة الأوقاف بكل أبنائها إلى التوسع في القراءة الواعية المستوعبة لكل ميادين الحياة واهتماماتها، وامتلاك الثقافة الواسعة التي تعينهم على أداء دورهم الديني الوطني على أكمل وجه.
ولقراءة زاد الأئمة والخطباء.. لـ خطبة الجمعة القادمة :
اَلْإِصْدَارُ الثَاسع وَالثَّلَاثُونَ: سِلْسِلَةُ زَادِ الْأَئِمَّةِ وَالْخُطَبَاءِ…
اسْتِقْبَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ
الْجُمُعَةُ 25 شَعْبَان ١٤٤٧هـ – 13-٠٢-٢٠٢٦م
﷽
اسْتِقْبَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ
الهَدَفُ: التَّوْعِيَةُ بِفَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالإِقْبَالُ فِيهِ عَلَى القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَاسْتِقْبَالُهُ بِالفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَنَظَافَةِ البَوَاطِنِ وَالظَّوَاهِرِ وَالشَّوَارِعِ وَالمَسَاجِدِ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: شَهْرُ رَمَضَانَ وَكَثْرَةُ الِاسْتِهْلَاكِ
الحَمْدُ لِلَّهِ الكَرِيمِ المَنَّانِ، الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِشَهْرِ رَمَضَانَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ وَلَدِ عَدْنَانَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:
فَقَدْ خَصَّ اللَّهُ الأُمَّةَ المُحَمَّدِيَّةَ بِفَيْضٍ مِنَ الكَرَامَاتِ، وَتَشْرِيفٍ عَظِيمٍ إِكْرَامًا لِنَبِيِّهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَ لَهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مَزَايَا لَا تُدَانِيهَا فِيهَا أُمَّةٌ، وَفَضَائِلَ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهَا تَنَزُّلَ الرَّحْمَةِ عَلَى القُلُوبِ الظَّمْأَى، فَقَدْ أَفَاضَ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ فِي هَذَا الشَّهْرِ مِنَ الخَصَائِصِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ مَنْزِلَتِهَا، وَسُمُوِّ قَدْرِ نَبِيِّهَا عِنْدَ رَبِّهِ،
فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “أُعْطِيَتْ أُمَّتِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي: أَمَّا وَاحِدَةٌ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ نَظَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ اللَّهُ لَمْ يُعَذِّبْهُ أَبَدًا. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّ خَلُوفَ أَفْوَاهِهِمْ حِينَ يُمْسُونَ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ. وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَأَمَّا الرَّابِعَةُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَأْمُرُ جَنَّتَهُ فَيَقُولُ لَهَا: اسْتَعِدِّي وَتَزَيَّنِي لِعِبَادِي، أَوْشَكَ أَنْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ تَعَبِ الدُّنْيَا إِلَى دَارِي وَكَرَامَتِي. وَأَمَّا الخَامِسَةُ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ آخِرُ لَيْلَةٍ غُفِرَ لَهُمْ جَمِيعًا” فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: أَهِيَ لَيْلَةُ القَدْرِ؟ فَقَالَ: “لَا، أَلَمْ تَرَ إِلَى العُمَّالِ يَعْمَلُونَ فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ وُفُّوا أُجُورَهُمْ”. [رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ]
رَمَضَانُ شَهْرُ القُرْآنِ: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البَقَرَةُ: 185] فِيهِ نَزَلَ نُورُ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، هُوَ شَهْرٌ يُجَدَّدُ فِيهِ العَهْدُ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ؛ تِلَاوَةً، وَتَدَبُّرًا، وَامْتِثَالًا، حَتَّى يُصْبِحَ القُرْآنُ رُوحَ رَمَضَانَ، وَيَغْدُو رَمَضَانُ مَدْرَسَةً قُرْآنِيَّةً تُخْرِجُ القُلُوبَ مِنْ ظُلْمَةِ الغَفْلَةِ إِلَى نُورِ الهِدَايَةِ وَاليَقِينِ. وَلِأَنَّ رَمَضَانَ هُوَ شَهْرُ القُرْآنِ، فَإِنَّ هَذَا الكِتَابَ العَظِيمَ لَا يَكْتَفِي بِأَنْ يُصَاحِبَ الصِّيَامَ، بَلْ يَتَغَلْغَلُ فِي مَعَانِيهِ، فَيُحَوِّلُهُ مِنَ امْتِنَاعٍ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، إِلَى صِيَامٍ شَامِلٍ يَطَالُ الجَوَارِحَ وَالقُلُوبَ وَالأَرْواحَ. فَالقُرْآنُ يُعَمِّقُ الصِّيَامَ لِيُصْبِحَ صِيَامًا لِلِّسَانِ قَبْلَ الجَسَدِ؛ إِذْ هُوَ مَنْبَعُ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَمَصْدَرُ الذِّكْرِ الصَّافِي، وَمَعَ كَثْرَةِ تِلَاوَتِهِ وَتَدَبُّرِهِ، يَضِيقُ مَجَالُ اللَّغْوِ، وَتَخْبُو نَارُ الغِيبَةِ، وَيَأْلَفُ اللِّسَانُ الذِّكْرَ بَدَلَ الهَذَرِ، فَيَتَحَقَّقُ المَعْنَى العَمِيقُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأَعْرَافُ: 205]. ثُمَّ يَرْتَقِي الصِّيَامُ بِالقُرْآنِ إِلَى صِيَامِ القَلْبِ، حَيْثُ تَتَسَاقَطُ الأَدْرَانُ المَعْنُوِيَّةُ: مِنْ حِقْدٍ، وَحَسَدٍ، وَتَعَلُّقٍ بِزِينَةِ الدُّنْيَا. فَالتِّلَاوَةُ اليَوْمِيَّةُ أَشْبَهُ بِغَسْلٍ قَلْبِيٍّ مُتَوَاصِلٍ، يُنَقِّي الدَّاخِلَ، وَيُعِيدُ تَرْتِيبَ المَقَاصِدَ، وَيُهَيِّئُ القَلْبَ لِيَكُونَ أَهْلًا لِفَهْمِ سِرِّ لَيْلَةِ القَدْرِ، تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي لَا تُدْرَكُ بِأَنْوَارِ العُيُونِ، بَلْ بِصَفَاءِ القُلُوبِ.
القُرْآنُ كِتَابُ إِرْشَادٍ لِلصَّائِمِينَ: وَالقُرْآنُ، فِي هَذَا كُلِّهِ، هُوَ كِتَابُ الإِرْشَادِ لِلصَّائِمِينَ؛ يُعَلِّمُهُمُ الصَّبْرَ، وَيَعِدُهُمْ عَلَيْهِ بِالأَجْرِ الَّذِي لَا يُقَاسُ وَلَا يُعَدُّ: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزُّمَرُ: 10]، وَيَغْرِسُ فِيهِمُ التَّقْوَى بِوَصْفِهَا الغَايَةَ العُظْمَى مِنَ الصِّيَامِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البَقَرَةُ: 183]، وَيُرَبِّيهِمْ عَلَى الإِحْسَانِ، حَتَّى تُصْبِحَ العِبَادَةُ حَيَاةً نَابِضَةً، لَا عَادَةً جَامِدَةً.
شَفَاعَةُ القُرْآنِ وَشَهَادَتُهُ لِصَاحِبِهِ: وَلِعِظَمِ هَذَا الِارْتِبَاطِ بَيْنَ الصِّيَامِ وَالقُرْآنِ، جَعَلَهُمَا اللَّهُ شَفِيعَيْنِ لِصَاحِبِهِمَا يَوْمَ القِيَامَةِ؛ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الصِّيَامُ وَالقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ القُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ». [رَوَاهُ أَحْمَدُ] فَهُمَا شَاهِدَانِ لَا يَكْذِبَانِ، وَشَفِيعَانِ لَا يُرَدَّانِ. يَشْهَدُ الصِّيَامُ بِانْضِبَاطِ الجَسَدِ، وَخُضُوعِهِ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَيَشْهَدُ القُرْآنُ – قِيَامًا وَتِلَاوَةً – بِأَنَّ القَلْبَ آثَرَ كَلَامَ اللَّهِ عَلَى رَاحَتِهِ، وَاخْتَارَ الوَحْيَ عَلَى لَذَّاتِ الدُّنْيَا. فَتَتَكَوَّنُ بِذَلِكَ «البَصْمَةُ المُزْدَوِجَةُ» لِلْإِخْلَاصِ، الَّتِي تُثْبِتُ صِدْقَ العُبُودِيَّةِ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ.
تِلَاوَةُ القُرْآنِ مِنْ أَعْظَمِ القُرُبَاتِ: وَمِنْ هُنَا كَانَتْ تِلَاوَةُ القُرْآنِ فِي رَمَضَانَ، وَالِاسْتِمَاعُ إِلَيْهِ، وَمُدَارَسَتُهُ وَتَدَبُّرُ أَحْكَامِهِ، مِنْ أَعْظَمِ القُرُبَاتِ، وَأَجَلِّ الطَّاعَاتِ. وَقَدْ جَسَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا المَعْنَى أَسْمَى تَجْسِيدٍ، كَمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ”. [رَوَاهُ البُخَارِيُّ] قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: “وَدَلَّ الحَدِيثُ أَيْضًا عَلَى اسْتِحْبَابِ دِرَاسَةِ القُرْآنِ فِي رَمَضَانَ، وَالِاجْتِمَاعِ عَلَى ذَلِكَ، وَعَرْضِ القُرْآنِ عَلَى مَنْ هُوَ أَحْفَظُ لَهُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الإِكْثَارِ مِنْ تِلَاوَةِ القُرْآنِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ”. [جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ]. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: “كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي العَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامٍ عَشْرًا، فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ فِي العَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ” [رَوَاهُ البُخَارِيُّ]. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: (قِيلَ: الحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ مُدَارَسَةَ القُرْآنِ تُجَدِّدُ لَهُ العَهْدَ بِمَزِيدِ غِنَى النَّفْسِ، وَالغِنَى سَبَبُ الجُودِ، وَالجُودُ فِي الشَّرْعِ إِعْطَاءُ مَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَنْبَغِي وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الصَّدَقَةِ- وَأَيْضًا- فَرَمَضَانُ مَوْسِمُ الخَيْرَاتِ؛ لِأَنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِيهِ زَائِدَةٌ عَلَى غَيْرِهِ، فَاجْتَمَعَ بِذَلِكَ أَفْضَلِيَّةُ النَّازِلِ، وَأَفْضَلِيَّةُ المَنْزُولِ عَلَيْهِ، وَالمَنْزُولِ بِهِ، وَالوَقْتِ، وَفِي الحَدِيثِ فَوَائِدُ: مِنْهَا: اسْتِحْبَابُ الإِكْثَارِ مِنَ القِرَاءَةِ فِي رَمَضَانَ، وَكَوْنُهَا أَفْضَلَ مِنْ سَائِرِ الأَذْكَارِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ الذِّكْرُ أَفْضَلَ أَوْ مُسَاوِيًا لَفَعَلَهُ …، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ نُزُولِ القُرْآنِ كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ نُزُولَهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جُمْلَةً وَاحِدَةً كَانَ فِي رَمَضَانَ كَمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، فَكَانَ جِبْرِيلُ يَتَعَاهَدُهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ فَيُعَارِضُهُ بِمَا نَزَلَ عَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ عَارَضَهُ بِهِ مَرَّتَيْنِ كَمَا ثَبَتَ فِي “الصَّحِيحِ”). [فَتْحُ البَارِي بِاخْتِصَارٍ]. وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الإِقْبَالَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالقُرْآنِ فِي هَذَا الشَّهْرِ هُوَ نَهْجُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَحْوَالُ السَّلَفِ مَعَ القُرْآنِ فِي رَمَضَانَ: كَانَ لِلسَّلَفِ الصَّالِحِ مَعَ القُرْآنِ فِي هَذَا الشَّهْرِ شَأْنٌ عَظِيمٌ، وَحَالٌ عَجَبٌ، وَوَاقِعٌ جَلِيلٌ، فَقَدْ كَانُوا يُقْبِلُونَ عَلَيْهِ إِقْبَالًا كَبِيرًا، وَيَهْتَمُّونَ بِهِ اهْتِمَامًا مُتَزَايِدًا، وَيَتَزَوَّدُونَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَثِيرًا، وَيَعْمُرُونَ بِهِ جُلَّ أَوْقَاتِهِمْ. فَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ القُرْآنَ مِنَ الجُمُعَةِ إِلَى الجُمُعَةِ وَيَقْرَأُهُ فِي رَمَضَانَ فِي ثَلَاثٍ [حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ]. وَصَحَّ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ القُرْآنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كُلِّ لَيْلَتَيْنِ [سُنَنُ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ]. وَكَانَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ يَقْرَأُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ خَتْمَةً وَاحِدَةً. وَكَانَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَخْتِمُ القُرْآنَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مَرَّتَيْنِ. وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَخْتِمُهُ كُلَّ جُمُعَةٍ أَوْ كُلَّ خَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَكُلُّ هَذَا مُسَارَعَةٌ مِنْهُمْ لِلْخَيْرَاتِ، وَزِيَادَةٌ لِلْأَجْرِ وَالدَّرَجَاتِ، وَاغْتِنَامًا لِأَوْقَاتِ تُضَاعُفِ الحَسَنَاتِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «يُقَالُ لِصَاحِبِ القُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْقَ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا». [مُسْنَدُ الإِمَامِ أَحْمَدَ]. وَقَالَ خَبَّابُ بْنُ الأَرَتِّ: «”تَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّكَ لَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِ» [شَرْحُ السُّنَّةِ لِلْبَغَوِيِّ]. عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: “دَعَا عُمَرُ القُرَّاءَ فِي رَمَضَانَ، فَأَمَرَ أَسْرَعَهُمْ قِرَاءَةً أَنْ يَقْرَأَ ثَلَاثِينَ آيَةً، وَالوَسَطَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ آيَةً، وَالبَطِيءَ عِشْرِينَ آيَةً”. [مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ]. عَنِ العُمَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: “كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَأْمُرُ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ فِي رَمَضَانَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِعَشْرِ آيَاتٍ عَشْرِ آيَاتٍ” [مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ]. عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ قَالَ: “كَانَ أَبُو مِجْلَزٍ يَقُومُ بِالحَيِّ فِي رَمَضَانَ، يَخْتِمُ فِي كُلِّ سَبْعٍ”. [مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ]. عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: فِي حَدِيثٍ كَانَ يَرْفَعُهُ: “مَنْ شَهِدَ فَاتِحَةَ القُرْآنِ حِينَ يُسْتَفْتَحُ كَانَ كَمَنْ شَهِدَ فَتْحًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ شَهِدَ خَاتِمَتَهُ حِينَ يُخْتَمُ كَانَ كَمَنْ شَهِدَ الغَنَائِمَ حِينَ قُسِّمَتْ»، وَكَانَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا خَتَمَ القُرْآنَ جَمَعَ وَلَدَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ فَدَعَا لَهُمْ، وَكَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ القُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَجْعَلُ عَلَيْهِ رَقِيبًا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْتِمَ قَالَ لِجُلَسَائِهِ: “قُومُوا حَتَّى نَحْضُرَ الخَاتِمَةَ”، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ: “كَانَ يُقَالُ إِذَا خَتْمَ الرَّجُلُ القُرْآنَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ بَقِيَّةَ نَهَارِهِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِذَا خَتْمَهُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يَخْتِمُوا القُرْآنَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَوْ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ”، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ: “يُصَلِّي عَلَيْهِ إِذَا خَتَمَ يَعْنِي القُرْآنَ”. [مُخْتَصَرُ قِيَامِ اللَّيْلِ وَقِيَامِ رَمَضَانَ وَكِتَابُ الوِتْرِ]. سَمِعْتُ الرَّبِيعَ، يَقُولُ: “كَانَ الشَّافِعِيُّ يَخْتِمُ القُرْآنَ فِي رَمَضَانَ سِتِّينَ خَتْمَةً” [فَوَائِدُ أَبِي بَكْرٍ الزُّبَيْرِيِّ (ص68)] [مَنَاقِبُ الشَّافِعِيِّ لِلْبَيْهَقِيِّ]. قَالَ الرَّبِيعُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: “كُنْتُ أَخْتِمُ فِي رَمَضَانَ سِتِّينَ مَرَّةً”. [حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ وَطَبَقَاتُ الأَصْفِيَاءِ]. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُبَيْشٍ، يَقُولُ: “صَحِبْتُ أَبَا العَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَطَاءٍ عِدَّةَ سِنِينَ مُتَأَدِّبًا بِآدَابِهِ، وَكَانَ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ خَتْمَةٌ، وَفِي كُلِّ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثَلَاثَ خَتَمَاتٍ” [حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ وَطَبَقَاتُ الأَصْفِيَاءِ]. عَنْ أَبِي يُوسُفَ، قَالَ: “كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَخْتِمُ القُرْآنَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَتْمَةً، فَإِذَا كَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ خَتَمَ فِيهِ مَعَ لَيْلَةِ الفِطْرِ وَيَوْمِ الفِطْرِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ خَتْمَةً” [أَخْبَارُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ لِلصَّيْمَرِيِّ]. عَنْ مُسَبِّحِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: “كَانَ البُخَارِيُّ إِذَا حَضَرَ رَمَضَانُ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عِشْرِينَ آيَةً إِلَى أَنْ يَخْتِمَ القُرْآنَ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي السَّحَرِ مَا بَيْنَ النِّصْفِ إِلَى الثُّلُثِ، وَكَانَ يَخْتِمُ كُلَّ يَوْمٍ خَتْمَةً عِنْدَ الإِفْطَارِ”. [النُّكَتُ عَلَى صَحِيحِ البُخَارِيِّ]. هَكَذَا يَكُونُ رَمَضَانُ شَهْرَ القُرْآنِ حَقًّا: صِيَامٌ يُهَذِّبُ الجَسَدَ، وَقُرْآنٌ يُحْيِي القَلْبَ، وَعُبُودِيَّةٌ مُتَكَامِلَةٌ تَصْنَعُ الإِنْسَانَ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ: نَقِيًّا فِي سِرِّهِ، مُسْتَقِيمًا فِي عَلَانِيَتِهِ، قَرِيبًا مِنْ رَبِّهِ، بَعِيدًا عَنِ الغَفْلَةِ وَالحِرْمَانِ.
اسْتِقْبَالُ رَمَضَانَ بِنَظَافَةِ البَوَاطِنِ وَالظَّوَاهِرِ وَالشَّوَارِعِ وَالمَسَاجِدِ:
إِنَّ رَمَضَانَ شَهْرُ الطَّهَارَةِ الشَّامِلَةِ؛ طَهَارَةٍ تُعَانِقُ الظَّاهِرَ وَالبَاطِنَ، وَتَسْمُو بِالجَسَدِ وَالرُّوحِ مَعًا، فِيهِ يَتَخَفَّفُ العَبْدُ مِنْ أَوْزَارِ الذُّنُوبِ، وَيَغْتَسِلُ قَلْبُهُ مِنْ غَفَلَاتِ الأَيَّامِ، فَتُفْتَحُ لَهُ أَبْوَابُ التَّوْبَةِ، وَتَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ نَفَحَاتُ المَغْفِرَةِ، فَيُكْتَبُ لَهُ الفَلَاحُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النُّورُ: 31]. وَكَمَا يَحْرِصُ المُسْلِمُ عَلَى نَقَاءِ السَّرِيرَةِ، فِي هَذَا الشَّهْرِ الفَضِيلِ، يَحْرِصُ عَلَى نَظَافَةِ الظَّاهِرِ؛ فَيُجَمِّلُ مَلْبَسَهُ، وَيُطَهِّرُ جَسَدَهُ، وَيُنَظِّفُ مَوْضِعَ صَلَاتِهِ، وَيَتَهَيَّأُ لِلْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ طَاهِرًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، مُسْتَحْضِرًا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَان» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. فَكَأَنَّ الطَّهَارَةَ فِي هَذَا الشَّهْرِ لَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ العِبَادَةِ فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ رُوحٌ تَسْرِي فِي تَفَاصِيلِ الحَيَاةِ. وَهَكَذَا يَكُونُ رَمَضَانُ مَوْسِمَ تَطْهِيرٍ شَامِلٍ، تُغْسَلُ فِيهِ القُلُوبُ بِنُورِ الإِيمَانِ، وَتُصَانُ فِيهِ الأَجْسَادُ بِنَظَافَةِ العِبَادَةِ، لِيَخْرُجَ المُسْلِمُ مِنْهُ أَنْقَى سَرِيرَةً، وَأَصْفَى قَلْبًا، وَأَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ. إِنَّ رَمَضَانَ يُعَلِّمُ المُسْلِمَ احْتِرَامَ الجَسَدِ، وَالِاعْتِدَالَ فِي الطَّعَامِ، وَالحِرْصَ عَلَى النَّظَافَةِ الشَّخْصِيَّةِ، لِأَنَّ العِبَادَةَ لَا تَنْفَصِلُ عَنِ الذَّوْقِ العَامِّ وَلَا عَنْ كَرَامَةِ الإِنْسَانِ. وَلَا يَكْتَمِلُ هَذَا المَعْنَى إِلَّا بِالانْتِقَالِ إِلَى نَظَافَةِ الشَّوَارِعِ وَالفَضَاءَاتِ العَامَّةِ. فَكَيْفَ يُرْجَى لِقُلُوبٍ تَدَّعِي الصَّفَاءَ أَنْ تُلْقِيَ الأَذَى فِي الطُّرُقَاتِ؟ وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِمَاطَةَ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ شُعْبَةً مِنْ شُعَبِ الإِيمَانِ. إِنَّ رَمَضَانَ فُرْصَةٌ لِتَرْسِيخِ وَعْيٍ جَمَاعِيٍّ بِأَنَّ نَظَافَةَ الشَّارِعِ عِبَادَةٌ، وَحِفْظَ البِيئَةِ أَمَانَةٌ، وَأَنَّ الصَّائِمَ الحَقَّ لَا يُلَوِّثُ مَكَانًا وَلَا يُفْسِدُ مَظْهَرًا. أَمَّا المَسَاجِدُ، فَهِيَ بُيُوتُ اللَّهِ، وَأَحَقُّ الأَمْكِنَةِ بِالعِنَايَةِ وَنَظَافَةِ وَالجَمَالِ، فَقَدْ أُمِرْنَا بِتَعْظِيمِهَا حِسًّا وَمَعْنًى، قَالَ تَعَالَى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النُّورُ: 36]. وَنَظَافَتُهَا لَيْسَتْ مَسْئُولِيَّةَ القَائِمِينَ عَلَيْهَا وَحْدَهُمْ، بَلْ مَسْئُولِيَّةُ كُلِّ مُصَلٍّ يَعْرِفُ حُرْمَةَ المَكَانِ وَقُدْسِيَّتَهُ. هَكَذَا يَتَجَلَّى رَمَضَانُ مَدْرَسَةً لِلنَّظَافَةِ الشَّامِلَةِ: قَلْبٌ نَقِيٌّ، وَجَسَدٌ مُهَذَّبٌ، وَشَارِعٌ مُحْتَرَمٌ، وَمَسْجِدٌ يَلِيقُ بِالوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ. وَمَنْ جَمَعَ هَذِهِ المَعَانِيَ، فَقَدْ فَهِمَ رَمَضَانَ كَمَا أَرَادَهُ اللَّهُ: تَزْكِيَةً لِلْفَرْدِ، وَإِصْلَاحًا لِلْمُجْتَمَعِ، وَجَمَالًا يَنْعَكِسُ عَلَى الحَيَاةِ كُلِّهَا.
رَمَضَانُ شَهْرُ الفَرَحِ وَالسُّرُورِ: رَمَضَانُ شَهْرُ الفَرَحِ العَامِّ، وَالبَهْجَةِ الَّتِي تَتَجَاوَزُ القُلُوبَ لِتَمْلأَ البِيُوتَ وَالشَّوَارِعَ، فَمَعَ اقْتِرَابِ هِلَالِهِ، تَتَجَلَّى مَظَاهِرُ السُّرُورِ فِي اسْتِعْدَادَاتٍ جَمِيلَةٍ اعْتَادَهَا المُسْلِمُونَ تَعْبِيرًا عَنْ مَحَبَّتِهِمْ لِهَذَا الشَّهْرِ الكَرِيمِ وَتَعْظِيمِهِمْ لِقَدْرِهِ، فَتُزَيَّنُ البِيُوتُ، وَتُعَلَّقُ الزِّينَاتُ، وَتُضَاءُ المَصَابِيحُ وَالفَوَانِيسُ، وَكَأَنَّ الأَنْوَارَ الأَرْضِيَّةَ تَسْتَبْشِرُ بِقُدُومِ النُّورِ السَّمَاوِيِّ. وَتَلْبَسُ الشَّوَارِعُ حُلَّةً جَدِيدَةً، تَتَلَأْلَأُ فِيهَا الأَضْوَاءُ، وَتَنْتَشِرُ فِيهَا مَظَاهِرُ الفَرَحِ، فَتَشِيعُ أَجْوَاءُ الأُلْفَةِ، وَتَتَعَانَقُ القُلُوبُ عَلَى مَحَبَّةِ الخَيْرِ وَالطَّاعَةِ، هَذِهِ العَادَاتُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَظَاهِرَ خَارِجِيَّةٍ، بَلْ هِيَ لُغَةُ فَرَحٍ صَادِقٍ، تُعَبِّرُ عَنْ شَوْقِ النُّفُوسِ لِمَوْسِمِ الرَّحْمَةِ، وَاسْتِعْدَادِهَا لِاسْتِقْبَالِ شَهْرٍ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الجِنَانِ، وَتَتَنَزَّلُ فِيهِ البَرَكَاتُ. وَلِمَ لَا يَفْرَحُونَ وَهُوَ شَهْرٌ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الجِنَانِ وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النِّيرَانِ؛ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جَعَلَ اللَّهُ صِيَامَهُ فَرِيضَةً، وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا، مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنَ الخَيْرِ، كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الجَنَّةُ، وَشَهْرُ المُوَاسَاةِ، وَشَهْرٌ يَزْدَادُ فِيهِ رِزْقُ المُؤْمِنِ، مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ» [رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي “صَحِيحِهِ”]. وَقَدْ أَرْشَدَنَا سَيِّدُنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَدْعُوَ اللَّهَ حِينَ رُؤْيَةِ الهِلَالِ؛ فَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى الهِلَالَ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِاليُمْنِ وَالإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالإِسْلَامِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ]. وَهَكَذَا يَتَحَوَّلُ اسْتِقْبَالُ رَمَضَانَ إِلَى احْتِفَالٍ إِيمَانِيٍّ رَاقٍ، يَجْمَعُ بَيْنَ جَمَالِ الظَّاهِرِ وَسُمُوِّ البَاطِنِ، فَتُضَاءُ البِيُوتُ بِالمَصَابِيحِ، وَتُضَاءُ القُلُوبُ بِالإِيمَانِ، لِيَبْدَأَ الشَّهْرُ المُبَارَكُ فِي أَجْوَاءٍ مِنَ السُّرُورِ المَشْرُوعِ، وَالتَّعْظِيمِ الصَّادِقِ لِشَعَائِرِ اللَّهِ.
نِدَاءُ الِاسْتِقَامَةِ: رَوِي الإِمَامُ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الجِنَانِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ» [وَرَوَاهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالنَّسَائِيُّ]. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبَلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَه].
مُضَاعَفَةُ الأَجْرِ: رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَلِيٍّ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ إِسْلَامُهُمَا جَمِيعًا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْ صَاحِبِهِ، فَغَزَا المُجْتَهِدُ مِنْهُمَا، فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً، ثُمَّ تُوُفِّيَ، قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِهِمَا وَقَدْ خَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الجَنَّةِ، فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الآخِرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ رَجَعَا إِلَيَّ فَقَالَا لِي: ارْجِعْ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ، فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ، فَعَجِبُوا لِذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كَانَ أَشَدَّ اجْتِهَادًا، ثُمَّ اسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدَخَلَ هَذَا الجَنَّةَ قَبْلَهُ. فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟ قَالُوا: بَلَى، وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَهُ؟ قَالُوا: بَلَى، وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا سَجْدَةً فِي السَّنَةِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ]. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لِامْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهَا أُمُّ سِنَانٍ «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنَا؟» قَالَتْ: نَاضِحَانِ كَانَا لِأَبِي فُلَانٍ – زَوْجِهَا – حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَكَانَ الآخَرُ يَسْقِي عَلَيْهِ غُلَامُنَا، قَالَ: «فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي». النَّاضِحَانِ: مُثَنَّى نَاضِحٍ، وَهُوَ البَعِيرُ الَّذِي يُسْتَقَى عَلَيْهِ. قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ: “فَالحَاصِلُ أَنَّهُ أَعْلَمَهَا أَنَّ العُمْرَةَ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ الحَجَّةَ فِي الثَّوَابِ لَا أَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَهَا فِي إِسْقَاطِ الفَرْضِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الِاعْتِمَارَ لَا يُجْزِئُ عَنْ حَجِّ الفَرْضِ وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ أَنَّ مَعْنَى الحَدِيثِ نَظِيرُ مَا جَاءَ أَنَّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ وَقَالَ بْنُ العَرَبِيِّ حَدِيثُ العُمْرَةِ هَذَا صَحِيحٌ وَهُوَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ فَقَدْ أَدْرَكَتِ العُمْرَةُ مَنْزِلَةَ الحَجِّ بِانْضِمَامِ رَمَضَانَ إِلَيْهَا وَقَالَ بْنُ الجَوْزِيِّ فِيهِ أَنَّ ثَوَابَ العَمَلِ يَزِيدُ بِزِيَادَةِ شَرَفِ الوَقْتِ” (فَتْحُ البَارِي لِابْنِ حَجَرٍ).
________________________________________
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
شَهْرُ رَمَضَانَ وَكَثْرَةُ الِاسْتِهْلَاكِ: مِنَ العَادَاتِ الخَاطِئَةِ، وَالمَفَاهِيمِ المَغْلُوطَةِ الَّتِي تَسَلَّلَتْ إِلَى بَعْضِ مُجْتَمَعَاتِنَا، مَا نَرَاهُ مِنْ إِسْرَافٍ فِي المَأْكُولِ وَالمَشْرُوبِ، وَالِاسْتِعْدَادِ لِاسْتِقْبَالِ هَذَا الشَّهْرِ الفَضِيلِ بِمَزِيدٍ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَكَأَنَّ رَمَضَانَ مَوْسِمُ امْتِلَاءٍ لَا مَوْسِمُ تَزْكِيَةٍ، وَهَذَا السُّلُوكُ فِي حَقِيقَتِهِ يَتَنَافَى مَعَ جَوْهَرِ الصِّيَامِ، وَيُفْرِغُهُ مِنْ مَقْصَدِهِ التَّرْبَوِيِّ العَمِيقِ. فَقَدْ شُرِعَ الصِّيَامُ لِكَبْحِ الشَّهَوَاتِ لَا لِإِثَارَتِهَا، وَلِتَعْوِيدِ النَّفْسِ عَلَى القَنَاعَةِ لَا عَلَى التَّوَسُّعِ وَالإِفْرَاطِ، وَمَا أُرِيدَ لِرَمَضَانَ أَنْ يَكُونَ شَهْرَ مَوَائِدَ عَامِرَةٍ بِقَدْرِ مَا أُرِيدَ لَهُ أَنْ يَكُونَ شَهْرَ قُلُوبٍ عَامِرَةٍ بِالإِيمَانِ، فَحِينَ تُسْتَبْدَلُ رُوحُ الصِّيَامِ بِثَقَافَةِ الِاسْتِهْلَاكِ، يَضْعُفُ أَثَرُ العِبَادَةِ، وَتَغِيبُ الحِكْمَةُ مِنْ تَشْرِيعِهَا.
مَظَاهِرُ كَثْرَةِ الِاسْتِهْلَاك: مِنْ جُمْلَةِ تِلْكَ المَظَاهِرِ: إِعْدَادُ مَوَائِدَ عَامِرَةٍ بِأَصْنَافٍ كَثِيرَةٍ لَا حَاجَةَ لَهَا، شِرَاءُ كَمِّيَّاتٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الطَّعَامِ وَالحَلَوِيَّاتِ قَبْلَ بَدْءِ الشَّهْرِ، رُبَّمَا تَفْسَدُ أَوْ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا، وَالإِفْرَاطُ فِي المَشْرُوبَاتِ وَالعَصَائِرِ وَالحَلَوِيَّاتِ بَعْدَ الإِفْطَارِ، إِهْدَارُ الفَائِضِ أَوْ تَرْكُهُ يَفْسَدُ.
الإِسْرَافُ يُضَادُّ عِبَادَةَ الصِّيَامِ: جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى شَهْرَ رَمَضَانَ مَدْرَسَةً لِلتَّقْوَى، وَمَيْدَانًا لِتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، وَوَسِيلَةً عَمَلِيَّةً لِكَبْحِ الشَّهَوَاتِ وَتَهْذِيبِ الرَّغَبَاتِ. فَالصِّيَامُ عِبَادَةٌ قَائِمَةٌ عَلَى الِامْتِنَاعِ، وَالتَّقْلِيلِ، وَضَبْطِ النَّفْسِ، بَيْنَمَا الإِسْرَافُ سُلُوكٌ قَائِمٌ عَلَى الإِفْرَاطِ، وَالتَّوَسُّعِ، وَإِطْلَاقِ الشَّهْوَةِ؛ وَمِنْ هُنَا كَانَ الإِسْرَافُ عَلَى الضِّدِّ مِنْ حَقِيقَةِ الصِّيَامِ وَمَقْصَدِهِ. فَالصَّائِمُ يُرَبَّى عَلَى الشُّعُورِ بِالجُوعِ لِيَعْرِفَ قَدْرَ النِّعْمَةِ، وَيَتَعَلَّمَ القَنَاعَةَ بَعْدَ طُولِ الِاعْتِيَادِ عَلَى الِامْتِلَاءِ، فَإِذَا بِهِ يُفْطِرُ وَقَدِ امْتَلَأَتْ مَوَائِدُهُ بِمَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَيَضِيعُ مَقْصَدُ العِبَادَةِ، وَتُفَرَّغُ مِنْ مَعْنَاهَا التَّرْبَوِيِّ. وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الإِسْرَافِ نَهْيًا صَرِيحًا فَقَالَ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}. وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الِاعْتِدَالَ فِي الطَّعَامِ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الِاسْتِقَامَةِ، فَقَالَ: «مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ». [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه] فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ الصِّيَامُ مَعَ مَوَائِدَ تُهْدَرُ فِيهَا النِّعَمُ، وَتُسْتَثَارُ بِهَا الشَّهَوَاتُ؟!.
أَثَرُ الإِسْرَافِ وَنَتِيجَتُهُ: إِنَّ الإِسْرَافَ فِي رَمَضَانَ لَا يَقْتَصِرُ أَثَرُهُ عَلَى إِفْسَادِ السُّلُوكِ الفَرْدِيِّ، بَلْ يَمْتَدُّ لِيُقَسِّيَ القُلُوبَ، وَيُضْعِفَ الشُّعُورَ بِالفُقَرَاءِ، وَيُنَافِي رُوحَ الشُّكْرِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا شُرِعَ الصِّيَامُ. فَالصِّيَامُ دَعْوَةٌ إِلَى الِاقْتِصَادِ، وَالإِسْرَافُ إِعْلَانُ مُخَالَفَةٍ لِمَقْصُودِهِ. وَمَنْ أَدْرَكَ حَقِيقَةَ الصِّيَامِ، عَلِمَ أَنَّ القَلِيلَ مَعَ البَرَكَةِ يَكْفِي، وَأَنَّ حِفْظَ النِّعْمَةِ عِبَادَةٌ، وَأَنَّ تَرْشِيدَ الِاسْتِهْلَاكِ فِي رَمَضَانَ صُورَةٌ صَادِقَةٌ مِنْ صُوَرِ التَّقْوَى. وَبِذَلِكَ يَكُونُ الصِّيَامُ عِبَادَةً حَيَّةً، تُثْمِرُ صَلَاحًا فِي النَّفْسِ، وَاسْتِقَامَةً فِي السُّلُوكِ، وَبَرَكَةً فِي الرِّزْقِ.
إِجْرَاءَاتٌ عَمَلِيَّةٌ فِي تَرْشِيدِ الِاسْتِهْلَاكِ وَتَجَنُّبِ الإِسْرَافِ:
التِزَامُ تَعَالِيمِ القُرْآنِ وَآدَابِ السُّنَّةِ مِنَ التِزَامِ القَصْدِ وَتَجَنُّبِ الإِسْرَافِ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ عِبَادَةً.
القَصْدُ إِلَى تَحْقِيقِ مَعَانِي الصِّيَامِ، مِنْ تَهْذِيبِ النَّفْسِ، وَتَحْقِيقِ مَعَانِي التَّقْوَى.
اسْتِبْدَالُ ثَقَافَةِ الإِسْرَافِ بِثَقَافَةِ الِاعْتِدَالِ وَالجُودِ بِالفَائِضِ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ.
الِاعْتِدَالُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ حِفَاظًا عَلَى الصِّحَّةِ العَامَّةِ لِلْجَسَدِ.
مَرَاجِعُ لِلِاسْتِزَادَةِ:
شَهْرُ رَمَضَانَ، لِلْإِمَامِ الأَكْبَرِ عَبْدِ الحَلِيمِ مَحْمُود.
لَطَائِفُ المَعَارِفِ، لِلْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيِّ.
إِتْحَافُ الأَنَامِ بِذِكْرِ فَضَائِلِ رَمَضَانَ وَأَحْكَامِ الصِّيَامِ، لِلْجَرْدَانِيِّ.
.
_____________________________________
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة القادمة
وللإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات
للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة
وللمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف






