عاجلمقالات وأراء

فخريات .ميزان الصداقة … لحظات الضيق (الصديق وقت الضيق) بقلم د أسامة فخري الجندي

فخريات … سلسلة مقالات من خواطر الدكتور أسامة فخري الجندي رئيس الإدارة المركزية لشئون المساجد والقرآن الكريم بوزارة الأوقاف المصرية 

(ميزان الصداقة … لحظات الضيق) (الصديق وقت الضيق)

=======

هذه الجملة ليست عبارةً مأثورة تُردَّد، ولا حكمةً تُقال على عجل،

بل هي حقيقةٌ قرآنية، وسُنّةٌ نبوية، وتجربةٌ إنسانيةٌ عميقة، لا تنكشف إلا حين تضيق الدروب، ويقلّ الرفيق، وتُختبر القلوب.

وهنا بدأتُ أتساءل:

هل تُقاس الصداقة بكثرة الضحك؟

هل تُوزن بطول السهر؟

هل تُعرف بتبادل المجاملات في أيام الرخاء؟

أم أن للصداقة ميزانًا آخر… أدقّ، وأصدق، وأعمق؟

الحقيقة أن الصداقة في الرخاء سهلة؛ يشاركك الناس الضحك، والكلام، والطريق، والرفقة….. وهكذا.

أما الضيق… فهو غربال العلاقات، فيه يسقط من كان قريبًا للمصلحة، ويبقى من كان قريبًا للرحمة والصدق.

وقد كشف القرآن الكريم هذه الحقيقة بوضوح، فقال تعالى:

﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾

فكل صداقةٍ لم تُبنَ على التقوى والمحبّة الخالصة، تنهار عند أول ضيق.

أما صداقة الإيمان – البعيدة عن المصلحة – فتصمد، لأنها صداقةٌ لله، لا للهوى.

ومن هنا – وقد تتعجّب صديقي العزيز – حين أقول بيقين:

نعم، الصداقة تُوزَن بميزانٍ أدقّ… وهو ميزان الضيق.

لماذا اخترتُ الضيق؟

لأنه في الضيق تسقط الأقنعة، ويصمت الادّعاء، ويتراجع من كان حضوره مشروطًا بالفرح والمصلحة، ويبقى واحد… أو اثنان…

يقفون لا لأنهم قادرون على الحل، بل لأنهم أوفى للحضور من الغياب.

الصديق وقت الضيق هو الذي:

**يسمع أنينك قبل أن تنطق، فيشعر بك.

**يجلس إلى جوارك حين تضيق بك الأرض، ولا يملّ من الصمت معك.

**لا يبيعك نصيحةً جافة، بل يكسوك دعاءً صادقًا حبًّا وودًّا.

**لا يسألك: لماذا ضعفت؟ بل يقول لك: أنا هنا.

**وإذا أُغلقت في وجهك الأبواب، فتح لك قلبه قبل أن يفتح لك يده، تثبيتًا وسندًا وعونًا.

ولذلك كانت الأخوّة في الشرع الشريف موقفًا لا شعارًا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمُونَ إِخْوَةٌ﴾، أخوّةٌ تظهر حين يحتاج القلب إلى سند، وحين يثقل الحمل، وحين يعجز اللسان عن الشكوى.

ويبلغ المعنى ذروته في مشهد الغار، حين اشتد الخوف، واقترب الطلب، وضاق المكان، فقال الله عن نبيه ﷺ: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.

فسمّاه صاحبَه في أشد لحظة، ليعلّمنا أن الصديق الحقيقي هو من يبقى معك حين لا يبقى أحد.

نعم… اخترتُ الضيق ميزانًا للصداقة، لأن لحظات الضيق هي الامتحان الحقيقي للعلاقات، كما أنها امتحانٌ للقلوب.

فكما أن الله يُعرَف في الشدائد قبل الرخاء –ولله المثل الأعلى–

كذلك الصديق يُعرَف حين يقلّ الضوء وتشتدّ العتمة.

وقد جاءت السنة المشرفة مؤكدةً لهذا المعنى، فقال ﷺ: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا”.

والبنيان لا يُختبر في السكون، بل عند الشدائد والأزمات والصعوبات والتحديات.

وقال ﷺ: ” من نفّس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة”.

فالصديق وقت الضيق، ليس من يُكثر الكلام، بل من يُخفّف الكُرب.

ولهذا قيل بصدقٍ عميق: (الصديق وقت الضيق)

لأن الضيق هو اللحظة التي نعرف فيها من يُحبّنا لذواتنا، ومن كان يُحبّ صورتنا في أيام السعة فقط.

فطوبى لمن رزقه الله صديقًا إذا ضاق صدره، وسِعَه قلب صاحبه،

وكان له معيةً في الضيق، كما قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. وتلك نعمةٌ لا تُشترى، ولا تُعوَّض، ولا يُكثر الله منها إلا لمن أحبّ.

فاللهم اجعلنا ممن أحببت، وحبّب عبيدك هذا لجميع خلقك، وحبّب جميع خلقك في عبيدك هذا.

اللهم آمين يارب العالمين 

أسامة_فخري_الجندي

اظهر المزيد

admin

مجلس إدارة الجريدة الدكتور أحمد رمضان الشيخ محمد القطاوي رئيس التحريـر: د. أحمد رمضان (Editor-in-Chief: Dr. Ahmed Ramadan) تليفون (phone) : 01008222553  فيس بوك (Facebook): https://www.facebook.com/Dr.Ahmed.Ramadn تويتر (Twitter): https://twitter.com/DRAhmad_Ramadan الأستاذ محمد القطاوي: المدير العام ومسئول الدعم الفني بالجريدة. الحاصل علي دورات كثيرة في الدعم الفني والهندسي للمواقع وإنشاء المواقع وحاصل علي الليسانس من جامعة الأزهر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى