خطبة الأسبوعخطبة الجمعةعاجلمحمد القطاوي

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ: ”  منزلة الشهيد ( فَلْسَفَةُ الْفِدَاءِ وَجَلَالُ الِاصْطِفَاءِ) ” للشيخ محمد طلعت القطاوي

خطبة جمعة مكتوبة ومؤثرة للشيخ محمد طلعت القطاوي حول منزلة الشهيد وفلسفة الفداء، والربط بين اصطفاء الشهداء واصطفاء ليلة القدر، مع أحكام زكاة الفطر ووداع رمضان.

صوت الدعاة | خاص مع اقتراب رحيل شهر الطاعات، وفي أجواء يملؤها عبق ليلة القدر وعظمة التضحية، يقدم الشيخ محمد طلعت القطاوي نص خطبة جمعة متفردًا يجمع بين “بلاغة الكلمة” و”عمق الفكرة”.

تحت عنوان «منزلة الشهيد.. فلسفة الفداء وجلال الاصطفاء»، يبحر بنا الشيخ في رحلة إيمانية تربط بين “شهيد الميدان” الذي بذل روحه، و”شهيد الطاعة” في ليلة القدر الذي بذل هواه، مؤكدًا أن الأوطان لا تُبنى إلا بالدماء والتضحيات، وأن الطاعات لا تُقبل إلا بصدق النيات.

تتناول الخطبة بأسلوب أدبي رصين:

  • أسرار تسمية الشهيد: ولماذا هو حاضر لا يغيب في وجدان الأمة.

  • نماذج من الرعيل الأول: وبطولات معاصرة لجنود مصر الأوفياء.

  • نفحات ليلة القدر: وكيف يقتنص المؤمن فرصة العمر في الليالي العشر.

  • وداع رمضان وزكاة الفطر: خارطة طريق لجبر خواطر الفقراء وختام الشهر بالقبول.

ندعوكم للقراءة والتأمل في هذا النموذج الخطابي المتميز الذي أعده الشيخ محمد طلعت القطاوي خصيصًا لجمهور “صوت الدعاة”.

يقدم لكم موقع “صوت الدعاة” نص خطبة الجمعة للشيخ محمد طلعت القطاوي، بعنوان “منزلة الشهيد.. فلسفة الفداء وجلال الاصطفاء”، وتتناول الخطبة الربط الإيماني بين تضحيات الشهداء ونفحات ليلة القدر، وختام شهر رمضان المبارك.

لتحميل  خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ: ”  منزلة الشهيد ( فَلْسَفَةُ الْفِدَاءِ وَجَلَالُ الِاصْطِفَاءِ) “ للشيخ محمد طلعت القطاوي بصيغة word اضغط هنا 

لتحميل  خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ: ”  منزلة الشهيد ( فَلْسَفَةُ الْفِدَاءِ وَجَلَالُ الِاصْطِفَاءِ) “ للشيخ محمد طلعت القطاوي بصيغة pdf اضغط هنا 

 

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ: ”  منزلة الشهيد ( فَلْسَفَةُ الْفِدَاءِ وَجَلَالُ الِاصْطِفَاءِ) “

بقلم فضيلة الشيخ محمد طلعت القطاوي

أَوَّلًا: لِمَ سُمِّيَ الشَّهِيدُ شَهِيداً؟

ثانيا : الشَّهِيدُ وَتِجَارَةُ الْأَرْوَاحِ الرَّابِحَةُ

ثالثا : مِنْ شَهَادَةِ الرُّوحِ إِلَى شَهَادَةِ الطَّاعَةِ (لَيْلَةُ الْقَدْرِ)

رابعا : فَلْسَفَةُ الزَّمَنِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ

خامسا : سَلَامٌ هِيَ.. حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ  )سَلَامُ النَّفْسِ وَالْوَطَنِ (

سادسا : كَيْفَ نُدْرِكُهَا؟ (الْخُطَّةُ الْعَمَلِيَّةُ لِإِدْرَاكِ نَفَحَاتِهَا)

خطبة منزلة الشهيد ( فَلْسَفَةُ الْفِدَاءِ وَجَلَالُ الِاصْطِفَاءِ)

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اسْتَخْلَصَ مِنْ عِبَادِهِ صَفْوَةً لِجِوَارِهِ، وَأَقَامَ لِأَهْلِ الْحَقِّ مَنَاراً فِي لَيْلِ الظُّلْمَةِ وَغُبَارِهِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مَا أَسْدَى مِنْ نِعَمٍ لَا تُحَاطُ بِالْحَصْرِ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَوْدَعَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ خَفِيِّ السِّرِّ وَجَلِيلِ الذِّخْرِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، وَشَرَحَ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ صَدْرًا، وَأَعْظَمَ لِمَنْ بَذَلَ رُوحَهُ فِي سَبِيلِهِ ذِكْرًا وَأَجْرًا. أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمٍ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، وَأَشْكُرُهُ عَلَى مَوَاهِبَ لَا تُسْتَقْصَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ الْمُتَفَرِّدُ بِالْكِبْرِيَاءِ وَالْجَبَرُوتِ، الْمُتَعَالِي فِي مَلَكِ الْقِدَمِ وَالْمَلَكُوتِ، الَّذِي جَعَلَ الشَّهَادَةَ عُنْوَانَ الصِّدْقِ مَعَ اللَّهِ، وَبُرْهَانَ الْيَقِينِ فِي سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ. خَلَقَ الْخَلْقَ فَبَرَا، وَعَلِمَ مَا فِيهِمْ فَدَرَا، وَاخْتَارَ مِنْ بَيْنِهِمْ شُهَدَاءَ بَرَرَةً لِيَسْكُنُوا فِي أَعْلَى الذُّرَى.

وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ؛ إِمَامُ الْمُجَاهِدِينَ، وَقُدْوَةُ الشَّاكِرِينَ، صَاحِبُ الْقَدْرِ الْأَسْمَى، وَالْمَقَامِ الْأَعْلَى، الَّذِي كَانَ يَتَمَنَّى أَنْ يَبْذُلَ الرُّوحَ مَرَّاتٍ فِي سَبِيلِ مَوْلَاهُ تَعْظِيماً لِشَرَفِ الشَّهَادَةِ وَمَعْنَاهَا. أَعْظَمُ مَنْ عَظَّمَ رَبَّهُ وَأَجَلَّ، وَأَكْرَمُ مَنْ سَعَى فِي سَبِيلِ الْحَقِّ وَاسْتَبْسَلَ، نَبِيٌّ تَاقَتْ رُوحُهُ لِلشَّهَادَةِ مَرَّاتٍ لِيُعْلِمَنَا أَنَّ الْبَذْلَ هُوَ طَرِيقُ الْبَقَاءِ، وَأَنَّ الْفَنَاءَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هُوَ عَيْنُ الْإِحْيَاءِ. فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانُوا لِلدِّينِ حُصُوناً، وَلِلْوَطَنِ عُيُوناً، وَلِلْمُقَدَّسَاتِ حُمَاةً مَأْمُوناً. أَهْلِ الْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِمْ مِنْ جُنْدِ مِصْرَ الْأَوْفِيَاءِ رِبَاطاً وَفِدَاءً..

أَمَّا بَعْدُ: فَيَا أَيُّهَا الْمُرَابِطُونَ فِي بُيُوتِ اللَّهِ.. نَحْنُ نَعِيشُ أَيَّامَ “الِاصْطِفَاءِ”، وَالِاصْطِفَاءُ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ يَخْتَارُ مِنْ بَيْنِ الزِّحَامِ قُلُوباً صَدَقَتْ، فَيُعْطِيهَا مَا تَمَنَّتْ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الصَّادِقُونَ.. إِنَّ الْحَدِيثَ عَنِ الشَّهَادَةِ لَيْسَ نَعْياً لِمَيِّتٍ، بَلْ هُوَ اسْتِقْرَاءٌ لِحَيَاةٍ خَالِدَةٍ، وَإِنَّ الْحَدِيثَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لَيْسَ عَدّاً لِسَاعَاتِ الزَّمَنِ، بَلْ هُوَ اقْتِحَامٌ لِآفَاقِ الْخُلُودِ.

أَوَّلًا: لِمَ سُمِّيَ الشَّهِيدُ شَهِيداً؟

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْأَحْبَابُ، إِنَّ “الشَّهَادَةَ” فِي مِيزَانِ الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ هِيَ أَقْصَى غَايَاتِ الْجُودِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَجُودُ النَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ الْجُودِ.

لَكِنَّ السِّرَّ اللُّغَوِيَّ وَالْعَقَدِيَّ فِي لَفْظِ “الشَّهِيدِ” يَعُودُ إِلَى “الْحُضُورِ”. فَالشَّهِيدُ لَا يَغِيبُ، بَلْ يَحْضُرُ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ. هُوَ شَاهِدٌ عَلَى صِدْقِ إِيمَانِهِ، وَمَشْهُودٌ لَهُ بِالْأَمَانِ مِنَ النَّارِ. فَالشَّهَادَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ “مَوْتٍ”، بَلْ هِيَ “مِيلَادٌ”.

الشَّهِيدُ فِي لُغَتِنَا هُوَ (الْحَاضِرُ)، وَكَأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَنَا: “لَا تَظُنُّوا أَنَّ مَنْ رَحَلُوا فِي سَبِيلِ حِمَايَةِ تُرَابِنَا وَعِرْضِنَا قَدْ غَابُوا، بَلْ هُمُ الْحَاضِرُونَ بِقُوَّةِ اللَّهِ”. وَلِذَلِكَ سُمِّيَ شَهِيداً لِأَنَّهُ يُشَاهِدُ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ وَهِيَ تَحُفُّهُ، وَيُشَاهِدُ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ قَبْلَ أَنْ تُفَارِقَ رُوحُهُ جَسَدَهُ. أَلَمْ تَسْمَعُوا بِخَبَرِ “حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ”؟ شَابٌّ صَغِيرٌ، اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ تَسْأَلُ النَّبِيَّ ﷺ بِقَلْبٍ يَرْتَجِفُ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ رَأَيْتَ مَا أَصْنَعُ؟”. فَنَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ نَظْرَةَ الْمُطْمَئِنِّ وَقَالَ: “يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى”. هَذَا هُوَ الْفَرْقُ يَا سَادَةُ.. نَحْنُ نَرَى جُثَّةً تُوَارَى التُّرَابَ، وَالْمَلَائِكَةُ تَرَى بَطَلًا يُزَفُّ إِلَى الْفِرْدَوْسِ.

تَأَمَّلُوا فِي بَلَاغَةِ الِاصْطِفَاءِ؛ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَخْتَارُ لِهَذَا الْمَقَامِ إِلَّا الْخُلَّصَ. وَنَحْنُ فِي مِصْرَ، نُدْرِكُ قِيمَةَ هَذَا الِاصْطِفَاءِ تَمَاماً، فَأَبْطَالُنَا فِي الْقُوَّاتِ الْمُسَلَّحَةِ وَالشُّرْطَةِ لَمْ يَبْذُلُوا أَرْوَاحَهُمْ طَلَبًا لِمَغْنَمٍ، بَلْ إِيمَانًا بِأَنَّ “الْأَوْطَانَ عَقِيدَةٌ”، وَأَنَّ حِمَايَةَ الْعِرْضِ وَالْأَرْضِ هِيَ جَوْهَرُ الدِّينِ.

فَهَلْ تَذْكُرُونَ مَوْقِفَ “سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ” يَوْمَ أُحُدٍ، حِينَ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ يَتَفَقَّدُهُ، فَوَجَدَهُ فِي الرَّمَقِ الْأَخِيرِ، فَقَالَ لَهُ: “اقْرَأْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ”. هَذَا هُوَ “الشُّهُودُ” الَّذِي نَتَحَدَّثُ عَنْهُ؛ حُضُورُ الْجَنَّةِ فِي لَحْظَةِ الْمَوْتِ.

الشَّهِيدُ وَتِجَارَةُ الْأَرْوَاحِ الرَّابِحَةُ

إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ} يَرَى أَنَّ “الثَّمَنَ” هُوَ الْجَنَّةُ، وَ”الْبَيْعَ” هُوَ الرُّوحُ. وَمَنْ بَاعَ لِلَّهِ لَا يَعْرِفُ الْخُسْرَانَ. إِنَّ شُهَدَاءَ مِصْرَ الَّذِينَ وَقَفُوا فِي وَجْهِ خَوَارِجِ الْعَصْرِ، ضَرَبُوا أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: “لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا”. فَهُمْ دُعَاةُ سَلَامٍ، لَكِنَّهُمْ أُسُودُ حَرْبٍ إِذَا انْتُهِكَتِ الْمُقَدَّسَاتُ.

يَقُولُ الشَّاعِرُ: لَا يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرَّفِيعُ مِنَ الْأَذَى … حَتَّى يُرَاقَ عَلَى جَوَانِبِهِ الدَّمُ.

فَالشَّهِيدُ هُوَ التَّاجِرُ الْمَاهِرُ الَّذِي عَرَفَ كَيْفَ يَبِيعُ “الْفَانِيَ” لِيَشْتَرِيَ “الْبَاقِيَ”.

انْظُرُوا إِلَى بَطَلٍ مِثْلِ “عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ”، الَّذِي دَعَا رَبَّهُ قَبْلَ الْمَعْرَكَةِ قَائِلًا: “اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي رَجُلًا قَوِيًّا أُقَاتِلُهُ فِيكَ وَيُقَاتِلُنِي، ثُمَّ يَأْخُذُنِي فَيَجْدَعُ أَنْفِي وَأُذُنِي، فَإِذَا لَقِيتُكَ قُلْتَ لِي: فِيمَ ذَاكَ؟ فَأَقُولُ: فِيكَ وَفِي رَسُولِكَ”. لَقَدْ صَدَقَ اللَّهَ، فَصَدَقَهُ اللَّهُ. وَجَدُوهُ بَعْدَ الْمَعْرَكَةِ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ كَمَا تَمَنَّى.

وَهَذَا أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: الشَّهِيدُ الَّذِي اشْتَمَّ رِيحَ الْجَنَّةِ.

لَمْ يَشْهَدْ أَنَسٌ بَدْرًا، فَحَزَّ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، وَقَالَ: “لَئِنْ أَشْهَدَنِي اللَّهُ مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ”. وَفِي “أُحُدٍ”، حِينَ تَزَلْزَلَتِ الْأَقْدَامُ وَشَاعَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ قُتِلَ، لَمْ يَنْهَزِمْ أَنَسٌ، بَلِ اسْتَقْبَلَ الْمَوْتَ بِقَلْبٍ يَضْحَكُ.

  • مَرَّ بِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَقَالَ لَهُ: “يَا سَعْدُ، وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ! إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ”.
  • فَوَجَدُوا فِي جَسَدِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً، مَا بَيْنَ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ وَضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، حَتَّى إِنَّ أُخْتَهُ لَمْ تَعْرِفْهُ إِلَّا بِبَنَانِهِ (أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ).
  • حَتَّى إِنَّهُ نَزَلَ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} فَهَذَا شَهِيدٌ عَابِدٌ صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ اللَّهُ. فَمَنْ صَدَقَ اللَّهَ فِي نِيَّتِهِ وَطَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، بَلَّغَهُ اللَّهُ رِيحَ جَنَّتِهِ وَلَوْ كَانَ فِي عُقْرِ دَارِ الدُّنْيَا.

وَهَذَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: “جَعْفَرٌ الطَّيَّارُ” الَّذِي ضَرَبَ أَرْوَعَ الْمَثَلِ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي لَقِيَ رَبَّهُ شَهِيدًا فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ. فَقِصَّةُ “مُؤْتَةَ” لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَعْرَكَةٍ، بَلْ هِيَ مَلْحَمَةُ “الثَّبَاتِ حَتَّى الْفَنَاءِ”. حِينَ أَخَذَ جَعْفَرٌ الرَّايَةَ بِيَمِينِهِ فَقُطِعَتْ، فَأَخَذَهَا بِشِمَالِهِ فَقُطِعَتْ، فَاحْتَضَنَهَا بِعَضُدَيْهِ حَتَّى قُتِلَ.

  • فَيُعْلِنُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ مَوْتِهِ وَلَمْ يَقُلْ “مَاتَ جَعْفَرٌ”، بَلْ قَالَ: “رَأَيْتُ جَعْفَرًا يَطِيرُ فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ وَلَهُ جَنَاحَانِ”.
  • فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُضِيعُ حَقَّهُ، مَنْ تَرَكَ يَدَيْهِ فِي سَبِيلِ تُرَابِ الْوَطَنِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْحَقِّ، أَبْدَلَهُ اللَّهُ بِجَنَاحَيْنِ مِنْ يَاقُوتٍ. فَهَذَا هُوَ “الْعِوَضُ الْإِلَهِيُّ” الَّذِي يَفُوقُ خَيَالَ الْبَشَرِ.

يَقُولُ الشَّاعِرُ:

وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا … عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ … يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ..

إِنَّنَا وَنَحْنُ نَتَحَدَّثُ عَنِ الشَّهَادَةِ، نَرْفَعُ الرَّأْسَ فَخْراً بِشُهَدَاءِ مِصْرَ الْأَبْرَارِ، الَّذِينَ سَهِرُوا لِنَنَامَ، وَجَاعُوا لِنَشْبَعَ، وَقَدَّمُوا أَرْوَاحَهُمْ لِتَظَلَّ مَآذِنُنَا تَصْدَحُ بِالْحَقِّ. هَؤُلَاءِ الْأَبْطَالُ الَّذِينَ وَاجَهُوا خَوَارِجَ الْعَصْرِ مِنَ الْإِرْهَابِيِّينَ، فَامْتَزَجَتْ دِمَاؤُهُمْ بِتُرَابِ سَيْنَاءَ الْغَالِي وَبِكُلِّ شِبْرٍ مِنْ أَرْضِنَا. إِنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي وِجْدَانِنَا، أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَهُمُ “الْمَنَارَةُ” الَّتِي تُضِيءُ الطَّرِيقَ لِلْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ لِيَعْرِفُوا أَنَّ الْأَوْطَانَ لَا تُبْنَى بِالشِّعَارَاتِ، بَلْ تُبْنَى بِالدِّمَاءِ وَالتَّضْحِيَاتِ.

مِنْ شَهَادَةِ الرُّوحِ إِلَى شَهَادَةِ الطَّاعَةِ (لَيْلَةُ الْقَدْرِ)

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ، إِذَا كَانَ اللَّهُ قَدِ اصْطَفَى مِنَ “الرِّجَالِ” شُهَدَاءَ، فَقَدِ اصْطَفَى مِنَ “اللَّيَالِي” لَيْلَةَ الْقَدْرِ. فَمَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالْبَارِحَةِ! فَإِذَا كَانَ “الشَّهِيدُ” قَدِ اصْطَفَاهُ اللَّهُ لِتَضْحِيَتِهِ بِرُوحِهِ، فَإِنَّ “عَابِدَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ” قَدِ اصْطَفَاهُ اللَّهُ لِتَضْحِيَتِهِ بِرَاحَتِهِ وَهَوَاهُ. الرَّابِطُ بَيْنَهُمَا هُوَ “الْقَدْرُ”؛ فَالشَّهِيدُ ذُو قَدْرٍ، وَاللَّيْلَةُ ذَاتُ قَدْرٍ. الشَّهِيدُ يُبْعَثُ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا رِيحُهُ الْمِسْكُ، وَالْعَابِدُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ يَخْرُجُ مِنْهَا وَقَدْ غُسِلَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. كِلَاهُمَا يَبْحَثُ عَنِ “الْخُلُودِ” فِي رِحَابِ اللَّهِ.

فَالشَّهِيدُ يُضَحِّي بِرُوحٍ وَاحِدَةٍ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ لِيَفُوزَ بِالْأَبَدِ، وَعَابِدُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ يُضَحِّي بِنَوْمِهِ وَرَاحَتِهِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ لِيَفُوزَ بِعِبَادَةِ عُمْرٍ كَامِلٍ (أَلْفِ شَهْرٍ). كِلَاهُمَا “اقْتِنَاصُ فُرْصَةٍ”، وَكِلَاهُمَا “اصْطِفَاءٌ”. فَمَنْ حُرِمَ الشَّهَادَةَ فِي الْمَيْدَانِ، فَلَا يُحْرَمَنَّ “شَهَادَةَ الْقِيَامِ” فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ.. حَيْثُ تُكْتَبُ الْأَقْدَارُ فِي لَيْلَةِ التَّكْرِيمِ.. وَمِعْرَاجُ الْأَرْوَاحِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَصَلَاةً وَسَلَاماً عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى..

فَلْسَفَةُ الزَّمَنِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ هِيَ “تَكْثِيفٌ زَمَنِيٌّ” لِلْبَرَكَةِ. حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: {خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}، فَهُوَ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ يَهَبُ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَصِيرَةَ الْأَعْمَارِ فُرْصَةً لِتَسْبِقَ الْأُمَمَ السَّابِقَةَ. يَقُولُ الْإِمَامُ الْمَاوَرْدِيُّ: “سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ لِلطَّاعَاتِ فِيهَا قَدْراً عَظِيماً”. تَخَيَّلُوا هَذَا الْمَشْهَدَ الْجَلِيلَ؛ الْمَلَائِكَةُ تَتَنَزَّلُ، وَالرُّوحُ جِبْرِيلُ -الَّذِي هَبَطَ بِالْوَحْيِ- يَهْبِطُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِيَتَفَقَّدَ أَهْلَ الْأَرْضِ. إِنَّهُ “مَوْكِبُ الْبَهْجَةِ” بِذِكْرَى نُزُولِ الْقُرْآنِ.

فَيَا مَنْ تَشْكُونَ قِصَرَ الْأَعْمَارِ وَكَثْرَةَ الذُّنُوبِ.. فَتِلْكُمُ أَعْظَمُ اللَّيَالِي “هَدَايَا الرَّحْمَنِ” لَكُمْ. يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَزِنَ حِينَ رَأَى أَعْمَارَ أُمَّتِهِ قَصِيرَةً (بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ)، بَيْنَمَا كَانَتِ الْأُمَمُ السَّابِقَةُ تَعِيشُ مِئَاتِ السِّنِينَ. فَخَشِيَ أَلَّا يَبْلُغُوا فِي الْعَمَلِ مَبْلَغَهُمْ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ “لَيْلَةَ الْقَدْرِ”. أَلْفُ شَهْرٍ يَا عِبَادَ اللَّهِ! أَيْ (83 سَنَةً وَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ). لَيْلَةٌ وَاحِدَةٌ، تَرْفَعُكَ فِي الْمِيزَانِ كَأَنَّكَ سَجَدْتَ لِلَّهِ ثَمَانِينَ سَنَةً لَا تَفْتُرُ.

وَهَذَا سِرُّ تَسْمِيَتِهَا بِأَيَّامِ الْقَدْرِ؟

  1. لِعَظِيمِ قَدْرِهَا عِنْدَ اللَّهِ.
  2. لِأَنَّ الْأَرْزَاقَ وَالْأَقْدَارَ “تُقَدَّرُ” وَتُكْتَبُ فِيهَا لِلْعَامِ الْقَادِمِ.
  3. لِأَنَّ الْأَرْضَ “تَضِيقُ” بِالْمَلَائِكَةِ مِنْ كَثْرَةِ نُزُولِهِمْ (وَالْقَدْرُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الضِّيقُ).

سَلَامٌ هِيَ.. حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ  )سَلَامُ النَّفْسِ وَالْوَطَنِ (

يَقُولُ اللَّهُ: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ}. الْمَلَائِكَةُ تَنْزِلُ لِتُسَلِّمَ عَلَيْكُمْ. جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، الَّذِي نَزَلَ بِالْوَحْيِ، يَنْزِلُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِيُصَافِحَ الْقَائِمِينَ وَالرَّاكِعِينَ. إِنَّهَا لَيْلَةُ “الْأَمَانِ”، لَيْلَةٌ يَخْرَسُ فِيهَا الشَّيْطَانُ، وَتُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ. فَإِذَا كَانَ الشَّهِيدُ يَنَالُ أَمَانَهُ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ، فَإِنَّ الصَّائِمَ الْقَائِمَ يَنَالُ أَمَانَهُ مِنَ النَّارِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ.

فَهِيَ لَيْلَةُ “السَّلَامِ الْمُطْلَقِ”. السَّلَامُ مَعَ النَّفْسِ، وَالسَّلَامُ مَعَ الْخَلْقِ، وَالسَّلَامُ مِنَ اللَّهِ. يَقُولُ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ: “إِنَّ الْمَلَائِكَةَ يَنْزِلُونَ لِيُسَلِّمُوا عَلَيْنَا وَيَشْفَعُوا لَنَا، فَمَنْ أَصَابَتْهُ التَّسْلِيمَةُ غُفِرَ لَهُ”. فَهَلْ نَحْنُ مُسْتَعِدُّونَ لِاسْتِقْبَالِ هَذَا السَّلَامِ؟ أَمْ أَنَّ قُلُوبَنَا مَا زَالَتْ مُثْقَلَةً بِالْمُشَاحَنَاتِ؟ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحْرِمُ “الْمُشَاحِنَ” وَ”قَاطِعَ الرَّحِمِ” مِنْ بَرَكَةِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، فَالطَّرِيقُ إِلَى السَّمَاءِ يَبْدَأُ مِنْ إِصْلَاحِ الْأَرْضِ.

كَيْفَ نُدْرِكُهَا؟ (الْخُطَّةُ الْعَمَلِيَّةُ لِإِدْرَاكِ نَفَحَاتِهَا)

فَإِذَا كَانَ رَبُّ الْعِبَادِ قَدْ جَادَ عَلَيْكُمْ بِلَيْلَةٍ خَيْرٍ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ فَاعْتَنِمُوهَا تَسْعَدُوا. اعْتَنِمُوا كُلَّ لَحَظَاتِهَا وَدَقَائِقِهَا فِي إِحْيَاءِ الْقَلْبِ قَبْلَ الْجَسَدِ. فَإِنَّ إِحْيَاءَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ السَّهَرِ، بَلْ بـ “شَدِّ الْمِئْزَرِ” كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ. وَشَدُّ الْمِئْزَرِ كِنَايَةٌ عَنِ التَّفَرُّغِ التَّامِ، وَالِانْقِطَاعِ عَنِ الْمُلْهِيَاتِ.

وَإِلَيْكُمُ الْخُطَّةُ الْعَمَلِيَّةُ وَإِجْرَاءَاتٌ رُوحَانِيَّةٌ لِلْقُبُولِ:

  1. الْعَفْوُ الصَّادِقُ وَالْقَلْبُ السَّلِيمُ مِنَ الْأَحْقَادِ: فَهِيَ لَيْلَةُ الْعَفْوِ وَيَتَجَلَّى هَذَا الْمَعْنَى فِي سُؤَالِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ حِينَ سَأَلَتِ الْمُصْطَفَى ﷺ: أَرَأَيْتَ لَوْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَاذَا أَقُولُ فِيهَا؟ فَعَلَّمَهَا دُعَاءَ الْعَفْوِ قَائِلًا: قُولِي “اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي”. فَمَا أَجْمَلَ أَنْ نَجْعَلَهَا لَيْلَةَ عَفْوٍ شَامِلٍ تَنْتَهِي فِيهَا الْمُشَاحَنَاتُ وَالضَّغَائِنُ. أَصْلِحْ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ فَاللَّهُ لَا يَغْفِرُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ لِـ “مُشَاحِنٍ” (مُتَخَاصِمٍ). سَامِحْ لِكَيْ يُسَامِحَكَ اللَّهُ وَاعْفُ عَنِ النَّاسِ يَعْفُ اللَّهُ عَنْكَ. وَالْزَمْ هَذَا “الدُّعَاءَ النَّبَوِيَّ”: “اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي”، فَهُوَ “مِفْتَاحُ الْقُبُولِ”.
  2. الِاسْتِغْرَاقُ فِي الْقُرْآنِ: فَهِيَ لَيْلَتُهُ الَّتِي شُرِّفَتْ بِنُزُولِ الْقُرْآنِ فِيهَا، فَاقْتَدِ بِنَبِيِّكَ وَتَعَبَّدْ لِرَبِّكَ بِكِتَابِهِ وَكَلَامِهِ وَآيَاتِهِ الْمُبَارَكَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ الَّتِي أَنْزَلَ فِيهَا كِتَابَهُ الْمُبَارَكَ عَلَى نَبِيِّهِ الْمُبَارَكِ لِيَكُونَ نِبْرَاساً وَدُسْتُوراً لِأُمَّةٍ مُبَارَكَةٍ.
  3. كُنْ شَهِيداً فِي عِبَادَتِكَ: أَيْ كُنْ (شَاهِداً) وَحَاضِراً بِقَلْبِكَ، لَا تَكُنْ جَسَداً فِي الْمَسْجِدِ وَعَقْلُكَ فِي التِّجَارَةِ أَوِ الْهَاتِفِ.

يَقُولُ ابْنُ رَجَبٍ: “يَا مَنْ ضَاعَ عُمْرُهُ فِي لَا شَيْءٍ، اسْتَدْرِكْ مَا فَاتَكَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَإِنَّهَا تُحْسَبُ بِالْعُمْرِ”.

“فَيَا مَنْ تَطْلُبُونَ الْقَدْرَ، انْظُرُوا إِلَى قَدْرِ مَنْ اشْتَمَّ رِيحَ الْجَنَّةِ (أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ)”.

“وَيَا مَنْ تَخَافُونَ الْفَوَاتَ، انْظُرُوا إِلَى مَنِ اسْتَعْجَلَ الْجَنَّةَ وَتَرَكَ الدُّنْيَا خَلْفَ ظَهْرِهِ (عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ)”.

“وَيَا مَنْ تَسْأَلُونَ عَنِ الْجَبْرِ، انْظُرُوا كَيْفَ جَبَرَ اللَّهُ كَسْرَ الطَّيَّارِ (جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ)”.

وَأَخِيراً فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لَا تَنْسَ الدُّعَاءَ لِلْوَطَنِ وَأَهْلِهِ: فَإِنَّ الْأَمْنَ نِعْمَةٌ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهَا إِلَّا مَنْ فَقَدَهَا.

يَقُولُ الشَّاعِرُ: يَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ يَا نُوراً نَلُوذُ بِهِ … مِنَ الظَّلَامِ الَّذِي رَانَتْ مَآسِيهِ

فِيكِ السَّلَامُ وَفِيكِ الْأَمْنُ مُنْتَشِرٌ … حَتَّى يُطِلَّ سَنَا الْفَجْرِ وَيُحْيِيهِ.

فَيَا أَيُّهَا الْمُعْتَبِرُ هَا هِيَ الْأَيَّامُ قَدْ تَقَوَّضَتْ خِيَامُهَا، وَشَدَّتِ الرِّحَالَ آوِنَةُ الصِّيَامِ لِتَرْحَلَ، فَبِأَيِّ وَجْهٍ نُوَدِّعُ شَهْرَنَا؟ وَبِأَيِّ عَمَلٍ نَخْتِمُ سَعْيَنَا؟ إِنَّ الْقُلُوبَ الَّتِي خَشَعَتْ فِي “لَيْلَةِ الْقَدْرِ”، وَالنُّفُوسَ الَّتِي تَشَرَّفَتْ بِذِكْرَى “الشَّهَادَةِ” وَالْفِدَاءِ، لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَفْتُرَ عِنْدَ عَتَبَاتِ الْوَدَاعِ، فَرَبُّ رَمَضَانَ هُوَ رَبُّ الزَّمَانِ كُلِّهِ، وَطَرِيقُ الْجَنَّةِ الَّذِي سَلَكَهُ الشُّهَدَاءُ بِدِمَائِهِمْ، نَسْلُكُهُ نَحْنُ بِدُمُوعِنَا وَطَاعَتِنَا وَإِخْرَاجِ زَكَوَاتِنَا.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ.. عِبَادَ اللَّهِ.. تَأَمَّلُوا فِي سُرْعَةِ مُرُورِ اللَّيَالِي، وَكَيْفَ تَقَوَّضَتْ خِيَامُ الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ كَأَنَّهَا طَيْفُ خَيَالٍ مَرَّ بِالْعُيُونِ. بِالْأَمْسِ كُنَّا نَتَبَادَلُ التَّهَانِي بِقُدُومِهِ، وَالْيَوْمَ نَتَبَادَلُ التَّعَازِي فِي رَحِيلِهِ. وَإِنَّ الْعِبْرَةَ يَا عِبَادَ اللَّهِ لَيْسَتْ فِي “كَمْ صُمْنَا؟” بَلْ فِي “كَيْفَ صُمْنَا؟”، وَلَيْسَتْ فِي “طُولِ الْقِيَامِ” بَلْ فِي “صِدْقِ الْمَقَامِ”.

إِنَّ رَمَضَانَ شَاهِدٌ لَكُمْ أَوْ عَلَيْكُمْ؛ شَاهِدٌ عَلَى تِلْكَ الدُّمُوعِ الَّتِي جَرَتْ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَشَاهِدٌ عَلَى تِلْكَ الْأَنْفُسِ الَّتِي جَاهَدَتْ هَوَاهَا طَمَعاً فِي مَنَازِلِ الشُّهَدَاءِ. فَوَا أَسَفَاهُ عَلَى عَبْدٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ مِنْهُ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ! وَوَا شَوْقَاهُ إِلَى قُلُوبٍ تَعَلَّقَتْ بِرَبِّهَا، فَصَامَتْ صِيَامَ الْمُوَدِّعِينَ، وَقَامَتْ قِيَامَ الْمُشْتَاقِينَ.

يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ.. لَا تَظُنَّنَّ أَنَّ الْعِبَادَةَ قَدِ انْتَهَتْ بِانْتِهَاءِ الشَّهْرِ، فَإِنَّ رَبَّ الصِّيَامِ هُوَ رَبُّ سَائِرِ الْعَامِ. وَإِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ قَبُولِ الطَّاعَةِ “الطَّاعَةُ بَعْدَهَا”، فَكُونُوا رَبَّانِيِّينَ ثَابِتِينَ، لَا رَمَضَانِيِّينَ مَوْسِمِيِّينَ؛ فَالشَّهِيدُ الَّذِي بَذَلَ رُوحَهُ لَمْ يَبْذُلْهَا لِيَوْمٍ وَاحِدٍ، بَلْ بَذَلَهَا لِيَبْقَى أَثَرُهُ خَالِداً، فَلْيَكُنْ صِيَامُكُمْ وَقِيَامُكُمْ “شَهَادَةً” عَلَى اسْتِقَامَتِكُمْ فِي قَابِلِ الْأَيَّامِ.

فَإِنَّ رَمَضَانَ وَإِنْ رَحَلَ، فَإِنَّ وَجْهَ اللَّهِ بَاقٍ لَا يَزُولُ، فَاسْتَقِيمُوا كَمَا أُمِرْتُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ فِطْرِكُمْ طَيِّبَةً بِهَا نُفُوسُكُمْ وَاجْبُرُوا خَوَاطِرَ الْفُقَرَاءِ يَجْبُرِ اللَّهُ خَوَاطِرَكُمْ. فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لَكُمْ فِي خِتَامِ شَهْرِكُمْ “زَكَاةَ الْفِطْرِ”؛ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ. هِيَ الْجَبْرُ لِمَا تَخَرَّقَ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَهِيَ الشُّكْرُ لِمَا اسْتَبَانَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. فَلَا تَخْرُجُوا مِنْ رَمَضَانَ إِلَّا وَقَدْ طَيَّبْتُمْ خَوَاطِرَ الْفُقَرَاءِ، لِتَطِيبَ أَرْوَاحُكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ.

يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ.. عَجِّلْ بِزَكَاتِكَ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ، لِتَكُونَ زَكَاةً مَقْبُولَةً، وَلَا تَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقُبُولِ حِجَاباً مِنْ شُحٍّ أَوْ تَأْخِيرٍ. فَكَمَا جَادَ الشَّهِيدُ بِأَغْلَى مَا يَمْلِكُ (رُوحِهِ)، فَجُدْ أَنْتَ بِفَضْلِ مَالِكَ، لَعَلَّ اللَّهَ يَكْتُبُكَ فِي عِدَادِ الْمَقْبُولِينَ.

فَيَا رَبَّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، يَا مَنْ جَعَلْتَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْراً مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، وَيَا مَنْ جَعَلْتَ الشَّهَادَةَ أَسْمَى مَنَازِلِ الْبَشَرِ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا صِدْقَ الشُّهَدَاءِ، وَإِخْلَاصَ الْأَتْقِيَاءِ، وَمَنَازِلَ الْأَوْفِيَاءِ. اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنَّا (ثَلَاثاً). اللَّهُمَّ يَا مُقَدِّرَ الْأَقْدَارِ، اقْدِرْ لَنَا فِي هَذِهِ اللَّيَالِي سَعَادَةً لَا نَشْقَى بَعْدَهَا أَبَداً، وَمَغْفِرَةً تَمْحُو مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذُنُوبِنَا. اللَّهُمَّ احْمِ جَيْشَنَا وَرِجَالَ أَمْنِنَا، وَارْحَمْ شُهَدَاءَنَا، وَاجْعَلْ مِصْرَ كِنَانَتَكَ فِي أَرْضِكَ، آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً، سَخَاءً رَخَاءً، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَاجْعَلْنَا فِيهَا مِنَ الْمَقْبُولِينَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْمَحْرُومِينَ. اللَّهُمَّ أَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ الْمُصْطَفَى ﷺ، وَارْزُقْنَا شَفَاعَتَهُ، وَأَوْرِدْنَا حَوْضَهُ. اللَّهُمَّ يَا رَبَّ الْأَرْبَابِ، وَيَا مُسَبِّبَ الْأَسْبَابِ، وَيَا مَنْ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ.. اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَاجْعَلْ حَظَّنَا مِنْهَا الْقُبُولَ وَالْغُفْرَانَ، وَالْعِتْقَ مِنَ النِّيرَانِ. اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنَّا (ثَلَاثاً بِيَقِينٍ). اللَّهُمَّ ارْحَمْ شُهَدَاءَنَا الْأَبْرَارَ، الَّذِينَ قَدَّمُوا أَرْوَاحَهُمْ فِدَاءً لِهَذَا الْوَطَنِ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُمْ مَنَازِلَ الصِّدِّيقِينَ، وَاحْشُرْهُمْ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَارْبِطْ عَلَى قُلُوبِ ذَوِيهِمْ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ احْفَظْ مِصْرَ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَسُوءٍ، وَاجْعَلْهَا رَايَةً لِلْحَقِّ وَالْأَمْنِ وَالْأَمَانِ. اللَّهُمَّ لَا تَخْرُجْنَا مِنْ هَذَا الشَّهْرِ إِلَّا وَقَدْ غَفَرْتَ لَنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِنَا، وَمَا تَأَخَّرَ، وَأَصْلَحْتَ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ.

عِبَادَ اللَّهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

 

اظهر المزيد

admin

مجلس إدارة الجريدة الدكتور أحمد رمضان الشيخ محمد القطاوي رئيس التحريـر: د. أحمد رمضان (Editor-in-Chief: Dr. Ahmed Ramadan) تليفون (phone) : 01008222553  فيس بوك (Facebook): https://www.facebook.com/Dr.Ahmed.Ramadn تويتر (Twitter): https://twitter.com/DRAhmad_Ramadan الأستاذ محمد القطاوي: المدير العام ومسئول الدعم الفني بالجريدة. الحاصل علي دورات كثيرة في الدعم الفني والهندسي للمواقع وإنشاء المواقع وحاصل علي الليسانس من جامعة الأزهر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى