خطبة الجمعة : جرائم التحرش الإلكتروني: خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ خالد القط (27 مارس 2026)
تناول فضيلة الشيخ خالد القط في خطبة الجمعة بجريدة صوت الدعاة مخاطر جرائم التحرش الإلكتروني وكيفية التصدي لها من منظور شرعي واجتماعي. اقرأ النص الكامل للخطبة
تناول فضيلة الشيخ خالد القط في خطبة الجمعة بجريدة صوت الدعاة مخاطر جرائم التحرش الإلكتروني وكيفية التصدي لها من منظور شرعي واجتماعي. اقرأ النص الكامل للخطبة
- H2: مفهوم التحرش الإلكتروني وأشكاله الحديثة.
- H2: موقف الشريعة الإسلامية من انتهاك الخصوصية والتحرش الرقمي.
- H2: نصائح الشيخ خالد القط لحماية الأسرة والمجتمع من الجرائم الإلكترونية.
ولقراءة خطبة جرائم التحرش الإلكتروني للشيخ خالد القط
جَرَائِمُ التَّحَرُّشِ الْإِلِكْتُرُونِيِّ
“””””””””””””
التاريخ: الجمعة 8 شوال 1447هـ | 27 مارس 2026م.
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، نَحْمَدُهُ تَعَالَى حَمْدَ الشَّاكِرِينَ ، وَنَشْكُرُهُ شُكْرَ الْحَامِدِينَ . وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، الْقَائِلُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ : (( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا )) سُورَةُ الْأَحْزَابِ (58). وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَحَبِيبُهُ ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ ، حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ الْعَظِيمِ .
أَمَّا بَعْدُ ،،
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ، إِنَّ صِيَانَةَ أَعْرَاضِ النَّاسِ وَكَرَامَتِهِمْ ، لَهُوَ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا الْإِسْلَامُ ، فَعِرْضُ الْإِنْسَانِ وَشَرَفُهُ ، لَا يُقَدَّرُ وَلَا يُقَوَّمُ بِأَمْوَالِ الدُّنْيَا كُلِّهَا ، فَالْجِرَاحَاتُ الَّتِي تُصِيبُ جِلْدَ الْإِنْسَانِ ، مَهْمَا طَالَ الزَّمَانُ ، وَتَوَالَتِ الْأَيَّامُ ، سَتَلْتَئِمُ الْجِرَاحَاتُ ، أَمَّا الْجِرَاحَاتُ الَّتِي تَمَسُّ الْإِنْسَانَ فِي شَرَفِهِ وَعِرْضِهِ وَكَرَامَتِهِ ، لَا تَلْتَئِمُ أَبَدَ الدَّهْرِ ، وَيَظَلُّ هَذَا الْجُرْحُ يَنْزِفُ ، بَلْ رُبَّمَا لِأَجْيَالٍ مُتَعَاقِبَةٍ .
وَمَا أَرْوَعَ قَوْلَ الْقَائِلِ : وَقَدْ يُرْجَى لِجُرْحِ السَّيْفِ بَرْءٌ * وَلَا بَرْءٌ لِمَا جَرَحَ اللِّسَانُ جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامٌ * وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ وَجُرْحُ السَّيْفِ تَدْمُلُهُ فَيَبْرَى * وَيَبْقَى الدَّهْرُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ حَرَّمَ وَجَرَّمَ الْإِسْلَامُ ، كُلَّ أَمْرٍ مِنْ شَأْنِهِ يُؤْذِي النَّاسَ فِي شَرَفِهِمْ وَكَرَامَتِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ ، وَمِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُؤْذِي خَلْقَ اللَّهِ ، التَّحَرُّشُ بِكُلِّ صُوَرِهِ وَأَشْكَالِهِ ، وَمِنْهُ التَّحَرُّشُ الْإِلِكْتُرُونِيُّ ، فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَنْهَجُونَ هَذَا الْمَنْهَجَ وَهَذَا الْمَسْلَكَ فِي الْحَيَاةِ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ تَمَامًا قَوْلُهُ تَعَالَى : (( وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ )) سُورَةُ الْبَقَرَةِ (205) .
وَإِذَا جِئْنَا إِلَى نُصُوصِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي تُحَذِّرُ مِنَ التَّحَرُّشِ بِكُلِّ صُوَرِهِ وَأَشْكَالِهِ فَمَا أَكْثَرَهَا ، مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ ، قَالَ تَعَالَى : (( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ )) سُورَةُ النُّورِ (30) ، وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا : (( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا )) سُورَةُ الْأَحْزَابِ (58) ، أَمَّا السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الشَّرِيفَةُ ، فَحَدِّثْ وَلَا حَرَجَ ، مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ )) ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا بِاللَّعَّانِ وَلَا بِالْفَاحِشِ وَلَا بِالْبَذِيءِ )) ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : (( قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى : أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : بَلَدٌ حَرَامٌ ، أَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : شَهْرٌ حَرَامٌ ، قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا )) .
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ، وَقَدْ سَدَّ الْإِسْلَامُ كُلَّ الْأَبْوَابِ وَالطُّرُقِ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى التَّحَرُّشِ ، مِنْ ذَلِكَ ، مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ ، فَقَالُوا : مَا لَنَا بُدٌّ ، إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا ، قَالَ : فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجَالِسَ ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا ، قَالُوا : وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ : غَضُّ الْبَصَرِ ، وَكَفُّ الْأَذَى ، وَرَدُّ السَّلَامِ ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ )) ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ، أَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( النَّظْرَةُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومَةٌ ، فَمَنْ تَرَكَهَا مِنْ خَوْفِ اللَّهِ أَثَابَهُ جَلَّ وَعَزَّ إِيمَانًا يَجِدُ حَلَاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ )) .
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ، وَنَظَرًا لِلتَّطَوُّرِ الْعِلْمِيِّ وَالتِّكْنُولُوجِيِّ الَّذِي يَشْهَدُهُ الْعَالَمُ فِي كُلِّ مَجَالَاتِ الْحَيَاةِ ، بِكُلِّ أَسَفٍ إِذَا بِنَا أَمَامَ نَوْعٍ جَدِيدٍ مِنَ التَّحَرُّشِ ، أَلَا وَهُوَ التَّحَرُّشُ الْإِلِكْتُرُونِيُّ ، حَيْثُ يَسْتَغِلُّ الْبَعْضُ الْمَوَاقِعَ الْإِلِكْتُرُونِيَّةَ ، وَمَوَاقِعَ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ لِتَشْوِيهِ أَعْرَاضِ النَّاسِ وَالِاسْتِطَالَةِ وَالتَّحَرُّشِ بِهِمْ ، وَلَا يَظُنَّ ظَانٌّ لِأَنَّهُ يَقْبَعُ وَرَاءَ الشَّاشَاتِ ، حَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ فَإِذَا بِهِ يَنْتَهِكُ حُرُمَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَيَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ سَهْلٌ وَيَسِيرٌ ، لَا أَجِدُ هُنَا أَصْدَقَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : (( إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَیۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمࣱ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَیِّنࣰا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِیمࣱ )) سُورَةُ النُّورِ (15) . نَقُولُ لِهَؤُلَاءِ الْمُتَحَرِّشِينَ : أَيْنَ اللَّهُ فِي نُفُوسِكُمْ؟ أَيْنَ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ؟ أَيْنَ اللَّهُ فِي خَلَوَاتِكُمْ؟ (( أَلَمۡ یَعۡلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ یَرَىٰ )) سُورَةُ الْعَلَقِ (14) ، (( یَعۡلَمُ خَاۤىِٕنَةَ ٱلۡأَعۡیُنِ وَمَا تُخۡفِی ٱلصُّدُورُ )) سُورَةُ غَافِرِ (19). أَلَا فَلْيَعْلَمْ هَؤُلَاءِ الْمُتَحَرِّشُونَ إِلِكْتُرُونِيًّا ، أَنَّهُ يَنْطَبِقُ عَلَى التَّحَرُّشِ الْإِلِكْتُرُونِيِّ مَا يَنْطَبِقُ عَلَى سِوَاهُ مِنْ حَيْثُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَأَنَّهُ اسْتِطَالَةٌ وَتَعَدٍّ وَأَذًى لِخَلْقِ اللَّهِ ، فَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ اسْتِطَالَةُ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ )) ، وَعِنْدَ الْمُنْذِرِيِّ وَغَيْرِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَنْ أَرْبَى الرِّبَا اسْتِطَالَةُ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ أَخِيهِ )) . وَلِكُلِّ مُتَحَرِّشٍ وَمُبْتَزٍّ لِخَلْقِ اللَّهِ ، أَقُولُ لَهُ كَمَا قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْقِفٍ مُشَابِهٍ : أَتَرْضَاهُ لِأُمِّكَ؟ لِأُخْتِكَ؟ لِبِنْتِكَ؟ لِخَالَتِكَ؟ لِعَمَّتِكَ؟ وَاعْلَمْ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ دُيُونٌ ، وَأَنَّكَ سَتَشْرَبُ مِنْ نَفْسِ الْكَأْسِ الَّتِي طَالَمَا سَقَيْتَ بِهَا النَّاسَ (( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ )) سُورَةُ الشُّعَرَاءِ (227) .
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ، مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ بِوَجْهٍ عَامٍّ وَخَاصَّةً الْأَطْفَالَ وَالشَّبَابَ ، بِحَاجَةٍ إِلَى التَّرْوِيحِ عَنِ النَّفْسِ ، أَوِ التَّسْلِيَةِ ، حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْفَرْدُ مِنَّا مِنْ مُوَاصَلَةِ الْحَيَاةِ ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِإِنْسَانٍ أَنْ يُوَاصِلَ الْعَمَلَ بِاسْتِمْرَارٍ بِدُونِ أَنْ يَحْظَى عَلَى وَقْتٍ لِلرَّاحَةِ .
وَحِينَمَا نُطَالِعُ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّنَا سَنَجِدُ إِقْرَارَ سَيِّدِنَا يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْلَادَهُ عَلَى الذَّهَابِ إِلَى اللَّعِبِ ، قَالَ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ إِخْوَةِ يُوسُفَ : (( أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )) سُورَةُ يُوسُفَ (12) ، وَهَكَذَا فَإِنَّ الْأَطْفَالَ وَالشَّبَابَ بِحَاجَةٍ إِلَى اللَّعِبِ وَقَضَاءِ وَقْتٍ فِي التَّسْلِيَةِ ، وَذَلِكَ لِاسْتِخْرَاجِ بَعْضِ طَاقَتِهِمْ فِي هَذِهِ الْأَلْعَابِ .
وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ مُتَّفِقًا وَيَكَادُ يُجْمِعُ عَلَى أَنَّ الْأَلْعَابَ الَّتِي تَعْتَمِدُ عَلَى بَذْلِ الْمَجْهُودِ الْبَدَنِيِّ ( الرِّيَاضَةِ ) هِيَ خَيْرُ وَسِيلَةٍ لِلْأَطْفَالِ وَالشَّبَابِ لِاسْتِخْرَاجِ طَاقَتِهِمْ ، وَبِنَاءِ أَجْسَادِهِمْ وَعُقُولِهِمْ بِنَاءً صَحِيحًا ، وَلَكِنَّنَا نَظَرًا لِلتَّقَدُّمِ الْعِلْمِيِّ وَالتِّكْنُولُوجِيِّ الَّذِي نَعِيشُهُ الْيَوْمَ ، إِذَا بِنَا أَمَامَ نَوْعٍ آخَرَ وَجَدِيدٍ مِنْ وَسَائِلِ التَّرْفِيهِ وَاللَّعِبِ ، أَلَا وَهُوَ (( الْأَلْعَابُ الْإِلِكْتُرُونِيَّةُ )) ، وَهُوَ بِلَا شَكٍّ أَمْرٌ مُسْتَحْدَثٌ وَمُسْتَجَدٌّ ، وُجِدَ كَنَتِيجَةٍ طَبِيعِيَّةٍ لِلتَّطَوُّرِ الْعِلْمِيِّ وَالتِّكْنُولُوجِيِّ الَّذِي نَعِيشُهُ فِي كُلِّ مَجَالَاتِ الْحَيَاةِ ، وَلِلْأَسَفِ الشَّدِيدِ نَحْنُ أَمَامَ مُنْتَجٍ عَالَمِيٍّ ، فُرِضَ عَلَيْنَا أَنْ يَدْخُلَ بُيُوتَنَا جَمِيعًا .
رُبَّمَا يَكُونُ رَدُّ فِعْلِ الْبَعْضِ ، أَنْ يَقُولَ لَكَ نَمْنَعُ الْأَطْفَالَ وَالشَّبَابَ تَمَامًا مِنْ هَذِهِ الْأَلْعَابِ ، وَلَا نَسْمَحُ لَهُمْ بِمُمَارَسَتِهَا وَلَعْبِهَا مُطْلَقًا ، وَلَكِنْ يُؤْسِفُنِي أَنْ أَقُولَ ثَبَتَ بِالتَّجْرِبَةِ ، أَنَّ الْمَمْنُوعَ دَائِمًا مَرْغُوبٌ ، وَأَنَّ الطِّفْلَ أَوِ الشَّابَّ الَّذِي يَمْنَعُهُ وَلِيُّ أَمْرِهِ مِنَ اللَّعِبِ مُطْلَقًا ، حِينَمَا تُتَاحُ لَهُ فُرْصَةٌ فِي الْخَارِجِ ، وَبَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ مَنْ فِي الْبَيْتِ تَرَاهُ يَلْعَبُ بِنَهَمٍ ، شَأْنُهُ فِي ذَلِكَ تَمَامًا ، شَأْنُ الْجَائِعِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلْ مُنْذُ أَيَّامٍ ، وَفَجْأَةً وَجَدَ الطَّعَامَ أَمَامَهُ ، فَإِنَّهُ يَأْكُلُ بِكُلِّ نَهَمٍ وَشَوْقٍ ، وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي عَلَيْنَا وَضْعُ ضَوَابِطَ لِأَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا وَهُمْ يُمَارِسُونَ هَذِهِ الْأَلْعَابَ ، هَذِهِ الضَّوَابِطُ هِيَ ضَوَابِطُ شَرْعِيَّةٌ ، حَتَّى يَجُوزَ لَهُمْ مُمَارَسَةُ هَذِهِ الْأَلْعَابِ ، مِنْ هَذِهِ الضَّوَابِطِ :
أَوَّلًا : تَحْدِيدُ وَقْتِ اللَّعِبِ ، وَعَدَمُ تَجَاوُزِهِ ، لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَلْعَابِ تَسْرِقُ الْوَقْتَ ، وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِاحْتِرَامِ وَتَقْدِيرِ قِيمَةِ الْوَقْتِ فِي الْحَيَاةِ ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَيَسْأَلُنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ وَقْتِنَا فِيمَا ضَيَّعْنَاهُ ، قَالَ تَعَالَى : (( وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) )) سُورَةُ الْعَصْرِ ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ فِيهِ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟ )) .
ثَانِيًا : أَنْ نُعَلِّمَ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا أَنَّ هُنَاكَ ثَوَابِتَ لَا يُمْكِنُ التَّعَرُّضُ لَهَا أَثْنَاءَ اللَّعِبِ ، حَيْثُ أَنَّ هُنَاكَ بَعْضَ الْأَلْعَابِ تَتَّخِذُ مِنَ الْمُقَدَّسَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ غَرَضًا لِلْهَدْمِ أَوِ الْإِبَادَةِ (( كَالْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ )) مَثَلًا ، فَإِذَا رَأَى مِثْلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مُغَادَرَةُ هَذِهِ اللُّعْبَةِ فَوْرًا وَعَدَمُ لَعْبِهَا مَرَّةً أُخْرَى .
ثَالِثًا : عَدَمُ التَّحَدُّثِ أَثْنَاءَ اللَّعِبِ مَعَ أَشْخَاصٍ مَجْهُولِينَ بِالنِّسْبَةِ لَنَا ، لَا نَعْرِفُ عَنْهُمْ شَيْئًا ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَتَأَثَّرُ أَبْنَاؤُنَا وَبَنَاتُنَا بِأَشْخَاصٍ لَدَيْهِمْ أَفْكَارٌ شَاذَّةٌ فِي عَقِيدَتِهِمْ ، أَوْ سُلُوكِهِمْ ، أَوْ أَخْلَاقِهِمْ ، كَمَا يَتِمُّ أَحْيَانًا ابْتِزَازُ مَنْ يَلْعَبُ هَذِهِ الْأَلْعَابَ بِصُوَرٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الِابْتِزَازِ كَابْتِزَازٍ مَالِيٍّ ، أَوْ طَلَبِ صُوَرٍ خَاصَّةٍ بِمَنْ يَلْعَبُ أَوْ بِوَالِدَيْهِ .
رَابِعًا : عَلَى أَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ مُلَاحَظَةُ أَبْنَائِهِمْ وَهُمْ يَلْعَبُونَ هَذِهِ الْأَلْعَابِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَبْنَاءُ تَحْتَ أَعْيُنِنَا ، وَأَنْ نَزْرَعَ فِيهِمُ الْخَوْفَ مِنَ اللَّهَ تَعَالَى ، وَعَدَمَ مُشَاهَدَةِ صُوَرٍ أَوْ مَقَاطِعِ فِيدْيُو مِنْ شَأْنِهَا أَنَّهَا تَخْدِشُ الْحَيَاءَ الْعَامَّ ، وَأَنْ نَزْرَعَ فِيهِمْ قَوْلَهُ تَعَالَى : (( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ )) سُورَةُ غَافِرِ (19) .
خَامِسًا : أَنْ لَا يَشْغَلَهُمْ هَذَا اللَّعِبُ عَنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا ، وَعَنْ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ وَاجِبَاتٍ وَالْتِزَامَاتٍ حَيَاتِيَّةٍ ، قَالَ تَعَالَى : (( إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا )) سُورَةُ النِّسَاءِ (103) .
سَادِسًا : أَنْ لَا يَتَخَلَّلَ ذَلِكَ اللَّعِبُ أَيُّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الْقِمَارِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، قَالَ تَعَالَى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )) سُورَةُ الْمَائِدَةِ (90) . وَهَكَذَا فَيَنْبَغِي اتِّبَاعُ مِثْلِ هَذِهِ الضَّوَابِطِ ، حَتَّى يَتَسَنَّى لَنَا أَنْ نَسْمَحَ لِأَوْلَادِنَا بِمُمَارَسَةِ هَذِهِ الْأَلْعَابِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ .
نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَحْفَظَ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتَنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ ، وَأَنْ يَحْفَظَ مِصْرَ وَأَهْلَهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَشَرٍّ.










