خطبة الجمعة: الزلزال الرقمي وحماية الأعراض | الشيخ محمد طلعت القطاوي – صوت الدعاة
"ننشر نص خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ محمد طلعت القطاوي على جريدة صوت الدعاة بعنوان "الزلزال الرقمي وحماية الأعراض". استمع/اقرأ عن كيفية مواجهة التحرش الإلكتروني في عصر الفتن."

“ننشر نص خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ محمد طلعت القطاوي على جريدة صوت الدعاة بعنوان “الزلزال الرقمي وحماية الأعراض”. استمع/اقرأ عن كيفية مواجهة التحرش الإلكتروني في عصر الفتن.” خطبة الجمعة بعنوان الزِّلْزَالُ الرَّقْمِيُّ وَحِمَايَةُ الْأَعْرَاضِ فِي عَصْرِ الْفِتَنِ (جَرَائِمُ التَّحَرُّشِ الْإِلِكْتُرُونِيِّ) بقلم فضيلة الشيخ محمد طلعت القطاوي بتاريخ الجُمُعَةُ ٨ شَوَّال ١٤٤٧هـ | ٢٧-٠٣-٢٠٢٦م
“اقرأ نص خطبة الجمعة (الزلزال الرقمي وحماية الأعراض) بقلم الشيخ محمد طلعت القطاوي على موقع صوت الدعاة. تتناول الخطبة مخاطر التحرش والابتزاز الإلكتروني في عصر الفتن وكيفية حماية المجتمع والأعراض وفق الشريعة الإسلامية.”
لقراءة الخطبة كاملة علي موقع صوت الدعاة
![]() |
الزِّلْزَالُ الرَّقْمِيُّ وَحِمَايَةُ الْأَعْرَاضِ فِي عَصْرِ الْفِتَنِ (جَرَائِمُ التَّحَرُّشِ الْإِلِكْتُرُونِيِّ)
بقلم فضيلة الشيخ محمد طلعت القطاوي
عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ:
الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: بَيْنَ صَفَاءِ الْمَاضِي وَضَجِيجِ الْحَاضِرِ.
الْعُنْصُرُ الثَّانِي: شَبَابُ الرِّسَالَةِ: نَمَاذِجُ لَا تُنْسَى.
الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: الْجَانِبُ النَّفْسِيُّ وَالْأُسْرِيُّ: اخْتِرَاقُ الْحُصُونِ وَاغْتِيَالُ الْبَرَاءَةِ.
الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: كَيْفَ نُعِيدُ بِنَاءَ الْحُصُونِ؟
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْحَيَاءَ زِينَةَ النُّفُوسِ، وَشُعْبَةً مِنَ الْإِيمَانِ، وَحِصْنًا لِلْأَعْرَاضِ وَالْأَبْدَانِ. أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، حَذَّرَنَا مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، وَأَمَرَنَا بِحِفْظِ الْفُرُوجِ وَغَضِّ الْأَبْصَارِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ رَبَّى، وَأَطْهَرُ مَنْ زَكَّى، كَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، عِبَادَ اللَّهِ:أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، فَمَنْ اتَّقَى اللَّهَ وَقَاهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ. أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّنَا نَعِيشُ فِي زَمَنٍ تَكَالَبَتْ فِيهِ قُوَى الشَّرِّ عَلَى ثَوَابِتِنَا وَقِيَمِنَا، زَمَنٌ انْفَتَحَتْ فِيهِ أَبْوَابُ الْفِتَنِ عَلَى مَصَارِيعِهَا، وَنُشِرَ الْفَسَادُ فِي أَرْوِقَةِ بُيُوتِنَا بِمَا اسْتَحْدَثَتْهُ التِّكْنُولُوجِيَا الْمُتَطَوِّرَةُ. لَقَدْ صَارَ الْعَدُوُّ يَدْخُلُ مَخَادِعَ أَبْنَائِنَا بِلَا اسْتِئْذَانٍ، عَبْرَ شَاشَاتٍ بَرَّاقَةٍ وَمِنَصَّاتٍ خَدَّاعَةٍ، هَدَفُهَا الْأَسَاسِيُّ صِنَاعَةُ أَجْيَالٍ مُنْحَرِفَةِ الْفِكْرِ وَالْمَنْهَجِ، جِيلٍ بِلَا هُوِيَّةٍ وَلَا هَدَفٍ.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّنَا نَقِفُ الْيَوْمَ أَمَامَ قَضِيَّةٍ مِنْ أَخْطَرِ الْقَضَايَا الَّتِي تَعْصِفُ بِالْمُجْتَمَعِ، أَلَا وَهِيَ: “التَّحَرُّشُ الْإِلِكْتُرُونِيُّ” وَاغْتِيَالُ الْحَيَاءُ. هَذَا الْوَبَاءُ الرَّقْمِيُّ الَّذِي لَمْ يَعُدْ يَسْتَهْدِفُ الْكِبَارَ فَحَسْبُ، بَلْ صَارَ يَنْهَشُ فِي بَرَاءَةِ الْأطْفَالِ وَيُدَنِّسُ عِفَّةَ الشَّبَابِ. لَقَدْ تَمَثَّلَ هَذَا الْإِجْرَامُ فِي أَلْعَابٍ جِنْسِيَّةٍ مَسْمُومَةٍ، وَمَوَاقِعَ إِبَاحِيَّةٍ مَشْبُوهَةٍ، وَمِنَصَّاتٍ عَبَثِيَّةٍ تُشَجِّعُ الْبَنَاتِ وَالنِّسَاءَ عَلَى الْعُرِيِّ وَالتَّهَتُّكِ مِنْ أَجْلِ كَسْبِ الْمَالِ وَحَصْدِ “الْمُتَابَعَاتِ”.
وَا أَسَفَاهُ عَلَى زَمَنٍ صَارَ فِيهِ “اللَّايْكُ” أَغْلَى مِنَ الْحَيَاءِ، وَ”الشِّيرُ” أَهَمَّ مِنَ السِّتْرِ! قَدْ ضَاعَتِ الْمُرُوءَةُ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ حَتَّى بَاعُوا أَعْرَاضَهُمْ فِي بَثٍّ مُبَاشِرٍ لِيَرَاهُ الْقَاصِي وَالدَّانِي.
وَفِي هَذَا يَقُولُ الشَّاعِرُ:
وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ شَيْئًا … كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ
وَإِذَا أُصِـيـبَ الْـقَـوْمُ فِي أَخْـلَاقِـهِـمْ … فَأَقِـمْ عَـلَـيْـهِـمْ مَأْتَمًا وَعَـوِيلَا
الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: بَيْنَ صَفَاءِ الْمَاضِي وَضَجِيجِ الْحَاضِرِ.
تَأَمَّلُوا مَعِي -رَحِمَكُمُ اللَّه- تِلْكَ الْمُفَارَقَةَ الْعَجِيبَةَ بَيْنَ جِيلِنَا الْحَالِيِّ وَمَا سَبَقَهُ مِنَ الْأَجْيَالِ. مُنْذُ عُقُودٍ لَيْسَتْ بِبَعِيدَةٍ، لَوَجَدْنَا بَوْنًا شَاسِعًا وَفَرْقًا هَائِلًا بَيْنَ حَيَاةٍ كَانَ يَحُفُّهَا السَّتْرُ، وَبَيْنَ وَاقِعٍ انْهَتَكَتْ فِيهِ الْأَسْتَارُ.
أَوَّلًا: مِنَ “الشَّاشَةِ الْجَامِعَةِ” إِلَى “الشَّاشَةِ الْمُفَرِّقَةِ”
كَانَ الْبَيْتُ الْمُسْلِمُ قَبْلَ سَنَوَاتٍ يَجْتَمِعُ حَوْلَ تِلْفَازٍ وَاحِدٍ، صُورَتُهُ “بَيْضَاءُ وَسَوْدَاءُ”، لَا يَعْرِفُ مَكْرَ الْأَلْوَانِ وَلَا خِدَاعَ الْإِضَاءَاتِ. كَانَتْ تِلْكَ الشَّاشَةُ بِقَنَوَاتِهَا الثَّلَاثِ الْمَنْضَبِطَةِ تَخْضَعُ لِرَقَابَةِ الدَّوْلَةِ، ثُمَّ لِرَقَابَةِ الْأَبِ، ثُمَّ لِحَيَاءِ الْأُمِّ. إِذَا ظَهَرَ مَشْهَدٌ خَادِشٌ -وَكَانَ نَادِرًا- غَضَّ الْجَمِيعُ أَبْصَارَهُمْ، وَرُبَّمَا أُغْلِقَ الْجِهَازُ بِأَكْمَلِهِ حَيَاءً وَإِجْلَالًا. كَانَ الْأَطْفَالُ يَلْعَبُونَ فِي الْأَزِقَّةِ بَرَاءَةً، وَيَنَامُونَ عَلَى قِصَصِ الْبُطُولَةِ وَالْعِفَّةِ.
أَمَّا الْيَوْمَ: فَقَدْ تَقَطَّعَتِ الْأَوْصَالُ، وَأَصْبَحَ كُلُّ فَرْدٍ فِي الْأُسْرَةِ يَمْلِكُ “تِلْفَازَهُ الْخَاصَّ” فِي كَفِّهِ. صَارَ كُلُّ طِفْلٍ يَمْلِكُ “عَالَمًا سِرِّيًّا” فِي جَيْبِهِ. هَاتِفٌ ذَكِيٌّ يَنْقُلُهُ إِلَى غُرَفِ الدَّرْدَشَةِ مَعَ ذِئَابٍ بَشَرِيَّةٍ، وَأَلْعَابٍ جَمَاعِيَّةٍ تُعَلِّمُهُ الشُّذُوذَ وَالتَّحَلُّلَ. لَقَدْ فَقَدْنَا “لِمَّةَ الْعَائِلَةِ” لِصَالِحِ “عُزْلَةِ الشَّاشَاتِ”. جِيلُ الْمَاضِي كَانَ يَخْجَلُ مِنَ النَّظْرَةِ، وَجِيلُ الْيَوْمِ يُجَاهِرُ بِالْفَاحِشَةِ رَقْمِيًّا!
لَقَدْ انْزَوَى الْأَبُ فِي رُكْنٍ مَعَ هَاتِفِهِ، وَالْأُمُّ فِي عَالَمِهَا الِافْتِرَاضِيِّ، وَالْأَبْنَاءُ خَلْفَ أَبْوَابٍ مُغْلَقَةٍ يَغُوصُونَ فِي أَعْمَاقِ “الْخَطَرِ”. لَمْ تَعُدِ الْأُسْرَةُ تَجْتَمِعُ عَلَى قِيَمٍ بَلْ صَارُوا “أَغْرَابًا تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ”، أَجْسَادُهُمْ فَوْقَ الْأَرَائِكِ، وَأَرْوَاحُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ تَطُوفُ فِي مَوَاخِيرِ الشَّرِّ وَفَضَاءَاتِ التَّحَرُّشِ الْإِلِكْتُرُونِيِّ دُونَ رَقِيبٍ أَوْ حَسِيبٍ.
ثَانِيًا: بَرَاءَةُ الطُّفُولَةِ بَيْنَ “زَمَنِ الْأَلْعَابِ” وَ”زَمَنِ الِاسْتِدْرَاجِ”
كَانَ الطِّفْلُ فِي الْجِيلِ الْمَاضِي يَشْغَلُ وَقْتَهُ بِأَلْعَابٍ بَدَنِيَّةٍ تَبْنِي جِسْمَهُ، أَوْ بِقِصَصٍ وَرَقِيَّةٍ تُنْمِي خَيَالَهُ، كَانَ أَقْصَى هَمِّهِ أَنْ يَفُوزَ فِي مُبَارَاةٍ لِلْكُرَةِ أَوْ يَنْجَحَ فِي اخْتِبَارٍ مَدْرَسِيٍّ. كَانَتِ “الْبَرَاءَةُ” هِيَ السِّتَارَ الَّذِي يَحْمِيهِ.
أَمَّا طِفْلُ الْيَوْمِ: فَقَدْ هُتِكَتْ بَرَاءَتُهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْحُلُمَ. لَقَدْ صَارَ الطِّفْلُ يُطَارِدُ “الْأَلْعَابَ الْإِلِكْتُرُونِيَّةَ” الَّتِي تَبُثُّ السُّمُومَ الْجِنْسِيَّةَ بَيْنَ الْمَرَاحِلِ، وَتَدْعُو لِلشُّذُوذِ تَحْتَ مُسَمَّى “الْحُرِّيَّةِ”. لَقَدْ صَارَ يَتَحَدَّثُ مَعَ غُرَبَاءَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ لَا يَعْرِفُ هُوِيَّتَهُمْ، فَمِنْهُمُ الْمُتَحَرِّشُ، وَمِنْهُمُ الْمُبْتَزُّ، وَمِنْهُمُ الَّذِي يَسْرِقُ عَقْلَهُ لِيَجْعَلَهُ مَسْخًا بِلَا مَبَادِئَ. لَقَدْ اسْتُبْدِلَتْ “كُرَةُ الْقَدَمِ” بِـ “غُرَفِ الدَّرْدَشَةِ” الْمُظْلِمَةِ، وَاسْتُبْدِلَتْ “حَكَاوِي الْجَدَّةِ” بِـ “فِيدْيُوهَاتِ التَّفَاهَةِ” وَالتَّعَرِّي.
ثَالِثًا: مَفْهُومُ الْعِرْضِ.. مِنَ “الْمَصُونِ” إِلَى “الْمَشَاعِ”
فِي جِيلِ “الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ”، كَانَتِ الْبِنْتُ تَخْجَلُ أَنْ يَرَى الْجِيرَانُ ظِلَّهَا، وَكَانَ الْحَيَاءُ هُوَ رِدَاءَهَا الْأَجْمَلَ. كَانَ الْجَمَالُ “جَوْهَرًا” يُصَانُ لِلْبَيْتِ وَالزَّوْجِ.
أَمَّا فِي جِيلِ “التِّرِينْدِ” وَالْمِنَصَّاتِ: فَقَدْ انْقَلَبَتِ الْمَوَازِينُ. أَصْبَحَتِ الْأَعْرَاضُ مَشَاعًا لِأَجْلِ “كَبْسَةِ زِرٍّ”. نَرَى بَنَاتِنَا -إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبِّي- يَتَسَابَقْنَ فِي إِظْهَارِ الْمَفَاتِنِ عَلَى مَنَصَّاتِ الْفِيدْيُو لِكَسْبِ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ. لَقَدْ صَارَ “التَّحَرُّشُ” فِعْلًا يَقُومُ بِهِ الْمُشَاهِدُ بِعَيْنِهِ، وَتُشَجِّعُ عَلَيْهِ صَانِعَةُ الْمُحْتَوَى بِفِعْلِهَا! لَقَدْ صَارَتِ الْخُصُوصِيَّةُ سِلْعَةً تُبَاعُ، وَأَسْرَارُ الْبُيُوتِ حِكَايَاتٍ تُرْوَى لِلْمَلَايِينِ، حَتَّى ضَاعَ مَفْهُومُ “الْغَيْرَةِ” عِنْدَ الرِّجَالِ، وَمَفْهُومُ “السِّتْرِ” عِنْدَ النِّسَاءِ.
رَابِعًا: الْهِمَّةُ.. بَيْنَ “فَتْحِ الْبُلْدَانِ” وَ”فَتْحِ الرَّوَابِطِ”
تَأَمَّلُوا –حَفِظَكُمُ اللَّه- فِي شَبَابِ الصَّحَابَةِ؛ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَمْشِي آلَافَ الْأَمْيَالِ لِيَنْشُرَ كَلِمَةَ “لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ”، كَانَ هَمُّهُمْ نَصْرَ الدِّينِ وَإِعْلَاءَ رَايَةِ الْحَقِّ. كَانَ الشَّابُّ يَطْلُبُ الْعِلْمَ حَتَّى يَصِيرَ إِمَامًا، أَوْ يَحْمِلُ السَّيْفَ حَتَّى يَصِيرَ شَهِيدًا.
وَانْظُرُوا لِحَالِ كَثِيرٍ مِنْ شَبَابِنَا الْيَوْمَ: هِمَّتُهُمْ لَا تَتَجَاوَزُ “رَابِطًا” لِمَوْقِعٍ مَشْبُوهٍ، أَوْ “تَحْدِيثًا” لِلُعْبَةٍ مَجْنُونَةٍ. سَهِرُوا اللَّيَالِيَ لَيْسَ لِقِيَامِ اللَّيْلِ، بَلْ لِمُتَابَعَةِ “بَثٍّ” لَاهٍ أَوْ لِلْبَحْثِ عَنْ صُوَرٍ مُحَرَّمَةٍ. لَقَدْ فَقَدُوا هُوِيَّتَهُمْ فَهَامُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي أَوْدِيَةِ التِّكْنُولُوجِيَا، صَارُوا يَخْدِمُونَ “خَوَارِزْمِيَّاتِ” الْغَرْبِ وَيَنْفُذُونَ مَخَطَّطَاتِهِمْ فِي تَدْمِيرِ أَنْفُسِهِمْ وَهُمْ يَضْحَكُونَ.
يَا لَهُ مِنْ فَرْقٍ مُوجِعٍ! كَانَ الْمَاضِي بَسِيطًا فِي مَادِّيَّتِهِ، عَظِيمًا فِي مَبَادِئِهِ. وَأَصْبَحَ الْحَاضِرُ مَبْهَرًا فِي تِقْنِيَّاتِهِ، مُهْتَرِئًا فِي أَخْلَاقِهِ. فَيَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ! كَيْفَ نُقَادُ إِلَى حَتْفِنَا بِأَيْدِينَا؟ كَيْفَ نَدْفَعُ أَمْوَالًا لِشِرَاءِ “جَهَنَّمَ” لِأَبْنَائِنَا عَبْرَ هَذِهِ الْأَجْهِزَةِ؟ إِنَّ الْمُقَارَنَةَ الْيَوْمَ لَيْسَتْ لِلْبُكَاءِ عَلَى الْأَطْلَالِ، بَلْ لِلِاسْتِفَاقَةِ قَبْلَ أَنْ يَغْرَقَ الزَّوْرَقُ بِمَنْ فِيهِ.
فَيَا أَيُّهَا الْآبَاءُ، أَيُّهَا الْمُرَبُّونَ: إِنَّ أَبْنَاءَكُمْ أَمَانَةٌ، وَإِنَّ الْحَيَاءَ إِذَا ذَهَبَ لَا يَعُودُ إِلَّا بِمُعْجِزَةٍ. فَكُونُوا كَشَبَابِ الصَّحَابَةِ فِي حَزْمِهِمْ، وَكَالْأَجْيَالِ الصَّالِحَةِ فِي غَيْرَتِهِمْ، وَاسْتَعِيدُوا هَيْبَةَ الْبُيُوتِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَقُوَّةِ التَّرْبِيَةِ.
الْعُنْصُرُ الثَّانِي: شَبَابُ الرِّسَالَةِ: نَمَاذِجُ لَا تُنْسَى.
أَيْنَ هَذَا الْجِيلُ التَّائِهُ مِنْ شَبَابِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ؟ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانَ هَمُّهُمُ الْعَقِيدَةَ وَنَشْرَ الدَّعْوَةِ. أَيْنَ نَحْنُ مِنْ تِلْكَ الْأَقْمَارِ الَّتِي أَضَاءَتْ لَيْلَ الْبَشَرِيَّةِ؟ أَيْنَ جِيلُ “التَّفَاهَةِ الرَّقْمِيَّةِ” مِنْ جِيلِ “الْعِزَّةِ النَّبَوِيَّةِ”؟ إِنَّ الْمَدْرَسَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ لَمْ تُخَرِّجْ “مَشَاهِيرَ” يَبْحَثُونَ عَنِ الْأَضْوَاءِ، بَلْ خَرَّجَتْ “أَعْلَامًا” تَهْتَدِي بِهِمُ النُّجُومُ فِي آفَاقِ السَّمَاءِ.
- مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ: مِنَ التَّرَفِ إِلَى التَّكْلِيفِ
تَأَمَّلُوا فِي سِيرَةِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، ذَلِكَ الشَّابِّ الَّذِي كَانَ أَعْطَرَ أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَنْعَمَهُمْ بَالًا، وَأَجْمَلَهُمْ ثِيَابًا. كَانَ يَتَمَايَلُ فِي مَشْيَتِهِ تَرَفًا، وَتَتَسَابَقُ الْأَنْظَارُ إِلَيْهِ إِعْجَابًا. لَكِنَّهُ حِينَ لَمَسَ الْإِيمَانُ شَغَافَ قَلْبِهِ، انْقَلَبَ مِنْ “شَابٍّ مُدَلَّلٍ” إِلَى “دَاعِيَةٍ مُجَاهِدٍ”. لَقَدْ تَرَكَ عُطُورَ بَارِيسَ -إِنْ جَازَ التَّعْبِيرُ فِي زَمَانِنَا- لِيَلْبَسَ ثَوْبًا مَرَقَّعًا، وَيُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَفْتَحَهَا بِالْقُرْآنِ. مَاتَ مُصْعَبٌ وَهُوَ يَحْمِلُ الرَّايَةَ، لَمْ يَنْشَغِلْ بِتَصْوِيرِ نَفْسِهِ، بَلْ انْشَغَلَ بِكَيْفَ يَثْبُتُ الدِّينُ فِي نُفُوسِ النَّاسِ. أَيْنَ هُوَ مِنْ شَبَابٍ يَبِيعُونَ دِينَهُمْ وَحَيَاءَهُمْ لِأَجْلِ بَثٍّ مُبَاشِرٍ؟!
- عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: بَطُولَةُ الْفِدَاءِ
وَانْظُرُوا إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَتَى الْإِسْلَامِ الْأَوَّلِ. حِينَ اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ بِسُيُوفِهَا لِقَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ، لَمْ يَتَرَدَّدْ هَذَا الشَّابُّ لَحْظَةً. نَامَ فِي فِرَاشِ الْمَوْتِ، وَتَلَفَّعَ بِبُرْدِ النَّبِيِّ، لِيُوهِمَ الْمُشْرِكِينَ أَنَّ الرَّسُولَ لَا يَزَالُ نَائِمًا. لَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ يَبْحَثُ عَنْ “مُتَابَعِينَ” لِيَرَوْا شَجَاعَتَهُ، بَلْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ عَيْنَ اللَّهِ تَرْقُبُهُ. شَبَابُ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَصْنَعُونَ التَّارِيخَ بِمَوَاقِفِهِمْ، بَيْنَمَا يَكْتَفِي كَثِيرٌ مِنْ شَبَابِنَا الْيَوْمَ بِـ “مُشَاهَدَةِ” التَّارِيخِ أَوْ تَشْوِيهِهِ عَلَى الشَّاشَاتِ.
- أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: قِيَادَةُ الْهِمَمِ
وَمَاذَا نَقُولُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ؟ “الْحِبُّ ابْنُ الْحِبِّ”. قَادَ جَيْشًا فِيهِ كِبَارُ الصَّحَابَةِ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَعُمْرُهُ لَمْ يَتَجَاوَزْ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ! فِي الْعُمْرِ الَّذِي يَقْضِيهِ شَبَابُنَا الْيَوْمَ فِي “مُسْتَوَيَاتِ الْأَلْعَابِ” (Levels)، كَانَ أُسَامَةُ يَضَعُ خِطَطَ الْحُرُوبِ وَيَقُودُ الرِّجَالَ. كَانَتْ عُقُولُهُمْ نَاضِجَةً لِأَنَّهَا ارْتَوَتْ مِنْ نَبْعِ الْوَحْيِ، بَيْنَمَا عُقُولُ الْيَوْمِ مُشَتَّتَةٌ لِأَنَّهَا غَرِقَتْ فِي نَبْعِ “السُّوشِيَال مِيدْيَا”.
- مَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: عَمَالِقَةُ الْفِكْرِ وَالْعِلْمِ
وَلَا نَنْسَى مَعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، الَّذِي قَالَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ: “أَعْلَمُ أُمَّةِي بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ”. مَاتَ وَهُوَ فِي شَبَابِهِ (نَحْوَ الثَّلَاثِينَ)، لَكِنَّهُ تَرَكَ عِلْمًا تَنْحَنِي لَهُ الرُّؤُوسُ. كَانَ اهْتِمَامُهُمْ: كَيْفَ نَفْهَمُ الدِّينَ؟ كَيْفَ نَنْشُرُ الْعَقِيدَةَ؟ كَيْفَ نَحْمِي بَيْضَةَ الْإِسْلَامِ؟ لَمْ تَكُنْ تَشْغَلُهُمْ “الْمُوضَاتُ” وَلَا “الصَّيْحَاتُ”، بَلْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ “أُمَّةً” فِي رَجُلٍ.
وَكَيْفَ لَنَا أَنْ نَنْسَى مَنْ بَلَغَ مِنَ الْمَجْدِ أَعْلَاهُ فِي سِتِّ سَنَوَاتٍ فَقَطْ؟ إِنَّهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الَّذِي اهْتَزَّ لِمَوْتِهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ. إِنَّ قِصَّةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ هِيَ الضَّرْبَةُ الْقَاضِيَةُ لِحُجَجِ الْفَرَاغِ وَالتَّفَاهَةِ الَّتِي يَتَعَلَّلُ بِهَا شَبَابُ الْيَوْمِ.
سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: الشَّابُّ الَّذِي اهْتَزَّ لِمَوْتِهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ
عِبَادَ اللَّهِ، قِفُوا مَعِي وَتَأَمَّلُوا هَذِهِ الْأُعْجُوبَةَ: أَيُّ مَجْدٍ هَذَا الَّذِي يُصْنَعُ فِي سِتِّ سَنَوَاتٍ؟ لَقَدْ أَسْلَمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ! سِتُّ سَنَوَاتٍ فَقَطْ فِي الْإِسْلَامِ، لَمْ يَقْضِهَا فِي “مُتَابَعَةِ التَّفَاهَاتِ”، وَلَا فِي “التَّحَرُّشِ بِالْمُحْصَنَاتِ” عَبْرَ الْوَسَائِلِ، وَلَا فِي “ضَيَاعِ الْأَوْقَاتِ” خَلْفَ الشَّاشَاتِ.
انْظُرُوا إِلَى هِمَّةِ الشَّبَابِ حِينَ تَتَّصِلُ بِالسَّمَاءِ: حِينَ أَسْلَمَ سَعْدٌ، لَمْ يَقُلْ “أَنَا شَابٌّ أُرِيدُ أَنْ أَمْرَحَ”، بَلْ وَقَفَ عَلَى قَوْمِهِ “بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ” وَقَالَ: “كَلَامُ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ”. فَأَسْلَمَتْ قَبِيلَتُهُ بِأَكْمَلِهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بِسَبَبِ “رَجُلٍ شَابٍّ” عَرَفَ قِيمَةَ نَفْسِهِ وَقِيمَةَ دِينِهِ.
فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ: وَقَفَ وَقْفَةَ الْأُسُودِ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: “فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ”. أَيْنَ هَذَا الْيَقِينُ مِنْ شَبَابٍ يَهْرُبُونَ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِأَجْلِ هَاتِفٍ؟ أَيْنَ هَذِهِ الْقُوَّةُ مِمَّنْ يَخُوضُونَ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ إِلكْتُرُونِيًّا بَدَلًا مِنْ أَنْ يَخُوضُوا مَعَارِكَ الْبِنَاءِ وَالنَّصْرِ؟
حِينَ مَاتَ سَعْدٌ مُتَأَثِّرًا بِجِرَاحِهِ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعْجُوبًا يَقُولُ: “يَا مُحَمَّدُ، مَنْ هَذَا الْمَيِّتُ الَّذِي فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَاهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ؟!”. نَعَمْ يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ -الَّذِي وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ- لِمَوْتِ شَابٍّ لَمْ يَمْكُثْ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا سِتَّ سَنَوَاتٍ!
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ نَالَ “اهْتِزَازَ الْعَرْشِ” بِطَاعَتِهِ وَحَيَائِهِ وَجِهَادِهِ. وَكَثِيرٌ مِنْ شَبَابِ الْيَوْمِ يَهْتَزُّ فَقَطْ “لِضَيَاعِ شَحْنِ هَاتِفِهِ” أَوْ “لِفُقْدَانِ حِسَابِهِ عَلَى الْمِنَصَّاتِ”! سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ شَيَّعَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَمْ يَطَئُوا الْأَرْضَ قَبْلَهَا. وَبَعْضُ شَبَابِنَا يَفْرَحُ بِـ “سَبْعِينَ أَلْفِ مُتَابِعٍ” مِمَّنْ يَنْظُرُونَ إِلَى عَوْرَاتِهِ أَوْ يَسْمَعُونَ لَغْوَهُ وَفُحْشَهُ!
يَا لَلْخَسَارَةِ! أَنْ يَكُونَ لَدَيْنَا مِثْلُ هَذِهِ الْجِبَالِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ أَبْنَاؤُنَا لِيَقْتَدُوا بِحُثَالَةِ الْبَشَرِ، وَيُمَارِسُوا التَّحَرُّشَ وَالِابْتِزَازَ عَبْرَ شَاشَاتٍ لَا تُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. إِنَّ سَعْدًا كَانَ يَعِيشُ لِلْآخِرَةِ فَنَالَهَا فِي شَبَابِهِ، وَنَحْنُ نَخْشَى عَلَى جِيلٍ يَعِيشُ لِـ “اللَّحْظَةِ الرَّقْمِيَّةِ” فَيَخْسَرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ.
مَا هَزَّ عَرْشَ اللَّهِ مَوْتُ مُجَاهِدٍ … إِلَّا لِسَعْدٍ حِينَ فَارَقَ دُنْيَا
سِتٌّ مِنَ الْأَعْوَامِ صَاغَتْ مَجْدَهُ … فَغَدَا لِكُلِّ السَّائِلِينَ عُلْيَا
يَا جِيلَ هَاتِفِكُمْ، تَأَمَّلْ شَأْنَهُ … أَيُرَى فَعَالُكَ فِي الْقِيَامَةِ شَيَّا؟
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَامُ: شَبَابُ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَفْتَحُونَ الرَّوَابِيَ وَالْحُصُونَ، وَشَبَابُنَا الْيَوْمَ يُفْتَحُ لَهُمْ “رَوَابِطُ” الْفَسَادِ وَالْمُجُونِ! شَبَابُ الصَّحَابَةِ كَانَ زَادُهُمْ “قِيَامَ اللَّيْلِ”، وَشَبَابُنَا زَادُهُمْ “سَهَرُ اللَّيْلِ” أَمَامَ الْمَوَاقِعِ الْإِبَاحِيَّةِ! شَبَابُ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَتَسَابَقُونَ لِلشَّهَادَةِ، وَشَبَابُنَا يَتَسَابَقُونَ لِـ “الشُّهْرَةِ” وَلَوْ عَلَى حِسَابِ كَرَامَتِهِمْ وَقِيَمِهِمْ.
لَقَدْ كَانَ سِرُّ قُوَّتِهِمْ فِي ثَلَاثٍ:
عَقِيدَةٌ رَاسِخَةٌ: لَا تَهْزِمُهَا الشُّبُهَاتُ.
حَيَاءٌ فِطْرِيٌّ: لَا تَهْتِكُهُ الشَّهَوَاتُ.
هَدَفٌ سَامٍ: هُوَ رِضَا رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ.
فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ هَذَا؟ إِنَّ التَّحَرُّشَ الْإِلِكْتُرُونِيَّ وَالتَّعَرِّيَ الرَّقْمِيَّ مَا هُوَ إِلَّا نَتِيجَةٌ لِفَرَاغِ الْقُلُوبِ مِنْ هَذِهِ النَّمَاذِجِ الْعَظِيمَةِ. حِينَ غَابَ “عَلِيٌّ” وَ”مُصْعَبٌ” عَنْ خَيَالِ أَبْنَائِنَا، حَلَّ مَحَلَّهُمْ “الْمَشَاهِيرُ” وَ”الْمُؤَثِّرُونَ” الَّذِينَ لَا يُؤَثِّرُونَ إِلَّا فِي هَدْمِ الْأَخْلَاقِ. رَحِمَ اللَّهُ سَلَفَنَا الصَّالِحَ، وَأَصْلَحَ اللَّهُ خَلَفَنَا، وَرَدَّ شَبَابَنَا إِلَى مَنْبَعِ الْعِزَّةِ وَالْفَخَارِ.
شَبَـابٌ ذَلَّـلُـوا سُـبُـلَ الْمَـعَـالِي … وَمَا عَرَفُوا الْخُمُولَ وَلَا التَّوَانِي
هِمَمُـهُـمْ فَوْقَ هَـامِ النَّجْمِ تَعْلُو … وَغَـايَتُـهُـمْ رِضَـا الرَّحْمَـنِ بَانِي
تَـرَاهُمْ فِـي الدُّجَى رُهْبَانَ لَيْلٍ … وَفِي الْهَيْجَاءِ أُسْـدًا فِي الْمَكَانِ
بَـنَوْا مَـجْـدًا بِـالْقُـرْآنِ صَرْحًا … وَدَاسُوا الشَّهَـوَاتِ بِكُلِّ آنِ
فَـمَا شَغَلَـتْـهُـمُ الدُّنْيَا بِلَهْوٍ … وَلَا سَـقَـطُـوا بِـفَخِّ “الْأَفْعُوَانِ”
أُولَـئِـكَ قُدْوَتِي، فَبِهِمْ نُبَاهِي … وَمَـنْ يَهْجُرْ خُطَاهُمْ فَهْوَ جَانِي. فَيَا حَسْرَتَاهُ عَلَى شَبَابٍ: أَصْبَحَتْ “أَفْعُوَانَاتُ” الشَّاشَاتِ تَلْدَغُ عُقُولَهُمْ كُلَّ ثَانِيَةٍ! أَصْبَحَتْ هِمَمُهُمْ مُعَلَّقَةً بِـ “مُشَارَكَةِ مَقْطَعٍ” أَوْ “تَصْوِيرِ تَفَاهَةٍ”، بَيْنَمَا كَانَ شَبَابُ الصَّحَابَةِ يَحْمِلُونَ هَمَّ أُمَّةٍ بِأَكْمَلِهَا. شَبَابُ الرِّسَالَةِ كَانُوا يَسْتَحْيُونَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَرَاهُمْ حَيْثُ نَهَاهُمْ، وَشَبَابُ الْيَوْمِ -إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبِّي- يَتَبَارَوْنَ فِي نَشْرِ مَعَاصِيهِمْ لِيَرَاهُمُ الْعَالَمُ أَجْمَعُ!
أَيُّهَا الْآبَاءُ: أَعِيدُوا لِلْبُيُوتِ قَصَصَ هَؤُلَاءِ الْعَمَالِقَةِ، اِمْلَأُوا فَرَاغَ عُقُولِ أَبْنَائِكُمْ بِبُطُولَاتِ خَالِدٍ وَمُصْعَبٍ وَأُسَامَةَ، قَبْلَ أَنْ تَمْلَأَهَا خَوَارِزْمِيَّاتُ الْفَسَادِ بِنَمَاذِجِ الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: الْجَانِبُ النَّفْسِيُّ وَالْأُسْرِيُّ: اخْتِرَاقُ الْحُصُونِ وَاغْتِيَالُ الْبَرَاءَةِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ الْخَطَرَ الْحَقِيقِيَّ لِلتَّحَرُّشِ الْإِلِكْتُرُونِيِّ لَا يَكْمُنُ فَقَطْ فِي “رِسَالَةٍ” أَوْ “صُورَةٍ”، بَلْ فِي تِلْكَ “الْهَنْدَسَةِ النَّفْسِيَّةِ” الَّتِي تَقُومُ بِهَا قُوَى الشَّرِّ لِغَسْلِ أَدْمِغَةِ أَبْنَائِنَا. إِنَّهُمْ يَعْمَدُونَ إِلَى نَزْعِ “بُرْقُعِ الْحَيَاءِ” تَدْرِيجِيًّا حَتَّى يَعْتَادَ الطِّفْلُ أَوْ الشَّابُّ عَلَى الْمُحَرَّمِ، فَلَا يَسْتَنْكِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ!
أَوَّلًا: مَصِيدَةُ الِاسْتِدْرَاجِ (خُطُوَاتُ الشَّيْطَانِ الرَّقْمِيِّ)
يَبْدَأُ الْمُتَحَرِّشُ أَوِ الْمِنَصَّاتُ الْعَبَثِيَّةُ بِدُخُولِ عَالَمِ الطِّفْلِ عَبْرَ “لُعْبَةٍ” أَوْ “تَحَدٍّ” (Challenge). فِي الْبِدَايَةِ يَكُونُ الْأَمْرُ مَرَحًا، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى “طَلَبِ صُورَةٍ”، ثُمَّ إِلَى “كَشْفِ عَوْرَةٍ”، حَتَّى يَقَعَ الضَّحِيَّةُ فِي فَخِّ الِابْتِزَازِ. نَفْسِيًّا: يُصَابُ الطِّفْلُ بِرُعْبٍ شَدِيدٍ، فَيَنْطَوِي عَلَى نَفْسِهِ، وَيَخْشَى إِخْبَارَ أَهْلِهِ لِفُقْدَانِ “ثِقَةِ الْأَمَانِ”، فَيَصِيرُ عَبْدًا لِهَذَا الذِّئْبِ الرَّقْمِيِّ. وَهُنَا نَسْأَلُ الْآبَاءَ: أَيْنَ كُنْتُمْ حِينَ كَانَ ابْنُكُمْ يُبْتَزُّ فِي غُرْفَتِهِ الْمُغْلَقَةِ؟!
ثَانِيًا: تَحْطِيمُ الْفِطْرَةِ وَصِنَاعَةُ “الْمَسْخِ”
إِنَّ تَعَرُّضَ الشَّبَابِ وَالْفَتَيَاتِ لِمُحْتَوَى “الْعُرِيِّ” مِنْ أَجْلِ الْمَالِ يَخْلُقُ لَدَيْهِمْ مَرَضًا نَفْسِيًّا يُسَمَّى “تَسْلِيعَ الْجَسَدِ”. تُصْبِحُ الْفَتَاةُ تَرَى نَفْسَهَا “رَقْمًا” أَوْ “سِلْعَةً” تُقَدَّرُ بِعَدَدِ “الْمُعْجَبِينَ”، فَتَفْقِدُ ثِقَتَهَا بِقِيمَتِهَا كَإِنْسَانَةٍ مُكَرَّمَةٍ عِنْدَ اللَّهِ، وَتَبْحَثُ عَنْ قِيمَتِهَا فِي عُيُونِ الْمُتَحَرِّشِينَ وَالْعَابِثِينَ. هَذَا “الضَّجِيجُ الرَّقْمِيُّ” يَقْتُلُ “الْحَيَاءَ الْفِطْرِيَّ”، فَإِذَا ذَهَبَ الْحَيَاءُ، ذَهَبَ الْإِيمَانُ كُلُّهُ، كَمَا قَالَ الْمُصْطَفَى ﷺ: «الْحَيَاءُ وَالْإِيمَانُ قُرِنَا جَمِيعًا، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الْآخَرُ».
ثَالِثًا: الْبَيْتُ الْهَشُّ (الدَّوْرُ الْأُسْرِيُّ الْمَفْقُودُ)
لِمَاذَا نَجَحَ التَّحَرُّشُ الْإِلِكْتُرُونِيُّ فِي جَذْبِ أَبْنَائِنَا؟
الْجَفَافُ الْعَاطِفِيُّ: حِينَ يَفْقِدُ الِابْنُ أَوِ الْبِنْتُ الْحَنَانَ فِي الْبَيْتِ، يَبْحَثَانِ عَنْهُ فِي “غُرَفِ الدَّرْدَشَةِ”، فَيَقَعَانِ فِي شِبَاكِ الْمُجْرِمِينَ.
الْقُدْوَةُ السَّيِّئَةُ: حِينَ يَرَى الطِّفْلُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يَقْضُونَ السَّاعَاتِ فِي مَقَاطِعِ “التَّفَاهَةِ”، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّمُ أَنَّ هَذَا هُوَ “الْعَادِيُّ” وَ”الطَّبِيعِيُّ”.
غِيَابُ الْقِوَامَةِ: كَثِيرٌ مِنَ الْآبَاءِ يُوَفِّرُونَ “الْإِنْتَرْنَتْ” فَقَطْ، وَلَا يُوَفِّرُونَ “الْإِرْشَادَ”. إِنَّ تَرْكَ هَاتِفٍ مَفْتُوحٍ بِيَدِ طِفْلٍ دُونَ رَقَابَةٍ هُوَ “جَرِيمَةُ إِهْمَالٍ” سَتُسْأَلُ عَنْهَا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ.
أَيُّهَا الْآبَاءُ وَأَيَّتُهَا الْأُمَّهَاتُ، يَا كُلَّ مَسْؤُولٍ وَرَاعٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ: عَلِّمُوا أَبْنَاءَكُمْ أَنَّ لِلْإِنْتَرْنَتِ مَخَاطِرَ وَكَوَارِثَ تُؤَثِّرُ عَلَى حَيَاتِهِمْ وَمُسْتَقْبَلِهِمْ. عَلِّمُوهُمْ إِنَّ التَّحَرُّشَ الْإِلِكْتُرُونِيَّ لَيْسَ جَرِيمَةً عَابِرَةً، بَلْ هُوَ هَدْمٌ لِلْأَرْكَانِ:
مِنَ النَّاحِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ: هُوَ زِنًى بِالْأَعْيُنِ وَالْآذَانِ، وَإِشَاعَةٌ لِلْفَاحِشَةِ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
مِنَ النَّاحِيَةِ النَّفْسِيَّةِ: يُدَمِّرُ نَفْسِيَّةَ الضَّحِيَّةِ، وَيُدْخِلُهَا فِي نَوْبَاتٍ مِنَ الِاكْتِئَابِ وَالِانْعِزَالِ، وَقَدْ يَدْفَعُ لِلِانْتِحَارِ خَوْفًا مِنَ الْفَضِيحَةِ أَوِ الِابْتِزَازِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْأُسْرِيَّةِ: يَهْدِمُ الثِّقَةَ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ، وَيَجْعَلُ الْبَيْتَ فُنْدُقًا لِلنَّوْمِ لَا مَحْرَابًا لِلتَّرْبِيَةِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْقَانُونِيَّةِ: هُوَ جَرِيمَةٌ يُعَاقِبُ عَلَيْهَا الْقَانُونُ بِأَشَدِّ الْعُقُوبَاتِ، وَلَكِنَّ الرَّقِيبَ الْأَعْظَمَ هُوَ اللَّهُ الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَبْنَائِكُمْ، وَارْقُبُوا جَوَّالَاتِهِمْ، وَلَا تَتْرُكُوهُمْ فَرِيسَةً لِلتِّكْنُولُوجِيَا الَّتِي أَرَادَ أَعْدَاؤُنَا أَنْ تَكُونَ سِلَاحًا لِذَبْحِ قِيَمِنَا. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
[الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ]
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ.
الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: كَيْفَ نُعِيدُ بِنَاءَ الْحُصُونِ؟
يَا مَعْشَرَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ: الْعِلَاجُ لَيْسَ بِالْمَنْعِ التَّامِّ الَّذِي يُوَلِّدُ الِانْفِجَارَ، بَلْ بِـ:
بِنَاءُ جِسْرِ الثِّقَةِ: اِجْعَلُوا أَبْنَاءَكُمْ يَلْجَئُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا تَعَرَّضُوا لِأَيِّ تَحَرُّشٍ دُونَ خَوْفٍ مِنَ الْعِقَابِ الشَّدِيدِ الَّذِي يَدْفَعُهُمْ لِلِانْتِحَارِ أَوْ الِانْحِرَافِ.
الرَّقَابَةُ الْوَاعِيَةُ: اِسْتَخْدِمُوا التَّطْبِيقَاتِ الَّتِي تَحْجِبُ الْمَوَاقِعَ الْإِبَاحِيَّةَ، وَاجْعَلُوا اسْتِخْدَامَ الْهَوَاتِفِ فِي “الصَّالَةِ” لَا فِي “غُرَفِ النَّوْمِ”.
إِشْغَالُ الْفَرَاغِ: الْفَرَاغُ هُوَ بِيئَةُ التَّحَرُّشِ الْخَصْبَةُ. اِرْبِطُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالرِّيَاضَةِ، وَبِحِفْظِ الْقُرْآنِ، وَبِالْأَهْدَافِ الْعَظِيمَةِ، لِيَكُونُوا كَـ “سَعْدٍ” وَ”عَلِيٍّ”.
يَقُولُ الشَّاعِرُ:
وَيَنْشَأُ نَاشِئُ الْفِتْيَانِ فِينَا … عَلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ أَبُوهُ
وَمَا دَانَ الْفَتَى بِحِجًى وَلَكِنْ … يُعَلِّمُهُ التَّدَيُّنَ أَقْرَبُوهُ
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، لِنَكُنْ يَدًا وَاحِدَةً فِي حِمَايَةِ أَعْرَاضِنَا، وَلْنَعْلَمْ أَنَّ مَعْرَكَةَ الْيَوْمِ هِيَ “مَعْرَكَةُ عُقُولٍ وَقِيَمٍ”، فَإِمَّا أَنْ نَصْنَعَ رِجَالًا، وَإِمَّا أَنْ نَتْرُكَ لِلشَّاشَاتِ صِنَاعَةَ أَشْبَاهِ رِجَالٍ. إِنَّ الْحَلَّ لِأَزْمَةِ “التَّحَرُّشِ الرَّقْمِيِّ” وَانْهِيَارِ الْأَخْلَاقِ يَبْدَأُ مِنَ الْبَيْتِ. لَا بُدَّ مِنْ إِحْيَاءِ مَفْهُومِ “الرَّقَابَةِ الذَّاتِيَّةِ” فِي نُفُوسِ أَبْنَائِنَا.
اذْكُرُوا قِصَّةَ ذَلِكَ الشَّابِّ الَّذِي جَاءَ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الزِّنَى، فَلَمْ يَزْجُرْهُ أَوْ يَضْرِبْهُ، بَلْ خَاطَبَ فِيهِ الْغَيْرَةَ وَالْمُرُوءَةَ قَائِلًا: “أَتَرْضَاهُ لِأُمِّكَ؟ أَتَرْضَاهُ لِأُخْتِكَ؟”. وَنَحْنُ الْيَوْمَ نَقُولُ لِكُلِّ مَنْ يَتَحَرَّشُ إِكْتُرُونِيًّا أَوْ يَنْشُرُ الْفُحْشَ: “أَتَرْضَاهُ لِأَهْلِ بَيْتِكَ؟!”.
إِنَّ طَوْقَ النَّجَاةِ يَتَمَثَّلُ فِي:
أَوَّلًا: صِدْقُ اللَّجَوءِ إِلَى اللَّهِ وَالدُّعَاءِ لِلذُّرِّيَّةِ بِالصَّلَاحِ.
ثَانِيًا: التَّرْبِيَةُ بِالْقُدْوَةِ؛ فَلَا تَكُنْ أَيُّهَا الْأَبُ غَارِقًا فِي الْهَاتِفِ وَتَطْلُبُ مِنْ ابْنِكَ أَنْ يَتْرُكَهُ.
ثَالِثًا: تَوْعِيَةُ الْفَتَيَاتِ بِأَنَّ مَالًا يَأْتِي مِنْ عَرْضِ الْأَجْسَادِ هُوَ مَالٌ سُحْتٌ، وَنَارٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
رَابِعًا: مُصَادَقَةُ الْأَبْنَاءِ وَفَتْحُ أَبْوَابِ الْحِوَارِ الْهَادِئِ الَّذِي يَتَّسِمُ بِالثِّقَةِ وَالِاطْمِئْنَانِ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ لِيَحْكُوا مَا يَتَعَرَّضُونَ لَهُ مِنْ مَخَاطِرَ دُونَ خَوْفٍ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، يَا حُمَاةَ الْعِرْضِ وَالْفَضِيلَةِ: قَبْلَ أَنْ نُغَادِرَ هَذَا الْمَقَامَ الطَّاهِرَ، قِفُوا مَعِي وَقْفَةَ صِدْقٍ مَعَ أَنْفُسِكُمْ. تَخَيَّلُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ بُيُوتَنَا الْيَوْمَ، فَمَاذَا سَيَرَى؟ أَسَيَرَى بَنَاتٍ يَحْفَظْنَ الْقُرْآنَ، أَمْ بَنَاتٍ يَتَمَايَلْنَ أَمَامَ “الْكَامِيرَا” لِأَجْلِ “دِينَارٍ” وَ”دِرْهَمٍ”؟ أَسَيَرَى شَبَابًا يَقْتَفُونَ أَثَرَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، أَمْ شَبَابًا غَرِقُوا فِي “مُسْتَنْقَعِ التَّحَرُّشِ” وَ”بِحَارِ الشَّهَوَاتِ الرَّقْمِيَّةِ”؟
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ. إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ أَبٍ عَنْ “هَاتِفِ” ابْنِهِ: “أَيْنَ كَانَ يَنْظُرُ؟”، وَسَائِلٌ كُلَّ أُمٍّ عَنْ “بَثِّ” ابْنَتِهَا: “مَاذَا كَانَتْ تَقُولُ؟”. فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَنْ يَنْفَعَ “تِيكْ تُوكٌ” وَلَا “سْنَابُ شَاتٍ”، بَلْ سَتَشْهَدُ عَلَيْنَا هَذِهِ الْأَصَابِعُ الَّتِي كَتَبَتْ، وَهَذِهِ الْأَعْيُنُ الَّتِي نَظَرَتْ، وَهَذِهِ الْجَوَالَاتُ الَّتِي كَانَتْ شَاهِدًا عَلَى كُلِّ لَحْظَةِ خَلْوَةٍ.
فَيَا رَبَّنَا وَخَالِقَنَا: نَحْنُ الْمُقَصِّرُونَ فِي حَقِّ ذُرِّيَّاتِنَا، وَأَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. نَحْنُ الَّذِينَ فَرَّطْنَا فِي “الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ” حَتَّى غَرِقْنَا فِي “سَوَادِ الشَّاشَاتِ”، فَارْحَمْ ضَعْفَنَا. فَيَا عِبَادَ اللَّهِ: أَتِمُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِالْحَيَاءِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْبَيْتَ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنُ لَا تَدْخُلُهُ شَيَاطِينُ التِّكْنُولُوجِيَا. وَيَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ: عُودُوا إِلَى رِحَابِ سَعْدٍ وَعَلِيٍّ، فَالْمَجْدُ لَيْسَ فِي “بَثٍّ” يُرْضِي الْمُعْجَبِينَ، بَلْ فِي “بَعْثٍ” يُرْضِي رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ: ثَبِّتْ قُلُوبَ أَبْنَائِنَا عَلَى دِينِكَ. اللَّهُمَّ حَصِّنْ فُرُوجَهُمْ، وَطَهِّرْ أَعْرَاضَهُمْ، وَنَوِّرْ بَصَائِرَهُمْ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَوَاتِفَنَا حُجَّةً لَنَا لَا عَلَيْنَا، وَاجْعَلْهَا سَبِيلًا لِنَشْرِ الْخَيْرِ لَا لِتَبْدِيدِ الْحَيَاءِ. اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِأَطْفَالِنَا سُوءًا مِنَ الْمُتَحَرِّشِينَ وَالْعَابِثِينَ، فَاجْعَلْ مَكْرَهُ تَدْمِيرًا عَلَيْهِ، وَارْفَعْ عَنْهُمْ بَلَاءَ هَذِهِ الْمِنَصَّاتِ الْمَسْمُومَةِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ انْصُرْ دِينَكَ وَأَعْلِ كَلِمَتَكَ، وَاجْعَلْ بِلَادَنَا بِلَادَ طُهْرٍ وَعَفَافٍ، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ شَبَابَنَا وَبَنَاتِنَا مِنَ الْفِتَنِ، اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَهُمْ وَحَصِّنْ فُرُوجَهُمْ، وَاجْعَلْهُمْ ذُخْرًا لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِنَا وَبِأَعْرَاضِنَا سُوءًا فَاجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَتَدْبِيرَهُ تَدْمِيرًا عَلَيْهِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا. اللَّهُمَّ اصْرِفْ عَنَّا وَعَنْ أَوْلَادِنَا شَرَّ هَذِهِ الشَّاشَاتِ، وَارْزُقْنَا حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ وَلَذَّةَ الطَّاعَةِ.
عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
________________________________________
خطبة الجمعة صوت الدعاة
الزلزال الرقمي وحماية الأعراض
التحرش الإلكتروني خطبة الجمعة
جرائم الابتزاز الإلكتروني
عصر الفتن الرقمية
الشيخ محمد طلعت القطاوي
حكم التحرش الإلكتروني في الإسلام
صوت الدعاة خطبة الجمعة 2026
حماية الأعراض في العصر الحديث
مسؤولية الفرد والمجتمع في مواجهة التحرش الرقمي
فقه المعاملات الرقمية
صوت الدعاة مقالات الشيخ محمد طلعت القطاوي












