القطاوي : خطبة الجمعة: غزوة بدر الكبرى.. دروس في الثبات ومعجزات السماء (بدرنا الجديدة وسط الأزمات)
بدر الكبرى: كيف نستلهم نصر الفرقان في واقع الأمة اليوم؟ (خطبة كاملة ومشكولة)
“في ظل ما تشهده الأمة الإسلامية من صراعات ومحن، تطل علينا ذكرى غزوة بدر الكبرى لا كحدث تاريخي عابر، بل كمنهاج حياة ودستور نصر. نقدم لكم اليوم في ‘صوت الدعاة’ خطبة جمعة كاملة، مكتوبة بالتشكيل، ومدعومة بالأدلة الشرعية والقصص المشوقة والأشعار البليغة، لترسم لنا الطريق نحو ‘بدر جديدة’ تعيد للأمة عزتها وسط تكالب الأعادي.”
خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ: بَدْرٌ الكُبْرَى.. يَوْمُ الفُرْقَانِ وَمِنْهَاجُ النَّصْرِ
الْجُمُعَةُ 16 رمضان ١٤٤٧هـ – 6-٠٢-٢٠٢٦م
إعداد: الشيخ محمد طلعت القطاوى
عناصر الخطبة:
العنصر الأول : أَزْمَةُ الأُمَّةِ وَمِيلَادُ الفَجْرِ
العُنْصُرُ الثَّانِي: مُعْجِزَاتُ السَّمَاءِ فِي أَرْضِ بَدْرٍ (عَطَايَا المَدَدِ وَفُيُوضَاتُ السَّنَدِ)
العنصر الثَّالِثُ: دُرُوسُ الثَّبَاتِ وَكَيْفَ نَسْتَلْهِمُ “بَدْرًا جَدِيدَةً” وَسَطَ الأَزْمَاتِ وَالصِّرَاعَاتِ
العنصر الرَّابِعُ: كَيْفَ نَصْنَعُ بَدْرًا جَدِيدَةً فِي حَيَاتِنَا؟
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: اسْتِنْهَاضُ الهِمَمِ وَخَاتِمَةُ الرَّجَاءِ
خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ: بَدْرٌ الكُبْرَى.. يَوْمُ الفُرْقَانِ وَمِنْهَاجُ النَّصْرِ
الْخُطْبَةُ الأُولَى
الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَعَزَّ جُنْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، وَأَنْجَزَ وَعْدَهُ. الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ “بَدْرًا” لِلْحَقِّ عُنْوَانًا، وَلِلْبَاطِلِ خِذْلَانًا، وَلِلْمُؤْمِنِينَ مِيزَانًا وَفُرْقَانًا. أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَهُوَ المَحْمُودُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى جَزِيلِ النَّوَالِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الكَبِيرُ المُتَعَال، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَخْرُ الرِّجَالِ، وَسَيِّدُ الأَبْطَالِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا تَعَاقَبَ الغُدُوُّ وَالآصَالُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ.. اتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الإِسْلَامِ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا.
مَعَاشِرَ المُسْلِمِينَ: نَحْنُ اليَوْمَ عَلَى مَوْعِدٍ مَعَ التَّارِيخِ، لَا لِنَقْلِبَ صَفَحَاتٍ مَضَتْ، بَلْ لِنَسْتَلْهِمَ رُوحًا بُثَّتْ، نَحْنُ مَعَ يَوْمِ “الفُرْقَانِ”، يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ، يَوْمَ اهْتَزَّتِ الأَرْضُ تَحْتَ أَقْدَامِ الطُّغْيَانِ، فَارْتَفَعَتْ رَايَةُ الإِيمَانِ. إِنَّهَا “بَدْرٌ الكُبْرَى”، المَلْحَمَةُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ صِدَامِ سُيُوفٍ، بَلْ كَانَتْ صِرَاعًا بَيْنَ حَقٍّ أَبْلَجَ وَبَاطِلٍ لَجْلَجَ.
العنصر الأول : أَزْمَةُ الأُمَّةِ وَمِيلَادُ الفَجْرِ
خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، لَا يُرِيدُونَ قِتَالًا، بَلْ يُرِيدُونَ اسْتِرْدَادَ حَقٍّ سَلَبَتْهُ قُرَيْشٌ. وَلَكِنَّ اللهَ أَرَادَ شَيْئًا آخَرَ، أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِيقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) [الأَنْفَال: 7].
لَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ يَمُرُّونَ بِأَزْمَةٍ اقْتِصَادِيَّةٍ وَنَفْسِيَّةٍ وَعَسْكَرِيَّةٍ، مُطَارَدُونَ فِي دِيَارِهِمْ، مَحْرُومُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ حِينَ نَادَى المُنَادِي: “يَا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي”، لَمْ يَتَلَعْثَمُوا. تأَمَّلُوا فِي مَشْهَدٍ يَسْبِقُ “بَدْرًا” بِأَيَّامٍ، تَجِدُونَ أُمَّةً فِي ذِرْوَةِ الِاخْتِبَارِ، وَجَمَاعَةً مُؤْمِنَةً قَدْ بَلَغَتْ بِهَا الأَزْمَاتُ مَبْلَغًا عَظِيمًا. لَمْ تَكُنْ بَدْرٌ نُزْهَةً عَابِرَةً، بَلْ كَانَتِ انْفِجَارًا لِلْفَجْرِ مِنْ رَحِمِ لَيْلٍ بَهِيمٍ.
أَوَّلًا: البِدَايَةُ كَانَتْ فِي الشِّدَّةِ الَّتِي سَبَقَتِ الفَرَجَ
خَرَجَ الصَّحَابَةُ مِنْ مَكَّةَ مَطْرُودِينَ، تَرَكُوا خَلْفَهُمُ الدِّيَارَ الَّتِي أَلِفُوهَا، وَالأَمْوَالَ الَّتِي جَمَعُوهَا، وَالتِّجَارَاتِ الَّتِي شَيَّدُوهَا. دَخَلُوا المَدِينَةَ وَهُمْ يُعَانُونَ مِنْ:
أَزْمَةٍ اقْتِصَادِيَّةٍ خَانِقَةٍ: فَلَا أَرْضَ يَمْلِكُونَهَا، وَلَا تِجَارَةَ يُدِيرُونَهَا، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَخْرُجُ لِلْمَسِيرِ وَمَا مَعَهُ إِلَّا تَمَرَاتٌ يَلُوكُهُنَّ كَمَا يَلُوكُ الصَّبِيُّ الثَّدْيَ.
أَزْمَةٍ أَمْنِيَّةٍ مُهَدِّدَةٍ: فَسُيُوفُ العَرَبِ قَدْ رَمَتْهُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَالتَّهْدِيدُ القُرَشِيُّ يُلَاحِقُهُمْ فِي عُقْرِ دَارِهِمُ الجَدِيدَةِ، فَكَانُوا لَا يَنَامُونَ إِلَّا وَالسِّلَاحُ تَحْتَ رُؤُوسِهِمْ.
أَزْمَةٍ نَفْسِيَّةٍ: حِينَ تَرَى البَاطِلَ يَتَبَخْتَرُ بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ، وَالحَقَّ فِي قِلَّةٍ وَضِيقٍ، حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: “أَمَا آنَ لَنَا أَنْ نَأْمَنَ؟”.
وَهُنَا، فِي ذِرْوَةِ هَذِهِ “الأَزْمَةِ”، جَاءَ الِاخْتِبَارُ الأَكْبَرُ: أَلَيْسَ بَعْدَ السَّوَادِ بَيَاضٌ؟ أَلَيْسَ مَعَ العُسْرِ يُسْرٌ؟
ثَانِيًا: مِيلَادُ الفَجْرِ (لَحْظَةُ الخُرُوجُ)
عِنْدَمَا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، لَمْ يَكُنْ يَبْحَثُ عَنْ “حَرْبٍ”، بَلْ كَانَ يَبْحَثُ عَنْ “حَقٍّ”. أَرَادَ اسْتِرْدَادَ عِيرِ قُرَيْشٍ لِيُعَوِّضَ الفُقَرَاءَ مِنَ المُهَاجِرِينَ مَا سُلِبَ مِنْهُمْ. وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يُحَوِّلَ “الأَزْمَةَ الِاقْتِصَادِيَّةَ” (العِيرَ) إِلَى “نَصْرٍ اسْتْرَاتِيجِيٍّ” (النَّفِيرَ).
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى وَاصِفًا تِلْكَ اللَّحْظَةَ الحَرِجَةَ: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ) [الأَنْفَال: 5-6]. لَقَدْ كَانَ الفَجْرُ يُولَدُ مِنْ قَلْبِ الخَوْفِ، وَالنَّصْرُ يُصْنَعُ مِنْ خُيُوطِ الصَّبْرِ. إِنَّهَا اللَّحْظَةُ الَّتِي نَادَى فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ، فَقَامَ المِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو بِكَلِمَاتٍ تُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ، كَلِمَاتٍ تُمَزِّقُ رِدَاءَ الأَزْمَةِ وَتُعْلِنُ مِيلَادَ العِزِّ: “يَا رَسُولَ اللهِ، لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ”.
ثَالِثًا: مَلَامِحُ “بَدْرِنَا” المُعَاصِرَةِ
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، إِنَّ أَزْمَةَ الأُمَّةِ اليَوْمَ تُشْبِهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَلَامِحِهَا أَزْمَةَ “بَدْرٍ”:
كَيْدُ الأَعَادِي: تَدَاعَتْ عَلَيْنَا الأُمَمُ كَمَا تَدَاعَتْ قُرَيْشٌ وَأَحْلَافُهَا، صِرَاعَاتٌ تُمَزِّقُ الشَّمْلَ، وَحُرُوبٌ تَشْتَعِلُ لِتَأْكُلَ الأَخْضَرَ وَاليَابِسَ، وَهَجَمَاتٌ فِكْرِيَّةٌ تُرِيدُ زَعْزَعَةَ العَقِيدَةِ.
اخْتِلَالُ المَوَازِينِ: نَنْظُرُ إِلَى عَدُوِّنَا فَنَجِدُهُ يَمْتَلِكُ التِّكْنُولُوجِيَا وَالسِّلَاحَ وَالإِعْلَامَ، وَنَنْظُرُ إِلَى حَالِنَا فَنَجِدُ تَشَتُّتًا وَضَعْفًا، فَيَتَسَلَّلُ اليَأْسُ إِلَى القُلُوبِ.
وَلَكِنْ! هُنَا تَأْتِي “بَدْرٌ” لِتَقُولَ لَنَا: إِنَّ الفَجْرَ لَا يُولَدُ إِلَّا إِذَا اشْتَدَّ السَّوَادُ. إِنَّ أَزْمَةَ الأُمَّةِ هِيَ الَّتِي تُصَفِّي الصُّفُوفَ، وَتُمَيِّزُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. فَمَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ تِلْكَ الفِئَةَ القَلِيلَةَ سَتُغَيِّرُ وَجْهَ التَّارِيخِ؟ لَقَدْ كَانَتْ بَدْرٌ هِيَ “الِانْفِجَارَ العَظِيمَ” لِلْحَقِّ:
هُنَاكَ سَقَطَ كِبْرِيَاءُ أَبِي جَهْلٍ تَحْتَ أَقْدَامِ غُلَامَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ.
وَهُنَاكَ سَقَطَ نِظَامُ الطَّبَقِيَّةِ حِينَ قَتَلَ بِلَالٌ الحَبَشِيُّ سَيِّدَهُ السَّابِقَ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ.
وَهُنَاكَ وُلِدَتْ “هَيْبَةُ المُسْلِمِ” الَّتِي لَمْ تَهَزَّهَا عَوَاصِفُ السِّنِينَ.
رَابِعًا: كَيْفَ نَسْتَجْلِبُ فَجْرَنَا الجَدِيدَ؟
إِنَّ الفَجْرَ لَا يُولَدُ بِالتَّمَنِّي، بَلْ يُولَدُ بِـ:
الِاسْتِجَابَةِ الوَاعِيَةِ: حِينَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ”، فَكَانَتِ الِاسْتِجَابَةُ مِنَ الأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرِينَ بِقَلْبٍ وَاحِدٍ. (لَا نَصْرَ بِلَا وَحْدَةِ صَفٍّ).
الِانْطِرَاحِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ: سَهِرَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ بَدْرٍ يُنَاجِي رَبَّهُ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: “اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي”. (لَا نَصْرَ بِلَا صِلَةٍ بِالسَّمَاءِ).
تَرْتِيبِ البَيْتِ الدَّاخِلِيِّ: حَسْمُ الخِلَافَاتِ قَبْلَ بَدْءِ المَعْرَكَةِ.
يَا مُرَابِطُونَ فِي أَكْنَافِ الحَقِّ: إِنَّ الأُمَّةَ الَّتِي اسْتَطَاعَتْ أَنْ تُحَوِّلَ “أَزْمَةَ” بَدْرٍ إِلَى “نَصْرِ” الفُرْقَانِ، قَادِرَةٌ اليَوْمَ بِإِيمَانِهَا، وَيَقِينِهَا، وَعَمَلِهَا الدَّؤُوبِ أَنْ تُحَوِّلَ انْكِسَارَاتِهَا إِلَى انْتِصَارَاتٍ.
فَلَا لَيْلٌ يَدُومُ إِذَا اسْتَقَامُوا .. وَلَا غَدْرٌ سَيَبْقَى أَوْ ظَلَامُ إِذَا بَدْرٌ أَعَادَتْ لَنَا شُمُوخًا .. فَإِنَّ الفَجْرَ تَوَّجَهُ التِّزَامُ
العُنْصُرُ الثَّانِي: مُعْجِزَاتُ السَّمَاءِ فِي أَرْضِ بَدْرٍ (عَطَايَا المَدَدِ وَفُيُوضَاتُ السَّنَدِ)
بَدْرٌ لَمْ تَكُنْ حَرْبًا تَقْلِيدِيَّةً، بَلْ كَانَتْ مَعْرِضًا لِلْمُعْجِزَاتِ الإِلَهِيَّةِ الَّتِي تُثْبِتُ أَنَّ القُوَّةَ لَيْسَتْ بِالعَدَدِ وَالعُدَّةِ، بَلْ بِمَدَدِ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ.
مَعَاشِرَ المُؤْمِنِينَ.. بَدْرٌ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ مَعْرَكَةٍ بَيْنَ سَيْفٍ وَسَيْفٍ، أَوْ دِرْعٍ وَدِرْعٍ، بَلْ كَانَتْ مَدْرَسَةً لِبَيَانِ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ). حِينَ انْقَطَعَتْ أَسْبَابُ الأَرْضِ، اتَّصَلَتْ أَسْبَابُ السَّمَاءِ، وَحِينَ ضَاقَتِ السُّبُلُ بِالبَشَرِ، نَزَلَتْ مَلَائِكَةُ رَبِّ البَشَرِ. تَعَالَوْا لِنُبْحِرَ فِي بِحَارِ المُعْجِزَاتِ الَّتِي أَيَّدَ اللهُ بِهَا نَبِيَّهُ وَأَصْحَابَهُ:
أَوَّلًا: مُعْجِزَةُ “الِاسْتِغَاثَةِ وَالمَدَدِ المَلَائِكِيِّ”
وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ المَعْرَكَةِ يُنَاجِي رَبَّهُ بِنَشِيجٍ يُبْكِي الصَّخْرَ، رَافِعًا يَدَيْهِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ، يَقُولُ: “اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصَابَةُ اليَوْمَ لَا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ”، فَجَاءَ الرَّدُّ سَرِيعًا مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) [الأَنْفَال: 9]. لَمْ تَكُنِ المَلَائِكَةُ مُجَرَّدَ رَمْزٍ مَعْنَوِيٍّ، بَلْ كَانَتْ قُوَّةً ضَارِبَةً حَقِيقِيَّةً؛ يَرْوِي الصَّحَابَةُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ صَلِيلَ السُّيُوفِ وَوَقْعَ السَّوْطِ فَوْقَ رُؤُوسِ المُشْرِكِينَ دُونَ أَنْ يَرَوْا أَحَدًا، وَيَرَوْنَ الرُّؤُوسَ تَنْدَرُ (تَطِيرُ) عَنِ الأَجْسَادِ بِضَرْبَاتٍ مُسَدَّدَةٍ. يُؤَكِّدُ هَذَا الأَمْرَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الفَارِسِ يَقُولُ: “أَقْدِمْ حَيْزُومُ”، فَنَظَرَ إِلَى المُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا.. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
ثَانِيًا: مُعْجِزَةُ “النَّوْمِ وَالمَطَرِ” (سَكِينَةُ الثَّبَاتِ)
فِي لَيْلَةِ المَعْرَكَةِ، وَالقُلُوبُ وَاجِفَةٌ وَالنُّفُوسُ قَلِقَةٌ، أَنْزَلَ اللهُ مُعْجِزَةً نَفْسِيَّةً غَرِيبَةً، وَهِيَ “النُّعَاسُ”. فَنَامَ المُسْلِمُونَ نَوْمَةً هَانِئَةً وَكَأَنَّهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ، بَيْنَمَا سَهِرَ المُشْرِكُونَ فِي قَلَقِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ). ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِـ “المَطَرِ”، فَكَانَ لِلْمُشْرِكِينَ طِينًا وَزَلَقًا يَمْنَعُ حَرَكَتَهُمْ، وَكَانَ لِلْمُؤْمِنِينَ طَهُورًا يُثَبِّتُ أَقْدَامَهُمْ وَيَشُدُّ عَزْمَهُمْ. يَا للهِ! حَتَّى الطَّبِيعَةُ (المَطَرُ، النَّوْمُ، الرَّمْلُ) سَخَّرَهَا اللهُ لِتَكُونَ جُنْدًا مِنْ جُنُودِهِ.
ثَالِثًا: مُعْجِزَةُ “القَبْضَةِ المُسَدَّدَةِ” (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ)
حِينَ احْتَدَمَتِ المَعْرَكَةُ، أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ وَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِ المُشْرِكِينَ وَقَالَ: “شَاهَتِ الوُجُوهُ”، فَمَا بَقِيَ مُشْرِكٌ إِلَّا وَدَخَلَ فِي عَيْنِهِ وَمَنْخِرِهِ مِنْ ذَلِكَ التُّرَابِ شَيْءٌ، فَشُغِلُوا بِأَنْفُسِهِمْ وَانْكَسَرَتْ شَوْكَتُهُمْ. هُنَا نَزَلَ البَيَانُ الإِلَهِيُّ: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ). إِنَّهُ الدَّرْسُ العَظِيمُ: ابْذُلْ وُسْعَكَ المَحْدُودَ كَقَبْضَةِ التُّرَابِ وَسَيَتَوَلَّى اللهُ النَّتِيجَةَ المُطْلَقَةَ فِي إِصَابَةِ كُلِّ الجَيْشِ.
رَابِعًا: مُعْجِزَةُ “تَقْلِيلِ الكَثْرَةِ وَتَكْثِيرِ القِلَّةِ”
مِنْ عَجَائِبِ بَدْرٍ أَنَّ اللهَ جَعَلَ المُشْرِكِينَ يَرَوْنَ المُسْلِمِينَ أَضْعَافَ عَدَدِهِمُ الحَقِيقِيِّ لِيَدُبَّ الرُّعْبُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَجَعَلَ المُسْلِمِينَ يَرَوْنَ المُشْرِكِينَ قِلَّةً لِئَلَّا يَفْشَلُوا وَيَتَنَازَعُوا. (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا) [الأَنْفَال: 44].
خَامِسًا: الرَّبْطُ بِالوَاقِعِ (كَيْفَ نَسْتَنْزِلُ مُعْجِزَاتِ السَّمَاءِ اليَوْمَ؟)
أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُرَابِطُونَ.. إِنَّ اللهَ الَّذِي أَنْزَلَ المَلَائِكَةَ فِي بَدْرٍ، لَا يَزَالُ هُوَ “الرَّبُّ” القَوِيُّ العَزِيزُ، وَلَكِنْ أَيْنَ “القَلْبُ” الَّذِي يَسْتَغِيثُ؟ وَأَيْنَ “الصَّفُّ” الَّذِي يَتَوَحَّدُ؟
مُعْجِزَاتُ السَّمَاءِ فِي زَمَانِنَا لَيْسَتْ سُيُوفًا تَطِيرُ، بَلْ هِيَ “تَوْفِيقٌ” يُلْقِيهِ اللهُ فِي رُوعِ المُؤْمِنِينَ، “وَثَبَاتٌ” يُزَلْزِلُ عُرُوشَ الظَّالِمِينَ، “وَتَدْبِيرٌ” يَجْعَلُ كَيْدَ الأَعَادِي فِي نُحُورِهِمْ.
حِينَ نُطَبِّقُ شَرْعَ اللهِ، وَنَصْدُقُ فِي التَّوَكُّلِ، تَنْزِلُ “المُعْجِزَةُ” فِي صُورَةِ وَعْيٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَفِي صُورَةِ صُمُودٍ أَسْطُورِيٍّ يُبْهِرُ العَالَمَ كَمَا نَرَى فِي جِرَاحِ أُمَّتِنَا اليَوْمَ.
رَمَى فَكَانَ لَهَا فِي كُلِّ جَارِحَةٍ .. سَهْمٌ وَمَا رَمِيَتْ لَوْلَا يَدُ اللهِ سِرُّ النُّبُوَّةِ فِي بَدْرٍ لَهُ أَرِجٌ .. أَذْكَرَ الأَرْضَ مَا ضَاعَ مِنَ الجَاهِ
فَيَا أُمَّةَ الإِسْلَامِ.. إِذَا أَرَدْنَا مُعْجِزَاتِ السَّمَاءِ، فَعَلَيْنَا بِصِدْقِ الأَرْضِ، وَإِذَا أَرَدْنَا مَدَدَ اللهِ، فَعَلَيْنَا بِالأَخْذِ بِأَسْبَابِ القُوَّةِ وَالإِعْدَادِ، ثُمَّ نَتْرُكُ البَاقِي لِمُسَبِّبِ الأَسْبَابِ.
________________________________________
العنصر الثَّالِثُ: دُرُوسُ الثَّبَاتِ وَكَيْفَ نَسْتَلْهِمُ “بَدْرًا جَدِيدَةً” وَسَطَ الأَزْمَاتِ وَالصِّرَاعَاتِ
أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُرَابِطُونَ: إِنَّ الأُمَّةَ اليَوْمَ تَمُرُّ بِـ “بَدْرٍ” جَدِيدَةٍ، صِرَاعَاتٌ مُحْتَدِمَةٌ، كَيْدٌ مِنَ الأَعَادِي، وَحُرُوبٌ تَشْتَعِلُ فِي جَنَبَاتِ مِنْطَقَتِنَا، فَمَاذَا تَعَلَّمْنَا بَدْرٌ؟ إِنَّ اسْتِحْضَارَ ذِكْرَى بَدْرٍ فِي ظِلِّ الحُرُوبِ المُشْتَعِلَةِ فِي مِنْطَقَتِنَا، وَفِي وَجْهِ كَيْدِ الأَعَادِي الَّذِي أَحَاطَ بِنَا إِحَاطَةَ القَيْدِ بِالمِعْصَمِ، لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّغَنِّي بِالأَمْجَادِ، بَلْ هُوَ بَحْثٌ عَنْ “مِنْهَاجِ النَّصْرِ” الضَّائِعِ. إِنَّ الأُمَّةَ الَّتِي تَشْتَكِي اليَوْمَ مِنْ “تَدَاعِي الأُمَمِ” عَلَيْهَا، تَجِدُ فِي بَدْرٍ خَارِطَةَ الطَّرِيقِ لِلنُّهُوضِ مِنْ جَدِيدِ.
أَوَّلًا: “الفُرْقَانُ” فِي القُلُوبِ (مِعْيَارُ الحَقِّ وَالبَاطِلِ)
إِنَّ أَخْطَرَ مَا تُوَاجِهُهُ الأُمَّةُ اليَوْمَ لَيْسَ “الحَرْبَ العَسْكَرِيَّةَ” فَحَسْبُ، بَلْ “الفِتْنَةَ الفِكْرِيَّةَ” الَّتِي تَخْلِطُ الأَوْرَاقَ. سُمِّيَتْ بَدْرٌ يَوْمَ الفُرْقَانِ لِأَنَّهَا فَصَلَتْ بَيْنَ عَهْدَيْنِ، وَبَيْنَ مَنْهَجِ الهُدَى وَمَنْهَجِ الطُّغْيَانِ.
كَيْفَ نُطَبِّقُهَا اليَوْمَ؟ نَحْتَاجُ لِـ “بَدْرٍ” فِي وَعْيِنَا، تُفَرِّقُ لَنَا بَيْنَ الصَّدِيقِ المُخْلِصِ وَالعَدُوِّ المُتَسَتِّرِ، بَيْنَ “المُقَاوَمَةِ المَشْرُوعَةِ” وَ”الِاسْتِسْلَامِ المُذِلِّ”، بَيْنَ “عِزَّةِ الإِسْلَامِ” وَ”التَّبَعِيَّةِ العَمْيَاءِ”. إِنَّ نَصْرَنَا يَبْدَأُ حِينَ تَتَحَرَّرُ عُقُولُنَا مِنَ الهَزِيمَةِ النَّفْسِيَّةِ أَمَامَ بَرِيقِ القُوَّةِ الزَّائِفَةِ لِلأَعَادِي.
ثَانِيًا: فِقْهُ “القِلَّةِ المَنْصُورَةِ” مُقَابِلَ “الكَثْرَةِ الغُثَائِيَّةِ”
لَطَالَمَا تَذَرَّعْنَا بِقِلَّةِ الإِمْكَانَاتِ وَضَعْفِ العَتَادِ، وَلَكِنَّ بَدْرًا تَصْرُخُ فِينَا: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ).
إِنَّ مُشْكِلَةَ الأُمَّةِ اليَوْمَ لَيْسَتْ فِي “العَدَدِ” (فَنَحْنُ مِلْيَارٌ وَنِصْفٌ)، وَلَيْسَتْ فِي “المَالِ” (فَنَحْنُ نَمْلِكُ كُنُوزَ الأَرْضِ)، بَلْ فِي “الرُّوحِ” الَّتِي كَانَتْ تَسْرِي فِي أَجْسَادِ أَهْلِ بَدْرٍ.
الدَّرْسُ العَمَلِيُّ: النَّصْرُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَسَاوٍ فِي العَدَدِ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى “تَفَوُّقٍ فِي الإِرَادَةِ”. إِذَا مَلَكَتِ الأُمَّةُ إِرَادَتَهَا، وَصَنَعَتْ سِلَاحَهَا، وَأَخْلَصَتْ نِيَّتَهَا، فَلَنْ تَضُرَّهَا جَحَافِلُ المُعْتَدِينَ وَلَوْ مَلَأُوا الأُفُقَ.
ثَالِثًا: “بَدْرُ العِلْمِ وَالعَمَلِ” (الِاسْتِعْدَادُ الَّذِي يَسْبِقُ المَدَدَ)
مُعْجِزَاتُ السَّمَاءِ الَّتِي تَحَدَّثْنَا عَنْهَا لَمْ تَنْزِلْ عَلَى الكُسَالَى أَوِ المُتَوَاكِلِينَ. بَلْ نَزَلَتْ عَلَى مَنْ أَعَدُّوا مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قُوَّةٍ.
فِي وَاقِعِنَا المُعَاصِرِ: لَا بُدَّ لَنَا مِنْ “بَدْرٍ تَعْلِيمِيَّةٍ” تُخْرِجُنَا مِنْ ذَيْلِ القَائِمَةِ فِي الِابْتِكَارِ وَالِاخْتِرَاعِ، وَ”بَدْرٍ اقْتِصَادِيَّةٍ” تُحَرِّرُنَا مِنْ قُيُودِ الدُّيُونِ وَالتَّبَعِيَّةِ لِأَسْوَاقِ الغَرْبِ. إِنَّ اليَدَ الَّتِي تَحْمِلُ السِّلَاحَ لَا بُدَّ أَنْ تَسْنَدَهَا عُقُولٌ تُخَطِّطُ، وَسَوَاعِدُ تَصْنَعُ، وَاقْتِصَادٌ يَحْمِي.
رَابِعًا: وَحْدَةُ الصَّفِّ (اجْتِمَاعُ القُلُوبِ قَبْلَ الأَجْسَادِ)
انْظُرُوا إِلَى لُحْمَةِ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ فِي بَدْرٍ، لَمْ يَقُلِ الأَنْصَارِيُّ “هَذِهِ لَيْسَتْ حَرْبِي”، وَلَمْ يَقُلِ المُهَاجِرِيُّ “أَنَا أَحَقُّ بِالقِيَادَةِ”. بَلِ انْصَهَرَ الجَمِيعُ فِي بُوثَقَةٍ وَاحِدَةٍ.
أَيْنَ نَحْنُ مِنْ هَذَا؟ وَالصِّرَاعَاتُ تَفْتِكُ بِبِلَادِنَا، وَالفِتَنُ الطَّائِفِيَّةُ وَالمَذْهَبِيَّةُ تُمَزِّقُ نَسِيجَنَا. إِنَّ “بَدْرًا جَدِيدَةً” لَنْ تَأْتِيَ وَنَحْنُ يَضْرِبُ بَعْضُنَا رِقَابَ بَعْضٍ. إِنَّ العَدُوَّ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَنَا حِينَ يَرْمِينَا بِقَذَائِفِهِ، فَكَيْفَ نُفَرِّقُ نَحْنُ بَيْنَنَا حِينَ نُدَافِعُ عَنْ وُجُودِنَا؟
خَامِسًا: الصُّمُودُ الرُّوحِيُّ فِي وَجْهِ الصَّدَمَاتِ
بَدْرٌ تُعَلِّمُنَا أَنَّ الأَزْمَاتِ “تُصْقِلُ” المَعَادِنَ وَلَا “تُحَطِّمُهَا”. الحُرُوبُ المُشْتَعِلَةُ فِي المِنْطَقَةِ الآنَ هِيَ اخْتِبَارٌ لِمَدَى ثَبَاتِنَا عَلَى المَبْدَأِ.
النَّبِيُّ ﷺ فِي بَدْرٍ لَمْ يَتَنَازَلْ عَنْ مَبْدَئِهِ رَغْمَ التَّهْدِيدِ بِالِاسْتِئْصَالِ. وَنَحْنُ اليَوْمَ، مَهْمَا اشْتَدَّ كَيْدُ الأَعَادِي، وَمَهْمَا تَآمَرَتِ القُوَى الكُبْرَى، يَجِبُ أَنْ يَظَلَّ يَقِينُنَا بِـ “نَصْرِ اللهِ” كَيَقِينِ أَهْلِ بَدْرٍ.
أُمَّتِي، مَا بَدْرُ إِلَّا قِصَّةٌ .. كُتِبَتْ بِالنُّورِ فِي لَيْلِ العَنَا قُومِي فَإِنَّ الفَجْرَ حَانَ أَذَانُهُ .. وَاسْتَلْهِمِي مِنْ صِدْقِهِمْ طِيبَ الجَنَى
يَا عِبَادَ اللهِ.. إِنَّ طَرِيقَ “بَدْرٍ” يَبْدَأُ مِنَ المَسْجِدِ، وَيَمُرُّ بِالمُخْتَبَرِ، وَيَنْتَهِي فِي مَيْدَانِ الكَرَامَةِ. فَكُونُوا “بَدْرِيِّينَ” فِي أَخْلَاقِكُمْ، “بَدْرِيِّينَ” فِي إِتْقَانِكُمْ، “بَدْرِيِّينَ” فِي وَحْدَتِكُمْ، يَفْتَحِ اللهُ لَكُمْ أَبْوَابَ النَّصْرِ مِنْ حَيْثُ لَا تَحْتَسِبُونَ.
هُمُ المُلُوكُ فَسَلْ عَنْهُمْ وَعَنْ شَرَفٍ .. بَنَاهُمُ اللهُ لِلإِسْلَامِ أَرْكَانَا سَارُوا لِبَدْرٍ وَفِي أَعْمَاقِهِمْ جَذَلٌ .. كَأَنَّمَا طَلَبُوا لِلْخُلْدِ بُسْتَانَا
العنصر الرَّابِعُ: كَيْفَ نَصْنَعُ بَدْرًا جَدِيدَةً فِي حَيَاتِنَا؟
إِنَّ “بَدْرَنَا” اليَوْمَ لَيْسَتْ بِالضَّرُورَةِ فِي سَاحَاتِ القِتَالِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ “بَدْرُ” القِيَمِ وَالأَخْلَاقِ.
بَدْرُ العِلْمِ: لِنُوَاجِهَ الجَهْلَ الَّذِي يَنْخَرُ فِي عِظَامِ الأُمَّةِ.
بَدْرُ العَمَلِ: لِنَخْرُجَ مِنْ دَائِرَةِ الِاسْتِهْلَاكِ إِلَى دَائِرَةِ الإِنْتَاجِ، لِيَكُونَ سِلَاحُنَا وَغِذَاؤُنَا مِنْ صُنْعِ أَيْدِينَا.
بَدْرُ القُلُوبِ: بِتَطْهِيرِ النُّفُوسِ مِنَ الغِلِّ وَالحَسَدِ، وَالوُقُوفِ صَفًّا وَاحِدًا ضِدَّ الفِتَنِ الطَّائِفِيَّةِ وَالحِزْبِيَّةِ.
إِنَّ الفُرْقَانَ الَّذِي نَحْتَاجُهُ اليَوْمَ هُوَ أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَ “العَدُوِّ الحَقِيقِيِّ” وَبَيْنَ “الأَخِ الشَّقِيقِ”، أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَ “المَصَالِحِ الضَّيِّقَةِ” وَبَيْنَ “رِفْعَةِ الأُمَّةِ”.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: اسْتِنْهَاضُ الهِمَمِ وَخَاتِمَةُ الرَّجَاءِ
الحَمْدُ للهِ وَكَفَى، وَصَلَاةً وَسَلَامًا عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. عِبَادَ اللهِ: يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ: “قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ” (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). وَنَحْنُ اليَوْمَ نَقُولُ لِأَنْفُسِنَا: قُومُوا إِلَى عِزٍّ عَرْضُهُ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ، قُومُوا إِلَى اسْتِعَادَةِ كَرَامَتِكُمْ بِالتَّمَسُّكِ بِدِينِكُمْ.
إِنَّ أَزْمَةَ الأُمَّةِ الَّتِي تُحِيطُ بِنَا، وَالحُرُوبَ الَّتِي تَنْهَشُ فِي جَسَدِ أُمَّتِنَا، مَا هِيَ إِلَّا “مَخَاضٌ” لِوِلَادَةِ فَجْرٍ جَدِيدٍ. فَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ، فَمَنْ نَصَرَ الضُّعَفَاءَ فِي بَدْرٍ بِمَلَائِكَةِ السَّمَاءِ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْصُرَنَا بِكَلِمَةِ الحَقِّ وَإِخْلَاصِ العَمَلِ.
يَا أُمَّةَ الإِسْلَامِ: بَدْرٌ تَعْنِي أَنَّ المُسْتَحِيلَ لَيْسَ مُسْلِمًا، وَأَنَّ اللهَ لَا يَخْذُلُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ.
فَيَا رَبَّ بَدْرٍ، وَنُورَ الفَجْرِ فِي الظُّلَمِ .. أَعِدْ لَنَا عِزَّنَا المَسْلُوبَ فِي القِدَمِ وَاجْعَلْ شَبَابَ الهُدَى فِي كُلِّ مُعْتَرَكٍ .. أَشَدَّ بَأْسًا مِنَ الأَبْطَالِ وَالحِمَمِ
مَعَاشِرَ المُؤْمِنِينَ.. عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ طُوَّفْنَا فِي رِحَابِ بَدْرٍ، وَرَأَيْنَا كَيْفَ يُصْنَعُ النَّصْرُ مِنْ قَلْبِ القَهْرِ، وَكَيْفَ يَنْبَثِقُ الفَجْرُ مِنْ رَحِمِ لَيْلِ الكَدَرِ. إِنَّ بَدْرًا لَمْ تَكُنْ يَوْمًا لِلذِّكْرَى، بَلْ هِيَ لِلْعَمَلِ مِنْهَاجٌ وَمَجْرَى. فَيَا مَنْ تَشْكُو مِنْ كَيْدِ الأَعَادِي، وَيَا مَنْ تَتَأَلَّمُ لِمَا أَصَابَ الأُمَّةَ فِي الحَوَاضِرِ وَالبَوَادِي: لَا تَنْظُرْ إِلَى كَثْرَةِ عَتَادِهِمْ، بَلِ انْظُرْ إِلَى قُوَّةِ إِمْدَادِكَ؛ وَلَا تَنْظُرْ إِلَى عَظِيمِ مَكْرِهِمْ، بَلِ انْظُرْ إِلَى عَظَمَةِ رَبِّكَ وَمَلَاذِكَ. إِنَّ الأُمَّةَ الَّتِي أَحْيَتْ فِي قُلُوبِهَا “عَقِيدَةَ بَدْرٍ”، لَنْ تُهْزَمَ بِفَضْلِ اللهِ، وَلَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهَا أَقْطَارُ الأَرْضِ مِنْ كُلِّ فَجٍّ وَعَرٍ.
فَيَا أَخِي المُسْلِمُ: كُنْ فِي بَيْتِكَ بَدْرِيًّا فِي تَرْبِيَتِكَ، وَكُنْ فِي عَمَلِكَ بَدْرِيًّا فِي أَمَانَتِكَ، وَكُنْ فِي أُمَّتِكَ بَدْرِيًّا فِي نُصْرَتِكَ وَوَحْدَتِكَ. فَمَا عَزَّتْ أُمَّةٌ هَجَرَتْ مَاضِيَهَا، وَلَا أَفْلَحَ قَوْمٌ غَفَلُوا عَنْ دُرُوسِ بَارِيهَا.
الدُّعَاءُ:
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا مَنْ نَصَرْتَ أَهْلَ بَدْرٍ وَهُمْ أَذِلَّةٌ، انْصُرْ أُمَّتَنَا اليَوْمَ وَقَدْ تَكَالَبَتْ عَلَيْهَا العِلَّةُ. اللَّهُمَّ يَا مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمِ الظُّلْمَ وَالظَّالِمِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ المُسْتَضْعَفِينَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِبَرَكَةِ يَوْمِ الفُرْقَانِ:
أَنْ تَجْمَعَ شَمْلَنَا، وَتُوَحِّدَ كَلِمَتَنَا، وَتَجْبُرَ كَسْرَنَا.
اللَّهُمَّ أَخْرِجْنَا مِنْ ضِيقِ الأَزْمَاتِ إِلَى سَعَةِ الفَرَجِ وَالرَّحَمَاتِ.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجْعَلْ وِلَايَتَنَا فِيمَنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ.
اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَ المُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَأَطْفِئْ نَارَ الحُرُوبِ وَالفِتَنِ، وَصُبَّ عَلَيْنَا وَعَلَى بِلَادِنَا الخَيْرَ صَبًّا، وَلَا تَجْعَلْ عَيْشَنَا كَدًّا.
اللَّهُمَّ كَمَا أَرْسَلْتَ المَلَائِكَةَ يَوْمَ بَدْرٍ تَتَبَخْتَرُ بَيْنَ يَدَيْ نَبِيِّكَ، فَأَرْسِلْ لِقُلُوبِنَا سَكِينَةً، وَلِعُقُولِنَا نُورًا، وَلِبِلَادِنَا أَمْنًا وَأَمَانًا. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اللَّهُمَّ انْصُرْ أُمَّتَنَا عَلَى مَنْ عَادَاهَا. اللَّهُمَّ كُنْ لِإِخْوَانِنَا المُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، اللَّهُمَّ دَاوِ جُرْحَاهُمْ، وَتَقَبَّلْ شُهَدَاءَهُمْ، وَارْبِطْ عَلَى قُلُوبِهِمْ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا “فُرْقَانًا” نَرَى بِهِ الحَقَّ حَقًّا فَنَتَّبِعَهُ، وَالبَاطِلَ بَاطِلًا فَنَجْتَنِبَهُ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ مِنْ عُسْرِنَا يُسْرًا، وَمِنْ ضِيقِنَا مَخْرَجًا. اللَّهُمَّ وَحِّدْ صُفُوفَنَا، وَاجْمَعْ كَلِمَتَنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاكْفِنَا كَيْدَ الأَعَادِي بِمَا شِئْتَ وَكَيْفَ شِئْتَ، إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ.
عِبَادَ اللهِ.. إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. اذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.





