خطبة الجمعة القادمة بعنوان : ايات الله في بدر الكبري، للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب

خطبة الجمعة القادمة بعنوان : أيات الله في بدر الكبري للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب ، بتاريخ 16 رمضان 1447هـ ، الموافق 6 مارس 2026م.
عناصر خطبة الجمعة القادمة 6 مارس 2026م بعنوان : أيات الله في بدر الكبري : كما يلي:
آيَاتُ اللهِ فِي بَدْرٍ الْكُبْرَى
بقلم الأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب طه
آيَاتُ اللهِ فِي بَدْرٍ الْكُبْرَى هِيَ الأُولَى فِي تَارِيخِ الإِسْلَامِ.. مَنْ شَارَكَ فِيهَا نَالَ الْحُظْوَةَ وَالشَّرَفَ.
وَالْآيَاتُ الَّتِي نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ عَدِيدَةٌ، لَكِنَّ مَا يَلْفِتُ الْأَنْظَارَ هُوَ الْآيَاتُ الْأُولَى مِنْ سُورَةِ الْأَنْفَالِ الَّتِي بَدَأَهَا اللهُ تَعَالَى بِتَقْرِيرِ مَبْدَأِ غَنَائِمِ بَدْرٍ “الْأَنْفَالِ” بِأَنَّهَا لِلهِ وَالرَّسُولِ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (الْأَنْفَالُ : ١).
ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهَا لِيَتَحَدَّثَ عَنْ صِفَاتِ “الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا”: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} (الْأَنْفَالُ: ٢-٤).
وَعَادَ بَعْدَهَا مُبَاشَرَةً وَدُونَ تَقْدِيمٍ أَوْ تَمْهِيدٍ لِلْحَدِيثِ عَنْ تِلْكُمُ الْغَزْوَةِ وَمَا حَدَثَ فِيهَا: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} (الْأَنْفَالُ: ٥ – ٧)… إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ.
لِمَاذَا أَهْلُ بَدْرٍ بِالذَّاتِ؟
يَتَسَاءَلُ الْإِنْسَانُ: لِمَاذَا وُضِعَتْ آيَاتُ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا هَذِهِ بَيْنَ آيَاتِ أَحْدَاثِ بَدْرٍ؟ وَيَزْدَادُ الذِّهْنُ اسْتِفْزَازًا حِينَ يَسْمَعُ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَائِلًا: «وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، ثُمَّ يَتَسَاءَلُ ثَانِيَةً: لِمَاذَا أَهْلُ بَدْرٍ بِالذَّاتِ؟
فَتَكُونُ الْإِجَابَةُ عَلَى السُّؤَالَيْنِ مِنْ فَهْمِ الْآيَاتِ وَسِيَاقَاتِهَا: إِنَّهُمْ “الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا”، إِنَّهُمْ أَهْلُ بَدْرٍ الَّذِينَ أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَصِفَهُمْ لَنَا وَيُجَلِّيَهُمْ، إِنَّهُمْ الَّذِينَ بَلَغُوا مَا بَلَغُوا مِنْ نَصْرِهِمْ لِدِينِ اللهِ تَعَالَى وَتَأْيِيدِهِ سُبْحَانَهُ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ “الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا”، فَنَالُوا مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ دَرَجَاتٍ وَمَغْفِرَةٍ وَرِزْقٍ.
إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَضَعُ لَنَا مُوَاصَفَاتِ جُنْدِهِ الْغَالِبِينَ، يَضَعُهَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ عَنْ غَزْوَةٍ هِيَ الْأَهَمُّ فِي تَارِيخِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مَا جَعَلَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ يَدْعُو فِيهَا بِهَذَا الدُّعَاءِ الْمُؤَثِّرِ الصَّادِقِ الْخَلَّابِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ».
فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ: “يَا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ” (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
أُسُسُ وَقَوَاعِدُ النَّصْرِ
إِنَّنَا نَحْتَاجُ فِي ذِكْرَى بَدْرٍ أَنْ نُحَدِّدَ صِفَاتِ هَؤُلَاءِ “الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا”، وَأَنْ نَسْعَى لِتَشَرُّبِهَا فِي قُلُوبِنَا وَعُقُولِنَا، وَلِتَطْبِيقِهَا وَتَنْفِيذِهَا فِي حَيَاتِنَا، وَهَذِهِ الصِفَاتُ هِيَ:
فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ.
إِنَّنَا حِينَ نُحَقِّقُ ذَلِكَ نَغْدُو: “أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ”، وَحِينَئِذٍ نَسْتَحِقُّ مِنَ اللهِ تَعَالَى الْمَدَدَ وَالْعَوْنَ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}.
قَضِيَّتَانِ جَوْهَرِيَّتَانِ فِي بَدْرٍ
آيَاتُ اللهِ تَعَالَى فِي بَدْرٍ كَثِيرَةٌ، لَكِنَّنَا سَوْفَ نُجْمِلُ كَلَامَنَا عَلَى قَضِيَّتَيْنِ اهْتَمَّ الْقُرْآنُ بِتَسْلِيطِ الضَّوْءِ عَلَيْهِمَا:
أَوَّلًا: ضَرُورَةُ الْوَحْدَةِ وَإِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ
فَمِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ الْقُوَّةِ وَالْمَنَعَةِ لِأَيِّ مُجْتَمَعٍ هُوَ الْوَحْدَةُ؛ ذَلِكَ أَنَّ التَّفَرُّقَ وَالنَّزَاعَ يُوهِنُ الْقُوَّةَ. وَالنَّاظِرُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ يَجِدُ أَنَّ الصَّحَابَةَ بَعْدَ النَّصْرِ وَقَعَ بَيْنَهُمْ تَنَازُعٌ حَوْلَ “الْأَنْفَالِ”، فَجَاءَ التَّوْجِيهُ الرَّبَّانِيُّ سَرِيعًا لِرَأْبِ الصَّدْعِ: {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}. إِنَّ حَسْمَ سَبَبِ النِّزَاعِ قَطَعَ كُلَّ سَبِيلٍ يُؤَدِّي إِلَى الْفُرْقَةِ النَّاجِمَةِ عَنِ الطَّمَعِ فِي حُطَامِ الدُّنْيَا.
ثَانِيًا: كَسْرُ الْغُرُورِ الَّذِي قَدْ يُفْرِزُهُ النَّصْرُ
قَدْ يَقَعُ الْإِنْسَانُ فَرِيسَةً لِلْغُرُورِ بَعْدَ النَّجَاحِ، لِذَا جَاءَ التَّذْكِيرُ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْمُدَبِّرُ: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى}. وَتَذْكِيرُهُمْ بِحَالَةِ الضَّعْفِ السَّابِقَةِ: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ… فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ}.
مِنْ مُعْجِزَاتِ بَدْرٍ: النُّعَاسُ وَالْمَطَرُ
لَقَدْ ظَهَرَ تَأْيِيدُ اللهِ لِأَهْلِ بَدْرٍ بِنِعَمٍ عَجِيبَةٍ:
النُّعَاسُ: أَلْقَى اللهُ عَلَيْهِمُ النُّعَاسَ لَيْلَةَ الْمَعْرَكَةِ لِيَمْنَحَهُمُ الْأَمْنَ وَالرَّاحَةَ، وَهُوَ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ فِي وَقْتِ الْخَوْفِ الشَّدِيدِ.
الْمَطَرُ: أَنْزَلَ اللهُ مَطَرًا كَانَ طَهُورًا وَتَثْبِيتًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ وَبَالًا وَعَائِقًا لِلْمُشْرِكِينَ.
دُرُوسُ الْقِيَادَةِ وَالْوَفَاءِ
تَعَلَّمْنَا مِنْ بَدْرٍ أَنَّ الْحَقَّ يَحْتَاجُ إِلَى قُوَّةٍ تَدْعَمُهُ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}. وَتَعَلَّمْنَا أَهَمِّيَّةَ الشُّورَى حِينَ نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَأْيِ الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ. وَتَعَلَّمْنَا الْوَفَاءَ حِينَ قَالَ ﷺ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: «لَوْ كَانَ مُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ».
وَفِي خِتَامِ الْمَشْهَدِ، نَرَى عَدْلَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ سَوَادِ بْنِ غَزِيَّةَ، وَحُبَّ الصَّحَابَةِ الَّذِي بَلَغَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالدُّنْيَا هُوَ مَسُّ جِلْدِهِمْ لِجِلْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنَا صِفَاتِ “الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا”، وَأَنْ يَنْصُرَ أُمَّتَنَا كَمَا نَصَرَ أَهْلَ بَدْرٍ.
_______________________________
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة القادمة
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات
للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة
للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف


















