خطبة الجمعة القادمة : مَولِدُ الهادِي البَشِير ﷺ ، للدكتور أحمد رمضان
مَولِدُ الهادِي البَشِير ﷺ ، للدكتور أحمد رمضان، 13 ربيع الأول 1447هـ ، 5 سبتمبر 2025م

خطبة الجمعة القادمة بعنوان : مَولِدُ الهادِي البَشِير ﷺ ، للدكتور أحمد رمضان، بتاريخ 13 ربيع الأول 1447هـ ، الموافق 5 سبتمبر 2025م.
لتحميل خطبة الجمعة القادمة 5 سبتمبر 2025م بصيغة word بعنوان : مَولِدُ الهادِي البَشِير ﷺ ، للدكتور أحمد رمضان.
لتحميل خطبة الجمعة القادمة 5 سبتمبر 2025م بصيغة pdf بعنوان : مَولِدُ الهادِي البَشِير ﷺ ، للدكتور أحمد رمضان.
عناصر خطبة الجمعة القادمة 5 سبتمبر 2025م بعنوان : مَولِدُ الهادِي البَشِير ﷺ .
العنصر الأوّل: مكانتُه ﷺ عند ربِّه
العنصر الثاني: رحمتُه ﷺ بأمّتِه
العنصر الثالث: شفاعتُه ﷺ ومشهدُ القيامة وحوضُه المورود
العنصر الرابع: واجبنا نحو الحبيب صلي الله عليه وسلم
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 5 سبتمبر 2025م بعنوان : مَولِدُ الهادِي البَشِير ﷺ : كما يلي:
مَولِدُ الهادِي البَشِير ﷺ
13 ربيع الأول 1447هـ – 5 سبتمبر 2025م
إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان
المـــوضــــــــــوع
الحمدُ للهِ الذي رفعَ ذِكرَ حبيبِه المصطفى، وأعلى قدرَه، وأظهرَ دينَه على الدِّينِ كلِّه ولو كرِهَ الكافرون، الحمدُ للهِ الذي أرسلَ إلينا نبيًّا رَؤوفًا رحيمًا، أحمدُه سبحانه وأشكرُه، وأتوبُ إليه وأستغفرُه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، شهادةً تُنجي قائلَها يومَ يقومُ الأشهاد.
وأشهدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه، أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وحجّةً على الخلائق أجمعين، صلّى اللهُ عليهِ وعلى آلِه وصحبِه ومَن سارَ على نهجِه إلى يومِ الدِّين.
أمّا بعدُ، فيا أيُّها الأحبّة الكرام، حديثُنا اليومَ عن سيِّدِ الخلقِ وأكرمِ مَن وطِئَ الثرى، عن محمّدٍ ﷺ، عن الذي قال اللهُ فيه:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
فيا من تحبون نبيَّكم، هلمّوا بنا لنقف على بعض شمائلِه وفضائله
العنصر الأوّل: مكانتُه ﷺ عند ربِّه
أيُّها المسلمون، لقد رفعَ اللهُ قدرَ نبيِّه ﷺ رفعًا لم يُعطَ لأحدٍ من العالمين. رفعَ ذكرَهُ في الأرضِ والسماء، وقرنَ اسمَهُ باسمِه، فلا يُذكَرُ اللهُ في شهادةٍ ولا أذانٍ ولا صلاةٍ إلا ويُذكَرُ معه محمّدٌ ﷺ.
قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]. قال بعضُ المفسِّرين: “لا أُذْكَرُ إلّا وتُذْكَرُ معي”.
ففي الأذان: “أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله” تليها “أشهدُ أنّ محمّدًا رسولُ الله”.
وفي التشهّد: “وأشهدُ أن لا إله إلا الله وأشهدُ أنّ محمّدًا رسولُ الله”.
فأيُّ رفعةٍ بعدَ هذه الرفعة؟!
ورفعَ اللهُ ذكرَه في القلوبِ أيضًا، فما مِن قلبٍ مؤمنٍ إلّا امتلأ حبًّا له ﷺ، فما ذُكِرَ إلّا صلَّت القلوبُ عليه، وما سُمِعَ اسمه إلّا اشتاقتِ الأرواحُ للقائه.
شواهد من سيرته
يومَ سبَّه المشركون وآذَوه، رفع يديه إلى السماء وقال: «اللَّهمَّ اغفِرْ لقومي فإنَّهم لا يعلَمونَ“. صحيح ابن حبان (973).
ويومَ ضاقتْ عليه الأرضُ في الطائف، جاءه جبريل ومعه ملَكُ الجبال، وقال: إن شئتَ أطبقتُ عليهم الأخشبين، فقال:” أرجو أن يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصلابِهِم مَن يعبدُ اللَّهَ، لا يشرِكُ بِهِ شيئًا”. البخاري (3231) ومسلم (1795).
أيُّ قلبٍ هذا؟! أيُّ رحمةٍ هذه؟!
مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الكَونَيْنِ وَالثَّقَلَيْنِ *** وَالفَرِيقَيْنِ مِنْ عَرَبٍ وَمِنْ عَجَمِ
نَبِيُّنَا الآمِرُ النَّاهِي فَلا أَحَدٌ *** أَبَرُّ فِي قَوْلِ “لا” مِنهُ وَلا “نَعَمِ”
هُوَ الحَبِيبُ الَّذِي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ *** لِكُلِّ هَوْلٍ مِنَ الأَهْوَالِ مُقْتَحِمِ
دَعَا الإلَهَ فَالمُسْتَمْسِكُونَ بِهِ *** مُسْتَمْسِكُونَ بِحَبْلٍ غَيْرِ مُنْفَصِمِ
فَاقَ النَّبِيِّينَ فِي خَلْقٍ وَفِي خُلُقٍ *** وَلَمْ يُدَانُوهُ فِي عِلْمٍ وَلا كَرَمِ
وَكُلُّهُمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ مُلْتَمِسٌ *** غَرَفًا مِنَ البَحْرِ أَوْ رَشْفًا مِنَ الدِّيَمِ
خصائصُهُ عن سائرِ الأنبياءِ
قال ﷺ: «فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بسِتٍّ: أُعطيتُ جوامعَ الكلِمِ ونُصِرْتُ بالرُّعبِ وأُحِلَّتْ لي الغنائمُ وجُعِلت لي الأرضُ طَهورًا ومسجدًا وأُرسِلْتُ إلى الخَلقِ كافَّةً وخُتِم بي النَّبيُّونَ» [رواه مسلم (523)].
جوامعُ الكلِم: كلامُهُ قليلُ الألفاظِ كثيرُ المعاني.
نُصرَ بالرعب: قذفَ اللهُ الخوفَ في قلوبِ أعدائِه.
إباحةُ الغنائم: كانت محرَّمةً على الأممِ السابقة.
جعلُ الأرضِ مسجدًا وطَهورًا: رحمةٌ وتيسيرٌ لأمَّتِه.
عمومُ رسالتِه: للإنسِ والجنِّ جميعًا.
ختمُ النبوَّةِ به: فلا نبيَّ بعدَه.
خصَّهُ اللهُ بالفضائلِ جمعًا لم تُعطَ لرسولٍ قبلَه أبدًا
العنصر الثاني: رحمتُه ﷺ بأمّتِه
أيُّها الأحبّة الكرام، لقد وصفَ اللهُ نبيَّه ﷺ بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
إنّها آيةٌ تُبكي العيونَ وتُذيبُ القلوب، إذ جمعت أعظمَ معاني الحنوِّ والشفقةِ والرأفةِ في قلبِ النبي ﷺ.
كان يحملُ همَّ أمّتِه، ويسهرُ الليالي داعيًا لها، ويذرفُ الدموعَ شفقةً عليها.
رحمته يوم الطائف
خرج ﷺ يلتمسُ النصرةَ، فما استجابوا له، بل أغروا به سُفهاءهم، فرجموه بالحجارة حتى أدمَوا قدميه الشريفتين. فماذا قال في تلك اللحظة؟
رفع يديه إلى السماء وقال: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ. أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي. إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي، أَمْ إِلَى قَرِيبٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي. أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، مِنْ أَنْ يَنْزِلَ بِي غَضَبُكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ. لَكَ الْحَمْدُ حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ”.
أيُّها المسلمون، أترَون قلبًا كهذا القلب؟! لا يشتكي ظلمَ الناس، بل يخافُ غضبَ الله.
يا أكرم الخلق جئنا يومَ ذكراكَ … والقلبُ بالحبِّ والإخلاصِ ناجاكَ
نهوى مدينَتَك الزهراءَ يدفعُنا … وَجْدٌ وشوقٌ وتَحْنَانٌ لرؤياكَ
كان اسمُها يثربً من قبلِ هجرتِكم … فأصبحت طيبةً من بعد لُقياكَ
كانت كسائرَ بلدانِ الدنا … فغدت من بعدِ هجرتِكم تُزْهَو بدنيَاكَ
قد أصبحت حرماً لما سكنتَ بها … ورَوضةً من جنانِ الخلدِ تَهواكَ
تعطرت أرضُها لما خطوتَ بها … وصار مسكًا ثَراها عند مسواكَ
من أرض طيبة نورٌ عمّ عالمَنا … بشراك يا عالم الإسلام بشراك
فما تَجَمَلَ رُسْلُ الله من خُلق … ومن فضائلَ بعضٌ من سجاياك
إنا نُحبُّكَ عن بعدٍ وعن كثبٍ … وما نسيناكَ يوماً أو سلوناكَ
رحمته يوم أحد
حين شُجَّ وجهُه الشريفُ وسالت دماؤه، وكُسِرت رباعيته، قال: “اللَّهُمَّ اغفِرْ لقومي فإنّهم لا يَعلمون” ابن حبان (973). لم يلعنْ، لم ينتقمْ، بل دعا لهم بالمغفرة!
بكاؤه لأجلنا
أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ تَلا قَوْلَ اللهِ عزَّ وجلَّ في سورة إبْراهِيمَ: {رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فمَن تَبِعَنِي فإنَّه مِنِّي} [إبراهيم: 36] الآيَةَ، وقالَ عِيسَى عليه السَّلامُ: {إنْ تُعَذِّبْهُمْ فإنَّهُمْ عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لهمْ فإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [المائدة: 118]، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتي أُمَّتِي، وبَكَى، فقالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: يا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ، ورَبُّكَ أعْلَمُ، فَسَلْهُ ما يُبْكِيكَ؟ فأتاهُ جِبْرِيلُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَسَأَلَهُ فأخْبَرَهُ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بما قالَ، وهو أعْلَمُ، فقالَ اللَّهُ: يا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إنَّا سَنُرْضِيكَ في أُمَّتِكَ، ولا نَسُوءُكَ”. مسلم (202).
يا لها من رحمةٍ تملأ السماوات والأرض!
وكان إذا فقد أحدًا من أصحابه سأل عنه، فإن مرضَ زاره، وإن مات شيّعه. كان يُجلسُ الصغارَ على حجره ويداعبهم. كانت الجارية الصغيرة تمسك بيده، فتسير به حيث شاءت.
وكان إذا سمع بكاء طفلٍ في الصلاة اختصرَها رأفةً بقلب أمّه.
وقال ﷺ: «مثلي ومثلُكم كمثلِ رجلٍ أوقدَ نارًا، فجعل الفراشُ، والجنادِبُ يقعْنَ فيها، وهو يذُبُّهُنَّ عنها، وأنا آخُذُ بحُجْزِكُمْ عنِ النارِ ، وأنتم تفْلِتونَ مِنْ يَدَيْ» مسلم (2285).
تأمّلوا! هو يُمسك بنا لننجو، ونحن نُفلتُ من يده بالمعاصي والذنوب.
بأبي وأمّي يا رسولَ اللهِ ما أحلاكَ في قلبي وأعظمَ قدركا
تبكي العيونُ لذكركم شوقًا لكم وتذوبُ روحُ العاشقين لذِكركا
أيُّها الأحبّة، لو لم يكن للنبي ﷺ من الرحمة علينا إلّا أنّه ادّخر دعوته المستجابة لتكون شفاعةً لنا يوم القيامة، لكان ذلك وحده كافيًا أن نفديه بأرواحنا وأموالنا.
العنصر الثالث: شفاعتُه ﷺ ومشهدُ القيامة وحوضُه المورود
أيُّها الأحِبَّةُ في اللهِ، في ذلكَ اليومِ العَصيبِ، يَومِ القِيامةِ، حيثُ تَدنو الشَّمسُ مِن رُؤوسِ العِبادِ قَدرَ ميلٍ، فيَغرَقُ النَّاسُ في عَرَقِهِم، ويَشتَدُّ الكَربُ حتَّى تَبلُغَ القُلوبُ الحَناجِرَ، فلا يَجِدونَ مَخرَجًا ولا شَفيعًا.
يَذهَبُ النَّاسُ إلى آدمَ، فيَقولُ: نَفسي نَفسي.
ثمَّ إلى نوحٍ، فيَقولُ: نَفسي نَفسي. ثمَّ إلى إبراهيمَ، فيَقولُ: نَفسي نَفسي.
ثمَّ إلى موسى، فيَقولُ: نَفسي نَفسي. ثمَّ إلى عيسى، فيَقولُ: نَفسي نَفسي.
حتَّى يَأتوا إلى محمَّدٍ ﷺ، فيَقولُ: «أنا لها، أنا لها”.
فَيَسجُدُ تحتَ العَرشِ، فيَفتَحُ اللهُ عليهِ بمَحامِدَ لم يَفتَحْ بها على أحَدٍ قبلَه، فيُقالُ: ارفَعْ رأسَكَ، وسَلْ تُعطَ، واشفَعْ تُشفَّعْ. أخرجه البخاري (4712)، ومسلم (194)، ملحوظة تم ذكر الحديث هنا مختصرا.
فيَشفَعُ للبَشريَّةِ جَمعاءَ، لتَبدأَ الحِساباتُ.
أنْواعُ شَفاعتِه ﷺ
يَشفَعُ لأهلِ المَوقِفِ لِيَفصِلَ اللهُ بينهم.
يَشفَعُ لأهلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِه.
يَشفَعُ لأهلِ الجَنَّةِ لِيَدخُلوها.
يَشفَعُ لِرَفعِ الدَّرجاتِ.
يَشفَعُ حتَّى لِمَن دَخَلَ النَّارَ مِن عُصاةِ المُؤمِنينَ ليَخرُجوا مِنها.
قال ﷺ: «شَفاعتي لأهلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتي» [صحيح، أخرجه أبو داود (4739)، والترمذي (2435)، وأحمد (13222)].
مَكانَتُهُ يَومَ القِيامةِ
قال ﷺ: «أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ يومَ القيامةِ ولا فخرَ، وبيدي لِواءُ الحمدِ ولا فخرَ، وما مِن نبيٍّ يَومئذٍ آدمَ فمَن سِواهُ إلَّا تحتَ لِوائي، وأَنا أوَّلُ مَن ينشقُّ عنهُ الأرضُ ولا فخرَ» [رواه التِّرمذي (3148) وصحَّحه].
وقال ﷺ: «أنا أكثرُ الأنبياءِ تبعًا يومَ القيامةِ، و أنا أوَّلُ من يَقرعُ بابَ الجنَّةِ» [رواه مُسلِم (196)].
الحَوضُ المَورودُ
قال ﷺ: عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ما آنِيَةُ الحَوْضِ؟ قالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِن عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا، أَلَا في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ المُصْحِيَةِ، آنِيَةُ الجَنَّةِ مَن شَرِبَ منها لَمْ يَظْمَأْ آخِرَ ما عليه، يَشْخَبُ فيه مِيزَابَانِ مِنَ الجَنَّةِ، مَن شَرِبَ منه لَمْ يَظْمَأْ، عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ، ما بيْنَ عَمَّانَ إلى أَيْلَةَ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ. (رواهُ مسلم ح 2300).
وقال ﷺ: «إنِّي فَرَطُكُمْ علَى الحَوْضِ، مَن مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، ومَن شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أبَدًا» [رواه البُخاري (6583) ومسلم 2290، 2291].
تَخَيَّلوا! ماءً أبْيَضَ مِنَ اللَّبَنِ، أحلى مِنَ العَسَلِ، أطيبَ مِنَ المِسكِ، مَن شرِبَ مِنهُ لم يَظمَأ بَعدَها أبدًا.
لكنَّ النَّبيَّ ﷺ حذَّر فقال: «إنِّي فَرَطُكُمْ علَى الحَوْضِ، مَن مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، ومَن شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أقْوامٌ أعْرِفُهُمْ ويَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحالُ بَيْنِي وبيْنَهُمْ. قالَ أبو حازِمٍ: فَسَمِعَنِي النُّعْمانُ بنُ أبِي عَيَّاشٍ، فقالَ: هَكَذا سَمِعْتَ مِن سَهْلٍ؟ فَقُلتُ: نَعَمْ، فقالَ: أشْهَدُ علَى أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، لَسَمِعْتُهُ وهو يَزِيدُ فيها: فأقُولُ إنَّهُمْ مِنِّي، فيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ، فأقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَن غَيَّرَ بَعْدِي» [رواه البخاري 6583، ومُسلِم 2290، 2291].
لِي في شَفاعتِكُم يا سيِّدي طَمَعٌ
فاشفَعْ لِضَعفيَ يا مَولايَ في الحَشرِ
إذا الخَلائِقُ في القِيامةِ عَطشَى
فالماءُ عندَكَ يا شَفيعَ العالَمِ
أيُّها الإخوةُ الأحِبَّةُ، إذا كان نَبيُّنا ﷺ سيِّدَ وَلَدِ آدمَ، وصاحِبَ الشَّفاعةِ العُظمى، وصاحِبَ الحَوضِ المَورودِ، فواجِبُنا أن نُطيعَهُ، وأن نُكثِرَ مِنَ الصَّلاةِ والسَّلامِ عليهِ، وأن نَتمسَّكَ بسُنَّتِه.
قال ﷺ: «أولى النَّاسِ بي يومَ القِيامةِ أكثَرُهم علَيَّ صَلاةً» [صحيح رواه التِّرمذي (484)].
فأكثِروا مِنَ الصَّلاةِ عليهِ في لَيلِكم ونَهارِكم، فإنَّها سَببٌ لِقُربِه وشَفاعتِه يومَ القِيامةِ.
اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على سيِّدِنا محمَّدٍ، وعلى آلِه وصَحبِه أجمعين.
اللَّهُمَّ ارزُقنا شَفاعتَهُ، واسقِنا مِن حَوضِه، واحشُرنا تحتَ لِوائِه، وأكرِمنا برُؤيَتِه في الجَنَّةِ.
اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسلامَ والمُسلِمين، وأذِلَّ الشِّركَ والمُشرِكين، واجعَلْ هذا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا وسائرَ بِلادِ المُسلِمين.
اللَّهُمَّ اغفِرْ لنا ولوالِدِينا ولِجميعِ المُسلِمين، الأحياءِ مِنهُم والميِّتينَ، برَحمَتِكَ يا أرحمَ الرَّاحِمين.
وصَلَّى اللهُ على نَبِيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِه وصَحبِه أجمعين، وآخِرُ دَعوَانا أنِ الحَمدُ للهِ ربِّ العالَمين.
العنصر الرابع: واجبنا نحو الحبيب صلي الله عليه وسلم
الحمدُ للهِ الذي أرسلَ نبيَّهُ بالهُدى ودينِ الحقِّ ليُظهِرَهُ على الدِّينِ كلِّه ولو كرِهَ الكافرون، الحمدُ للهِ الذي أكملَ لنا الدِّين، وأتمَّ علينا النِّعمة، وجعلنا من خيرِ أُمَّةٍ أُخرجت للنَّاس.
وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه، صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه، وعلى آلِه الطَّاهرين، وصحبِه الغُرِّ الميامين، ومَن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.
أمّا بعدُ: فيا أيُّها الأحبَّةُ في الله، حديثُنا عن أعظمِ حقٍّ بعدَ حقِّ الله تعالى، عن حقِّ سيِّد الخلقِ، وحبيبِ الحقِّ، عن محمّدٍ ﷺ. وما أعظمَهُ من حديثٍ، وما أجلَّهُ من واجب!
- محبَّتُه ﷺ وطاعتُه واتِّباعُه
أيها الإخوةُ المسلمون، أوَّلُ واجبٍ علينا تجاه نبيِّنا ﷺ هو محبّتُه الصادقة، تلك التي لا تكونُ مجرّدَ كلماتٍ على الألسنة، بل تُصدِّقُها الطاعةُ والاتِّباع.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31].
وقال ﷺ: «لا يُؤْمِنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من ولدِهِ، ووالدِهِ، والناسِ أجمعينَ» (متفق عليه البخاري 15، ومسلم 44).
فالمحبّةُ الحقّة هي التي تدفعُ للعمل، وتمنعُ من المعصية، وتُثمرُ اتباعًا واقتداءً.
- الصَّلاةُ والسَّلامُ عليه ﷺ
أيها الأحبّة، من أعظم حقوقه علينا أن نُكثِر من الصلاةِ والسلام عليه، فقد أمرنا اللهُ جلّ وعلا فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
وقال ﷺ: «من صلّى عليّ واحدة صلّى الله عليه بها عشرًا» (رواه مسلم ح 408).
وقال ﷺ: «أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة» (رواه الترمذي (484) وابن حبان (911)- صحيح).
فالإكثار من الصلاة عليه ﷺ سببٌ لنيل شفاعته، ووسيلةٌ للقرب منه يوم القيامة.
- نشرُ سيرتِه وتعليمُها
أيُّهَا الإخوةُ الأحِبَّةُ، مِن واجِبِنا أن نُعرِّفَ أبناءَنا بسيرةِ نبيِّهم ﷺ، وأن نزرَعَ في قلوبِهم محبَّتَهُ وتعظيمَهُ.
لقد كانَ الصَّحابةُ الكِرامُ يُعلِّمونَ أبناءَهمُ المَغازي كما يُعلِّمونَهمُ السُّورةَ مِنَ القرآن، لأنَّ السِّيرةَ ليستْ قصصًا لِلتَّسلية، بل هي مَدرسةٌ في الإيمانِ والتَّربية.
فلا بقاءَ للأمَّةِ على الحَقِّ إلَّا بِتجديدِ العَهدِ مع سيرةِ نبيِّها، لتكونَ القُدوةُ حيَّةً في القلوب.
- نصرتُه ﷺ والدِّفاعُ عن سنَّته
عِبادَ اللهِ، مِن حُقوقِه ﷺ علَينا أن نَنصُرَهُ، ونَذُبَّ عن عِرضِهِ، ونُدافِعَ عن سُنَّتِهِ، بالعِلمِ والعَمَلِ، بالحِكمةِ والمَوعِظَةِ الحَسَنةِ.
فالنُّصرةُ الحقيقيَّةُ ليستْ بالصَّخَبِ والادِّعاءِ، وإنَّما بالعمَلِ على إحياءِ سُنَّتِهِ، وتبليغِ دَعوَتِهِ، ورَدِّ الشُّبُهاتِ عنها، ونشرِ هَديهِ بينَ النَّاسِ.
- الاستِعدادُ لِلقائِهِ يومَ القيامة
أيُّها الأحِبَّةُ، مِن أعظمِ ما يَجِبُ علَينا أن نَستعِدَّ لِلقاءِ النَّبيِّ ﷺ على الحَوضِ يومَ القيامة، حِينَ يقولُ عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه:”… مَن شَرِبَ منه لَمْ يَظْمَأْ، عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ، ما بيْنَ عَمَّانَ إلى أَيْلَةَ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ. (رواهُ مسلم ح 2300).
لكنِ احذَروا أن تكونوا مِمَّن يقال لهم سُحْقًا سُحْقًا، فقد قال ﷺ: “فيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فأقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَن بَدَّلَ بَعْدِي” البخاري (7050)، ومسلم (2290، 2291).
فالثَّباتُ على سُنَّتِهِ، واجتِنابُ البِدَعِ والمُحدَثاتِ، هو الطَّريقُ الأوحَدُ لِنَيلِ الشَّرفِ الأعظَمِ: الشُّربُ مِن حَوضِهِ ﷺ.
هذا نَبيُّكم ﷺ، الذي أُمرتم بمحبَّتِهِ وطاعَتِهِ، والإكثارِ مِن الصَّلاةِ والسَّلامِ علَيهِ، ونَشرِ سِيرتِهِ، ونُصرتِهِ، والاستِعدادِ لِلقائِهِ يومَ القيامة.
فأدُّوا حَقَّهُ كما يَنبَغي، وكُونوا أوفَى أُمَّةٍ لِخَيرِ نَبِيٍّ أُرسِلَ إلى البَشَريَّةِ.
اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على سيِّدِنا محمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمعين.
اللَّهُمَّ ارزُقنا شفاعتَهُ، واسقِنا مِن حَوضِهِ، واحشُرنا تحتَ لِوائِهِ، وأكرِمنا برُؤيَتِهِ في الجَنَّةِ.
المراجع: القرآن الكريم، كتب الحديث: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن ابن ماجه، سنن الترمذي (الجامع الكبير)، سنن النسائي، مسند أحمد، شعب الإيمان للبيهقي، المعجم الكبير للطبراني. المصنف لابن أبي شيبة.
ثالثًا: كتب التفسير وشروح الحديث وغيرهما: تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن)، تفسير ابن كثير، التفسير الوسيط لطنطاوي، شرح البخاري لابن حجر، شرح البخاري لابن بطال، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي، حلية الأولياء، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ لابْنُ القَيِّمِ، الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء لابن عبد البر، إعلام الموقّعين لابن القيم.
د. أحمد رمضان
_______________________________
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة القادمة
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات
للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة
للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف