خطبة الجمعة :الْمِهَنُ فِي مِيزَانِ الدِّينِ وَبِنَاءِ الْوَطَنِ : للشيخ محمد طلعت القطاوى
"عِزُّ السَّاعِينَ وَمَنَارُ الْمُحْتَرِفِينَ: الْمِهَنُ فِي مِيزَانِ الدِّينِ وَبِنَاءِ الْوَطَنِ

خطبة الجمعة القادمة 23 يناير 2026 بعنوان : خطبة الجمعة :المهن في ميزان الدين وبناء الوطن ، إعداد: الشيخ محمد طلعت القطاوى لـ صوت الدعاة ، بتاريخ 4 شعبان 1447، الموافق 23 يناير 2026م.
عناصر خطبة الجمعة القادمة 23 يناير 2026م بعنوان : الْمِهَنُ فِي مِيزَانِ الدِّينِ وَبِنَاءِ الْوَطَنِ ، الشيخ محمد طلعت القطاوى .
الْمِهَنُ فِي مِيزَانِ الدِّينِ وَبِنَاءِ الْوَطَنِ
الجمعة 4 شعبان١٤٤٧هـ 23-01-2026م
إعداد: الشيخ محمد طلعت القطاوى
عناصر الخطبة:
- ** أَوَّلاً: فَلْسَفَةُ الْعَمَلِ فِي الْإِسْلَامِ – عِبَادَةٌ وَإِعْمَارٌ.
- ** ثَانِيًا: أَنْبِيَاءُ اللَّهِ.. عَمَالِقَةُ الْمِهَنِ وَالْحِرَفِ.
- ** ثَالِثًا: قِصَصُ الصَّحَابَةِ وَالصَّالِحِينَ فِي مَيْدَانِ الِاحْتِرَافِ.
- ** رَابِعًا: ذَمُّ الْبَطَالَةِ وَالْكَسَلِ – سُوسَةُ الْمُجْتَمَعَاتِ.
- ** خَامِسًا: الْمِهَنُ وَعُمْرَانُ الْأَوْطَانِ.. مَعْرَكَةُ الْبَقَاءِ.
- ** سَادِسًا: مِيزَانُ الْعَمَلِ الْحَلَالِ فِي الْإِسْلَامِ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْعَمَلَ لِلْعِبَادَةِ طَرِيقًا، وَجَعَلَ السَّعْيَ فِي مَنَاكِبِ الْأَرْضِ لِلرِّزْقِ سَبِيلًا وَتَوْفِيقًا. أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمٍ تَتْرَى، وَأَشْكُرُهُ عَلَى فُضُولِ مَنِّهِ الَّتِي لَا تُحْصَى.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَفَعَ مَنَارَ الصَّنَائِعِ وَالْمِهَنِ، وَجَعَلَهَا حِصْنًا مِنَ الْفَقْرِ وَالْمِحَنِ. الَّذِي أَعَزَّ مَنْ كَدَّ بِيَدِهِ وَاجْتَهَدَ، وَأَذَلَّ مَنْ رَكَنَ إِلَى الْبَطَالَةِ وَاسْتَنَدَ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَسَطَ الْأَرْضَ لِلْأَنَامِ، وَجَعَلَ فِيهَا مَعَايِشَ لِلْأَقْوَامِ، وَأَمَرَ بِالسَّعْيِ فِيهَا عَلَى الدَّوَامِ، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدًا يَمْلأُ الْآفَاقَ، وَيَسْتَنْزِلُ الْأَرْزَاقَ، وَيَشْرَحُ الصُّدُورَ بَعْدَ الضِّيقِ وَالْإِمْلَاقِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْعَمَلَ عِبَادَةً، وَالسَّعْيَ فِي الْأَرْضِ سِيَادَةً، وَجَعَلَ كَسْبَ الْحَلَالِ لِلْمُؤْمِنِ سَعَادَةً.
سُبْحَانَ مَنْ أَلَانَ لِدَاوُدَ الْحَدِيدَ، وَأَسَالَ لِسُلَيْمَانَ عَيْنَ الْقِطْرِ لِيَكُونَ بِالصِّنَاعَةِ شَدِيدًا، وَأَوْحَى إِلَى نُوحٍ أَنْ يَصْنَعَ الْفُلْكَ لِيَكُونَ لِلْبَشَرِيَّةِ مُنْقِذًا سَدِيدًا وَلِلْجَهْلِ مُبِيدًا.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَرَّفَ الصَّنَائِعَ وَالْمِهَنَ، وَجَعَلَهَا دِرْعًا وَاقِيًا مِنَ الْمِحَنِ، وَسَبِيلًا لِعِزَّةِ الشُّعُوبِ وَرِفْعَةِ الْوَطَنِ.. شَهَادَةً تَنْشَرِحُ بِهَا الصُّدُورُ، وَتَسْتَقِيمُ بِهَا الْأُمُورُ. يَا رَبِّ.. لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ وَعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، حَمْدًا يَسْتَوْجِبُ الرِّضَا، وَيَدْفَعُ الْبَلَا، وَيَحُطُّ الْخَطَايَا.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، سَيِّدُ الْعَامِلِينَ، وَإِمَامُ الْمُتَّقِينَ، وَقُدْوَةُ الْمُحْتَرِفِينَ، الَّذِي كَانَ يُرَقِّعُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، أَهْلِ الْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ، وَمَنَارِ الْهُدَى وَالسَّخَاءِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ، يَا شَبَابَ الْإِسْلَامِ:
أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَإِنَّ مَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَمَنْ رَاقَبَهُ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ هَدَاهُ. فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الإِسْلَامِ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ العمل عبادة ايمانية وبناء كوني واقتداء بسيد الخلق
** أَوَّلًا: فَلْسَفَةُ الْعَمَلِ فِي الْإِسْلَامِ – عِبَادَةٌ وَإِعْمَارٌ
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي نُصُوصِ الْوَحْيَيْنِ (الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) يُدْرِكُ أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ الْحَرَكَةِ لَا الْجُمُودِ، وَدِينُ الْإِنْتَاجِ لَا الرُّكُودِ؛ دِينٌ يَحُثُّ أَتْبَاعَهُ عَلَى السَّعْيِ وَالْعَمَلِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْبَطَالَةِ. فَالْإِسْلَامُ لَمْ يَأْتِ لِيَكُونَ دِينًا مَحْبُوسًا فِي الزَّوَايَا، أَوْ طُقُوسًا تُؤَدَّى فِي الْخَلَوَاتِ، لَمْ يَأْتِ الْإِسْلَامُ لِيَكُونَ رَهْبَنَةً فِي الصَّوَامِعِ، بَلْ جَاءَ لِيَكُونَ نِظَامَ حَيَاةٍ يَدْفَعُ الْإِنْسَانَ دَفْعًا نَحْوَ الْإِنْتَاجِ وَالْإِبْدَاعِ، جَاءَ لِيَكُونَ عُمْرَانًا فِي الْمَزَارِعِ وَالْمَصَانِعِ. فَإِنَّ الْيَدَ الَّتِي تَعْمَلُ هِيَ يَدٌ يُحِبُّهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالْجَبِينَ الَّذِي يَتَصَبَّبُ عَرَقًا فِي طَلَبِ الْحَلَالِ هُوَ جَبِينٌ وَسَمَهُ اللَّهُ بِوِسَامِ الشَّرَفِ.
إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حِينَ اسْتَخْلَفَ الْإِنْسَانَ فِي الْأَرْضِ، لَمْ يَسْتَخْلِفْهُ لِيَأْكُلَ وَيَشْرَبَ وَيَنَامَ، بَلْ قَالَ: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾. وَالِاسْتِعْمَارُ هُنَا هُوَ “طَلَبُ الْعِمَارَةِ”، وَلَا عِمَارَةَ لِلْأَرْضِ إِلَّا بِالْمِهَنِ. إِنَّ الْعَمَلَ فِي الْإِسْلَامِ قَرِينُ الْإِيمَانِ؛ فَفِي أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ مَوْضِعًا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، يَقْرِنُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ “الَّذِينَ آمَنُوا” وَ”عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ”. وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ هُنَا يَشْمَلُ كُلَّ عَمَلٍ يَنْفَعُ النَّاسَ، سَوَاءً كَانَ صَلَاةً فِي الْمِحْرَابِ، أَوْ حِدَادَةً فِي الْمَصْنَعِ، أَوْ زِرَاعَةً فِي الْحَقْلِ.
فَعِنْدَمَا نَقْرَأُ فِي كِتَابِ الْإِمَامِ تَاجِ الدِّينِ السُّبْكِيِّ “مُعِيدُ النِّعَمِ وَمُبِيدُ النِّقَمِ”، نَجِدُ عَجَبًا! لَقَدْ رَسَمَ خَرِيطَةً مُتَكَامِلَةً لِلْمُجْتَمَعِ، فَلَمْ يَتْرُكْ مِهْنَةً إِلَّا وَأَعْطَاهَا بُعْدًا أَخْلَاقِيًا. الْتَفَتَ إِلَى الْفَلَّاحِ وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ “خَازِنُ أَرْزَاقِ اللَّهِ”، وَإِلَى الْمُهَنْدِسِ وَوَصَفَهُ بِـ “مُقَوِّمِ الْبُنْيَانِ”، وَإِلَى الْخَيَّاطِ وَالنَّسَّاجِ وَالْحَدَّادِ. لَقَدْ أَرَادَ السُّبْكِيُّ أَنْ يَقُولَ لَنَا: إِنَّ الْمُجْتَمَعَ جَسَدٌ وَاحِدٌ، إِذَا تَعَطَّلَتْ فِيهِ مِهْنَةٌ، اشْتَكَى سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْخَلَلِ وَالضِّيَاعِ.
إِنَّ السَّعْيَ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ الْحَلَالِ هُوَ “جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ”. خَرَجَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَرَأَى الصَّحَابَةُ مِنْ جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ مَا أَعْجَبَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يَعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
ثَانِيًا: أَنْبِيَاءُ اللَّهِ.. عَمَالِقَةُ الْمِهَنِ وَالْحِرَفِ
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ أَعْلَى مَقَامَاتِ الْبَشَرِ هِيَ مَقَامُ النُّبُوَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الْأَنْبِيَاءُ عَالَةً عَلَى أَحَدٍ. بَلْ كَانُوا “أَرْبَابَ حِرَفٍ”. فَإِذَا سَأَلَ سَائِلٌ: “هَلِ الْمِهْنَةُ الْيَدَوِيَّةُ تَنْقُصُ مِنْ قَدْرِ الرَّجُلِ؟” نُجِيبُهُ: “انْظُرْ إِلَى سَادَاتِ الدُّنْيَا!”
فَإِذَا نَظَرْنَا فِي سِيَرِ أَكْرَمِ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ، وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، لَوَجَدْنَاهُمْ قَادَةً فِي مَيَادِينِ الْعَمَلِ. لَمْ يَمْنَعْهُمْ شَرَفُ النُّبُوَّةِ مِنِ امْتِهَانِ الْمِهَنِ الشَّرِيفَةِ، بَلْ كَانَتْ مِهَنُهُمْ جُزْءًا مِنْ رِسَالَتِهِمْ فِي إِعْمَارِ الْأَرْضِ:
- فَهَذَا أَبُو الْبَشَرِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَانَ حَرَّاثًا (مُزَارِعًا)، وَاجَهَ الْأَرْضَ بِصَلَابَتِهَا، فَكَانَ يَزْرَعُ وَيَحْصُدُ، وَيَبْذُرُ الْحَبَّ وَيَسْتَخْرِجُ مِنَ الْأَرْضِ قُوتَهُ. يُعَلِّمُنَا أَنَّ لُقْمَةَ الْعَيْشِ تَبْدَأُ مِنْ طِينَةِ الْأَرْضِ وَعَرَقِ الْجَبِينِ، إِنَّهَا رِسَالَةُ الْأَبِ لِذُرِّيَّتِهِ يَقُولُ فِيهَا أَنَّ الْبِدَايَةَ تَكُونُ مِنَ الْأَرْضِ، فَالْأَرْضُ كَنْزٌ لِمَنْ يَحْرُثُهَا.
- وَهَذَا أَطْوَلُ الْأَنْبِيَاءِ عُمْرًا سَيِّدُنَا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: “شَيْخُ الْمُرْسَلِينَ”، كَانَ نَجَّارًا. لَمْ تَكُنْ نِجَارَتُهُ مُجَرَّدَ صِنَاعَةِ أَثَاثٍ، بَلْ كَانَتْ صِنَاعَةَ “سَفِينَةٍ” عَمْلَاقَةٍ تَحْتَ إِشْرَافِ الْوَحْيِ: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. لَقَدْ كَانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَائِدًا فِي “هَنْدَسَةِ السُّفُنِ”. فَكَانَتِ النِّجَارَةُ وَسِيلَةً لِنَجَاةِ الْبَشَرِيَّةِ.
- وَهَذَا نَبِيُّ اللَّهِ إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَانَ خَيَّاطًا، وَقِيلَ إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ خَاطَ الثِّيَابَ بِالْإِبْرَةِ، وَكَانَ النَّاسُ قَبْلَهُ يَلْبَسُونَ الْجُلُودَ. وَكَانَ مَعَ كُلِّ غَرْزَةِ إِبْرَةٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ، لِيَمْزُجَ بَيْنَ ذِكْرِ اللِّسَانِ وَعَمَلِ الْيَدِ.
- وَهَذَا مَضْرِبُ الْمَثَلِ فِي الْعَمَلِ وَالسَّعْيِ نَبِيُّ اللَّهِ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: الْمَلِكُ النَّبِيُّ، الَّذِي سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ الْجِبَالَ، لَمْ يَأْكُلْ مِنْ بَيْتِ مَالِ الدَّوْلَةِ، بَلْ كَانَ حَدَّادًا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. لَقَدْ كَانَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَّلُ مَنْ اخْتَرَعَ “الدُّرُوعَ الْمُتَدَاخِلَةَ” الَّتِي تَحْمِي الْمُقَاتِلِينَ، فَكَانَ مُخْتَرِعًا عَسْكَرِيًّا بِامْتِيَازٍ. فَكَانَتْ صِنَاعَتُهُ حِمَايَةً وَتَحْصِينًا لِقَوْمِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ﴾.
- أَمَّا سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَلِيمُ اللَّهِ، الَّذِي عَمِلَ أَجِيرًا لَدَى شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَشْرَ سَنَوَاتٍ كَامِلَةٍ فِي رَعْيِ الْغَنَمِ، وَهِيَ مِهْنَةٌ تَتَطَلَّبُ الصَّبْرَ، وَالْيَقَظَةَ، وَالرَّحْمَةَ. عَمِلَ بِمَشَقَّةٍ لِيَقْتَاتَ حَلَالًا فَكَانَ عَمَلُهُ مَهْرًا قَدَّمَهُ لِابْنَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ شُعَيْبٍ.
- وَعَنْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فَحَدِّثْ وَلَا حَرَجَ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا وَرَعَى الْغَنَمَ، وَقَدْ رَعَاهَا ﷺ لِأَهْلِ مَكَّةَ عَلَى قَرَارِيطَ. ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالتِّجَارَةِ، فَرَحَلَ إِلَى الشَّامِ، وَبَنَى سُمْعَتَهُ عَلَى “الْأَمَانَةِ وَالصِّدْقِ”، فَكَانَتْ حِرْفَتُهُ هِيَ مِفْتَاحَ قَبُولِ دَعْوَتِهِ.
إِنَّ هَؤُلَاءِ الْعُظَمَاءَ يُعَلِّمُونَنَا أَنَّ “الْمِهْنَةَ” لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَصْدَرٍ لِلْمَالِ، بَلْ هِيَ عِبَادَةٌ لِلَّهِ وَكَرَامَةٌ لِلنَّفْسِ وَعُمْرَانٌ وَتَعْمِيرٌ لِلْوَطَنِ.
ثَالِثًا: قِصَصُ الصَّحَابَةِ وَالصَّالِحِينَ فِي مَيْدَانِ الِاحْتِرَافِ
إِخْوَةَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، هَلْ كَانَتِ الْمِهَنُ وَالْحِرَفُ شَرَفًا اسْتَأْثَرَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَحْدَهُمْ؟ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَتَوَقَّفَتِ الْحَيَاةُ بَعْدَ رَحِيلِهِمْ وَلَمَا وَصَلَتْ إِلَيْنَا تَعْمِيرًا وَبِنَاءً وَاسْتِمْرَارًا لِسُنَّةِ اللَّهِ فِي كَوْنِهِ، أَلَا وَهِيَ سُنَّةُ الْخِلَافَةِ وَالْعِمَارَةِ.
فَالْمِهْنَةُ شَرَفٌ طَهَّرَ اللَّهُ بِهَا الْأَنْبِيَاءَ وَمِيرَاثٌ وَرِثَهُ الْأَنْصَارُ وَالْأَتْبَاعُ. الْحَقِيقَةُ أَنَّ صَحَابَةَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَجِدُوا حَرَجًا فِي الْعَمَلِ الْيَدَوِيِّ، بَلْ كَانُوا يَتَنَافَسُونَ فِيهِ: فَانْطَلَقُوا فِي مَيَادِينِ الْحَيَاةِ يُكَافِحُونَ وَيَسْعَوْنَ لِكَسْبِ أَقْوَاتِهِمْ وَيَمْتَهِنُونَ الْمِهَنَ الَّتِي تُسَاعِدُ فِي نَهْضَةِ الْأُمَّةِ وَاسْتِمْرَارِهَا، فَلَمْ يَقِفُوا رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عِنْدَ حُدُودِ التَّعَبُّدِ فِي الْمَسْجِدِ، بَلْ كَانُوا فُرْسَانًا فِي الْأَسْوَاقِ.
- فَهَذَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ: فِي أَوَّلِ يَوْمٍ تَوَلَّى فِيهِ الْخِلَافَةَ، خَرَجَ وَعَلَى كَتِفِهِ أَثْوَابٌ يَتَاجِرُ بِهَا، لِيُعَلِّمَ الْأُمَّةَ أَنَّ مَنْصِبَ الْقِيَادَةِ لَا يُغْنِي عَنْ شَرَفِ الْمِهْنَةِ وَكَسْبِ الْيَدِ.
- وَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: حِينَ هَاجَرَ مِنَ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، عَرَضَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْأَنْصَارِ مُشَاطَرَتَهُ الْمَالِ، فَرَفَضَ بِعِزَّةِ الْمُؤْمِنِ وَقَالَ: “دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ”. فَبَاعَ وَاشْتَرَى حَتَّى أَصْبَحَ مِنْ أَغْنَى الْأَغْنِيَاءِ بِجُهْدِهِ وَعَرَقِهِ. فَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ “إِعَانَةٍ” أَوْ “صَدَقَةٍ”، بَلْ قَالَ: “دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ”. بَدَأَ بِبَيْعِ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ، حَتَّى صَارَ يُقَالُ عَنْهُ: “لَوْ رَفَعَ حَجَرًا لَوَجَدَ تَحْتَهُ ذَهَبًا”، وَذَلِكَ بِفَضْلِ بَرَكَةِ الْعَمَل.
- وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: كَانَ لَهُ أَلْفُ مَمْلُوكٍ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِ الْخَرَاجَ (الضَّرَائِبَ مِنْ مَزَارِعِهِمْ)، فَكَانَ لَا يُدْخِلُ مِنْهَا بَيْتَهُ دِرْهَمًا وَاحِدًا، بَلْ يَتَصَدَّقُ بِهَا كُلِّهَا، لِأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ هُوَ!
- وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ: كَانَ وَالِيًا عَلَى الْمَدَائِنِ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يَشْتَرِي الْخُوصَ (سَعَفَ النَّخِيلِ) بِدِرْهَمٍ، فَيَصْنَعُهُ مَكَاتِلَ (سِلَالًا) وَيَبِيعُهُ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، فَيَرُدُّ دِرْهَمًا لِرَأْسِ الْمَالِ، وَيَتَصَدَّقُ بِدِرْهَمٍ، وَيُنْفِقُ دِرْهَمًا عَلَى أَهْلِهِ. كَانَ يَقُولُ: “لَا أُحِبُّ أَنْ آكُلَ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِي”.
- وَفَارُوقُ الْأُمَّةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كَانَ يَمُرُّ بِالرَّجُلِ فَيُعْجِبُهُ خَلْقُهُ، فَيَسْأَلُ: أَلَهُ حِرْفَةٌ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا، سَقَطَ مِنْ عَيْنِهِ. وَكَانَ يَقُولُ: “إِنِّي لَأَرَى الرَّجُلَ فَيُعْجِبُنِي، فَإِذَا قِيلَ: لَا مِهْنَةَ لَهُ، سَقَطَ مِنْ عَيْنِي”.
ثُمَّ عَلَى نَهْجِهِمْ وَفِي دُرُوبِهِمْ سَارَ التَّابِعُونَ وَالصَّالِحُونَ؛ فَهَذَا الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: إِمَامُ الْمَذْهَبِ، وَصَاحِبُ الْفِقْهِ الْكَبِيرِ، كَانَ يَشْتَغِلُ فِي تِجَارَةِ الْأَقْمِشَةِ (الْخَزِّ)، وَكَانَ مَعْرُوفًا بِالْأَمَانَةِ وَالدِّقَّةِ، وَلَمْ يَشْغَلْهُ عِلْمُهُ عَنْ مِهْنَتِهِ. وَكَانَ يُخَصِّصُ يَوْمًا فِي الْأُسْبُوعِ لِلصِّنَاعَةِ وَيَوْمًا لِلْعِلْمِ، فَكَانَ عِلْمُهُ حُرًّا لِأَنَّهُ لَمْ يَبِعْ دِينَهُ بِلُقْمَةِ عَيْشِهِ مِنَ السَّلَاطِينِ، وَغَيْرُهُمُ الْكَثِيرُ وَالْكَثِيرُ مِنْ نَمَاذِجَ يَشْرُفُ الزَّمَانُ بِتَخْلِيدِ سِيَرِهِمْ.
رَابِعًا: ذَمُّ الْبَطَالَةِ وَالْكَسَلِ – سُوسَةُ الْمُجْتَمَعَاتِ
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ، إِنَّ الْبَطَالَةَ فِي مَنْظُورِ الْإِسْلَامِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ فَرَاغِ وَقْتٍ، بَلْ هِيَ مَفْسَدَةٌ لِلدِّينِ، وَمَنْقَصَةٌ لِلْمُرُوءَةِ، وَعِبْءٌ عَلَى الْمُجْتَمَعِ. فَهَلْ يَلِيقُ بِرَبِّ أُسْرَةٍ يَجْلِسُ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي طُرُقَاتِ الْمَقَاهِي يَنْتَظِرُ رِزْقًا بِلَا سَعْيٍ؟ فَبِلَا شَكٍّ هُوَ إِنْسَانٌ خَالَفَ سُنَّةَ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ.
إِنَّ الْبَطَالَةَ هِيَ “مَقْبَرَةُ الْمَوَاهِبِ” وَ”مَنْبَتُ الْجَرَائِمِ”. الْإِنْسَانُ الْفَارِغُ هُوَ صَيْدٌ سَهْلٌ لِلشَّيْطَانِ، وَلِلْأَفْكَارِ الْمُتَطَرِّفَةِ، وَلِلْأَمْرَاضِ النَّفْسِيَّةِ. لِذَا ذَمَّ الْإِسْلَامُ الْيَدَ الْعَاطِلَةَ، وَلَوْ كَانَ صَاحِبُهَا يَتَعَبَّدُ.
يُرْوَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأَى قَوْمًا قَابِعِينَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، فَسَأَلَهُمْ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ عَلَى اللَّهِ! فَعَلَاهُمْ عُمَرُ بِـ “دِرَّتِهِ” (عَصَاهُ) الشَّهِيرَةِ وَقَالَ قَوْلَتَهُ الَّتِي تُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ: “لَا يَقْعُدَنَّ أَحَدُكُمْ عَنْ طَلَبِ الرِّزْقِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ السَّمَاءَ لَا تُمْطِرُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً!”.
إِنَّ الَّذِي يَرْضَى بِالْبَقَاءِ عَاطِلًا وَهُوَ قَوِيٌّ سَوِيٌّ، إِنَّمَا يَقْتُلُ مُرُوءَتَهُ. وَقَدِ اسْتَعَاذَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، فَالْعَجْزُ هُوَ “عَدَمُ الْقُدْرَةِ”، وَالْكَسَلُ هُوَ “عَدَمُ الرَّغْبَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ”، وَهُوَ الدَّاءُ الْعُضَالُ.
يَقُولُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-:
سَافِرْ تَجِدْ عِوَضًا عَمَّنْ تُفَارِقُهُ .. وَانْصَبْ فَإِنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ
إِنِّي رَأَيْتُ وُقُوفَ الْمَاءِ يُفْسِدُهُ .. إِنْ سَاحَ طَابَ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطَبِ
وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
مَا كَلَّ مَنْ بَذَلَ الْجُهُودَ لِحَاجَةٍ .. إِنَّ الْكَسُولَ هُوَ الْمَلُومُ الْخَائِبُ
فَاعْمَلْ وَكُنْ فِي النَّاسِ صَدْرًا نَاهِضًا .. فَالْمَجْدُ لَيْسَ لِقَاعِدٍ يُصَاحِبُ
خَامِسًا: الْمِهَنُ وَعُمْرَانُ الْأَوْطَانِ.. مَعْرَكَةُ الْبَقَاءِ
يَا أَبْنَاءَ الْوَطَنِ، إِنَّ نَهْضَةَ الْأُمَّةِ لَا تَكُونُ بِالشِّعَارَاتِ، بَلْ بِالْمَهَارَاتِ. إِنَّ الْعَالَمَ الْيَوْمَ لَا يَحْتَرِمُ إِلَّا الْأَقْوِيَاءَ، وَالْقُوَّةُ فِي هَذَا الْعَصْرِ هِيَ “قُوَّةُ الْإِنْتَاجِ”. إِنَّ الدَّوْلَةَ الَّتِي تَكْتَفِي بِالِاسْتِهْلَاكِ هِيَ دَوْلَةٌ مَرْهُونَةُ الْإِرَادَةِ. إِنَّ النَّهْضَةَ الْوَطَنِيَّةَ تَبْدَأُ مِنَ “الْوَرْشَةِ” وَتَنْتَهِي بِـ “الْمُخْتَبَرِ”.
إِنَّ الْوَطَنَ يَحْتَاجُ إِلَى الطَّبِيبِ الْمُخْلِصِ لِيَحْمِيَ الْأَجْسَادَ، وَإِلَى الْمُهَنْدِسِ الْمُبْدِعِ لِيُشَيِّدَ الْبُنْيَانَ، وَإِلَى الْمُزَارِعِ الصَّبُورِ لِيُحَقِّقَ الْأَمْنَ الْغِذَائِيَّ، وَإِلَى الصَّانِعِ الْمُحْتَرِفِ لِتَسْتَغْنِيَ الْأُمَّةُ عَنْ اسْتِيرَادِ احْتِيَاجَاتِهَا.
إِنَّ كُلَّ مِهْنَةٍ -مَهْمَا صَغُرَتْ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ- هِيَ لَبِنَةٌ فِي جِدَارِ الْوَطَنِ. السَّبَّاكُ، وَالْكَهْرَبَائِيُّ، وَالنَّجَّارُ، وَالْمُبَرْمِجُ، وَالْمُعَلِّمُ.. هُمْ حُرَّاسُ الثُّغُورِ التَّنْمَوِيَّةِ. إِنَّ تَخَلِّيَ الشَّبَابِ عَنِ الْمِهَنِ الْيَدَوِيَّةِ وَالتِّقْنِيَّةِ وَالِارْتِمَاءَ فِي أَحْضَانِ الْكَسَلِ هُوَ “خِيَانَةٌ” لِمُسْتَقْبَلِ الْوَطَنِ.
فَالْوَطَنُ الَّذِي يَأْكُلُ مِمَّا لَا يَزْرَعُ، وَيَلْبَسُ مِمَّا لَا يَصْنَعُ، يَبْقَى قَرَارُهُ بِيَدِ غَيْرِهِ. وَالْعَمَلُ الْمِهْنِيُّ هُوَ الطَّرِيقُ الْوَحِيدُ لِلِاسْتِقْلَالِ الِاقْتِصَادِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ.
- الْمُهَنْدِسُ الْمُبْتَكِرُ: هُوَ الَّذِي يَشُقُّ الطُّرُقَ وَيَبْنِي الْجُسُورَ، فَيَرْبِطُ أَوْصَالَ الْوَطَنِ وَيُقَرِّبُ الْمَسَافَاتِ.
- التِّقْنِيُّ وَالْفَنِّيُّ: هُوَ الْعَمُودُ الْفِقْرِيُّ لِلصِّنَاعَةِ، الَّذِي يُحَوِّلُ الْمَوَادَّ الْخَامَ إِلَى أَدَوَاتٍ تَنْفَعُ النَّاسَ.
- الْمُبَرْمِجُ وَالْمَعْلُومَاتِيُّ: هُوَ جُنْدِيُّ الْحُرُوبِ السِّيبِرَانِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِ الرَّقْمِيِّ، الَّذِي يَحْمِي بَيَانَاتِ الْوَطَنِ وَيَبْنِي مُسْتَقْبَلَهُ الذَّكِيَّ.
- النَّجَّارُ وَالسَّبَّاكُ وَالْكَهْرَبَائِيُّ: هُمْ حُرَّاسُ التَّفَاصِيلِ فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ، فَبِدُونِهِمْ تَتَعَطَّلُ الْحَرَكَةُ وَتَتَوَقَّفُ الْحَيَاةُ.
إِنَّ كُلَّ “آلَةِ صَانِعٍ أَوْ مِهْنِيٍّ أَوْ حِرَفِيٍّ” يُمْسِكُهَا عَامِلٌ بِإِتْقَانٍ، هِيَ رَصَاصَةٌ فِي صَدْرِ التَّبَعِيَّةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ. إِنَّنَا بِحَاجَةٍ إِلَى ثَقَافَةِ “تَقْدِيسِ الْعَمَلِ الْمِهْنِيِّ”. لَا عَيْبَ فِي الْعَامِلِ، الْعَيْبُ فِي الْخَامِلِ. الْعَيْبُ فِيمَنْ يَلْبَسُ ثِيَابًا مُسْتَوْرَدَةً، وَيَأْكُلُ طَعَامًا مُسْتَوْرَدًا، ثُمَّ يَتَشَدَّقُ بِحُبِّ الْوَطَنِ! حُبُّ الْوَطَنِ هُوَ إِتْقَانُ الْمِهْنَةِ.
سَادِسًا: قَوَاعِدُ وَأُسُسٌ وَضَعَهَا الْإِسْلَامُ لِلْعَامِلِينَ وَأَصْحَابِ الْمِهَنِ
الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: أَخْلَاقِيَّاتُ الْمِهْنَةِ (الْإِحْسَانُ الْمِهْنِيُّ) يَأْتِي الْإِسْلَامُ مُتَابِعًا لِسَيْرِ الْعَمَلِ وَالْمِهْنَةِ فَيَضَعُ لَهَا الْقَوَاعِدَ وَالْأُسُسَ الَّتِي تُسَاهِمُ فِي إِخْرَاجِ الْعَمَلِ بِصُورَةٍ تَلِيقُ بِمَنْ يَحْمِلُونَ رَايَةَ الْإِسْلَامِ، فَكَانَ عَلَى رَأْسِ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ وَالْأُسُسِ هُوَ الْإِحْسَانُ وَالْإِتْقَانُ فِي الْعَمَلِ. الْإِسْلَامُ لَا يُرِيدُ مِنْكَ “عَمَلًا” فَقَطْ، بَلْ يُرِيدُ “إِحْسَانًا”. الْإِحْسَانُ هُوَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، وَفِي الْمِهْنَةِ: أَنْ تُرَاقِبَ اللَّهَ فِي صَنْعَتِكَ وَمِهْنَتِكَ وَحِرْفَتِكَ كَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَرَاكَ وَيُرَاقِبُكَ.
فَالْإِسْلَامُ لَا يَطْلُبُ مِنْكَ مُجَرَّدَ الْعَمَلِ، بَلْ يَطْلُبُ مِنْكَ “الْإِتْقَانَ”. يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ». الْمُهَنْدِسُ الَّذِي يَغُشُّ فِي الْمَوَاصِفَاتِ، أَوِ الْعَامِلُ الَّذِي يُمَاطِلُ فِي الْمَوَاعِيدِ، أَوِ الْمُوَظَّفُ الَّذِي يُهْمِلُ فِي أَدَاءِ وَاجِبِهِ، كُلُّهُمْ خَانُوا أَمَانَةَ الْمِهْنَةِ. تَخَيَّلُوا مُجْتَمَعًا يُتْقِنُ فِيهِ كُلُّ صَاحِبِ مِهْنَةٍ عَمَلَهُ:
- مَبَانٍ لَا تَنْهَارُ. أَجْهِزَةٌ لَا تَتَعَطَّلُ سَرِيعًا. مَوَاعِيدُ تَنْضَبِطُ بِدِقَّةٍ.
هَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ الْحَقُّ الَّذِي يَرْفَعُ شَأْنَ الْأُمَمِ. إِنَّ الْعَامِلَ الَّذِي يَغُشُّ فِي نَوْعِ الْخَشَبِ، أَوِ الْمُهَنْدِسَ الَّذِي يَتَلَاعَبُ فِي كَمِيَّةِ الْحَدِيدِ، أَوِ الْمُوَظَّفَ الَّذِي يَتَقَاضَى رَاتِبًا مُقَابِلَ سَاعَاتٍ يَقْضِيهَا فِي الْحَدِيثِ وَالْعَبَثِ، كُلُّهُمْ يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا، وَيَهْدِمُونَ جِدَارَ الْوَطَنِ.
الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: (السَّعْيُ الْحَلَالُ وَالْبَرَكَةُ) ثُمَّ يَأْمُرُ الْإِسْلَامُ أَتْبَاعَهُ بِتَحَرِّي الْحَلَالِ فِي الْكَسْبِ وَالسَّعْيِ. إِنَّ الْمَالَ الَّذِي تَأْخُذُهُ مِنْ عَرَقِ جَبِينِكَ لَهُ حَلَاوَةٌ لَا يَذُوقُهَا أَصْحَابُ الْأَمْوَالِ السَّهْلَةِ. السَّعْيُ الْحَلَالُ يُورِثُ الْبَرَكَةَ فِي الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ، وَيَفْتَحُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِالدُّعَاءِ.
وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ إِنْ كُنْتَ غَافِلًا .. يَأْتِيكَ بِالْأَرْزَاقِ مِنْ حَيْثُ لَا تَدْرِي فَكَيْفَ تَخَافُ الْفَقْرَ وَاللَّهُ رَازِقًا .. فَقَدْ رَزَقَ الطَّيْرَ وَالْحُوتَ فِي الْبَحْرِ وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الرِّزْقَ يَأْتِي بِقُوَّةٍ .. مَا أَكَلَ الْعُصْفُورُ شَيْئًا مَعَ النَّسْرِ
الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: الْأَمَانَةُ الرَّقْمِيَّةُ وَالْمِهَنُ الْحَدِيثَةُ فَفِي عَصْرِنَا الْحَالِيِّ، اتَّسَعَتْ دَائِرَةُ الْأَمَانَةِ لِتَشْمَلَ “الْفَضَاءَ الرَّقْمِيَّ”. فَالْمُبَرْمِجُ الَّذِي يَحْمِي الْبَيَانَاتِ، وَالْمُصَمِّمُ الَّذِي يَنْشُرُ الْوَعْيَ، وَصَانِعُ الْمُحْتَوَى الَّذِي يَخْدِمُ الْقِيَمَ، هُمْ “مُرَابِطُونَ” فِي سَبِيلِ اللَّهِ. إِنَّ الْأَمَانَةَ فِي “كُودِ الْبَرْمَجَةِ” لَا تَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنِ الْأَمَانَةِ فِي “وَزْنِ الْمِيزَانِ”. فَكُلُّ جُهْدٍ يَخْدِمُ النَّاسَ وَيَبْنِي الْوَعْيَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ.
وَخِتَامًا اغْتِنَامُ الْعُمْرِ فِي الْعَمَلِ
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الْعُمْرَ دَقَائِقُ وَثَوَانٍ، وَكُلُّ ثَانِيَةٍ تَذْهَبُ لَنْ تَعُودَ. إِنَّكُمْ غَدًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ مَوْقُوفُونَ، وَعَنْ أَعْمَارِكُمْ وَأَوْقَاتِكُمْ مَسْؤُولُونَ. «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ.. وَمِنْهَا: وَعَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ».
وَإِنَّ الْعُمْرَ هُوَ “رَأْسُ الْمَالِ” الْوَحِيدُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَعْوِيضُهُ. فَكُلُّ دَقِيقَةٍ تَمُرُّ مِنْ حَيَاتِكَ هِيَ “فُرْصَةُ إِنْتَاجٍ” ضَاعَتْ أَوِ اسْتُثْمِرَتْ. وَاعْلَمُوا أَنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ، فَمَاذَا زَرَعْتَ فِي مَزْرَعَتِكَ؟
فَيَا أَيُّهَا الشَّابُّ، ابْحَثْ عَنْ مِهْنَةٍ، تَعَلَّمْ حِرْفَةً، لَا تَكُنْ كَلًّا عَلَى أَحَدٍ. لَا تَنْتَظِرِ “الْوَظِيفَةَ الْمَكْتَبِيَّةَ” خَلْفَ الطَّاوِلَاتِ، بَلِ انْزِلْ إِلَى مَيْدَانِ الْمِهَنِ، فَفِيهَا الْمَالُ الْوَفِيرُ، وَالْكَرَامَةُ الْمَصُونَةُ، وَالْأَثَرُ الْبَاقِي. تَعَلَّمْ “صَنْعَةً” تَكُونُ لَكَ حِرْزًا مِنَ الْفَقْرِ. وَيَا أَيُّهَا الْعَامِلُ، اسْتَشْعِرْ مُرَاقَبَةَ اللَّهِ فِي عَمَلِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ فِي جِهَادٍ مَا دُمْتَ تَطْلُبُ الْحَلَالَ لِتَعِفَّ نَفْسَكَ وَأَهْلَكَ.
يَقُولُ لُقْمَانُ الْحَكِيمُ لِابْنِهِ: “يَا بُنَيَّ، اسْتَعِنْ بِالْكَسْبِ الْحَلَالِ عَنِ الْفَقْرِ، فَإِنَّهُ مَا افْتَقَرَ أَحَدٌ قَطُّ إِلَّا أَصَابَهُ ثَلَاثُ خِصَالٍ: رِقَّةٌ فِي دِينِهِ (لِأَنَّهُ قَدْ يَسْرِقُ أَوْ يَرْتَشِي)، وَضَعْفٌ فِي عَقْلِهِ (بِسَبَبِ الْهَمِّ)، وَذَهَابُ مُرُوءَتِهِ“.
فَيَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اغْتَنِمُوا أَعْمَارَكُمْ، وَأَتْقِنُوا مِهْنَكُمْ، وَابْنُوا أَوْطَانَكُمْ بِسَوَاعِدِكُمْ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ إِذَا عَمِلُوا أَتْقَنُوا، وَإِذَا كَسَبُوا طَابُوا، وَإِذَا أَعْطَوْا شَكَرُوا.
اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَرْزَاقِنَا، وَوَفِّقْنَا لِلْإِخْلَاصِ فِي أَعْمَالِنَا، وَاجْعَلْ بِلَادَنَا مَنَارَةً لِلصِّنَاعَةِ وَالزِّرَاعَةِ وَالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ. اللَّهُمَّ أَعِزَّنَا بِالْعَمَلِ، وَلَا تُذِلَّنَا بِالْكَسَلِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ يَبْنُونَ الْأَوْطَانَ بِطَاعَةِ الرَّحْمَنِ. اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي عُمَّالِنَا وَزُرَّاعِنَا وَصُنَّاعِنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِلَادَنَا مَنَارَةً لِلصِّنَاعَةِ وَالِابْتِكَارِ، وَارْزُقْنَا حَلَالًا طَيِّبًا وَبَارِكْ لَنَا فِيهِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِآبَائِنَا وَلِأُمَّهَاتِنَا، وَاجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَارِنَا أَوَاخِرَهَا، وَخَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِمَهَا.
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
الشيخ محمد طلعت القطاوي
خُطبةُ صوتِ الدعاةِ – إعداد مدير الجريدة الشيخ محمد طلعت القطاوي
___________________________________
خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف علي صوت الدعاة
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات
و للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع
و للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف















