خطبة الجمعة القادمة : أَيَّامُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ ، للدكتور أحمد رمضان
خطبة الجمعة القادمة 27 فبراير 2026 بعنوان : أَيَّامُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ ، إعداد: رئيس التحرير الدكتور أحمد رمضان لـ صوت الدعاة ، بتاريخ 9 رمضان 1447هـ ، الموافق 27 فبراير 2026م.
لتحميل خطبة الجمعة القادمة 27 فبراير 2026م بصيغة word بعنوان : أَيَّامُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان لـ صوت الدعاة.
انفراد لتحميل خطبة الجمعة القادمة 27 فبراير 2026م بصيغة pdf بعنوان : أَيَّامُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ ، للدكتور أحمد رمضان.
عناصر خطبة الجمعة القادمة 27 فبراير 2026م بعنوان : أَيَّامُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان.
العُنْصُرُ الأَوَّلُ: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾… المَعْنَى وَالدَّلَالَةُ
العُنْصُرُ الثَّانِيُ: رَمَضَانُ… شَهْرُ الاِنْتِصَارِ عَلَى الشَّيْطَانِ وَالنَّفْسِ
العُنْصُرُ الثَّالِثُ: عَوَامِلُ النَّصْرِ فِي رَمَضَانَ
العنصر الرابع: ظَاهِرَةُ عَدَمِ مُسَاعَدَةِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ (مبادرة صحح مفاهيمك لوزارة الأوقاف).
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 27 فبراير 2026م : أَيَّامُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان : كما يلي:
أَيَّامُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ
9 رمضان 1447هـ – 27 فبراير 2026م
إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان
المـــوضــــــــــوع
الحمدُ للهِ الَّذي جعلَ في الأيَّامِ عِبَرًا، وفي التَّاريخِ آياتٍ، وفي المواسمِ نفحاتٍ، أحمدُهُ سبحانهُ أن بلَّغنا رمضانَ، وجعلَهُ ميدانَ عبادةٍ، ومضمارَ انتصارٍ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، يُدبِّرُ الأمرَ، ويُداولُ الأيامَ بين الناسِ، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، علَّمَنا أنَّ رمضانَ ليس شهرَ صيامٍ فحسبُ، بل شهرَ جهادٍ وصبرٍ وثباتٍ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا، أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ،،،
عناصر الخطبة:
العُنْصُرُ الأَوَّلُ: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾… المَعْنَى وَالدَّلَالَةُ
العُنْصُرُ الثَّانِيُ: رَمَضَانُ… شَهْرُ الاِنْتِصَارِ عَلَى الشَّيْطَانِ وَالنَّفْسِ
العُنْصُرُ الثَّالِثُ: عَوَامِلُ النَّصْرِ فِي رَمَضَانَ
العنصر الرابع: ظَاهِرَةُ عَدَمِ مُسَاعَدَةِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ (مبادرة صحح مفاهيمك لوزارة الأوقاف).
فإنَّ اللهَ تعالى أمرَ نبيَّهُ أن يُذكِّرَ الناسَ بأيامِهِ، لأنَّ في أيَّامِ اللهِ شحنًا للإيمانِ، وإحياءً للعزائمِ، وربطًا للحاضرِ بالماضي.
العُنْصُرُ الأَوَّلُ: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾… المَعْنَى وَالدَّلَالَةُ
قالَ اللهُ تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]. قالَ الإمامُ الطَّبريُّ رحمهُ اللهُ: “وعِظْهُم بما سلفَ من نِعَمِي عليهم في الأيامِ التي خلتْ”. [تفسير الطبري: ج16، ص518]. وقالَ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ: “بأياديهِ ونِعَمِهِ عليهم، في إخراجِهِ إيَّاهم من أسرِ فرعونَ وقهرِهِ وظلمِهِ وغشمِهِ، وإنجائِهِ إيَّاهم من عدوِّهم، وفلقِهِ لهم البحرَ، وتظليلِهِ إيَّاهم بالغمامِ، وإنزالِهِ عليهم المنَّ والسلوى، إلى غيرِ ذلكَ من النِّعمِ. قالَ ذلكَ مجاهدٌ، وقتادةُ، وغيرُ واحدٍ، وقد وردَ فيهِ الحديثُ المرفوعُ عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، عن النبيِّ ﷺ في قولِهِ تباركَ وتعالى: ﴿وذكِّرهم بأيامِ اللهِ﴾ قالَ: «بنعمِ اللهِ تباركَ وتعالي”. أخرجه عبد الله أحمد في ((زوائد المسند)) (21128)، وعبد بن حميد (168)، والشاشي في ((المسند)) (1415)، حديث صحيح.”. [تفسير ابن كثير: ج4، ص480].
فأيامُ اللهِ – عبادَ اللهِ – ليستْ أيامًا عاديَّةً في حسابِ الزمنِ، بل أيَّامٌ يتجلَّى فيها تدبيرُ اللهِ، وتظهرُ فيها سننُهُ في النصرِ والهزيمةِ، وفي الرفعِ والخفضِ، وفي العزِّ والذلِّ. هي أيَّامٌ يُري اللهُ فيها عبادَهُ أثرَ وعدِهِ، ويكشفُ لهم فيها سُنَّتَهُ، ليعلموا أنَّ التاريخَ ليسَ حركةَ بشرٍ فقط، بل هو جريانُ قدرٍ، وتحقيقُ وعدٍ، ونفاذُ مشيئةٍ.
عبادَ اللهِ، إنَّ اللهَ لم يأمرْ موسى أن يُعلِّمَ قومَهُ الأحكامَ فقط، بل أن يُذكِّرَهُم بالأيَّامِ، لأنَّ في التذكيرِ بأيامِ اللهِ إحياءً للقلوبِ، وشحنًا للعزائمِ، وربطًا للحاضرِ بالماضي، حتى لا تعيشَ الأمةُ بلا ذاكرةٍ إيمانيةٍ. ورمضانُ من أعظمِ مواسمِ أيَّامِ اللهِ، لأنَّهُ شهرُ نزولِ القرآنِ، وشهرُ الفرقانِ، وشهرُ الفتحِ، وشهرُ الانتصاراتِ الكبرى.
قالَ تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]. فنزولُ القرآنِ في رمضانَ لم يكنْ حدثًا تاريخيًّا يُذكَرُ، بل كانَ أعظمَ تحوُّلٍ في مسارِ البشريةِ، يومَ أُخرجَ الناسُ من الظلماتِ إلى النورِ، ومن عبادةِ العبادِ إلى عبادةِ ربِّ العبادِ. وقالَ تعالى في بدرٍ ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: 123]، وكانتْ بدرٌ في السابعِ عشرَ من رمضانَ سنةَ اثنتينِ للهجرةِ.
تأمَّلوا المشهدَ عبادَ اللهِ… ثلاثمائةٍ وبضعةَ عشرَ رجلًا، لا يملكونَ إلا فرسينِ وسبعينَ بعيرًا يتعاقبونَ عليها، خرجوا لا يريدونَ حربًا كبرى، فإذا بهم أمامَ ألفِ مقاتلٍ مدجَّجينَ بالسلاحِ. قلَّةٌ في العددِ… قلَّةٌ في العُدَّةِ… لكنَّها لم تكنْ قلَّةً في الإيمانِ. قالَ تعالى ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: 41]، قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما: “يومُ الفرقانِ يومُ بدرٍ”. [تفسير الطبري: ج11، ص203]. سُمِّيَ يومَ الفرقانِ لأنَّهُ فرَّقَ بين مرحلةِ الاستضعافِ ومرحلةِ التمكينِ، بين الخوفِ والهيبةِ، بين التردُّدِ والثباتِ.
وروى مسلمٌ في صحيحهِ أنَّ النبيَّ ﷺ يومَ بدرٍ قالَ في دعائِهِ: «اللهمَّ أنجزْ لي ما وعدتني، اللهمَّ إن تهلكْ هذه العصابةُ لا تُعبدْ في الأرضِ» [مسلم: 1763]، فما زالَ ﷺ رافعًا يديه، مستقبِلَ القبلةِ، حتى سقطَ رداؤهُ من شدةِ التضرُّعِ. هكذا تُصنعُ أيَّامُ اللهِ، لا تُصنعُ بالضجيجِ، بل بالسجودِ، لا تُصنعُ بالغرورِ، بل بالافتقارِ، لا تُصنعُ بكثرةِ السلاحِ، بل بصدقِ اللجوءِ إلى اللهِ.
عبادَ اللهِ، وفي رمضانَ أيضًا دخلَ النبيُّ ﷺ مكةَ فاتحًا في العاشرِ من رمضانَ سنةَ ثمانٍ للهجرةِ، بعد سنواتٍ من الإيذاءِ والطردِ والحصارِ، دخلَها خاشعًا، مطأطئًا رأسَهُ تواضعًا للهِ، لا متكبِّرًا ولا متجبِّرًا، يقرأُ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، فكانَ الفتحُ نصرًا بلا انتقامٍ، وتمكينًا بلا بطشٍ، وعفوًا مع القدرةِ. وهكذا تتجلَّى أيامُ اللهِ في رمضانَ: نزولُ قرآنٍ… ونصرُ بدرٍ… وفتحُ مكةَ…
ثم تستمرُّ سُنَّةُ اللهِ في الأمةِ، فإذا صدقتْ، وأعدَّتْ، وثبتتْ، جرتْ عليها سننُ النصرِ كما جرتْ على مَن قبلَها. وإنَّ من الأيامِ التي توافقتْ مع رمضانَ في تاريخِنا المعاصرِ يومَ العاشرِ من رمضانَ سنةَ 1393هـ، حينَ اجتمعتْ إرادةُ الصيامِ مع إرادةِ استردادِ الأرضِ، فكانَ يومًا أعادَ للأمَّةِ معنى الثقةِ بعد انكسارٍ، وأثبتَ أنَّ شهرَ الصيامِ ليسَ شهرَ ضعفٍ، بل شهرَ عزيمةٍ. وليسَ المقصودُ مساواةَ تلكَ الأحداثِ ببدرٍ، فلبدرٍ مكانتُها الفريدةُ في الوحيِ، ولكنَّ العبرةَ أنَّ سنَّةَ اللهِ واحدةٌ: النصرُ لا يُوهَبُ لأمَّةٍ نائمةٍ، بل يُعطَى لأمَّةٍ صادقةٍ.
عبادَ اللهِ، إذا كانَ هذا معنى ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾، فليسَ المطلوبُ أن نُحصيَ التواريخَ، بل أن نُحييَ المعاني، وليسَ المطلوبُ أن نقفَ عندَ الماضي، بل أن نصنعَ في حاضرِنا يومًا من أيامِ اللهِ. فربَّ رمضانَ يكونُ يومَ فرقانٍ في حياتِكَ أنتَ… يومَ تتركُ معصيةً لازمتكَ سنينَ… يومَ تُصلِحُ قلبًا طالَ عليهِ القسوةُ… يومَ تنتصرُ على نفسِكَ.
وهنا ننتقلُ إلى أعظمِ انتصارٍ في رمضانَ، انتصارٍ يبدأُ من الداخلِ قبلَ الخارجِ: رَمَضَانُ… شَهْرُ الاِنْتِصَارِ عَلَى الشَّيْطَانِ وَالنَّفْسِ.
العُنْصُرُ الثَّانِيُ: رَمَضَانُ… شَهْرُ الاِنْتِصَارِ عَلَى الشَّيْطَانِ وَالنَّفْسِ
عبادَ اللهِ، إذا كانتْ أيَّامُ اللهِ في التاريخِ تُعلِّمُنا كيفَ تنتصرُ الأمَّةُ على عدوِّها، فإنَّ رَمَضانَ يُعلِّمُنا كيفَ ينتصرُ الإنسانُ على نفسِهِ، لأنَّ أعظمَ معركةٍ في حياةِ المؤمنِ ليستْ في الميدانِ، بل في الصدرِ، وليستْ أمامَ العدوِّ الظاهرِ، بل أمامَ العدوِّ الخفيِّ. قالَ اللهُ تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، فغايةُ الصيامِ التَّقوى، والتقوى هي حالةُ انتصارٍ دائمٍ على الهوى، ورقابةٍ للهِ في السرِّ والعلَنِ.
عبادَ اللهِ، أوَّلُ مظاهرِ هذا الانتصارِ أنَّ اللهَ يُهيِّئُ لكَ البيئةَ، ويُقيِّدُ عدوَّكَ الأكبرَ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ» [البخاري: 3277، مسلم: 1079]، قالَ ابنُ حجرٍ رحمهُ اللهُ: “الْمُرَادُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ لَا يَخْلُصُونَ إِلَى مَا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ لِاشْتِغَالِ النَّاسِ بِالصِّيَامِ وَالذِّكْرِ” [فتح الباري: 4/114]، فالعذرُ يرتفعُ، والطريقُ يُمَهَّدُ، ويبقى السؤالُ: هل تنتصرُ؟
عبادَ اللهِ، الانتصارُ على الشيطانِ لا يكونُ بشعارٍ، بل بمجاهدةٍ، قالَ اللهُ تعالى ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6]، واتخاذُهُ عدوًّا يعني أن تُخالِفَهُ كلَّما دعاكَ إلى هوًى، وأن تُعارِضَهُ كلَّما زيَّنَ لكَ معصيةً. وكانَ يوسفُ عليهِ السلامُ مثالًا للنصرِ الداخليِّ حينَ قالَ ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف: 23]، فانتصرَ في لحظةِ ابتلاءٍ، فكانتْ عاقبتُهُ تمكينًا.
عبادَ اللهِ، وأعظمُ انتصارٍ في رمضانَ هو الانتصارُ على النفسِ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» [البخاري: 6114، مسلم: 2609]، فالقوَّةُ ليستْ في غلبةِ الآخرينَ، بل في غلبةِ نفسِكَ، وقالَ ﷺ «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» [البخاري: 1904، مسلم: 1151]، إنَّهُ تدريبٌ يوميٌّ على كبحِ الغضبِ، وضبطِ اللسانِ، وقمعِ الشهوةِ.
عبادَ اللهِ، وكانَ السلفُ يدركونَ أنَّ الصومَ معركةٌ داخليةٌ، قالَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنهُ: “إذا صمتَ فليصمْ سمعُكَ وبصرُكَ ولسانُكَ عن الكذبِ والمآثمِ، ودَعْ أذى الخادمِ، وليكنْ عليكَ وقارٌ وسكينةٌ يومَ صومِكَ” [أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 2/422]، وكانَ طلقُ بنُ حبيبٍ يقولُ: “إذا وقعتِ الفتنةُ فأطفئوها بالتقوى”، قالوا: وما التقوى؟ قالَ: “أن تعملَ بطاعةِ اللهِ على نورٍ من اللهِ ترجو ثوابَ اللهِ، وأن تتركَ معصيةَ اللهِ على نورٍ من اللهِ تخافُ عقابَ اللهِ” [بدائع الفوائد ج2ـ ص96. وابن أبي شيبة: 7/104]، فهذهِ هي حقيقةُ الانتصارِ.
عبادَ اللهِ، ومن أعجبِ صورِ الانتصارِ ما وقعَ لِفُضيلِ بنِ عياضٍ رحمهُ اللهُ، كانَ في بدايتِهِ قاطعَ طريقٍ، ثم سمعَ يومًا قولَ اللهِ تعالى ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 16]، فقالَ: بلى يا ربِّ قد آنَ، فكانتْ لحظةَ انقلابٍ في حياتِهِ، فصارَ من أئمَّةِ الزهدِ والعبادةِ [سير أعلام النبلاء للذهبي: 8/427]، هكذا يكونُ يومٌ من أيامِ اللهِ في حياةِ عبدٍ، لحظةُ صدقٍ تُغيِّرُ المسارَ.
عبادَ اللهِ، ورمضانُ فرصةُ هذهِ اللحظةِ، شهرٌ تقولُ فيهِ لنفسِكَ: كفى، كفى ذنبًا، كفى تسويفًا، كفى ضعفًا، شهرٌ تُعيدُ فيهِ ترتيبَ قلبِكَ، وتُعلِنُ فيهِ بدايةً جديدةً، فمن لم ينتصرْ في ثلاثينَ يومًا يُدرَّبُ فيها على الصبرِ، والذكرِ، والقرآنِ، فمتى ينتصرُ؟
عبادَ اللهِ، إنَّ النصرَ الخارجيَّ يبدأُ من هنا، من صدرِ الإنسانِ، من إرادتِهِ، من قدرتهِ على أن يقولَ: لا، للحرامِ، لا للهوى، لا للشيطانِ، فإذا انتصرَ العبدُ على نفسِهِ، أصبحَ جديرًا بأن يُكرِمَهُ اللهُ بنصرٍ أعظمَ، وإذا هُزِمَ أمامَ شهوتِهِ، فلن يثبتَ في ساحةٍ أوسعَ.
وهنا ننتقلُ إلى سؤالٍ حاسمٍ: ما العواملُ التي تجعلُ هذا الانتصارَ يتحقَّقُ واقعًا لا شعارًا؟ وهذا ما نُعالِجُهُ في العُنْصُرِ الثَّالِثِ: عَوَامِلُ النَّصْرِ فِي رَمَضَانَ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحمدُ للهِ القويِّ العزيزِ، ناصرِ عبادهِ المؤمنينَ، ومُعِزِّ من أطاعَهُ واتَّقاهُ، ومُذِلِّ من عصاهُ وتولَّاهُ، أحمدُهُ سبحانهُ على نِعَمِهِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، جعلَ في مواسمِ الطاعةِ مفاتيحَ النصرِ، وفي رمضانَ أبوابَ التمكينِ، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، علَّمَنا أنَّ النصرَ يولدُ من الإيمانِ، ويتنزَّلُ مع الصبرِ، ويُحفَظُ بالطاعةِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ، فإذا كانَ رَمَضانُ شهرَ الانتصارِ على الشيطانِ والنفسِ، فإنَّ هذا الانتصارَ لا يكونُ عفويًّا، بل لهُ أسبابٌ شرعيَّةٌ، وسُنَنٌ ربَّانيَّةٌ، متى تحقَّقتْ تحقَّقَ وعدُ اللهِ، قالَ تعالى ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].
العُنْصُرُ الثَّالِثُ: عَوَامِلُ النَّصْرِ فِي رَمَضَانَ
عبادَ اللهِ، النصرُ في ميزانِ القرآنِ ليسَ صدفةً تاريخيَّةً، ولا حماسةً عابرةً، بل هو ثمرةُ إيمانٍ، وصبرٍ، ودعاءٍ، وطاعةٍ، وهذهِ العواملُ تتجلَّى في رمضانَ بأوضحِ صورِها.
أَوَّلًا: الإِيمَانُ الصَّادِقُ وَتَجْدِيدُ الصِّلَةِ بِاللهِ
قالَ اللهُ تعالى ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: 123]، لم يقلْ: وأنتم أقوياءُ، بل قالَ: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾، لأنَّ القوَّةَ الحقيقيَّةَ لم تكنْ في العددِ، بل في الإيمانِ، ولذلكَ قالَ بعدها ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فالتقوى شرطُ الشكرِ، والشكرُ شرطُ المزيدِ، والمزيدُ مفتاحُ التمكينِ. وقالَ تعالى ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]، فجعلَ النصرَ وعدًا، لكنَّهُ وعدٌ مرتبطٌ بوصفٍ: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، لا بالاسمِ، بل بالحقيقةِ.
ورمضانُ يُجدِّدُ الإيمانَ بالقرآنِ، وبالقيامِ، وبالذكرِ، فإذا قويَ الإيمانُ قويَ اليقينُ، وإذا قويَ اليقينُ نزلَ التأييدُ.
ثَانِيًا: الصَّبْرُ وَالثَّبَاتُ
قالَ اللهُ تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: 200]، فجعلَ الصبرَ أساسًا في مواجهةِ الشدائدِ، وقالَ رسولُ اللهِ ﷺ «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ» [أحمد: 2803، وقال الأرناؤوط: صحيح]، فالنصرُ لا ينزلُ مع الجزعِ، بل مع الثباتِ.
ورمضانُ مدرسةُ الصبرِ الكبرى، تصبرُ على الجوعِ، تصبرُ على العطشِ، تصبرُ على الشهوةِ، تصبرُ على الغضبِ، فمن لم يتعلَّمِ الصبرَ في رمضانَ، فمتى يتعلَّمُهُ؟ ومن لم يثبتْ أمامَ شهوةِ طعامٍ وشرابٍ، فكيفَ يثبتُ أمامَ فتنةٍ أعظمَ؟
ثَالِثًا: الدُّعَاءُ وَالِافْتِقَارُ إِلَى اللهِ
قالَ اللهُ تعالى في آياتِ الصيامِ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، فجاءتْ آيةُ الدعاءِ وسطَ أحكامِ الصيامِ، لتُعلِّمَنا أنَّ الصومَ بلا دعاءٍ جسدٌ بلا روحٍ.
وفي بدرٍ دعا النبيُّ ﷺ حتى سقطَ رداؤهُ، فكانَ الدعاءُ سلاحًا قبلَ أن يكونَ سيفًا، وكانَ الافتقارُ إلى اللهِ أعظمَ من الاعتمادِ على العددِ. ورمضانُ شهرُ إجابةٍ، ساعةُ إفطارٍ، وقيامُ ليلٍ، وليلةُ قدرٍ، أفلا نُحسِنُ طرقَ البابِ؟
رَابِعًا: الطَّاعَةُ وَتَرْكُ الْمَعَاصِي
قالَ اللهُ تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، فلا نصرَ مع الإصرارِ على المعصيةِ، ولا تمكينَ مع التفريطِ في الطاعةِ، لأنَّ المعاصي تُضعِفُ القلوبَ، وتُطفِئُ نورَ الإيمانِ، وتحرمُ الأمةَ من أسبابِ التأييدِ.
ورمضانُ فرصةُ تطهيرٍ شاملٍ، صومُ جوارحٍ، وغضُّ بصرٍ، وحفظُ لسانٍ، وتركُ خصامٍ، فإذا طهُرَ الداخلُ، صلحَ الخارجُ، وإذا صلحَ الفردُ، صلحتِ الأمةُ.
عبادَ اللهِ، هذهِ عواملُ النصرِ: إيمانٌ صادقٌ، وصبرٌ ثابتٌ، ودعاءٌ مُلحٌّ، وطاعةٌ خالصةٌ، فإذا اجتمعتْ في عبدٍ انتصرَ على نفسِهِ، وإذا اجتمعتْ في أمَّةٍ نهضتْ من كبوتِها، وإذا غابتْ، فلا نلومَنَّ إلا أنفسَنا.
العنصر الرابع: ظَاهِرَةُ عَدَمِ مُسَاعَدَةِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ
عبادَ اللهِ، فإنَّ من الظواهرِ التي تسرَّبتْ إلى بعضِ بيوتِنا: امتناعَ الزوجِ عن مساعدةِ زوجتِهِ، واعتقادَهُ أنَّ أعمالَ البيتِ كلَّها واجبٌ عليها وحدَها، وأنَّ مشاركتَهُ لها تنقصُ من رجولتِهِ، وهذا فهمٌ بعيدٌ عن هديِ النبيِّ ﷺ.
فقد سُئلتْ أمُّ المؤمنينَ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: ما كانَ النبيُّ ﷺ يصنعُ في بيتِهِ؟ قالتْ: «كانَ في مهنةِ أهلِهِ، فإذا حضرتِ الصلاةُ خرجَ إلى الصلاةِ» [البخاري: 676]، وفي روايةٍ: «كانَ يخيطُ ثوبَهُ، ويخصفُ نعلَهُ» [أحمد: 24998، صحيح].
تأملوا عبادَ اللهِ… رسولُ اللهِ ﷺ، سيدُ الخلقِ، وقائدُ الأمةِ، ومن تُجبى إليهِ الوفودُ، لم يرَ في خدمةِ أهلِهِ نقصانًا، بل رآها خُلُقًا، ومودةً، ومشاركةً، وعشرةً بالمعروفِ، وقد قالَ تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19].
إنَّ الزوجةَ شريكةُ حياةٍ، ليستْ خادمةً، والبيتُ يُبنى على التعاونِ لا على التسلطِ، وأعظمُ ما يقوِّي المحبةَ أن ترى الزوجةُ زوجَها عونًا لها في تعبِها، يخففُ عنها، ويشاركُها، ويقدِّرُ جهدَها، فبذلكَ تستقيمُ البيوتُ، وتدومُ المودةُ، وتحلُّ الرحمةُ.
فاتقوا اللهَ في بيوتِكم، واجعلوا من هديِ نبيِّكم ﷺ قدوةً، فخيرُكم خيرُكم لأهلِهِ، وأنا خيرُكم لأهلِي [الترمذي: 3895، وقالَ حسنٌ صحيحٌ].
اللهمَّ اجعلْ لنا في رمضانَ نصرًا على أنفسِنا، ونصرًا على شياطينِنا، اللهمَّ أصلحْ بيوتَنا، واجعلْها قائمةً على المودةِ والرحمةِ، ووفقْنا لاتباعِ سنةِ نبيِّكَ ﷺ في أهلِنا، إنكَ سميعٌ مجيبٌ.
المراجع: القرآن الكريم
كتب الحديث: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن الترمذي، مسند أحمد، شعب الإيمان للبيهقي، مسند ابن أبي شيبة، زوائد المسند، مسند الشاشي.
تفسيرُ الطبريِّ، تفسير القرطبي، تفسير ابن كثير، شرح صحيح مسلم للنووي، فتح الباري لابن حجر، بدائع الفوائد، سير أعلام النبلاء للذهبي.
د. أحمد رمضان
خُطبةُ صوتِ الدعاةِ – إعداد رئيس التحرير: الدكتور أحمد رمضان
___________________________________
خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف علي صوت الدعاة
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات
و للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع
و للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف

















