خطبة الجمعة القادمة بعنوان : أيام الله في رمضان، للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب
خطبة الجمعة القادمة بعنوان : أيام الله في رمضان، للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب ، بتاريخ 9 رمضان 1447هـ ، الموافق 27 فبراير 2026م.
عناصر خطبة الجمعة القادمة 27 فبراير 2026م بعنوان : أيام الله في رمضان : كما يلي:
أَوَّلًا: مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ: ذِكْرُ اللَّهِ.
ثَانِيًا: مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
ثَالِثًا: مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ: الصَّدَقَةُ.
رَابِعًا: مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ: أَنَّهُ شَهْرُ الِانْتِصَارَاتِ.
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 27 فبراير 2026م بعنوان : أيام الله في رمضان : كما يلي:
أَوَّلًا: مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ: ذِكْرُ اللَّهِ
أَخَا الْإِسْلَامِ: احْرِصْ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي رَمَضَانَ، وَكَذَا أَذْكَارِ الْأَحْوَالِ، عِنْدَ دُخُولِكَ الْبَيْتَ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ، وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ، وَعِنْدَ لِبَاسِكَ، وَغَيْرِهَا مِنْ أَذْكَارِ الْيَوْمِ، وَكَذَلِكَ الْأَذْكَارِ الْمُطْلَقَةِ، مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَهْلِيلٍ، وَتَكْبِيرٍ وَتَحْمِيدٍ، ثُمَّ الدُّعَاءِ؛ فَهُوَ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ فِي رَمَضَانَ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ.
إِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَجَلِّ وَأَعْظَمِ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْمُسْلِمُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَيَا حَبَّذَا لَوْ وَاظَبَ الصَّائِمُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ.
فَمِنْ بَابِ الْإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ: أَنْ تَهْتَمَّ بِأَذْكَارِ الْأَحْوَالِ، بِأَنْ تَجْعَلَ لَكَ مُذَكِّرًا يُذَكِّرُكَ أَنْ تَقُولَ أَذْكَارَ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَنْزِلِ وَدُخُولِهِ، وَأَذْكَارَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ، وَأَذْكَارَ اللِّبَاسِ، وَأَذْكَارَ النَّظَرِ فِي الْمِرْآةِ، وَأَذْكَارَ دُخُولِ الْخَلَاءِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَأَذْكَارَ النَّوْمِ وَالِاسْتِيقَاظِ، وَأَذْكَارَ مَا قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ… إِلَخْ.
وَيُضَافُ إِلَى أَذْكَارِ الْأَحْوَالِ: الْأَذْكَارُ الْمُطْلَقَةُ، وَغَيْرُ الْمُقَيَّدَةِ بِمَكَانٍ أَوْ وَقْتٍ أَوْ حَالٍ، كَأَنْ تَذْكُرَ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ أَلْفَ مَرَّةٍ، كَأَنْ تَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ أَلْفَ مَرَّةٍ، أَوْ أَنْ تَقُولَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ أَلْفَ مَرَّةٍ، أَوْ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَذْكَارِ.
إِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الْعِبَادَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي أُمِرْنَا بِالْإِكْثَارِ مِنْهَا؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٤١].
ذَكَرَ الْإِمَامُ ابن كثير فِي تَفْسِيرِهِ لِهَذِهِ الْآيَةِ، عَنْ عبد الله بن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ عَلَى عِبَادِهِ فَرِيضَةً إِلَّا جَعَلَ لَهَا حَدًّا مَعْلُومًا، ثُمَّ عَذَرَ أَهْلَهَا فِي حَالِ عُذْرٍ، غَيْرَ الذِّكْرِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَلَمْ يُعْذِرْ أَحَدًا فِي تَرْكِهِ إِلَّا مَغْلُوبًا عَلَى تَرْكِهِ، فَقَالَ:
﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾ [آل عمران: ١٩١]، بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَفِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ، وَالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، وَقَالَ: ﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الأحزاب: ٤٢]، فَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ صَلَّى عَلَيْكُمْ هُوَ وَمَلَائِكَتُهُ، وَالْأَحَادِيثُ وَالْآيَاتُ وَالْآثَارُ فِي الْحَثِّ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
هَلْ لَكَ أَنْ تُسَابِقَ هَؤُلَاءِ فِي ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟!
قِيلَ لِـ أبي الدرداء: كَمْ تُسَبِّحُ فِي كُلِّ يَوْمٍ؟ قَالَ: مِائَةَ أَلْفٍ، إِلَّا أَنْ تُخْطِئَ الْأَصَابِعُ.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ أبا هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُسَبِّحُ اللَّهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ تَسْبِيحَةٍ، وَيَقُولُ: أُسَبِّحُ بِقَدْرِ دِيَتِي.
أَمَّا أبو مسلم الخولاني فَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى مَعَ الصِّبْيَانِ، وَيَقُولُ: اذْكُرُوا اللَّهَ حَتَّى يَرَى الْجَاهِلُ أَنَّهُ مَجْنُونٌ.
ثانيا: من أيام الله في رمضان: قراءة القرآن الكريم.
القرآن مبارك على قارئه وسامعه ومتدبره؛ فله بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، إلى أضعاف لا يعلمها إلا الله تعالى، فيتلو سورة قصيرة ويحصد أجورًا عظيمة.
القرآن بركة على متدبره بما يحصل لقلبه من انتفاع بالقرآن، واتعاظ به، واستقامة على أمر الله تعالى، مع ما يؤتى من البصيرة في دينه ودنياه، وحجة ذلك قول الله تعالى ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. فمتدبره سيُهدى لأقوم الأمور وأحسنها في أفكاره وآرائه وجميع أموره الدينية والدنيوية.
والقرآن بركة على عقل حافظه؛ لأن مجرد حفظ مفردات أي لغة كانت يوسع الذاكرة، ويقوي الاستحضار، فكيف باللغة العربية وهي أشرف اللغات وأعلاها؟ ثم كيف بحافظ لبها وهو القرآن الكريم؟ وقد جاء في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ” رواه الترمذي وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وأهل القرآن يمتعون بعقولهم ولو طالت أعمارهم، وكثير من أئمة القراءات جاوزوا التسعين وعقولهم معهم، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: كَانَ يُقَالُ: إِنَّ أَبْقَى النَّاسِ عُقُولًا قُرَّاءُ الْقُرْآنِ. وقال بعض السلف: من حفظ القرآن مُتِّعَ بعقله.
القرآن بركة على بيت الرجل وأهله؛ لأن الشياطين تفر من البيوت التي يسمع فيها القرآن؛ كما جاء في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ. رواه مسلم.
وكثير من الناس في هذا الزمن يشكون الهموم والغموم، ويعانون من ضيق الصدور والدور، ومن المشاكل الأسرية، ومن أمراض المس والسحر والعين، ومن تسلط شياطين الجن والإنس عليهم، فمن بركة القرآن أنه وقاية للبيوت التي يقرأ فيها من تسلطهم، وكان أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يقول: الْبَيْتُ إِذَا تُلِيَ فِيهِ كِتَابُ اللَّهِ اتَّسَعَ بِأَهْلِهِ، وَكَثُرَ خَيْرُهُ، وَحَضَرَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَخَرَجَتْ مِنْهُ الشَّيَاطِينُ، وَالْبَيْتُ الَّذِي لَمْ يُتْلَ فِيهِ كِتَابُ اللَّهِ، ضَاقَ بِأَهْلِهِ، وَقَلَّ خَيْرُهُ، وَتَنَكَّبَتْ عَنْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَحَضَرَهُ الشَّيَاطِينُ. رواه ابن أبي شيبة.
وهو كذلك شفاء لمن أصيبوا بشر الشياطين ومسهم وضرهم؛ لأن القرآن كما أنه وقاء فهو شفاء ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الإسراء: ٨٢]، وشفاؤه عام لأمراض القلوب والأبدان، ولجميع الأسقام والأدواء. ولذا كان من هجر القرآن هجر الاستشفاء به.
وكم من شبهة عملت في قلب صاحبها عملها فوجد في القرآن ما يزيلها، وكم من خطرات ووساوس وشكوك اعترت قلوب أصحابها، فوجدوا في القرآن ما يدحضها ويبعدها، ويثبت إيمانهم ويقينهم ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ [النحل: ١٠٢].
والقرآن بركة على المجالس التي يتلى فيها، فيستجلب لأصحابها كل خير، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ”. رواه مسلم.
ومن عجائب بركة القرآن أنه مبارك على الصحف التي يكتب فيها، فتنقلب بآيات القرآن من صحف لا يؤبه بها ولا تحترم إلى صحف يجب صيانتها ورفعها وتوقيرها؛ لما حوته من كلام الله تعالى.
فإذا كانت هذه مكانة الورق الذي حواه فما مكانة الصدر الذي حفظه ووعاه، وسلك طريقه وانتفع بهداه؟
ومن بركة القرآن أن علومه ومعارفه لا تنضب، ولا تتوقف فرائده وفوائده، ولا زال العلماء منذ تنزله إلى اليوم وخلال أربعة عشر قرنًا ينهلون منه، ويغترفون من بحر فوائده، فما أسنَّ ولا سكن، بل تزداد فوائده ومعارفه مع الازدياد في تدبره وتعلمه.
ومن بركة القرآن أن وظيفة معلمه ومحفظه أشرف الوظائف وأعلاها؛ لأنها اشتغال بكلام الله تعالى عن كلام الخلق، ففي حديث عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ” رواه البخاري.
ومن بركة القرآن تيسير العسير به، وحصول المطلوب، والوصول إلى المرغوب، ودفع المكروه؛ لأن من كان كلام الله تعالى همَّه، كفاه الله تعالى ما أهمَّه، قال عباس الكناني عن شيخه أبي إسحاق بن عبد الواحد المقدسي: أوصاني وقت سفري، فقال: أكثر من قراءة القرآن، ولا تتركه؛ فإنه يتيسر لك الذي تطلبه على قدر ما تقرأ. قال: فرأيت ذلك وجربته كثيرًا، فكنت إذا قرأت كثيرًا تيسر لي من سماع الحديث وكتابته الكثير، وإذا لم أقرأ لم يتيسر لي.
ومن بركة القرآن أنه يحاج عن حامله وقارئه يوم القيامة، ويكون شفيعًا له وهو أحوج ما يكون إلى شفاعته؛ كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه…” رواه مسلم.
ومن بركة القرآن أنه يرقى بصاحبه في الدرجات العلا من الجنة؛ كما جاء في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارتق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها” رواه أبو داود والترمذي.
ثالثا : من أيام الله في رمضان: الصدقة
إنَّ البذلَ والإنفاقَ في سبيل الله، تزكيةٌ للأخلاق، وتربيةٌ للنفوس، وتطهيرٌ للمال، وبركةٌ ونماء، قال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: ١٠٣].
في البذل والإنفاق، سلامةٌ من البخل الممقوت، ووقايةٌ من الشح المذموم، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: ٩].
وفي الصدقة نجاةٌ وأمانٌ من العذاب يوم القيامة، قال تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾ [الإنسان: ٨-١٠].
كان رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن. عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه يقول: كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حتى ينسلخ، فيأتيه جبريل فيعرض عليه القرآن، فإذا لقيه جبريل كان رسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة. البخاري.
والسبب في زيادة كرمه ومضاعفة جوده في رمضان: التقاؤه بالروح الأمين جبريل عليه السلام، وهو الملك الموكل بالوحي، والأمر الآخر: مدارسة القرآن، وفي رواية: «يعارضه القرآن»، والمدارسة والمعارضة بمعنى واحد، وهو المقابلة في القراءة عن ظهر قلب، فيدارسه جميع ما نزل من القرآن.
يَوْمَ القِيَامَةِ سَيَأْتِي العَالِمُ بِعِلْمِهِ، وَيَأْتِي المُجَاهِدُ بِجِهَادِهِ، وَيَأْتِي المُصَلِّي بِصَلَاتِهِ، وَيَأْتِي الصَّائِمُ بِصَوْمِهِ، وَيَأْتِي الحَاجُّ بِحَجِّهِ، وَيَأْتِي المُتَصَدِّقُ بِهَا جَمِيعًا.. كَيْفَ ذَلِكَ؟ لِأَنَّ المُتَصَدِّقَ هُوَ الَّذِي يَطْبَعُ كُتُبَ العَالِمِ، وَهُوَ الَّذِي يُجَهِّزُ المُجَاهِدَ، وَهُوَ الَّذِي يَبْنِي المَسْجِدَ، وَهُوَ الَّذِي يُفَطِّرُ الصَّائِمِينَ، وَهُوَ الَّذِي يَتَكَفَّلُ بِنَفَقَةِ الحَاجِّ، فَيَحْصُلُ لَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ وَأَكْثَرُ، وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ﴾ [المزمل: ٢٠].
يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا» رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
بَلْ إِنَّ الصَّدَقَةَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ التَّدَاوِي: «حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ، وَدَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَاسْتَقْبِلُوا أَمْوَاجَ البَلَاءِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَيَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي القَرَابَةِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
وَيَقُولُ أَيْضًا: «أَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَقَى مُؤْمِنًا شَرْبَةً عَلَى ظَمَأٍ، سَقَاهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ، وَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَطْعَمَ مُؤْمِنًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ كَسَا مُؤْمِنًا ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.
تَأَمَّلْ قَوْلَ رَبِّكَ: ﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [المنافقون: ١٠].
قَدَّمَ اللَّهُ الأَمْوَالَ عَلَى الأَوْلَادِ؛ لِأَنَّ الأَمْوَالَ تُلْهِـي أَكْثَرَ مِنَ الأَوْلَادِ، فَإِنَّ الِانْشِغَالَ فِيهَا وَفِي تَنْـمِيَتِهَا يَسْتَدْعِي وَقْتًا طَوِيلًا، وَقَدْ يَنْشَغِلُ المَرْءُ بِهَا عَنْ أَهْلِهِ، فَلَا يَرَاهُمْ إِلَّا لِمَامًا، فَقُدِّمَتِ الأَمْوَالُ لِذَلِكَ.
إِنَّ المُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ عَدَّ أَصْنَافَ الرِّجَالِ، ذَكَرَ أَنَّ أَفْضَلَهُمْ: «رَجُلٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي رَبَّهُ فِيهِ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
إِنَّ المُتَصَدِّقَ رُبَّمَا فَاقَ بِصَدَقَتِهِ الأَرْضَ وَالجِبَالَ وَالحَدِيدَ وَالنَّارَ وَالمَاءَ وَالرِّيحَ.
فِي صَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ وَأَحْمَدَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الأَرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ، فَخَلَقَ الجِبَالَ فَأَلْقَاهَا عَلَيْهَا فَاسْتَقَرَّتْ، فَعَجِبَتِ المَلَائِكَةُ مِنْ شِدَّةِ الجِبَالِ، فَقَالُوا: يَا رَبِّ، هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الجِبَالِ؟ قَالَ: نَعَمِ الحَدِيدُ، قَالُوا: يَا رَبِّ، فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الحَدِيدِ؟ قَالَ: نَعَمِ النَّارُ، قَالُوا: يَا رَبِّ، فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: نَعَمِ المَاءُ، قَالُوا: يَا رَبِّ، فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ المَاءِ؟ قَالَ: نَعَمِ الرِّيحُ، قَالُوا: يَا رَبِّ، فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ؟ قَالَ: نَعَمِ ابْنُ آدَمَ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا عَنْ شِمَالِهِ.
سَيَكُونُ الإِنْسَانُ أَفْضَلَ مِنَ الأَرْضِ، وَمِنَ الجِبَالِ، وَمِنَ الحَدِيدِ، وَمِنَ النَّارِ، وَمِنَ المَاءِ، وَمِنَ الرِّيحِ، إِذَا تَصَدَّقَ وَأَنْفَقَ.
بَلْ إِنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: ٢٦٩] وَرَدَ فِي سِيَاقِ الحَدِيثِ عَنِ الإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ الآيَةِ ٢٦١ إِلَى الآيَةِ ٢٧٤.
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٦١]، إِلَى أَنْ خَتَمَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: ٢٧٤].
وَكَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّ الحَكِيمَ حَقًّا هُوَ مَنْ أَنْفَقَ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
الحَكِيمُ الحَقِيقِيُّ هُوَ مَنْ يَسْتَثْمِرُ مَالَهُ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ، مُحَوِّلًا إِيَّاهُ مِنْ زَائِلٍ إِلَى بَاقٍ، عَبْرَ الإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الخَيْرِ، وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ مِنَ البُخْلِ، وَتَحْصِيلِ الأَجْرِ المُضَاعَفِ، وَنَيْلِ البَرَكَةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
وَصَدَقَ قَوْلُ الحَبِيبِ المُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ عَنْ أَهْلِهَا حَرَّ القُبُورِ، وَإِنَّمَا يَسْتَظِلُّ المُؤْمِنُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ» رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ.
امْرَأَةٌ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ رَأَتْ كَلْبًا يَلْهَثُ مِنَ العَطَشِ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهَا، رَوَاهُ البُخَارِيُّ. فَمَا بَالُكُمْ بِمَنْ سَقَى إِنْسَانًا؟ ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ﴾ [الواقعة: ١٠].
حَاوِلْ أَنْ تُنَوِّعَ الطَّاعَاتِ وَالعِبَادَاتِ مَا دُمْتَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ فِي حِكَمِهِ: «لَمَّا عَلِمَ الحَقُّ مِنْكَ وُجُودَ المَلَلِ لَوَّنَ لَكَ الطَّاعَاتِ».
وَهَذَا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ؛ لِيَنَالُوا البَرَكَاتِ وَالدَّرَجَاتِ.
فَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَكُونَ لَكَ أَلْوَانٌ مِنَ العِبَادَاتِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؛ لِتَفُوزَ بِهَذِهِ المَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ.
وَقَدْ تَرْجَمَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ لِهَذَا الحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: ذِكْرُ البَيَانِ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُدْعَى يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ جَمِيعِ أَبْوَابِ الجَنَّةِ إِلَى الجَنَّةِ؛ لِأَخْذِهِ الحَظَّ الوَافِرَ مِنْ كُلِّ طَاعَةٍ فِي الدُّنْيَا.
وَمَعْنَى «أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ»: أَيْ أَنْفَقَ شَيْئَيْنِ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ.
رَابِعًا: مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ: قِيَامُ اللَّيْلِ.
إِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَقُرْبَةٌ مُعَظَّمَةٌ فِي سَائِرِ العَامِ، فَقَدْ تَوَاتَرَتِ النُّصُوصُ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالحَثِّ عَلَيْهِ، وَالتَّوْجِيهِ إِلَيْهِ، وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ، بِبَيَانِ عِظَمِ شَأْنِهِ وَجَزَالَةِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ شَأْنُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَخَاصَّةِ عِبَادِهِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِي مَدْحِهِمْ: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ [يونس: ٦٢-٦٤].
وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ أَهْلَ الإِيمَانِ وَالتَّقْوَى بِجَمِيلِ الخِصَالِ وَجَلِيلِ الأَعْمَالِ، وَمِنْ أَخَصِّ ذَلِكَ قِيَامُ اللَّيْلِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: ١٥-١٧].
وَوَصَفَهُمْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ [الفرقان: ٦٤-٧٦].
وَفِي ذَلِكَ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى فَضْلِ قِيَامِ اللَّيْلِ وَكَرِيمِ عَائِدَتِهِ مَا لَا يَخْفَى، وَأَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ صَرْفِ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَالفَوْزِ بِالجَنَّةِ وَمَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ، وَجِوَارِ الرَّبِّ الكَرِيمِ، جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ فَازَ بِذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ [القمر: ٥٤-٥٥].
وَقَدْ وَصَفَ المُتَّقِينَ فِي سُورَةِ الذَّارِيَاتِ بِجُمْلَةِ صِفَاتٍ، مِنْهَا قِيَامُ اللَّيْلِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴾ [الذاريات: ١٥-١٧].
فَصَلَاةُ اللَّيْلِ لَهَا شَأْنٌ عَظِيمٌ فِي تَثْبِيتِ الإِيمَانِ، وَالإِعَانَةِ عَلَى جَلِيلِ الأَعْمَالِ، وَمَا فِيهِ صَلَاحُ الأَحْوَالِ وَالمَآلِ، قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} إِلَى قَوْلِهِ: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل: ١-٦].
وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ – يَعْنِي الفَرِيضَةَ – صَلَاةُ اللَّيْلِ».
وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ». وَلِأَبِي دَاوُدَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ – يَعْنِي أَحْرَى بِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ –؟ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَصَلِّ مَا شِئْتَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟».
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَهِيَ كُلَّ لَيْلَةٍ».
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ – يَعْنِي اسْتَيْقَظَ – يَلْهَجُ بِذِكْرِ اللَّهِ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا، اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ».
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: ١٧].
وَجَاءَ فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ مِنْ أَسْبَابِ النَّجَاةِ مِنَ الفِتَنِ، وَالسَّلَامَةِ مِنْ دُخُولِ النَّارِ. فَفِي البُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتْنَةِ؟ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الخَزَائِنِ؟ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ؟».
وَفِي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَثَرِ الصَّلَاةِ بِاللَّيْلِ فِي الوِقَايَةِ مِنَ الفِتَنِ.
وَفِي قِصَّةِ رُؤْيَا ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَأَيْتُ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي، فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ البِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ – يَعْنِي كَقَرْنَيِ البِئْرِ – وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَلَقِينَا مَلَكًا آخَرَ، فَقَالَ: لَمْ تُرَعْ. فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ». فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا.
وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَقُرْبَةٌ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمُكَفِّرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الإِثْمِ».
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
خَامِسًا: مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ: أَنَّهُ شَهْرُ الانْتِصَارَاتِ.
لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ الرَّحَمَاتِ وَالبَرَكَاتِ وَالخَيْرَاتِ، مَا فَرَّطَ المُفَرِّطُونَ، وَقَصَّرَ المُقَصِّرُونَ، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الغَافِلُونَ. فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَوْدَعَ شَهْرَ رَمَضَانَ الكَثِيرَ مِنَ الأَسْرَارِ وَالكُنُوزِ الَّتِي جَعَلَتْ هَذَا الشَّهْرَ المُبَارَكَ شَامَةَ العَامِ، وَتَاجَ الشُّهُورِ، وَدُرَّةَ الزَّمَانِ.
فَكَمَا أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ هُوَ شَهْرُ الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ، وَالصَّدَقَةِ وَالإِطْعَامِ وَالعِبَادَاتِ الكَثِيرَةِ، فَإِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ أَيْضًا هُوَ شَهْرُ الانْتِصَارَاتِ، شَهْرُ العِزَّةِ وَالكَرَامَةِ. فَرَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ شَهْرَ رَمَضَانَ شَهْرَ مِيلَادِ الأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ، حِينَ أَضَاءَ وَحْيُ السَّمَاءِ ظُلُمَاتِ الأَرْضِ، وَبَدَّدَ نُورُ الهِدَايَةِ ظُلُمَاتِ الشِّرْكِ وَالجَاهِلِيَّةِ وَالخُرَافَةِ.
فَكَانَ رَمَضَانُ عَهْدًا جَدِيدًا اسْتَقْبَلَتْ بِهِ البَشَرِيَّةُ خَيْرَ رُسُلِ اللَّهِ وَآخِرَ رِسَالَاتِ السَّمَاءِ، فَكَانَ نُزُولُ القُرْآنِ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ فِي مَسِيرَةِ البَشَرِيَّةِ؛ انْتِصَارًا لِلنُّورِ عَلَى الظُّلْمَةِ، وَلِلْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ، وَلِلتَّوْحِيدِ عَلَى الشِّرْكِ، وَلِلطَّهَارَةِ وَالنَّقَاءِ عَلَى الفُحْشِ وَالعَهْرِ.
فَقَدْ وَقَعَتْ فِيهِ العَدِيدُ مِنَ الأَحْدَاثِ العِظَامِ وَالمَوَاقِفِ الجِسَامِ الَّتِي مَثَّلَتْ تَحَوُّلًا كَبِيرًا فِي حَيَاةِ الأُمَّةِ، فَمَعَانِي الانْتِصَارَاتِ، وَأَبْجَدِيَّاتِ العِزَّةِ، وَأُصُولِ الكَرَامَةِ، قَدْ تَجَسَّدَتْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الكَرِيمِ.
فَإِلَى القَلْبِ الَّذِي يُفَكِّرُ خَاشِعًا بَيْنَ يَدَي مَلِكِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَيَنْفَطِرُ كَمَدًا عَلَى نَكَبَاتِ المُسْلِمِينَ، وَإِلَى العَيْنِ الَّتِي تَسِيلُ دَمْعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَدَمًا عَلَى أَحْوَالِ المُسْلِمِينَ وَمَآسِيهِمْ، وَإِلَى الجَوَارِحِ الَّتِي تَصُومُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، وَتَشْتَاقُ أَنْ يَنْتَصِرَ الإِسْلَامُ؛ إِلَى هَؤُلَاءِ جَمِيعًا نُهْدِي هَذِهِ المَشَاهِدَ وَالمَوَاقِفَ الكُبْرَى فِي مَعَانِي الانْتِصَارِ.
فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَقَّقَ المُسْلِمُونَ عِدَّةَ انْتِصَارَاتٍ كَانَتْ بِمَثَابَةِ المَحَطَّةِ الفَارِقَةِ وَالنُّقْطَةِ الفَاصِلَةِ فِي حَيَاةِ الأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَأُولَى هَذِهِ الانْتِصَارَاتِ كَانَتْ يَوْمَ الفُرْقَانِ، يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ، يَوْمَ بَدْرٍ، فِي العَامِ الثَّانِي مِنَ الهِجْرَةِ، عِنْدَمَا التَقَتِ الفِئَةُ المُؤْمِنَةُ جُنْدُ الرَّحْمَنِ مَعَ جُنْدِ الشَّيْطَانِ الفِئَةِ الكَافِرَةِ، وَقَدْ تَرَاءَتِ الفِئَتَانِ فِي أَوَّلِ صِدَامٍ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ وَالإِيمَانِ وَالكُفْرَانِ، فَتَنَزَّلَ نَصْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى المُؤْمِنِينَ؛ لِيَكُونَ أَعْظَمَ انْتِصَارَاتِ الإِسْلَامِ.
وَمِنْ رَوْعَةِ الِانْتِصَارِ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ وَعَظَمَةِ المَشْهَدِ، أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الوَاقِعَةِ قُرْآنًا يُتْلَى إِلَى يَوْمِ الدِّينِ فِي سُورَةِ الأَنْفَالِ الَّتِي نَزَلَتْ مُعْظَمُ آيَاتِهَا فِي شَأْنِ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَقَدْ سَمَّاهَا المَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الفُرْقَانِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فُرْقَانًا بَيْنَ عَهْدِ الِاسْتِضْعَافِ وَالقِلَّةِ وَتَسَلُّطِ الأَعْدَاءِ، إِلَى عَهْدِ القُوَّةِ وَالِانْتِشَارِ وَالنَّصْرِ عَلَى الأَعْدَاءِ. وَاسْتَحَقَّ أَهْلُ بَدْرٍ صَكَّ المَغْفِرَةِ وَالعِتْقِ مِنَ النِّيرَانِ الَّذِي أَصْدَرَهُ رَبُّ البَرِيَّةِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ البَشَرِيَّةِ: «لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ…».
قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: ١٢٣-١٢٦].
وَفِي رَمَضَانَ مِنَ العَامِ الثَّامِنِ مِنَ الهِجْرَةِ كَانَتْ مَحَطَّةً فَارِقَةً وَنُقْطَةً فَاصِلَةً فِي حَيَاةِ الأُمَّةِ، عِنْدَمَا فَتَحَتْ جُيُوشُ الصَّحَابَةِ بِقِيَادَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ، وَأَعْلَنُوا سُقُوطَ عَاصِمَةِ الشِّرْكِ وَالِاسْتِكْبَارِ الجَاهِلِيِّ الَّتِي طَالَمَا اسْتَغَلَّ المُشْرِكُونَ مَنْزِلَتَهَا وَفَضْلَهَا فِي التَّحْرِيضِ ضِدَّ الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ، وَأَعْلَنُوا تَحْرِيرَ بَلَدِ اللَّهِ الحَرَامِ مِنْ أَدْرَانِ الشِّرْكِ وَالأَوْثَانِ؛ لِتَبْدَأَ مَرْحَلَةٌ جَدِيدَةٌ فِي حَيَاةِ الأُمَّةِ اتَّحَدَتْ فِيهَا بِلَادُ الحَرَمَيْنِ، الأَصْلُ وَالمَهْجَرُ، وَأُعْلِنَ عَنْ قِيَامِ الدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ عَلَى حُدُودٍ جَدِيدَةٍ.
أَخَا الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ: عِنْدَمَا قَادَ المُعْتَصِمُ العَبَّاسِيُّ جَيْشًا جَرَّارًا أَوَّلُهُ مِنْ مَنَابِتِ الزَّيْتُونِ وَآخِرُهُ عَلَى أَبْوَابِ عَمُّورِيَّةَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ٢٢٣هـ، بَعْدَ أَنْ تَجَبَّرَ طَاغِيَةُ الرُّومِ تُوفِيلُ بْنُ مِيخَائِيلَ، وَاسْتَغَلَّ انْشِغَالَ المُسْلِمِينَ بِقِتَالِ بَابَكِ الخُرَّمِيِّ فِي فَارِسَ، وَهَجَمَ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلِيبِيٍّ عَلَى حُدُودِ الدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَأَوْقَعَ بِأَهْلِ زَبَطْرَةَ فِي الأَنَاضُولِ مَذْبَحَةً مُرَوِّعَةً، فَقَتَلَ الكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ، فَجَدَعَ الأُنُوفَ وَسَمَلَ العُيُونَ، وَاسْتَاقَ الحَرَائِرَ، حَتَّى إِنَّ امْرَأَةً هَاشِمِيَّةً صَاحَتْ بَعْدَ أَنْ لَطَمَهَا كَلْبٌ رُومِيٌّ فَقَالَتْ: «وَامُعْتَصِمَاهْ»، وَطَارَتِ الأَخْبَارُ إِلَى الخَلِيفَةِ المُعْتَصِمِ وَهُوَ فِي إِيوَانِ قَصْرِهِ، فَلَمَّا طَرَقَتِ الصَّرْخَةُ الحَزِينَةُ مَسَامِعَ الأَسَدِ «المُعْتَصِمِ العَبَّاسِيِّ» أَسْرَعَ مُهَرْوِلًا فِي قَصْرِهِ وَهُوَ يَقُولُ مِثْلَ الإِعْصَارِ: «النَّفِيرَ النَّفِيرَ»، وَقَدْ خَرَجَ بِكُلِّ مَا لَدَيْهِ مِنْ جُيُوشٍ، وَأَقْسَمَ لَيَهْدِمَنَّ أَعَزَّ مَدِينَةٍ عِنْدَ الرُّومَ، وَقَدْ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ وَلَبِسَ كَفَنَهُ وَتَحَنَّطَ، وَقَسَّمَ مَالَهُ: ثُلُثًا لِأَهْلِهِ، وَثُلُثًا لِلْمُجَاهِدِينَ، وَثُلُثًا لِمَنَافِعِ المُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَهْدَأْ لَهُ بَالٌ وَلَمْ يَسْتَقِرَّ لَهُ حَالٌ حَتَّى أَنَاخَ بِسَاحَةِ عَمُّورِيَّةَ بِأَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ مُجَاهِدٍ مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ، وَدَخَلَ عَمُّورِيَّةَ فِي السَّادِسِ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ ٢٢٣هـ، فَهَدَمَهَا بِالكُلِّيَّةِ، وَتَرَكَهَا قَاعًا صَفْصَفًا، وَأَدَّبَ أَعْدَاءَ الأُمَّةِ تَأْدِيبًا هَائِلًا ارْتَدَعُوا بِهِ فَتْرَةً طَوِيلَةً، وَاسْتَعَادَتِ الأُمَّةُ كَرَامَتَهَا.
وَكَانَ رَمَضَانُ مُنْطَلَقًا بِالأُمَّةِ إِلَى العَالَمِيَّةِ؛ حَيْثُ خَرَجُوا مِنْ حُدُودِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ إِلَى العَالَمِ، حَيْثُ حَمَلُوا رَايَاتِ التَّوْحِيدِ إِلَى قَلْبِ العَالَمِ، وَذَلِكَ مُبَكِّرًا جِدًّا عِنْدَمَا فَتَحَ المُسْلِمُونَ جَزِيرَةَ رُودُسَ سَنَةَ ٥٣هـ، ثُمَّ فَتَحُوا الأَنْدَلُسَ فِي مَعْرَكَةِ وَادِي لَكَّةَ الشَّهِيرَةِ سَنَةَ ٩٢هـ، وَأَصْبَحَ غَرْبُ القَارَّةِ الأُورُوبِّيَّةِ مُسْلِمًا يَتَرَدَّدُ الأَذَانُ فِي جَنَبَاتِهِ، ثُمَّ فَتَحَ المُسْلِمُونَ جَزِيرَةَ صِقِلِّيَّةَ سَنَةَ ٢١٢هـ، عِنْدَمَا قَادَ القَائِدُ الفَقِيهُ المُحَدِّثُ أَسَدُ بْنُ الفُرَاتِ جُيُوشَ المُسْلِمِينَ لِمَعْرَكَةِ سَهْلِ بَلَّاطَةَ فِي التَّاسِعِ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ ٢١٢هـ؛ لِيَفْتَحَ أَكْبَرَ جُزُرِ البَحْرِ المُتَوَسِّطِ، وَيُصْبِحَ المُسْلِمُونَ عَلَى بُعْدِ خَمْسَةِ أَمْيَالٍ فَقَطْ مِنْ إِيطَالِيَا، ثُمَّ وَاصَلَ المُسْلِمُونَ انْطِلَاقَهُمْ إِلَى العَالَمِيَّةِ لِنَشْرِ التَّوْحِيدِ بَيْنَ رُبُوعِ المَعْمُورَةِ، وَفَتَحَ العُثْمَانِيُّونَ – بِقِيَادَةِ سُلَيْمَانَ القَانُونِيِّ – بِلْجِرَادَ عَاصِمَةَ الصِّرْبِ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ٩٢٧هـ، وَأَصْبَحَتْ بِلْجِرَادُ مَدِينَةً إِسْلَامِيَّةً، وَانْتَشَرَتْ فِيهَا المَسَاجِدُ، حَتَّى بَلَغَ تِعْدَادُهَا ٢٥٠ مَسْجِدًا قَامَ الصِّرْبُ بِإِحْرَاقِهَا جَمِيعًا بَعْدَ سُقُوطِ الدَّوْلَةِ العُثْمَانِيَّةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، وَانْتَصَرَ المُسْلِمُونَ بِقِيَادَةِ سَيْفِ الدِّينِ قُطُزَ عَلَى جَحَافِلِ التَّتَارِ فِي الخَامِسِ وَالعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ ٦٥٨هـ، وَقَضَوْا عَلَى أُسْطُورَةِ التَّتَارِ «الجَيْشِ الَّذِي لَا يُهْزَمُ»، وَكَانَتْ تِلْكَ الأُسْطُورَةُ قَدْ رَوَّعَتِ النَّاسَ فِي كُلِّ مَكَانٍ؛ حَيْثُ بَلَغَ مِنْ شِدَّةِ خَوْفِهِمْ وَرُعْبِهِمْ مِنَ التَّتَارِ أَنَّ الجُنْدِيَّ التَّتَرِيَّ الوَاحِدَ يَدْخُلُ السِّرْدَابَ وَفِيهِ مِائَةُ رَجُلٍ، فَيَقْتُلُهُمْ جَمِيعًا وَحْدَهُ بَعْدَ أَنْ قَتَلَهُمُ الخَوْفُ وَالفَزَعُ مِنْ لِقَاءِ التَّتَارِ.
الصُّهْيُونِيَّةِ، فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ العَرَبِ الخَالِدَةِ الَّتِي سَطَّرَهَا التَّارِيخُ فِي أَنْصَعِ صَفَحَاتِهِ بِأَحْرُفٍ مِنْ نُورٍ، فَفِي هَذَا اليَوْمِ وَقَفَ التَّارِيخُ يُسَجِّلُ مَوَاقِفَ أَبْطَالِ حَرْبِ أُكْتُوبَرَ الَّذِينَ تَدَفَّقُوا كَالسَّيْلِ العَرِمِ يَسْتَرِدُّونَ أَرْضَهُمْ، وَيَسْتَعِيدُونَ كَرَامَتَهُمْ وَمَجْدَهُمْ؛ فَهُمْ الَّذِينَ دَافَعُوا عَنْ أَرْضِهِمْ وَكَافَحُوا فِي سَبِيلِ تَطْهِيرِهَا وَإِعْزَازِهَا.
فَبَعْدَ أَنْ احْتَلَّ اليَهُودُ سِينَاءَ الحَبِيبَةَ وَالجَوْلَانَ وَالضِّفَّةَ وَالقُدْسَ وَغَزَّةَ فِي ٥ يُونْيُو ١٩٦٧م، أَخَذُوا يَتَغَنَّوْنَ بِأُسْطُورَةِ جَيْشِهِمُ الَّذِي لَا يُقْهَرُ، لَكِنَّ مِصْرَ نَجَحَتْ بِفَضْلِ اللَّهِ فِي إِعَادَةِ بِنَاءِ جَيْشِهَا، وَجَهَّزَتْهُ بِالعُتَادِ وَخِيَرَةِ جُنُودِ الأَرْضِ، وَبِالتَّخْطِيطِ الجَيِّدِ مَعَ أَشِقَّائِهَا العَرَبِ، وَبِإِرَادَةٍ صُلْبَةٍ قَوِيَّةٍ، وَإِيمَانٍ عَظِيمٍ، وَبِخُطَّةٍ دَقِيقَةٍ مُحْكَمَةٍ فَاجَأَتْ إِسْرَائِيلَ وَالعَالَمَ كُلَّهُ السَّاعَةَ الثَّانِيَةَ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَانْطَلَقَتْ أَكْثَرُ مِنْ ٢٢٠ طَائِرَةً تَدُكُّ خَطَّ بَارْلِيفَ الحَصِينِ وَمَطَارَاتِ العَدُوِّ وَمَرَاكِزَ سَيْطَرَتِهِ، وَفِي نَفْسِ الوَقْتِ سَقَطَتْ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ وَخَمْسِمِائَةِ دَانَةٍ مِدْفَعِيَّةٍ، وَتَعَالَتْ صَيْحَاتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَتَمَّ عُبُورُ القَنَاةِ وَاقْتِحَامُ حُصُونِ العَدُوِّ وَتَحْطِيمُهَا، وَانْدَحَرَ العَدُوُّ وَهُزِمَ شَرَّ هَزِيمَةٍ، وَرَجَعَتْ أَرْضُ سِينَاءَ كَامِلَةً بَعْدَ ذَلِكَ نَتِيجَةً لِهَذِهِ الحَرْبِ المَجِيدَةِ، فِي هَذَا الشَّهْرِ العَظِيمِ، شَهْرِ عِزَّةِ المُسْلِمِينَ وَالذِّلَّةِ لِأَعْدَاءِ الحَقِّ أَعْدَاءِ الدِّينِ.
إِنَّ المُتَأَمِّلَ فِي أَسْبَابِ إِنْزَالِ اللَّهِ نَصْرَهُ لِعِبَادِهِ يَجِدُ أَنَّهَا فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ أَفَاضَهُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ حِينَ انْتَصَرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ؛ فَكَانُوا مُؤَهَّلِينَ لِتَنَزُّلِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: ٤٠].
المُتَأَمِّلُ فِي التَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ وَمَا نَقَلَهُ أَهْلُ السِّيَرِ وَالمَغَازِي يَلْتَمِسُ جَلِيًّا أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ المُبَارَكَ هُوَ شَهْرُ الِانْتِصَارَاتِ العَظِيمَةِ لِلإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ؛ فَمَعْرَكَةُ بَدْرٍ الكُبْرَى وَقَعَتْ فِي رَمَضَانَ، وَفَتْحُ مَكَّةَ كَانَ فِي رَمَضَانَ.
إِنَّ مَا نَأْخُذُهُ فِي حَيَاتِنَا الرُّوحِيَّةِ مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ أَنْ يَجْعَلَ المُسْلِمُ رَمَضَانَ فُرْقَانًا فِي حَيَاتِهِ، يَتَرَقَّى بِرُوحِهِ إِلَى المَقَامَاتِ العُلْيَا، وَمَا نَسْتَفِيدُهُ مِنْ فَتْحِ مَكَّةَ أَنَّ رَمَضَانَ مَحَطَّةٌ لِلتَّجَلِّيَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ وَلِلْفَتْحِ الإِيمَانِيِّ، فَفِي رَمَضَانَ يَكُونُ الِانْتِصَارُ عَلَى النُّفُوسِ أَقْوَى مَا يَكُونُ، أَنْ يَنْتَصِرَ المُسْلِمُ عَلَى نَفْسِهِ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ، وَهِيَ أَعْدَى أَعْدَائِهِ، وَذَلِكَ بِمُخَالَفَتِهَا وَتَعْوِيدِهَا عَلَى الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابِ المَنْهِيَّاتِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: ٧-١٠].
وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿ فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى ﴾ [النازعات: ٣٧-٤١].
اللَّهُمَّ احْفَظْ دِيَارَنَا وَأَوْطَانَنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَشَرٍّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
أ. د. عبد الغني الغريب
_______________________________
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة القادمة
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات
للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة
للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف















