صوت الدعاة
الأربعاء , 19 ديسمبر 2018
جانبي
جانبي
أخر الأخبار
الرئيسية / أخبار مهمة / خطبة الجمعة القادمة: حب الله ورسوله بين الحقيقة والادعاء،  للدكتور خالد بدير، بتاريخ 8 ربيع الأول 1440هـ، الموافق 16 نوفمبر  2018م
خطبة الجمعة القادمة: حب الله ورسوله بين الحقيقة والادعاء،  للدكتور خالد بدير، بتاريخ 8 ربيع الأول 1440هـ، الموافق 16 نوفمبر  2018م
الدكتور خالد بدير

خطبة الجمعة القادمة: حب الله ورسوله بين الحقيقة والادعاء،  للدكتور خالد بدير، بتاريخ 8 ربيع الأول 1440هـ، الموافق 16 نوفمبر  2018م

19897 عدد الزيارات

كتب: د.خالد بدير 

 

خطبة الجمعة القادمة: حب الله ورسوله بين الحقيقة والادعاء،  للدكتور خالد بدير، بتاريخ 8 ربيع الأول 1440هـ، الموافق 16 نوفمبر  2018م.

 

 

لتحميل الخطبة بصيغة word  أضغط هنا.

لتحميل الخطبة بصيغة  pdf أضغط هنا.

 

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

عناصر الخطبة:

العنصر الأول:منزلة حب الله ورسوله

العنصر الثاني: صور من حب الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم

العنصر الثالث: علامات حب الله ورسوله

المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول:منزلة حب الله ورسوله

عباد الله: استقبلنا شهراً عزيزاً كريماً علينا ألا وهو شهر ربيع الأول ؛ شهر ميلاد المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ وأنا لا أتكلم معكم عن قصة نسبه وحمله ورضاعه وشق صدره وغير ذلك فكلنا نعرفه؛ ولكني أقف مع حضراتكم مع جانب مهم ألا وهو حب الله ورسوله بين الحقيقة والادعاء ؛ لأن كثيراً من الناس يدعون حب الله ورسوله وهم أبعد الناس منهما ؛ وأقرب إلى المعاصي والشيطان !!

عباد الله : إن لحب الله ورسوله منزلة عليا في الإسلام؛ بل هو جزء من الإيمان؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ .( متفق عليه ).

 فكلما ازداد إيمان العبد كلما اشتد حبه لله ولرسوله؛ قال تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } ( البقرة: 165 ).

فالإنسان مجبول على حب ولده وأهله؛ ولكن الإسلام جعل محبة الله ورسوله مقدمة على غيرهما مهما كانت منزلتهم من الإنسان؛ فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: ” كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْآنَ يَا عُمَرُ”(البخاري)

قال ابن حجر:” قال الخطابي : حب الإنسان نفسه طبع ، وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب ، وإنما أراد عليه الصلاة والسلام حب الاختيار إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغييرها عما جبلت عليه . قلت : فعلى هذا فجواب عمر أولا كان بحسب الطبع ، ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والأخرى فأخبر بما اقتضاه الاختيار ، ولذلك حصل الجواب بقوله ” الآن يا عمر ” أي الآن عرفت فنطقت بما يجب .” أ.ه

إن الإنسان إذا بلغ هذه المنزلة من المحبة وجد حلاوة الإيمان في قلبه؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ ، وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ .” ( متفق عليه ).

بل إن حب الله – عز وجل – وحب نبيه – صلى الله عليه وسلم – طريق إلى الجنة ؛ فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّاعَةِ ، فَقَالَ : مَتَى السَّاعَةُ ؟ ، قَالَ : ” وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟ ” قَالَ : لَا شَيْءَ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : ” أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ” . قَالَ أَنَسٌ : فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ” ، قَالَ أَنَسٌ : فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ , وَعُمَرَ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ “(البخاري).

وهكذا كانت المحبة شعبةً من شعب الإيمان؛ وطريقاً إلى جنة الرضوان؛ وسبباً لرفقة النبي العدنان عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام !!

 

العنصر الثاني: صور من حب الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم

أحبتي في الله: تعالوا بنا في هذا العنصر لنعرض لحضراتكم صوراً مشرقة لحب الصحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – .

إن حب وتوقير الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم بلغ مبلغاً لا يحصيه عد؛ ولا يحصره قلم؛ ولا يحيط به بيان؛ وهذا ما جعل الصحابة يقدمون حبه على حبهم لأنفسهم وأبنائهم وأموالهم وذويهم، فقد أحب أصحاب محمد محمداً (صلى الله عليه وسلم) إلى درجة استعدادهم التام بأن يبذلوا أنفسهم وأموالهم وأهليهم فداء له, وقد ازداد هذا الحبُّ له والارتباط به مع ازدياد معاشرتهم له صلى الله عليه وسلم!

ففي طريق الهجرة كما ذكر ابن القيم في زاد الميعاد، والبيهقي في الدلائل: ” أن أبا بكر ليلة انطلق مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الغار، كان يمشي بين يديه ساعة، ومن خلفه ساعة، فسأله، فقال: أذكر الطلب (ما يأتي من الخلف) فأمشي خلفك، وأذكر الرصد (المترصد في الطريق) فأمشي أمامك، فقال صلى الله عليه وسلم: ( لو كان شيء أحْبَبْتَ أن تُقتل دوني؟ )، قال: أي والذي بعثك بالحق، فلما انتهيا إلى الغار قال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار، فاستبرأه “

لقد ضرب الصديق رضي الله عنه مثلاً رائعاً في أن المحبة مبادئ ومواقف، وليست شعارات وأقوالاً؛ وهكذا المحبة الحقيقية, ولله در من قال:

جزى الله الشدائد كل خير ………….. عرفت بها عدوي من صديقي

وهذا واحد من الصحابة الكرام رضي الله عنهم يغيب عن رؤيته صلى الله عليه وسلم فترة من الزمن ساعات فيشعر بمرارة فراق رسول الله من شدة حبه له وتعلقه به؛ ويفكر في كيفية تحمل فراقه في الآخرة حتى قبل أن يفكر في دخول الجنة. فعَنْ  عَائِشَةَ قَالَتْ : ” جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ،  إِنَّكَ لَأَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَأَهْلِي وَوَلَدِي ، وَإِنِّي لأَكُونُ فِي الْبَيْتِ ، فَأَذْكُرَكَ فَمَا أَصْبِرُ حَتَّى آتِيكَ ، فَأَنْظُرُ إِلَيْكَ ، وَإِذَا ذَكَرْتُ مَوْتِي وَمَوْتَكَ عَرَفْتُ أَنَّكَ إِذَا دَخَلْتَ الْجَنَّةَ رُفِعْتَ مَعَ النَّبِيِّينَ ، وَإِنِّي وَإِذَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ خَشِيتُ أَنْ لَا أَرَاكَ ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهَذِهِ الآيَةِ : {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا }» (النساء: 69) (رواه الطبراني بسند صحيح).

أحبتي في الله: إن حب وتوقير الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم أثار دهشة عروة بن مسعود الثقفي وجعله يتعجب من الحب والإجلال والتعظيم من الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك حينما بعثته قريش ليتفاوض مع النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، ” فجَعَلَ عُرْوَةُ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَيْنَيْهِ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ ، فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ؛ وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدًا”(البخاري).

 وهذا الحب والتوقير والتعظيم الذي رآه كان سبباً في إسلامه ومات شهيداً !!

وهذا مثال آخر في الحب والتوقير والتضحية في أحرج اللحظات والأوقات!! فقد وروى البيهقي عن عروة – رضي الله عنه –” أن أهل مكة أخرجوا زيد بن الدثنة من الحرم ليقتلوه، فقال له أبو سفيان: أنشدك بالله يا زيد، أتحب أن محمدا عندنا بمقامك تضرب عنقه، وأنت في أهلك، فقال زيد – رضي الله تعالى عنه -: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وأنا جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: والله ما رأيت أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا.”

وهذا أبو طلحة الذي يفدي الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه : ( نحري دون نحرك ) ؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ نَاسٌ مِنْ النَّاسِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ؛ وَكَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ الْجَعْبَةُ مِنْ النَّبْلِ فَيَقُولُ: انْثُرْهَا لِأَبِي طَلْحَةَ. قَالَ: وَيُشْرِفُ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَا تُشْرِفْ لَا يُصِبْكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ”.( متفق عليه ). فانظر لشدة حبه أنه يعرض نفسه للموت والهلاك دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وحباً له .

ولم يقتصر هذا الأمر على الرجال؛ فهذه أم عمارة وموقفها الخالد المشرف في غزوة أحد؛ فلم يشترك من نساء المسلمين في تلك المعركة إلا امرأة واحدة هي أم عمارة نسيبة بنت كعب النجارية الخزرجية؛ فلما رأت النبي في أرض المعركة قد تكالب عليه أعداؤه من يمنة ويسرة رمت القراب التي كانت تسقي بها جرحى المسلمين، وأخذت تدافع عنه. فقال الرسول عنها: « ما رأيت مثل ما رأيت من أم عمارة في ذلك اليوم، ألتفتُ يمنة وأم عمارة تذود عني، والتفت يسرة وأم عمارة تذود عني » ، وقال لها النبي في أرض المعركة: « من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة ؟! سليني يا أم عمارة » قالت: « أسألك رفقتك في الجنة يا رسول الله » قال: « أنتم رفقائي في الجنة ».

وهذه المرأة التي قتل أحب الناس إليها ومع ذلك تجعل هذه المصائب كلها دون رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فعن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي دِينَارٍ فَقَدْ أُصِيبَ زَوْجُهَا وَأَخُوهَا يَوْمَ أُحُدٍ ، فَلَمَّا نُعُوا لَهَا ، قَالَتْ: مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالُوا: خَيْرًا يَا أُمَّ فُلَانٍ ، فَقَالَتْ: أَرُونِيهِ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ ، فَأَشَارُوا لَهَا إِلَيْهِ حَتَّى إِذَا رَأَتْهُ قَالَتْ: كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ جَلَلٌ “. ( البيهقي).

وقد سئل على ابن أبي طالب عن شدة حب الصحابة للنبي فقال: “كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ.” (الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض).

بل إن مبغضيه وكارهيه قد تحولوا من شدة البغض له؛ إلى شدة الحب والتوقير والإجلال لما رأوا فيه من حسن الخلق والمعاملة !!

فهذا ثمامة بن أثال يربطه الصحابة في سارية من سواري المسجد؛ ويحسن النبي صلى الله عليه وسلم معاملته؛ ويطلق سراحه؛ ثم يذهب ويغتسل ويتشهد فيقول: ” أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ ” . (متفق عليه).

وهذا عمرو بن العاص الذي شغف بحب المصطفى – صلى الله عليه وسلم- حيث يقول رضي الله عنه :” وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ ؛ وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ ؛ وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ ؛ وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ “. ( مسلم ).

فانظر إليه وهو يقول: ما كنت أستطيع أن أُحِدَّ النظر إليه إجلالاً له من هيبته، ومن تعظيم عمرو بن العاص له صلى الله عليه وسلم، ما كان يستطيع أن يملأ عينيه منه، فهل يتصور من مثل هذا إذا سمع قولاً للنبي صلى الله عليه وسلم أو رآه يفعل فعلاً أن يخالفه أبداً ؟!!

العنصر الثالث: علامات حب الله ورسوله

عباد الله: كثير منا يتمنى أن يبلغ منزلة المحبة لله والرسول؛ ولكن هذه المنزلة لها علامات ووسائل لابد من اتباعها والامتثال بها حتى نكون من المحبين؛ وهذه الوسائل والعلامات تتمثل فيما يلي:

أولًا: طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم: وهى أولى علامات المحبة الصادقة والفوز العظيم . قال تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ…} [النساء:80]، وقال سبحانه: {… وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:71].

لذلك من لم يطعه يحرم من دخول الجنة؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى؟! قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى” (البخاري).

فإذا كنت تريد أن تنال محبة الله ورسوله ؛ فعليك بالطاعة وإياك المعصية؛ فكيف تعصيهما وتدعي حبهما . قال الإمام الشافعي رحمه الله:

تَعصي الإِلَهَ وَأَنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ …………… هَذا مَحالٌ في القِياسِ بَديعُ

لَو كانَ حُبُّكَ صادِقاً لَأَطَعتَهُ …………… إِنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطيعُ

ثانياً: اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم: فإذا اتبعته نلت محبة الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ومصداق ذلك قول ربي جل في علاه : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }( آل عمران : 31)، فقد جعل الله تبارك وتعالى مغفرته متعلّقة باتّباع النبي صلى الله عليه وسلم، ودليل على صدق محبة العبد لربّه،،، فتأمّل . يقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره : ” هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله “.

ثالثاً: الامتثال لأوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم: فإذا سمعت الله يقول أو الرسول يقول فعليك سرعة الاستجابة والتنفيذ والتطبيق العملي؛ كما فعل الغر الميامين في الانقياد لأوامر الله؛ ولنضرب مثلاً تحريم الخمر؛ فمع أنهم كانوا مولعين بشربها إلا أنهم امتثلوا للأمر سمعا وطاعة من أول خبر جاءهم ؛ فعن أَنَس بْن مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ” إِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ ، وَفُلاَنًا وَفُلاَنًا ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ : وَهَلْ بَلَغَكُمُ الخَبَرُ ؟ فَقَالُوا : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : حُرِّمَتِ الخَمْرُ ، قَالُوا : أَهْرِقْ هَذِهِ القِلاَلَ يَا أَنَسُ ، قَالَ : فَمَا سَأَلُوا عَنْهَا وَلاَ رَاجَعُوهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ ” ( البخاري ومسلم ).

فانظر إلى سرعة الاستجابة !! أهرقوا القلال حالاً في الشوارع والطرقات حتى كأنها سيول من سرعة الاستجابة؛ ونحن نسمع نداء التحريم منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان ؛ ومع ذلك نحن مصرون على فساد عقولنا وأموالنا ؛ وعصيان أوامر ربنا سبحانه وتعالى !!!!

فإذا كنت تحب الله ورسوله حقاً فعليك بامتثال الأوامر واجتناب النواهي؛ فقد روي أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود، فقال: اعهد إلي. فقال: إذا سمعت الله يقول { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } فأرعها سَمْعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه. ( تفسير ابن كثير ).

رابعاً: الاقتداء به صلى الله عليه وسلم في كل أقواله وأفعاله: فالصحابة كانوا يقتدون بالنبي صلى الله عليه وسلم في جميع الأقوال والأعمال والأفعال؛ ولشدة اقتداء الصحابة به – صلى الله عليه وسلم- اتبعوه في خلع نعله أثناء الصلاة ، مع أن هذا الأمر خاص به – لعارض – دون غيره. فقد أخرج أبو داود والحاكم والببهقي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي إِذْ وَضَعَ نَعْلَيْهِ عَلَى يَسَارِهِ فَأَلْقَى النَّاسُ نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاةَ ، قَالَ: ” مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ ؟ “، قَالُوا : رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ فَأَلْقَيْنَا، فَقَالَ: ” إِنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا أَوْ أَذًى فَمَنْ رَأَى – يَعْنِي – فِي نَعْلِهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُمَا ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا .”

فالرسول – صلى الله عليه وسلم- لم يشرح لهم أركان الصلاة وسننها وفروضها ومبطلاتها وشروط صحتها كما نفعل الآن!! وإنما قال: « صلوا كما رأيتموني أصلي » ( متفق عليه )؛ وفي الحج قال: ” خذوا عني مناسككم”(مسلم وأبو داود وأحمد والبيهقي واللفظ له)

ولذلك كان عمر – رضي الله عنه- يقبل الحجر الأسود ويقول: والله إني أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر ؛ ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك !!

أختم هذه الصور والمواقف بموقف رائع لسيدنا عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ؛ فقد روي أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- مر على طريق يوما ثم نزل من فوق ظهر ناقته، وصلى ركعتين، فصنع ابن عمر ذلك إذا جمعه السفر بنفس البقعة والمكان..فسئل عن ذلك فقال: رأيت الرسول -صلى الله عليه وسلم- يفعل ذلك ففعلت!!

بل إنه ليذكر أن ناقة الرسول دارت به دورتين في هذا المكان بمكة، قبل أن ينزل الرسول من فوق ظهرها، ويصلي ركعتين، وقد تكون الناقة فعلت ذلك تلقائيا لتهيئ لنفسها مناخها؛ لكن عبدالله بن عمر لا يكاد يبلغ ها المكان يوما حتى يدور بناقته، ثم ينيخها، ثم يصلي ركعتين لله.. تماما كما رأى المشهد من قبل مع رسول الله..

خامساً: التأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوقيره وتعظيمه: فيجب على المحب تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم واحترامه وتوقيره وعدم الاستهانة به أو بسنته؛ لأنّ كثيراً من الناس يستهزئ ويسخر بها دون الالتزام بما جاء به الإسلام، فلا يوجد إنسان يزعم حب النبي صلى الله عليه وسلم ولا يحترم سنته. قال تعالى: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} (الفتح: 8 ؛ 9). قال القاضي عياض: ومن توقيره صلى الله عليه وسلم وبره برُّ آله وذريته وأمهات المؤمنين وأزواجه؛ وتوقيرُ أصحابه وبرهم ومعرفة حقهم والاقتداء بهم وحسن الثناء عليهم والاستغفار لهم والإمساك عما شجر بينهم ومعاداة من عاداهم.

ومن صور التأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم استئذانه قبل الانصراف عنه؛ قال تعالي: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النور: 62) .

قال ابن كثير: “وهذا أيضًا أدب أرشد الله عبادَه المؤمنين إليه، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول، كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف- لا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة، أو اجتماع لمشورة ونحو ذلك -أمرهم الله تعالى ألا ينصرفوا عنه والحالة هذه إلا بعد استئذانه ومشاورته؛ وإن من يفعل ذلك فهو من المؤمنين الكاملين.”أ.ه

ومن صور التأدب والتوقير والاحترام دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم بوصفه لا باسمه. قال تعالى: { لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ } (النور: 63). ” قال ابن عباس: كانوا يقولون: يا محمد، يا أبا القاسم، فنهاهم الله عز وجل، عن ذلك، إعظامًا لنبيه، صلوات الله وسلامه عليه قال: فقالوا: يا رسول الله، يا نبي الله.

وقال قتادة: أمر الله أن يهاب نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يُبَجَّل وأن يعظَّم وأن يسود.”( تفسير ابن كثير )

إن الله نادى جميع الأنبياء بأسمائهم؛ يا نوح؛ يا إبراهيم؛ يا يحى؛ يا زكريا؛ يا موسى؛ يا عيسى….إلخ . وحينما نادي نبينا صلى الله عليه وسلم ناداه بوصف النبوة والرسالة؛ فقال: يا أيها الرسول؛ ويا أيها النبي!! فإذا كان الله كرمه في ندائه بوصفه؛ فحري بنا أن نتأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه أو عند ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم!!

ومن أروع الأمثلة في الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم, ما قيل للعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم: أنت أكبرُ أو النبي صلى الله عليه وسلم؟! قال: هو أكبر، وأنا ولدتُ قبله!!

وهذا أبو بكر رضي الله عنه لشدة توقيره وتعظيمه للنبي صلى الله عليه وسلم يتحرج أن يصلي به إماما مع أن الرسول أذن له!!

وإذا كان الصحابة قد ضربوا لنا المثل العليا في حب النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره وتعظيمه والتأدب معه؛ فحري بنا نحن المسلمين أن تحلى بكل ذلك ونعلمه أولادنا في كل وقت وحين.

سادساً: مداومة الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – وخصوصا عند ذكره: فالعبد إذا أحب إنساناً ذكره في كل محفل وكل مجلس ؛ فإذا كنت تحب الله فداوم على ذكره؛ وإذا كنت تحب الرسول صلى الله عليه وسلم فأكثر من الصلاة عليه ولا سيما عند ذكره؛ فإن الله صلى عليه أولاً وثنى بملائكته وأمرنا بالصلاة عليه تعظيماً وتكريماً وتشريفاً؛ :{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}( الأحزاب : 55). قال القاضي أبو بكر بن بكير: افترض الله على خلقه أن يصلوا على نبيه ويسلموا تسليماً، ولم يجعل ذلك لوقت معلوم؛ فالواجب أن يكثر المرء منها ولا يغفل عنه.

بل إن كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تكفي الهم وتكفر الذنب . فعن أبي بن كعب قال : قلت : يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي ؟ فقال : ” ما شئت ” قلت : الربع ؟ قال : ” ما شئت فإن زدت فهو خير لك ” . قلت : النصف ؟ قال : ” ما شئت فإن زدت فهو خير لك ” قلت : فالثلثين ؟ قال : ” ما شئت فإن زدت فهو خير لك ” قلت : اجعل لك صلاتي كلها ؟ قال : ” إذا يكفى همك ويكفر لك ذنبك ” .( الترمذي والبيهقي بسند حسن) .

سابعاً: حب صحابته واتباع هديهم رضى الله عنهم: فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي؛ لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي؛ فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ؛ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ؛ وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي؛ وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى؛ وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ.” [أحمد والترمذي والبيهقي] قال المناوي _رحمه الله تعالى_ ” ( الله الله في حق أصحابي ) أي اتقوا الله فيهم ، ولا تلمزوهم بسوء ، أو اذكروا الله فيهم وفي تعظيمهم وتوقيرهم ، وكرره إيذانا بمزيد الحث على الكف عن التعرض لهم بمنقص ( لا تتخذوهم غرضا ) هدفا ترموهم بقبيح الكلام كما يرمى الهدف بالسهام هو تشبيه بليغ ( بعدي ) أي بعد وفاتي ” ا.هـ ( [فيض القدير] . لذلك كان السلف يعلمون أولادهم حب الصحابة وسيرتهم.. قال الإمام مالك -رحمه الله-: ” كانوا يعلموننا حب أبي بكر وعمر كما يعلموننا السورة من القرآن “..

ثامناً: تذكر النبي والشوق إليه وتمني رؤيته ولقائه: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ”. [صحيح مسلم]. فالمحب دائم الشوق للحبيب ؛ وقلبه متعلق به.

وإنك إذا نظرت إلى حياة الصحابة والتابعين ومدى الشوق الذي ملأ قلوبهم نحوه عليه الصلاة والسلام لازددت حبًا وعجبًا، فبلال الصابر رحمه الله يقول وهو على فراش موته: “غدا ألقى الأحبة محمداً وصحبه”، وهذا عبد الله ذو البجادين رضي الله عنه يشتاق ويشتاق للنبي فينتج حبه وشوقه أن رضي عنه الرسول ودفنه بيديه بعد تبوك.

أيها المسلمون: هذه هي علامات المحبة؛ وهذا هو الطريق؛ فعليكم التخلق بأخلاقه – صلى الله عليه وسلم – والسير على نهجه وطريقه، فكان لنا فيه أسوة حسنة، فهو صادق، وأمين، وكريم، وطيب القلب، وحسن الوجه، وعادل، وحكيم، كما أنّه قرآن يمشي بين الناس لأنّه كان يطبق كلّ ما أمر به الله عز وجل، ويجتنب كلّ ما نهى عنه، لذلك لا بدَّ أن نتحلى بأخلاقه ونقتدي بسيرته وهديه.

أما إذا أحببنا المال والبنون؛ والدنيا وشهواتها ؛ فلنتربص بالوعيد من الله تعالى القائل: { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة: 24) .

أخي الكريم: أختم هذا اللقاء بهذه الكلمات الوضاءة للقاضي عياض في حب الرسول بين الحقيقة والادعاء حيث يقول – رحمه الله -:” اعلم أن من أحب شيئاً آثره وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقاً في حبه، وكان مدعياً، فالصادق في حب النبي- صلى الله عليه وسلم- من تظهر علامة ذلك عليه، وأولها الاقتداء به واستعمال سنته واتباع أقواله وأفعاله؛ وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه والتأدب بآدابه في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وإيثار ما شرعه وحض عليه على هوى نفسه، وموافقة شهوته”. (الشفا) .

فهل أنت كذلك يا من تدعي حب محمد – صلى الله عليه وسلم- ؟! هل أنت من الممتثلين لأمره، الوقافين عند شرعه، المتبعين لسنته، الملتزمين طريقه ونهجه؟!! اسأل نفسك أين أنت من سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؟!! كيف حبك لرسول الله- صلى الله عليه وسلم-؟!! هل هناك دليل وبرهان على صدق حبك لرسول الله، أم أن الأمر ادعاء لا دليل عليه ؟!!

وفي الختام ندعو بدعاء النبي – صلى الله عليه وسلم – “اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالعمَل الَّذِي يُبَلِّغُني حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعل حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِن نَفسي، وأَهْلي، ومِن الماءِ البارِدِ”.( الترمذي وحسنه ).

   الدعاء،،،،                                                            وأقم الصلاة،،،،،

كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

د / خالد بدير بدوي

شارك الخبر علي صفحات التواصل الإجتماعي
ads

عن د.أحمد رمضان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .