صوت الدعاة
الأربعاء , 19 ديسمبر 2018
جانبي
جانبي
أخر الأخبار
الرئيسية / أخبار مهمة / خطبة الجمعة القادمة: عالمية الرسالة المحمدية،  للدكتور خالد بدير، بتاريخ 15 ربيع الأول 1440هـ، الموافق 23 نوفمبر  2018م
خطبة الجمعة القادمة: عالمية الرسالة المحمدية،  للدكتور خالد بدير، بتاريخ 15 ربيع الأول 1440هـ، الموافق 23 نوفمبر  2018م
الدكتور خالد بدير

خطبة الجمعة القادمة: عالمية الرسالة المحمدية،  للدكتور خالد بدير، بتاريخ 15 ربيع الأول 1440هـ، الموافق 23 نوفمبر  2018م

22297 عدد الزيارات

كتب: د.خالد بدير 

 

خطبة الجمعة القادمة: عالمية الرسالة المحمدية،  للدكتور خالد بدير، بتاريخ 15 ربيع الأول 1440هـ، الموافق 23 نوفمبر  2018م.

 

 

لتحميل الخطبة بصيغة word  أضغط هنا.

لتحميل الخطبة بصيغة  pdf أضغط هنا.

 

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

 

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: الرسالة المحمدية رسالة عالمية

العنصر الثاني: مظاهر وصور عالمية الرسالة المحمدية

العنصر الثالث: أثر عالمية الرسالة في تحقيق التعايش السلمي

المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: الرسالة المحمدية رسالة عالمية

عباد الله: إن من ينظر إلى الرسالات السابقة يجد أن كل رسول من الرسل أو نبي من الأنبياء جاء لقوم معينين في مكان معين وزمن معين؛ فلكل أمة رسول ؛ { وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ }. (فاطر: 24) .

وإن الرسالة المحمدية جاءت للناس كافة على اختلاف أزمانهم وأماكنهم وألوانهم وأشكالهم إلى يوم القيامة ؛ وقد تواترت النصوص القرآنية والنبوية في ذلك ؛ قال تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } (الأعراف: 158)، وقال تعالى: { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } ( الفرقان: 1 ). وقال عز وجل: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } (سبأ: 28). وإذا كان الله بعث كل نبي رحمة لأمته ؛ فإن الله بعث نبينا – صلى الله عليه وسلم – رحمة للعالمين أجمعين؛ قال سبحانه: {  وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } (الأنبياء: 107).

وقد جاءت أول آيات المصحف لتؤكد تلك العالمية , وأن الله تعالى ربٌ لكل الناس , وليس رباً للعرب أو المسلمين فقط, قال تعالى: { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }(الفاتحة: 2). والعجيب أن سورة الفاتحة التي بدأها الله تعالى بتقريره للحقيقة الكبرى بأنه رب العالمين, تلك السورة أوجب الإسلام على المسلم قراءتها في كل ركعة من ركعات الصلاة فرضاً كانت أم نفلاً, وجعلها ركناً من أركانها تبطل الصلاة بتركه.

ولو طوفنا حول سنة النبي – صلى الله عليه وسلم – لوجدنا أن العالمية إحدى الخصائص التي اختص الله بها نبيه – صلى الله عليه وسلم -؛ فَعَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً ” ( متفق عليه ). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ؛ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ؛ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ؛ وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا؛ وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً؛ وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ “.(مسلم).

ومما يدل على عالمية الرسالة أن الله أخذ الميثاق على كل جميع الأنبياء والمرسلين لئن بُعث محمدٌ وأنتم أحياء لتؤمنن به ولتنصرنه؛ قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ؛ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}؛ (آل عمران: 81 ، 82) ” قال علي بن أبي طالب وابن عمه عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما: ما بعث الله نبياً من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بَعَث محمدًا وهو حَيّ ليؤمنن به ولينصرنه، وأمَرَه أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهم أحياء ليؤمِنُنَّ به ولينصرُنَّه. وروي أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقال : يا رسول الله ! إني أصبت كتاباً حسناً من بعض أهل الكتاب ، قال : فغضب وقال : أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب ! فوالذي نفسي بيده ! لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، لا تسألوهم عن شئ فيخبروكم بحق فتكذبوا به ، أو بباطل فتصدقوا به ، والذي نفسي بيده ! لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني” ( تفسير ابن كثير ).

وهكذا جاءت الرسالة المحمدية رسالة عالمية لكل أفراد البشر على اختلاف ألوانهم وأشكالهم إلى يوم القيامة .

العنصر الثاني: مظاهر وصور عالمية الرسالة المحمدية

عباد الله: إن عالمية الرسالة المحمدية شملت جميع مجالات الحياة البشرية مع الخلق كلهم مسلمهم وغير مسلمهم .

ففي المجال المالي والاقتصادي: نجد أن عالمية الرسالة المحمدية شملت غير المسلمين في التكافل المالي والاقتصادي؛ وشواهد ذلك كثيرة وعديدة؛ ففي خلافة أبي بكر رضى الله عنه كتب خالد بن الوليد رضى الله عنه في عقد الذمة لأهل الحيرة بالعراق- وكانوا من النصارى:” وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل ، أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله”.

وانظر إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- حين مرَّ بباب قوم وعليه سائل يسأل : شيخ كبير ضرير البصر ، فضرب عضده من خلفه وقال : من أي أهل الكتاب أنت؟! قال : يهودي ، قال : فما ألجأك إلى ما أرى ؟! قال : أسأل الجزية والحاجة والسن ، قال : فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فرضخ له بشيء من المنزل ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال : انظر هذا وضرباءه  فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم” إنما الصدقات للفقراء والمساكين ” والفقراء هم المسلمون ، وهذا من المساكين من أهل الكتاب ، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه.( الخراج لأبي يوسف ).

وكتب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز إلى واليه عدي بن أرطأة : “وانظر من قِبَلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب؛ فأجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه”. ( الأموال ؛ أبو عبيد )

وأخرج الترمذي وأبو داود – بسند صحيح – عن عبدالله بن عمر – رضي الله عنهما -: “أنه ذبحت له شاة في أهله، فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟”، قلنا: لا، قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ” ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه ” .

وقد سجل هذه الرعاية الفريدة المستشرق بارتولد في كتابه “الحضارة الإسلامية”، فقال :” إن النصارى كانوا أحسن حالاً تحت حكم المسلمين، إذ أن المسلمين اتبعوا في معاملاتهم الدينية والاقتصادية لأهل الذمة مبدأ الرعاية والتساهل “.

وفي مجال العدالة والقضاء والمساواة: نجد أن الإسلام أقام هذه المبادئ ورسخها بين أطياف الناس عامة؛ قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا }( النساء: 58) ؛ فأمر بالعدل بين الجميع فلم يقل: وإذا حكمتم بين المسلمين بل قال: وإذا حكمتم بين الناس ليشمل الجميع.

وفي سبيل تحقيق العدالة بين الجميع نهي الرسول – صلي الله عليه وسلم – عن ظلم أحد من غير المسلمين فقال صلي الله عليه وسلم:” أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” [ سنن أبي داود ]؛ أي إنه يكون خصماً لمن يظلم معاهداً أو واحداً من غير المسلمين.

ومن عدالة القضاء ما روى من قصة درع علي بن أبي طالب وهو أمير المؤمنين؛ فقد تنازع مع يهودي على درع، فاحتكما إلى القاضي شريح، الذي قال: «يا أمير المؤمنين هل من بينة؟» قال: «نعم الحسن ابني يشهد أن الدرع درعي»، قال شريح: «يا أمير المؤمنين شهادة الابن لا تجوز»، فقال علي: «سبحان الله رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟» فقال «يا أمير المؤمنين ذلك في الآخرة، أمّا في الدنيا فلا تجوز شهادة الابن لأبيه». فقال علي «صدقت – الدرع لليهودي». فقال اليهودي: «أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه! أشهد أن هذا الدين على الحق، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وأن الدرع درعك يا أمير المؤمنين، سقط منك ليلاً». فأهداه أمير المؤمنين الدرع. ( البيهقي في الكبرى) .

ومن ذلك قصة الأعرابي مع النبي صلي الله عليه وسلم؛ فعَنْ  عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ  ، أَنَّ  عَمَّهُ  حَدَّثَهُ ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ ، فَاسْتَتْبَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَقْضِيَهُ ثَمَنَ فَرَسِهِ ، فَأَسْرَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَشْيَ وَأَبْطَأَ الْأَعْرَابِيُّ ، فَطَفِقَ رِجَالٌ يَعْتَرِضُونَ الْأَعْرَابِيَّ فَيُسَاوِمُونَهُ بِالْفَرَسِ ، وَلَا يَشْعُرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتَاعَهُ ، فَنَادَى الْأَعْرَابِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : إِنْ كُنْتَ مُبْتَاعًا هَذَا الْفَرَسِ وَإِلَّا بِعْتُهُ ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَمِعَ نِدَاءَ الْأَعْرَابِيِّ ، فَقَالَ : أَوْ لَيْسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ : لَا وَاللَّهِ مَا بِعْتُكَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلَى ، قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ ، فَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ : هَلُمَّ شَهِيدًا ، فَقَالَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ : أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَايَعْتَهُ ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خُزَيْمَةَ ، فَقَالَ : بِمَ تَشْهَدُ ؟ ، فَقَالَ : بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ ”  . [ سنن أبي داود ].

وفي مجال القيم الإنسانية: نجد أن من معالم إنسانيته – صلى الله عليه وسلم – أنه كان يزور مرضى غير المسلمين؛ فعَنْ أَنَسٍ (رضي الله عنه) أَنَّ غُلاَمًا مِنَ الْيَهُودِ كَانَ مَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِىُّ  – صلى الله عليه وسلم – يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ». فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ : أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ. فَأَسْلَمَ فَقَامَ النَّبِىُّ  – صلى الله عليه وسلم – وَهُوَ يَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنْقَذَهُ بِى مِنَ النَّارِ»[سنن أبي داود].

هذه أخلاق الرسالة المحمدية بإنسانيتها مع الأحياء؛ ومن روائع المواقف الإنسانية للرسالة المحمدية تجاه الأموات من غير المسلمين؛ موقفُه صلى الله عليه وسلم لما مرَّت عليه جنازة رجل يهودي؛ فعن عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ , قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى , قَالَ : كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ، وقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ فَقَامَا ، فَقِيلَ لَهُمَا : إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ أَيْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، فَقَالَا : ” إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ , فَقِيلَ لَهُ : إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ ، فَقَالَ : أَلَيْسَتْ نَفْسًا ؟!” ( متفق عليه ).

 فهلا طبقنا ذلك عمليا مع المسلمين وغير المسلمين !!

ومن عجيب ما جاء به الإسلام أنه أمر ببر الأم، حتى وإن كانت مشركة, فقد سألت أسماء بنت أبى بكر النبي “صلى الله عليه وسلم” عن صلة أمها المشركة، وكانت قدمت عليها, فقال لها: «نعم, صلي أمك».(متفق عليه) .

وفي مجال الحروب والغزوات: نجد أن الإسلام بعالميته السمحة يحثنا على الأخلاق العالية والبر والإحسان مع غير المسلمين حتى في الحروب والغزوات!! ففي الحرب التي تأكل الأخضر واليابس وتزهق فيها الأرواح وتدمر المدن والقرى ويموت الصغير والكبير؛ أمر الإسلام بالسماحة والعدل وحرم الظلم. فقد روى مسلم في صحيحه عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ” كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا”؛ فلا يجوز أن يُقصد بالقتال مَن ليسوا بأهل له، كالنِّساء والأطفال والشُّيوخ، والزَّمنى والعُمي والعَجَزة، والذين لا يُباشرونه عادةً كالرُّهبان والفلاَّحين، إلاَّ إذا اشترك هؤلاء في القِتال وبدؤوا هم بالاعتداء، فعندها يجوز قتالُهم.

وهذا أبو بكر – رضي الله عنه – لَمَّا بعث يزيد بن أبي سفيان إلى الشام على ربع من الأرباع، خرج – رضي الله عنه – معه يُوصيه، ويزيد راكب وأبو بكر يَمشي. فقال يزيد: يا خليفةَ رسول الله، إمَّا أن تركب وإمَّا أن أنزل. فقال: “ما أنت بنازلٍ، وما أنا براكب، إنِّي أحتسب خُطاي هذه في سبيل الله. يا يزيد: إنَّكم ستَقدمون بلادًا تُؤتَوْن فيها بأصناف من الطعام، فسمُّوا الله على أوَّلِها، واحمدوه على آخرها. وإنَّكم ستجدون أقوامًا قد حبسوا أنفسَهم في هذه الصوامع، فاتركوهم وما حبسوا له أنفسهم، وستجدون أقوامًا قد اتَّخذ الشيطان على رؤوسهم مقاعدَ؛ يعني: الشمامسة، فاضربوا تلك الأعناق، ولا تَقتلوا كبيرًا هَرمًا، ولا امرأة، ولا وليدًا. ولا تُخرِّبوا عمرانًا، ولا تقطعوا شجرة، إلاَّ لنفع، ولا تعقرنَّ بهيمةً إلاَّ لنفع، ولا تُحرِّقنَّ نخلًا، ولا تُغرقنَّه، ولا تَغدِر، ولا تُمثِّل، ولا تجبن، ولا تغلل، ولينصرن الله مَن ينصره ورسلَه بالغيب، إنَّ الله قويٌّ عزيز”[البيهقي في الكبرى] ؛ هذه السماحة في حال الحرب فما بالك في حال السلم؟!!

كما تظهر الأخلاق في معاملة الأسرى؛ وعدم قتل الأسير والمقيد والمربوط ؛ فقد تمثلت بتوجيهات نبي الرحمة الذي نهى عن قتل الأسير بعد ربطه ولا حتى إيذائه وهو مربوط ، فقد قال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه : سمعت رسول الله ينهى عن قتل الصُّبْر ” فوالذي نفسي بيده لو كانت دجاجة ما صبرتُها” ( أبو داود والبيهقي)، وقال : يوم فتح مكة ” لا تجهزن على جريح ولا يُتبعنّ مُدبر ولا يقتل أسير ، ومن أغلق بابه فهو آمن ” .

كما أمر سيدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالعناية بالأسرى فيداوى جرحاهم، ويؤمن لهم الطعام والشراب والكساء، يقول: أبو عزيز بن عمير :”كنتُ في الأسرَى يومَ بدرٍ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:” استوصوا بالأسارَى خيرًا؛ وكنتُ في نفرٍ من الأنصارِ فكانوا إذا قدموا غداءَهم وعشاءَهم أكلوا التمرَ وأطعموني البرَّ لوصيةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم”( مجمع الزوائد).

 وكان صلى الله عليه وسلم يقول:” أكرموهم وأدفئوهم”، وكان يأتي ويجلس مع الأسرى ويأكل معهم ويؤانسهم ويتفقد أحوالهم .

هذه هي أخلاق الرسالة المحمدية بمبادئها السمحة؛ وعالميتها التي شملت جميع البشر حتى في الحروب والغزوات ؛ وهذه هي أهم مظاهر وصور التعايش السلمي التي يدعو إليها الإسلام من خلال قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } ( البقرة: 208) .

العنصر الثالث: أثر عالمية الرسالة في تحقيق التعايش السلمي

عباد الله: إن لعالمية الرسالة دوراً كبيراً في تحقيق التسامح والتعايش السلمي بين طوائف المجتمع المختلفة؛ فحينما استقر النبي – صلى الله عليه وسلم – في المدينة المنورة بعد الهجرة إليها أسَّس نظامًا عامًا أساسه التعايش السلمي، وبالمصطلح الحديث فإنه أرسى مبدأ المواطنة ؛ ولا شك أننا اليوم في أشد الحاجة إلى هذا المفهوم .. مفهوم أن تعيش مع الآخر، مفهوم المواطنة، مفهوم قبول الآخر؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام وجد في المدينة مزيجاً إنسانياً متنوعاً من حيث الدين والعقيدة، وحيث الانتماء القبلي والعشائري، ومن حيث نمط المعيشة، المهاجرون من قريش، والمسلمون من الأوس والخزرج، والوثنيون من الأوس والخزرج، واليهود من الأوس والخزرج، وقبائل اليهود الثلاثة، بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة؛ والأعراب الذين يساكنون أهل يثرب، والموالي، والعبيد، وغيرهم.

مهاجرون، أوس وخزرج: منهم مسلمون، منهم وثنيون، منهم يهود، قبائل اليهود الثلاثة، أعراب، عبيد، بالمصطلح الحديث: مجتمع فسيفسائي، كبعض البلاد الإسلامية، التي يقتتل أهلها، فكيف وفق النبي بين هذه الانتماءات ؟ وبين هذه الاتجاهات وتلك الأديان ؟ بين المؤمنين بدين ؟ وبين الوثنيين ؟ بين المؤمنين بدين وهم مشركون ؟ وبين الموحدين ؟ هذا الذي نحن في أمس الحاجة إليه، كي نستطيع أن نقف في وجه أعدائنا الذين يتربصون بنا الدوائر؛ فالنبي – صلى الله عليه وسلم – قد تعامل مع غير المسلمين من خلال مبدأ السلام والتعايش السلمي حتى مع كل من عاداه وآذاه ومع ذلك فقد غدروا به مرات عديدة، وشواهد ذلك من السنة والسيرة أكثر من أن تحصى وأنت بها خبير .

فجاءت عالمية الرسالة المحمدية تعتمد السلام منهاجاً‏,‏ والتسامح سلوكاً‏,‏ فقد بدأ الرسول دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة‏, ولم يتخل يوماً عن الرفق واللين في القول والعمل, عملاً بقول الله تعالي: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل:125)؛ وبهذا المنهج الوسطي اليسير أسس الإسلام مبدأ التعايش بين جميع الأطياف والمذاهب المختلفة في إطار من المواطنة والعدل والمساواة والدعوة إلي التعارف والتعاون, قال تعالي: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }(الحجرات13) .

أيها المسلمون: إن عالمية الرسالة المحمدية تدعونا إلى البر والإحسان – لا أقول مع الأهل والوالدين فحسب – بل مع الأعداء والمعاهدين فقال الله تعالى: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8) قال ابن جرير:” عُنى بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين من جميع أصناف الملل والأديان، أن تبرُّوهم وتصلوهم وتُقسطوا إليهم؛ لأن بِرَّ المؤمنِ من أهل الحرب ممن بينه قرابةُ نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غيرُ مُحَرَّم ولا منهىٍّ عنه، إذا لم يكن فى ذلك دلالةٌ له أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقويةٌ لهم بكُراع أو سلاح، وقوله: { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } يقول: إن الله يحب المنصفين الذين ينصفون الناس، ويعطونهم الحقَّ والعدل من أنفسهم، فيبَرُّون من بَرَّهم، ويحسنون إلى من أحسن إليهم”.

أترك الشهادة للغربيين المنصفين وتصويرهم لعالمية الرسالة المحمدية بأخلاقها السامية ؛ والتي تعاملوا من خلالها مع المسلمين والنصارى في الدول الغربية. يقول غوستاف لوبون في ” مجلة التمدن الإسلامي: ” إن المسلمين وحدهم هم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وبين روح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى؛ وإنهم مع حملهم السيف فقد تركوا الناس أحرارا في تمسكهم بدينهم ؛ وكل ما جاء في الإسلام يرمي إلى الصلاح والإصلاح ، والصلاح أنشودة المؤمن ، وهو الذي أدعو إليه المسيحيين” .

ويقول توماس أرنولد في كتابه الدعوة الإسلامية : ” لقد عامل المسلمون الظافرون العرب المسيحيين بتسامح عظيم منذ القرن الأول للهجرة ، واستمر هذا التسامح في القرون المتعاقبة ، ونستطيع أن نحكم بحق أن القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام قد اعتنقته عن اختيار وإرادة وأن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات المسلمين لشاهد على هذا التسامح ” .

 أبعد كل هذا – والحق ما شهدت به الأعداء – يأتي حاسد حاقد على الإسلام ليقول: إن الإسلام دين تطرف وعنف وإرهاب؟!!

وهذا (مايكل هارت) في كتابه (مائة رجل في التاريخ) حيث جعل النبي محمداً الأول فقال: ” إن اختياري محمداً، ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ، قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين الديني والدنيوي، فهناك رسل وأنبياء وحكماء بدءوا رسالات عظيمة ؛ ولكنهم ماتوا دون إتمامها كالمسيح في المسيحية، أو شاركهم فيها غيرهم، أو سبقهم إليهم سواهم، كموسى في اليهودية، ولكن محمداً هو الوحيد الذي أتم رسالته الدينية، وتحددت أحكامها، وآمنت بها شعوب بأسرها في حياته، ولأنه أقام جانب الدين دولة جديدة، فإنه في هذا المجال الدنيوي أيضاً وحَّد القبائل في شعب، والشعوب في أمة، ووضع لها كل أسس حياتها ورسم أمور دنياها، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم، أيضاً في حياته، فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدنيوية وأتمها “.

وقد شهد أبو سفيان زعيم قريش -وهو رجل حارب رسول الله سنوات عديدة، ولم يؤمن إلاَّ بعد أكثر من عشرين سنة من الإعراض والصَّدِّ- شهد لرسول الله بالسلام والتسامح بقوله: ” إِنَّكَ لَكَرِيمٌ ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ، وَاللَّهِ لَقَدْ حَارَبْتُكَ فَنِعْمَ الْمُحَارِبُ كُنْتَ، ثُمَّ سَالَمْتُكَ فَنِعْمَ الْمُسَالِمُ أَنْتَ، جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا .”[ تاريخ دمشق لابن عساكر].

وهكذا أيها المسلمون: في ظل عالمية الرسالة المحمدية ؛ بما تحمله من قيم وأخلاق رفيعة للعالم كله؛ يعيش الجميع مسلمون وغير مسلمين؛ في  تسامح وإخاء وأمن وسلام واطمئنان .

حفظ الله مصر وشعبها من كل مكروه وسوء ؛؛؛

  الدعاء،،،،                                                            وأقم الصلاة،،،،،

كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

د / خالد بدير بدوي

شارك الخبر علي صفحات التواصل الإجتماعي
ads

عن د.أحمد رمضان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .