أخبار مهمةالخطبة المسموعةخطبة الأسبوعخطبة الجمعةخطبة الجمعة القادمة ، خطبة الجمعة القادمة لوزارة الأوقاف المصرية مكتوبة word pdfد. أحمد رمضانعاجل

خطبة الجمعة القادمة 13 فبراير : استقبالُ شهرِ رمضانَ ، للدكتور أحمد رمضان

خطبة الجمعة القادمة 13 فبراير 2026 بعنوان : استقبالُ شهرِ رمضانَ ، إعداد: رئيس التحرير الدكتور أحمد رمضان لـ صوت الدعاة ، بتاريخ 25 شعبان 1447هـ ، الموافق 13 فبراير 2026م.

 

لتحميل خطبة الجمعة القادمة 13 فبراير 2026م بصيغة word بعنوان : استقبالُ شهرِ رمضانَ ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان لـ صوت الدعاة.

 

 انفراد لتحميل خطبة الجمعة القادمة 13 فبراير 2026م بصيغة pdf بعنوان : استقبالُ شهرِ رمضانَ ، للدكتور أحمد رمضان.

 

عناصر خطبة الجمعة القادمة 13 فبراير 2026م بعنوان : استقبالُ شهرِ رمضانَ ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان.

 

 العنصرُ الأولُ: استقبالُ رمضانَ استعدادًا إيمانيًا صادقًا

العُنْصُرُ الثَّانِي: رَمَضَانُ شَهْرُ نُزُولِ القُرْآنِ وَشَهْرُ إِحْيَاءِ القُلُوبِ بِهِ

العُنْصُرُ الثَّالِث: مِنَ التِّلَاوَةِ إِلَى التَّدَبُّرِ وَمِنَ التَّدَبُّرِ إِلَى العَمَلِ

 

ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 13 فبراير 2026م : استقبالُ شهرِ رمضانَ ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان : كما يلي:

   

    استقبالُ شهرِ رمضانَ

25 شعبان 1447هـ – 13 فبراير 2026م

إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان

المـــوضــــــــــوع

الحمدُ للهِ الذي أنزلَ على عبدِهِ الكتابَ ولم يجعلْ لهُ عِوَجًا، وجعلَ شهرَ رمضانَ مضمارًا للتقوى، وميدانًا لتجديدِ العهدِ مع القرآنِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، أنزلَ القرآنَ هدىً للناسِ وبيّناتٍ من الهدى والفرقانِ، وأشهدُ أنَّ سيّدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، كان أجودَ الناسِ، وكان أجودَ ما يكونُ في رمضانَ حينَ يدارسُهُ جبريلُ القرآنَ، صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ وباركَ عليهِ وعلى آلهِ وصحبِهِ أجمعينَ. أما بعدُ،

عناصر الخطبة:

 العنصرُ الأولُ: استقبالُ رمضانَ استعدادًا إيمانيًا صادقًا

العُنْصُرُ الثَّانِي: رَمَضَانُ شَهْرُ نُزُولِ القُرْآنِ وَشَهْرُ إِحْيَاءِ القُلُوبِ بِهِ

العُنْصُرُ الثَّالِث: مِنَ التِّلَاوَةِ إِلَى التَّدَبُّرِ وَمِنَ التَّدَبُّرِ إِلَى العَمَلِ

عبادَ اللهِ، فإنَّ أعظمَ ما يُفقدُ في رمضانَ أن يدخلَهُ العبدُ بلا وعيٍ، ويخرجَ منهُ بلا تغييرٍ، وإنَّ رمضانَ لم يُشرَّفْ لأنَّهُ شهرُ صيامٍ فحسبُ، بل شُرِّفَ لأنَّهُ شهرُ القرآنِ، قال تعالى: ﴿شهرُ رمضانَ الذي أُنزِلَ فيهِ القرآنُ هدىً للناسِ﴾ [البقرة: 185]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أُنْزِلَ الْقُرْآنَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى الْكَتَبَةِ فِي سَمَاءِ الدنيا، ثم نزل بِهِ جِبْرِيلُ عليه السلام نُجُومًا- يَعْنِي الْآيَةَ وَالْآيَتَيْنِ- فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً. [تفسير القرطبي، ج2، ص297].

العنصرُ الأولُ: استقبالُ رمضانَ استعدادًا إيمانيًا صادقًا

عبادَ اللهِ، إنَّ بلوغَ رمضانَ ليس حدثًا عاديًا يمرُّ في زحامِ الأيامِ، بل هو نعمةٌ عظمى ومنَّةٌ كبرى، وفرصةٌ قد لا تتكرَّرُ، قالَ تعالى ﴿شهرُ رمضانَ الذي أُنزِلَ فيهِ القرآنُ هدىً للناسِ وبيّناتٍ من الهدى والفرقانِ﴾ [البقرة: 185]، قالَ ابنُ كثيرٍ: «يمدحُ تعالى شهرَ الصيامِ من بينِ سائرِ الشهورِ، بأنِ اختارَهُ من بينِهنَّ لإنزالِ القرآنِ العظيمِ فيهِ» [تفسيرُ ابنِ كثيرٍ، ج1، ص501]، فإذا بلَّغكَ اللهُ رمضانَ فقد أعطاكَ مهلةً بعدَ مهلةٍ، وفتحَ لكَ بابًا بعدَ أبوابٍ، وناداكَ نداءَ الرحمةِ أن أقبلْ.

ومن خطورةِ هذهِ النعمةِ أنَّ الخيبةَ فيها مفزعةٌ، فعن جابرٍ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: صعدَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ المنبرَ فقالَ: «آمينَ آمينَ آمينَ» فقيلَ: يا رسولَ اللهِ، ما لكَ قلتَ آمينَ ثلاثًا؟ قالَ: «أتاني جبريلُ فقالَ: رغمَ أنفُ امرئٍ أدركَ رمضانَ فلم يُغفرْ لهُ، قلْ آمينَ، فقلتُ آمينَ» [البزارُ (4277)، والطبرانيُّ (2/244) (2022)، والشجري في ((ترتيب الأمالي)) (1365)، حديثٌ حسنٌ]، فتأمَّلوا رحمكمُ اللهُ، جبريلُ يدعو، ومحمدٌ ﷺ يؤمِّنُ، والدعاءُ بالبعدِ عن رحمةِ اللهِ لمن أدركَ رمضانَ ولم يُغفرْ لهُ، فهل يدخلُهُ عاقلٌ بغيرِ استعدادٍ؟

كانَ السلفُ يسألونَ اللهَ ستةَ أشهرٍ أن يُبلِّغَهُم رمضانَ، ثم يسألونَهُ ستةَ أشهرٍ أن يتقبلَهُ منهم (لطائفُ المعارفِ لابنِ رجبٍ، ص148)، فلم يكنْ رمضانُ عندهم عادةً، بل كانَ موسمَ قلبٍ وإنابةٍ.

أفلا يستحقُّ رمضانُ منا استعدادًا خاصًا؟

أولًا: الاستعدادُ بتوبةٍ صادقةٍ وتطهيرِ القلبِ:

 فإنَّ رمضانَ شهرُ قرآنٍ، والقرآنُ نورٌ، ولا يسكنُ النورُ قلبًا أظلمتْهُ المعاصي، قالَ تعالى ﴿لو أنزلنا هذا القرآنَ على جبلٍ لرأيتَهُ خاشعًا متصدعًا من خشيةِ اللهِ﴾ [الحشر: 21]، فإذا كانَ الجبلُ يتصدعُ، فكيفَ بقلبٍ لا يخشعُ؟ وقالَ تعالى ﴿وتوبوا إلى اللهِ جميعًا أيها المؤمنونَ لعلَّكم تفلحونَ﴾ [النور: 31] وقالَ ﴿يا أيها الذينَ آمنوا توبوا إلى اللهِ توبةً نصوحًا﴾ [التحريم: 8]. قالَ ابنُ كثيرٍ: «توبةً صادقةً جازمةً، تمحو ما قبلَها من السيئاتِ» [تفسيرُ ابنِ كثيرٍ، ج8، ص167].

 فلا يصحُّ أن ندخلَ رمضانَ ونحنُ مصرُّونَ على القطيعةِ، أو مثقلونَ بالأحقادِ، أو غارقونَ في المعاصي، فقد قالَ رسولُ اللهِ ﷺ «تُفتحُ أبوابُ الجنةِ يومَ الاثنينِ والخميسِ فيُغفرُ لكلِّ عبدٍ لا يشركُ باللهِ شيئًا إلا رجلًا كانتْ بينهُ وبينَ أخيهِ شحناءُ فيُقالُ: أنظروا هذينِ حتى يصطلحا…» [مسلمٌ (2565)]، فإذا كانتِ المغفرةُ تُؤخَّرُ بسببِ الشحناءِ في كلِّ أسبوعٍ، فكيفَ نرجو مغفرةَ رمضانَ ونحنُ لم نُصفِّ قلوبَنا؟

ثانيًا: الاستعدادُ بتعظيمِ شأنِ الصيامِ والقيامِ:

 فرمضانُ ليس عادةً سنويةً، بل عبادةٌ تُبنى على الإيمانِ والاحتسابِ، قالَ ﷺ «من صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفرَ لهُ ما تقدمَ من ذنبِهِ، ومن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا غُفرَ لهُ ما تقدمَ من ذنبِهِ» [البخاريُّ (2014)، مسلمٌ (760)]، قالَ النوويُّ: «معنى إيمانًا تصديقًا بأنَّهُ حقٌّ، واحتسابًا أن يريدَ اللهَ تعالى وحدَهُ» [شرحُ النوويِّ على مسلمٍ، ج6، ص39].

 فالقضيةُ ليست إمساكًا عن الطعامِ فقط، بل انقطاعًا إلى اللهِ، وليست سهرًا في التراويحِ فقط، بل تزكيةً للنفسِ، فمن دخلَ رمضانَ بلا عزمٍ صادقٍ خرجَ منهُ بلا أثرٍ باقٍ.

ثالثًا: الاستعدادُ للقرآنِ بقلبٍ حاضرٍ ومنهجٍ منضبطٍ:

فرمضانُ شهرُ القرآنِ، والقرآنُ لا يُفتحُ سرُّهُ لقلبٍ لاهٍ، قالَ تعالى ﴿كتابٌ أنزلناهُ إليكَ مباركٌ ليدبروا آياتِهِ﴾ [ص: 29]، فالمقصودُ ليس كثرةَ الختمِ فقط، بل حسنَ التدبرِ، وتصحيحَ المسارِ، وتغييرَ الواقعِ، فاجعلْ لنفسِكَ وردًا ثابتًا، ووقتًا محفوظًا، ونيةً صادقةً، فمن أرادَ بالقرآنِ الهدايةَ هداهُ اللهُ، ومن طلبَ بهِ التغييرَ غيَّرهُ اللهُ.

عبادَ اللهِ، من أحسنَ الاستقبالَ أحسنَ الوصولَ، ومن صحَّتْ بدايتُهُ صحَّتْ نهايتُهُ، ومن دخلَ رمضانَ بتوبةٍ صادقةٍ ونيةٍ مخلصةٍ وعزمٍ جازمٍ رُجيَ لهُ أن يخرجَ منهُ وقد غُفرَ لهُ وكُتبَ في ديوانِ الفائزينَ.

العُنْصُرُ الثَّانِي: رَمَضَانُ شَهْرُ نُزُولِ القُرْآنِ وَشَهْرُ إِحْيَاءِ القُلُوبِ بِهِ

عبادَ اللهِ، إنَّ العلاقةَ بينَ رمضانَ والقرآنِ ليست علاقةَ اقترانٍ عابرٍ، ولا ارتباطَ عادةٍ سنويةٍ، بل هي علاقةُ أصلٍ ومصدرٍ ومنهجٍ، فإنَّ اللهَ تعالى لم يصفْ رمضانَ بكثرةِ الصيامِ فيهِ، ولا بطولِ القيامِ فيهِ، وإنما عرَّفهُ للعالمينَ بقولهِ ﴿شهرُ رمضانَ الذي أُنزِلَ فيهِ القرآنُ هدىً للناسِ وبيّناتٍ من الهدى والفرقانِ﴾ [البقرة: 185]، فكانَ شرفُهُ من شرفِ القرآنِ، وكانتْ منزلتُهُ من منزلةِ الوحيِ فيهِ.

قالَ ابنُ كثيرٍ: «يمدحُ تعالى شهرَ الصيامِ من بينِ سائرِ الشهورِ، بأنَّهُ اختارَهُ من بينِهنَّ لإنزالِ القرآنِ العظيمِ فيهِ» [تفسيرُ ابنِ كثيرٍ، ج1، ص501]، وقالَ القرطبيُّ: «خصَّهُ بإنزالِ القرآنِ فيهِ تعظيمًا لشأنِهِ، وتنبيهًا على فضلِهِ» [تفسيرُ القرطبيِّ، ج2، ص298].

وقد ثبتَ عن ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما فيما أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (11308) والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (497)، والطبراني (11839)، بإسناد صحيح أنَّهُ قالَ: «أُنزِل القرآنُ جُملةً واحدةً إلى سماءِ الدُّنيا في ليلةِ القدرِ، ثمَّ نزل بعد ذلك في عشرين سنةً، ثمَّ قرأ: وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا». [الإسراء: 106] [تفسيرُ الطبريِّ، ج3، ص445]، فكانَ نزولُهُ في رمضانَ ابتداءَ هدايةٍ للأمةِ.

وإذا كانَ القرآنُ قد نزلَ في رمضانَ، فإنَّ سنةَ النبيِّ ﷺ تؤكدُ أنَّ رمضانَ زمنُ مراجعةِ القرآنِ وإحيائهِ في القلوبِ، فعن ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: «كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أجودَ الناسِ بالخيرِ، وكان أجودَ ما يكون في شهرِ رمضانَ حتى ينسلِخَ، فيأتيه جبريلُ فيعرضُ عليه القرآنَ، فإذا لقِيَه جبريلُ كان رسولُ اللهِ أجودَ بالخيرِ من الرِّيحِ الْمُرسَلَةِ» [البخاريُّ (6)، مسلمٌ (2308)].

فتأمَّلوا رحمكمُ اللهُ، لم تكنِ المدارسةُ في غيرِ رمضانَ بهذهِ الصورةِ، وإنما اختُصَّ الشهرُ بها، دلالةً على أنَّ رمضانَ زمنُ تجديدِ العهدِ مع القرآنِ، وزمنُ رفعِ مستوى العلاقةِ بهِ.

ولهذا كانَ حالُ السلفِ مع القرآنِ في رمضانَ حالًا مختلفًا عن بقيةِ العامِ، عن الزهريُّ رحمهُ اللهُ: «إذا دخلَ رمضانُ فإنما هو قراءةُ القرآنِ وإطعامُ الطعامِ» [لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، ابن رجب الحنبلي (ت 795هـ) ص 191، والبيهقي، شعبُ الإيمانِ، ج3، ص305].

قال ربيع بن سليمان: كان الشافعي يختم في شهر رمضان ستين ختمة، ما منها شيء إلا في صلاة”. حلية الأولياء، لأبي نعيم الأصبهاني، ج9 ص 135، وكانَ مالكٌ رحمهُ اللهُ إذا دخلَ رمضانُ تركَ الحديثَ ومجالسَ العلمِ، وأقبلَ على قراءةِ القرآنِ من المصحفِ [الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء لابن عبد البر ص39، وترتيبُ المداركِ للقاضي عياض، ج1، ص95]، وكانَ سفيانُ الثوريُّ إذا دخلَ رمضانُ تركَ جميعَ العبادةِ وأقبلَ على قراءةِ القرآنِ [لطائفُ المعارفِ لابنِ رجبٍ، ص171].

ولم يكنْ ذلكَ تعطيلًا للعلمِ، بل لأنَّهم فهموا أنَّ رمضانَ هو موسمُ الأصلِ، ومصدرُ النورِ، وأنَّ كلَّ إصلاحٍ إنما يُستمدُّ من القرآنِ، قالَ تعالى ﴿إنَّ هذا القرآنَ يهدي للتي هي أقومُ﴾ [الإسراء: 9]، قالَ الشنقيطيُّ: «وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَجْمَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِيهَا جَمِيعَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْهُدَى إِلَى خَيْرِ الطَّرْقِ وَأَعْدَلِهَا وَأَصْوَبِهَا، فَلَوْ تَتَبَّعْنَا تَفْصِيلَهَا عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ لَأَتَيْنَا عَلَى جَمِيعِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ لِشُمُولِهَا لِجَمِيعِ مَا فِيهِ مِنَ الْهُدَى إِلَى خَيْرِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.» [أضواءُ البيانِ، ج3، ص17].

فإذا كانَ القرآنُ هو أقومَ طريقٍ، وكانَ رمضانُ هو زمنَ نزولِهِ، فإنَّ رمضانَ ليس شهرَ تلاوةٍ صوتيةٍ فحسبُ، بل شهرُ إحياءِ القلوبِ بالوحيِ، شهرُ تصحيحِ المفاهيمِ، وإعادةِ ترتيبِ الأولوياتِ، وبناءِ النفسِ على ميزانِ السماءِ.

عبادَ اللهِ، إنَّ الأمةَ يومَ ارتبطتْ بالقرآنِ في رمضانَ ارتفعتْ، ويومَ نستهُ تراجعتْ، فالقرآنُ ليس زينةَ ليالٍ، ولا أصواتَ محاريبَ، بل هو روحُ الأمةِ، وسرُّ نهضتِها، ومنبعُ وحدتِها، وإذا أردنا أن نحيا بهِ، فعلينا أن نعيدَ رمضانَ إلى أصلِهِ: شهرًا للقرآنِ، لا شهرًا للعادةِ والغفلةِ. فمن أرادَ حياةَ قلبِهِ، فليلزمِ القرآنَ في رمضانَ، ومن أرادَ هدايةَ دربِهِ، فليجعلِ القرآنَ قائدهُ، فإنَّ رمضانَ بلا قرآنٍ جسدٌ بلا روحٍ، وقرآنًا بلا تدبرٍ صوتٌ بلا أثرٍ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، جعلَ القرآنَ روحًا للقلوبِ، ونورًا للصدورِ، وهدًى ورحمةً للمؤمنينَ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، المبعوثُ بالقرآنِ هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبِهِ وسلمَ تسليمًا كثيرًا.

أما بعدُ عبادَ اللهِ، فإنَّ الحديثَ عن رمضانَ شهرِ القرآنِ لا يكتملُ إلا ببيانِ ثمراتِهِ وآثارِهِ، إذ ليس المقصودُ أن نقرأَ القرآنَ في رمضانَ فحسبُ، بل أن يظهرَ القرآنُ في حياتِنا واقعًا وسلوكًا.

العُنْصُرُ الثَّالِث: مِنَ التِّلَاوَةِ إِلَى التَّدَبُّرِ وَمِنَ التَّدَبُّرِ إِلَى العَمَلِ

عبادَ اللهِ، إذا كانَ رمضانُ شهرَ القرآنِ نزولًا ومدارسةً، فإنَّ السؤالَ الجوهريَّ: كيفَ ننتفعُ بالقرآنِ انتفاعًا حقيقيًّا؟ وهلِ المقصودُ كثرةُ التلاوةِ فحسبُ، أم بلوغُ مرتبةِ التدبرِ، ثم الارتقاءُ إلى مقامِ العملِ؟

إنَّ القرآنَ لم يُنزَّلْ ليُتلى بالألسنةِ دونَ أن يتحرَّكَ في القلوبِ، ولم يُنزَّلْ ليُحفظَ في الصدورِ دونَ أن يظهرَ أثرُهُ في السلوكِ، قالَ تعالى ﴿أفلا يتدبرونَ القرآنَ أم على قلوبٍ أقفالُها﴾ [محمد: 24]، قالَ الطبريُّ: «أفلا يتدبَّرونَ ويتفكَّرونَ في حُججِهِ التي بيَّنها لهم في تنزيلِهِ فيعلموا بها خطأَ ما هم عليه مقيمونَ، أم على قلوبٍ أقفالُها: أم أقفلَ اللهُ على قلوبِهِم فلا يعقلونَ ما أنزلَ اللهُ في كتابِهِ من المواعظِ والعِبَرِ» [تفسيرُ الطبريِّ، ج26، ص68].

فالتلاوةُ بدايةٌ، والتدبرُ تعمُّقٌ، والعملُ ثمرةٌ، ومن وقفَ عندَ البدايةِ حُرمَ الثمرةَ، وقد نبَّهَ الفضيلُ بنُ عياضٍ: “إنما نزلَ القرآنُ ليُعملَ بهِ، فاتخذَ الناسُ تلاوتَهُ عملًا، قيلَ: كيفَ العملُ بهِ؟ قالَ: أيْ: يُحلُّوا حلالَهُ، ويُحرِّموا حرامَهُ، ويأتمروا بأوامرِهِ، وينتهوا عن نواهيهِ، ويقفوا عندَ عجائبِهِ”. اقتضاءُ العلمِ والعملِ، للخطيبِ البغداديِّ، ص 76.

وقد بيَّنَ ابنُ القيمِ رحمهُ اللهُ مراتبَ هجرِ القرآنِ فقالَ: «هَجْرُ القرآن أنواعٌ: أحدها: هجرُ سَماعِهِ والإيمان به والإصغاءِ إليه. والثاني: هجرُ العملِ به والوقوفِ عند حلالِهِ وحرامِهِ. والثالث: هجرُ تحكيمِه والتحاكمِ إليه في أصول الدِّين وفروعِهِ. والرابع: هجرُ تدبُّرِه وتفهُّمِه. والخامس: هجرُ الاستشفاءِ والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها. وكلُّ هذا داخلٌ في قولهِ: ﴿وَقَال الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]، وإنْ كان بعضُ الهَجْرِ أهونَ من بعضٍ» [الفوائد، ص118 باختصار]، فإذا كانَ هذا حالُ الهجرِ، فإنَّ المقابلَ هو الوصلُ الشاملُ: سماعًا، وتدبرًا، وامتثالًا، واحتكامًا، واستشفاءً.

إنَّ القرآنَ يغيِّرُ من توجَّهَ إليهِ بقلبٍ حاضرٍ، أما من دخلَ عليهِ بقلبٍ لاهٍ، خرجَ منهُ كما دخلَ، قالَ تعالى ﴿إنَّ في ذلكَ لذكرى لمن كانَ لهُ قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيدٌ﴾ [ق: 37]، قالَ القرطبي: «تذكرة وموعظة لمن كان له قلب أي عقل يتدبر به. وقيل: لمن كان له حياة ونفس مميزة، فعبر عن النفس الحية بالقلب ; لأنه وطنها ومعدن حياتها» [تفسيرُ القرطبي، ج17، ص23].

فالمشكلةُ ليست في قلةِ القراءةِ دائمًا، بل في غيابِ القلبِ، وكم من قارئٍ للقرآنِ والقرآنُ يلعنُهُ، لأنهُ يقرأُ ﴿ألا لعنةُ اللهِ على الظالمينَ﴾ وهو مصرٌّ على الظلمِ، ويقرأُ ﴿واللهُ لا يحبُّ المعتدينَ﴾ وهو واقعٌ في الاعتداءِ.

عبادَ اللهِ، التدبرُ ليس علمًا معقَّدًا، بل هو أن تسألَ نفسكَ عندَ كلِّ آيةٍ: ماذا يريدُ اللهُ مني؟ فإذا مررتَ بآيةِ أمرٍ، قلتَ: سمعًا وطاعةً، وإذا مررتَ بآيةِ نهيٍ، قلتَ: توبةً وإنابةً، وإذا مررتَ بآيةِ وعدٍ، قلتَ: رجاءً وثباتًا، وإذا مررتَ بآيةِ وعيدٍ، قلتَ: خوفًا واستغفارًا.

وقد كانَ الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهم يتلقَّونَ القرآنَ بهذا المنهجِ، قالَ أبو عبدِ الرحمنِ السلميُّ: «كان أصحابُنا يُقرِئُونا ويُعلِّمونا ويُخبِرونا أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان يُقرِئُ أحدَهم عَشْرَ آياتٍ فما يَجوزُها حتى يَتعلَّمَ العَمَلَ فيها، قال: وقالوا: عَلِمْنا القُرْآنَ والعَمَلَ جميعًا» [الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (1452)، واللفظ له، وأحمد (23482)، وابن أبي شيبة في ((المسند)) 2/413، بإسنادٍ حسن].

عبادَ اللهِ، إنَّ القرآنَ إذا دخلَ القلبَ أصلحَهُ، وإذا صلحَ القلبُ صلحَ الجسدُ كلُّهُ، وإذا صلحَ الفردُ صلحتِ الأسرةُ، وإذا صلحتِ الأسرُ صلحتِ الأمةُ، ولهذا كانَ القرآنُ أصلَ كلِّ إصلاحٍ.

المراجع: القرآن الكريم

كتب الحديث: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن الترمذي، مسند أحمد، سنن النسائي، المعجم للطبراني. شعب الإيمان للبيهقي. مسند البزار، ترتيب الأمالي للشجيري، مسند ابن أبي شيبة.

تفسيرُ الطبريِّ، تفسير القرطبي، تفسير الرازي (مفاتيح الغيب)، تفسير ابن كثير، شرح صحيح مسلم للنووي، فتح الباري لابن حجر. حلية الأولياء لأبي نعيم، سير أعلام النبلاء للذهبي، لطائفُ المعارفِ لابنِ رجبٍ، الأسماء والصفات للبيهقي، الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء لابن عبد البر، أضواءُ البيان للشنقيطي، ترتيبُ المداركِ للقاضي عياض، اقتضاءُ العلمِ والعملِ، للخطيبِ البغداديِّ، الفوائد لابن القيم، شرح مشكل الآثار للطحاوي.

د. أحمد رمضان

خُطبةُ صوتِ الدعاةِ – إعداد رئيس التحرير: الدكتور أحمد رمضان

___________________________________

خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف علي صوت الدعاة 

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة

 

تابعنا علي الفيس بوك

 

الخطبة المسموعة علي اليوتيوب

 

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات

 

و للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع

 

للمزيد عن أخبار الأوقاف

 

و للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف

 

للمزيد عن مسابقات الأوقاف

اظهر المزيد

كتب: د.أحمد رمضان

الدكتور أحمد رمضان حاصل علي الماجستير من جامعة الأزهر بتقدير ممتاز سنة 2005م ، وحاصل علي الدكتوراه بتقدير مع مرتبة الشرف الأولي من جامعة الأزهر الشريف سنة 2017م. مؤسس جريدة صوت الدعاة ورئيس التحرير وكاتب الأخبار والمقالات المهمة بالجريدة، ويعمل بالجريدة منذ 2013 إلي اليوم. حاصل علي دورة التميز الصحفي، وقام بتدريب عدد من الصحفيين بالجريدة. للتواصل مع رئيس التحرير على الإيميل التالي: ahmed_dr.ahmed@yahoo.com رئيس التحريـر: د. أحمد رمضان (Editor-in-Chief: Dr. Ahmed Ramadan) للمزيد عن الدكتور أحمد رمضان رئيس التحرير أضغط في القائمة علي رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى