الخطبة المسموعةخطبة الأسبوعخطبة الجمعةخطبة الجمعة القادمة ، خطبة الجمعة القادمة لوزارة الأوقاف المصرية مكتوبة word pdfد. أحمد رمضانعاجل

خطبة الجمعة القادمة 13 مارس : مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ ، للدكتور أحمد رمضان

خطبة الجمعة القادمة 13 مارس 2026 بعنوان : مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ ، إعداد: رئيس التحرير الدكتور أحمد رمضان لـ صوت الدعاة ، بتاريخ 23 رمضان 1447هـ ، الموافق 23 مارس 2026م. 

 

لتحميل خطبة الجمعة القادمة 13  مارس 2026م بصيغة word بعنوان : مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان لـ صوت الدعاة.

 

 انفراد لتحميل خطبة الجمعة القادمة 13 مارس 2026م بصيغة pdf بعنوان : مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ ، للدكتور أحمد رمضان.

 

عناصر خطبة الجمعة القادمة 13 مارس 2026م بعنوان : مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان.

 

العُنْصُرُ الأَوَّلُ: مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ وَفَضْلُهُ عِنْدَ اللَّهِ

العُنْصُرُ الثَّانِيُ: أَنْوَاعُ الشُّهَدَاءِ فِي الإِسْلَامِ وَسَعَةُ رَحْمَةِ اللَّهِ فِيهَا

العُنْصُرُ الثَّالِثُ: الِاجْتِهَادُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ وَتَحَرِّي لَيْلَةِ القَدْرِ

 

ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 13 مارس 2026م : مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان : كما يلي:

 

    مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ فِي الإِسْلَامِ

23 رمضان 1447هـ – 13 مارس 2026م

إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان

المـــوضــــــــــوع

الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ ونتوبُ إليهِ، ونؤمنُ بهِ ونتوكَّلُ عليهِ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِهِ اللهُ فلا مضلَّ لهُ، ومن يضللْ فلا هاديَ لهُ. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، شهادةً تُنجِّي قائلَها يومَ يلقاهُ، وتُثقِّلُ بها الموازينُ يومَ الحسابِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أرسلهُ اللهُ بالهدى ودينِ الحقِّ ليُظهرَهُ على الدينِ كلِّهِ ولو كرهَ المشركونَ، فبلَّغَ الرسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونصحَ الأمةَ، وكشفَ اللهُ بهِ الغمةَ، وجاهدَ في اللهِ حقَّ جهادِهِ حتى أتاهُ اليقينُ.

عناصر الخطبة:

العُنْصُرُ الأَوَّلُ: مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ وَفَضْلُهُ عِنْدَ اللَّهِ

العُنْصُرُ الثَّانِيُ: أَنْوَاعُ الشُّهَدَاءِ فِي الإِسْلَامِ وَسَعَةُ رَحْمَةِ اللَّهِ فِيهَا

العُنْصُرُ الثَّالِثُ: الِاجْتِهَادُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ وَتَحَرِّي لَيْلَةِ القَدْرِ

أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ، فإنَّ الإسلامَ دينُ القيمِ العظمى، والمقاماتِ الرفيعةِ، وقد رفعَ اللهُ فيهِ منازلَ عظيمةً لعبادِهِ الصادقينَ، فجعلَ للصالحينَ درجاتٍ، وللمتقينَ مراتبَ، وللمجاهدينَ منزلةً ساميةً لا يبلغُها إلا من باعَ نفسَهُ للهِ ربِّ العالمينَ.

ومن أعلى هذهِ المقاماتِ وأشرفِها مقامُ الشهادةِ في سبيلِ اللهِ؛ فهي ذروةُ سنامِ الإسلامِ، وقمةُ التضحيةِ، وغايةُ البذلِ، بها تُحفظُ الأوطانُ، وتُصانُ العقائدُ، وتُرفعُ راياتُ الحقِّ. ولهذا كانَ الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهم يتنافسونَ في طلبِها، ويُقبلونَ عليها بقلوبٍ مؤمنةٍ مطمئنةٍ، يعلمونَ أنَّ وراءها حياةً أبديةً، وكرامةً ربانيةً، ورضوانًا من اللهِ أكبرُ. ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى مبينًا عظمةَ هذهِ الصفقةِ العظيمةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111].

العُنْصُرُ الأَوَّلُ: مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ وَفَضْلُهُ عِنْدَ اللَّهِ

عبادَ اللهِ، لقد عظَّمَ اللهُ سبحانهُ منزلةَ الشهداءِ تعظيمًا عظيمًا، حتى أخبرَ أنهم ليسوا أمواتًا كما يظنُّ الناسُ، بل أحياءٌ حياةً خاصةً عندَ ربِّهم. قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 154]. وقالَ سبحانهُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169].

قالَ الإمامُ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ: خَبَرَ تَعَالَى عَنِ الشُّهَدَاءِ بِأَنَّهُمْ وَإِنْ قُتِلُوا فِي هٰذِهِ الدَّارِ فَإِنَّ أَرْوَاحَهُمْ حَيَّةٌ مَرْزُوقَةٌ فِي دَارِ القَرَارِ” (تفسيرُ ابنِ كثيرٍ، ج2، ص95).

 فهذهِ ليستْ حياةً دنيويةً كحياتِنا، بل حياةُ نعيمٍ وكرامةٍ وقربٍ من اللهِ تعالى. وقد بيَّنَ النبيُّ ﷺ حقيقةَ هذهِ الحياةِ بيانًا واضحًا، فروى مسلمٌ عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «أرواحُهم في جوفِ طيرٍ خضرٍ لها قناديلُ معلقةٌ بالعرشِ، تسرحُ في الجنةِ حيثُ شاءتْ» (صحيحُ مسلمٍ، رقم 1887).

تأمَّلوا هذا المشهدَ العظيمَ عبادَ اللهِ… أرواحٌ طاهرةٌ تحلقُ في جناتِ اللهِ، وتتنقلُ في نعيمِها، وتأوي إلى قناديلَ معلقةٍ بالعرشِ. أيُّ كرامةٍ أعظمُ من هذهِ الكرامةِ؟ وأيُّ منزلةٍ أعلى من هذهِ المنزلةِ؟

بل إنَّ اللهَ سبحانهُ أكرمَ الشهيدَ بكراماتٍ عظيمةٍ منذُ اللحظةِ الأولى لاستشهادِهِ، فقد جمعَ النبيُّ ﷺ بعضَ هذهِ الكراماتِ في حديثٍ عظيمٍ فقالَ: «للشهيدِ عندَ اللهِ ستُّ خصالٍ: يُغفرُ لهُ في أولِ دفعةٍ من دمِهِ، ويُرى مقعدُهُ من الجنةِ، ويُجارُ من عذابِ القبرِ، ويأمنُ من الفزعِ الأكبرِ، ويُحلَّى حلةَ الإيمانِ، ويزوَّجُ من الحورِ العينِ، ويشفَّعُ في سبعينَ من أقاربِهِ» (سننُ الترمذيِّ رقم 1663 وقالَ: حسنٌ صحيحٌ).

تأملوا عبادَ اللهِ… يُغفرُ لهُ في أولِ قطرةِ دمٍ قبلَ أن تسقطَ روحُهُ إلى الأرضِ، ويرى مكانَهُ في الجنةِ قبلَ أن يُدفنَ في قبرِهِ، ويأمنُ من الفزعِ الأكبرِ يومَ ترتعدُ القلوبُ وتذهلُ العقولُ، بل حتى جراحُهُ التي أُصيبَ بها في سبيلِ اللهِ تتحولُ يومَ القيامةِ إلى وسامِ شرفٍ. قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «والذي نفسي بيدهِ لا يُكلمُ أحدٌ في سبيلِ اللهِ إلا جاءَ يومَ القيامةِ واللونُ لونُ الدمِ والريحُ ريحُ المسكِ» (صحيحُ البخاريِّ، رقم 2803). أي أنَّ الجرحَ الذي كانَ يؤلمُ في الدنيا يصبحُ يومَ القيامةِ علامةَ كرامةٍ.

بل إنَّ الشهيدَ حينَ يرى ما أعدَّ اللهُ لهُ من النعيمِ يتمنى الرجوعَ إلى الدنيا ليُقتلَ مرةً بعدَ مرةٍ. قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «ما أحدٌ يدخلُ الجنةَ يحبُّ أن يرجعَ إلى الدنيا ولهُ ما على الأرضِ من شيءٍ إلا الشهيدُ، يتمنى أن يرجعَ فيُقتلَ عشرَ مراتٍ لما يرى من الكرامةِ» (البخاريُّ رقم 2817، مسلمٌ رقم 1877).

أيُّ نعيمٍ هذا الذي يجعلُ الشهيدَ يتمنى أن يعيشَ الألمَ مرةً بعدَ مرةٍ؟! إنه نعيمُ القربِ من اللهِ، ونعيمُ رضوانِهِ، ونعيمُ الجنةِ التي وعدَ اللهُ بها عبادَهُ الصادقينَ. ولهذا كانَ النبيُّ ﷺ يتمنى الشهادةَ رغمَ أنهُ سيدُ الخلقِ، فقالَ ﷺ: «والذي نفسي بيدهِ لوددتُ أني أُقتلُ في سبيلِ اللهِ ثم أُحيا ثم أُقتلُ ثم أُحيا ثم أُقتلُ» (البخاريُّ ومسلمٌ). فإذا كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يتمنى الشهادةَ، فكيفَ لا تكونُ هذهِ المنزلةُ من أعظمِ المنازلِ عندَ اللهِ؟!

عبادَ اللهِ، إنَّ الشهادةَ ليستْ مجردَ موتٍ، بل هي حياةٌ أبديةٌ، وكرامةٌ ربانيةٌ، ورضوانٌ من اللهِ أكبرُ. ولهذا كانَ الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهم يتسابقونَ إليها، ويطلبونَها من اللهِ بصدقٍ. وكانَ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ يدعو اللهَ فيقولُ: “اللهمَّ ارزقني شهادةً في سبيلِكَ، واجعلْ موتي في بلدِ رسولِكَ ﷺ” (صحيحُ البخاريِّ). فاستجابَ اللهُ دعاءَهُ، فاستشهدَ في المدينةِ، ودُفنَ بجوارِ النبيِّ ﷺ. وهكذا كانتْ قلوبُهم معلقةً بالآخرةِ، لا بالدنيا، وبالخلودِ عندَ اللهِ لا بالحياةِ الفانيةِ.

عبادَ اللهِ، بعدَ أن عرفنا منزلةَ الشهادةِ وفضلَها العظيمَ، يبقى سؤالٌ مهمٌّ: هل الشهادةُ تقتصرُ على القتالِ في المعركةِ فقط؟ أم أنَّ رحمةَ اللهِ وسعتْ هذهِ الأمةَ فجعلتْ للشهادةِ صورًا كثيرةً؟ وهذا ما نتعرفُ عليهِ في العنصرِ الثانيِ.

العُنْصُرُ الثَّانِيُ: أَنْوَاعُ الشُّهَدَاءِ فِي الإِسْلَامِ وَسَعَةُ رَحْمَةِ اللَّهِ فِيهَا

عبادَ اللهِ، قد يظنُّ بعضُ الناسِ أنَّ الشهادةَ لا تكونُ إلا لمن قُتلَ في ساحةِ القتالِ، حينَ تتقابلُ الصفوفُ، وترتفعُ السيوفُ، وتُرفعُ رايةُ الجهادِ في سبيلِ اللهِ. وهذا بلا شكٍّ أعلى مراتبِ الشهادةِ وأشرفُها، لكن رحمةَ اللهِ بهذهِ الأمةِ كانتْ أوسعَ من ذلكَ، فقد جعلَ اللهُ للشهادةِ أبوابًا متعددةً، ومراتبَ كثيرةً، حتى لا يُحرمَ المؤمنُ من فضلِها. ففي الصحيحينِ عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «الشهداءُ خمسةٌ: المطعونُ، والمبطونُ، والغريقُ، وصاحبُ الهدمِ، والشهيدُ في سبيلِ اللهِ» (صحيحُ البخاريِّ رقم 2829، صحيحُ مسلمٍ رقم 1914).

تأملوا عبادَ اللهِ… النبيُّ ﷺ يذكرُ خمسةَ أصنافٍ من الشهداءِ: المطعونُ وهو الذي يموتُ بالطاعونِ، والمبطونُ وهو الذي يموتُ بداءِ البطنِ، والغريقُ الذي يموتُ غرقًا، وصاحبُ الهدمِ الذي يموتُ تحتَ الأنقاضِ، والشهيدُ في سبيلِ اللهِ، وكلُّ هؤلاءِ ينالونَ أجرَ الشهداءِ عندَ اللهِ تعالى. وفي روايةٍ أخرى وسَّعَ النبيُّ ﷺ دائرةَ الشهادةِ أكثرَ، فقالَ: «الشهادةُ سبعٌ سوى القتلِ في سبيلِ اللهِ: المطعونُ شهيدٌ، والغريقُ شهيدٌ، وصاحبُ ذاتِ الجنبِ شهيدٌ، والمبطونُ شهيدٌ، وصاحبُ الحريقِ شهيدٌ، والذي يموتُ تحتَ الهدمِ شهيدٌ، والمرأةُ تموتُ بجمعٍ شهيدةٌ» (سننُ أبي داودَ رقم 3111، والنسائيُّ، وابنُ ماجه).

قالَ الإمامُ النوويُّ رحمهُ اللهُ: “الْمُرَادُ بِشَهَادَةِ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ غَيْرِ الْمَقْتُولِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّهُمْ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ثَوَابُ الشُّهَدَاءِ وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَيُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ ” (شرحُ صحيحِ مسلمٍ، ج13، ص63).

 وقالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ رحمهُ اللهُ: “وَيَتَحَصَّلُ مِمَّا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الشُّهَدَاءَ قِسْمَانِ: شَهِيدُ الدُّنْيَا، وَشَهِيدُ الْآخِرَةِ وَهُوَ مَنْ يُقْتَلُ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ مُخْلِصًا. وَشَهِيدُ الْآخِرَةِ وَهُوَ مَنْ ذُكِرَ، بِمَعْنَى أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنْ جِنْسِ أَجْرِ الشُّهَدَاءِ وَلَا تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُهُمْ فِي الدُّنْيَا.” (فتحُ الباري ج6، ص44). وهذا يدلُّ على سعةِ رحمةِ اللهِ بهذهِ الأمةِ، فكم من إنسانٍ يموتُ بمرضٍ شديدٍ، أو بحادثٍ مؤلمٍ، أو بكارثةٍ مفاجئةٍ، فيجعلُ اللهُ موتَهُ سببًا لرفعةِ درجتِهِ، ويمنحُهُ منزلةَ الشهداءِ.

عبادَ اللهِ، ومن صورِ الشهادةِ أيضًا الدفاعُ عن الدينِ والنفسِ والمالِ والأهلِ، فقد جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، أرَأَيْتَ إنْ جاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أخْذَ مالِي؟ قالَ: فلا تُعْطِهِ مالَكَ قالَ: أرَأَيْتَ إنْ قاتَلَنِي؟ قالَ: قاتِلْهُ قالَ: أرَأَيْتَ إنْ قَتَلَنِي؟ قالَ: فأنْتَ شَهِيدٌ، قالَ: أرَأَيْتَ إنْ قَتَلْتُهُ؟ قالَ: هو في النَّارِ» (صحيحُ مسلمٍ 140). وفي روايةٍ أخرى قالَ ﷺ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ فهوَ شَهيدٌ. ومَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فهوَ شَهيدٌ. ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فهوَ شَهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ أهلِهِ فهوَ شَهيدٌ» (سننُ الترمذيِّ رقم 1421، أبو داود (4772)، والنسائي (4095)، وأحمد (1652) حسنٌ صحيحٌ).

 وهذا يدلُّ على أنَّ الإسلامَ دينٌ يحفظُ الحقوقَ، ويحمي الكرامةَ، ويصونُ النفسَ والمالَ، فمن ماتَ وهو يدافعُ عن دينِهِ، أو عن أهلِهِ، أو عن مالِهِ، أو عن نفسِهِ، فقد ماتَ شهيدًا عندَ اللهِ.

عبادَ اللهِ، وقد بيَّنَ العلماءُ أنَّ الشهداءَ ثلاثةُ أنواعٍ: النوعُ الأولُ: شهيدُ الدنيا والآخرةِ، وهو الذي يُقتلُ في سبيلِ اللهِ مخلصًا للهِ، مقبلًا غيرَ مدبرٍ، يقاتلُ لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا، وهذا هو أعلى أنواعِ الشهداءِ.

النوعُ الثانيُ: شهيدُ الآخرةِ فقط، وهم الذين وردَ ذكرُهم في الأحاديثِ: كالمبطونِ، والمطعونِ، والغريقِ، وصاحبِ الهدمِ وغيرِهم، فهؤلاءِ لهم أجرُ الشهداءِ عندَ اللهِ، لكنهم في الدنيا يُغسَّلونَ ويُصلَّى عليهم.

النوعُ الثالثُ: شهيدُ الدنيا فقط، وهو من قُتلَ في المعركةِ ولكن نيتَهُ لم تكن خالصةً للهِ، ولهذا لما سُئلَ النبيُّ ﷺ عن الرجلِ يقاتلُ حميةً، أو يقاتلُ رياءً، أو يقاتلُ طلبًا للذكرِ، قالَ: «من قاتلَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا فهو في سبيلِ اللهِ» (صحيحُ البخاريِّ رقم 2810)، فالعبرةُ بالنيةِ الصادقةِ.

عبادَ اللهِ، إنَّ مقامَ الشهادةِ مقامٌ عظيمٌ، لكن طريقَهُ الصدقُ مع اللهِ، فليسَ الشأنُ أن يموتَ الإنسانُ فقط، ولكن الشأنُ أن يموتَ على نيةٍ صادقةٍ وقلبٍ مخلصٍ، ولهذا فتحَ النبيُّ ﷺ بابًا عظيمًا من أبوابِ الأملِ، فقالَ: «من سألَ اللهَ الشهادةَ بصدقٍ بلَّغهُ اللهُ منازلَ الشهداءِ وإن ماتَ على فراشِهِ» (صحيحُ مسلمٍ 1909). فمن صدقَ مع اللهِ في طلبِ الشهادةِ، وصدقَ في نيتِهِ، وصدقَ في إخلاصِهِ، كتبَ اللهُ لهُ أجرَ الشهداءِ ولو ماتَ في بيتِهِ.

عبادَ اللهِ، هذهِ هي منزلةُ الشهداءِ في الإسلامِ… منزلةٌ عظيمةٌ، ودرجةٌ رفيعةٌ، وكرامةٌ ربانيةٌ، لكن المسلمَ لا يطلبُ الموتَ، بل يطلبُ رضا اللهِ، ويطلبُ العملَ الصالحَ، ويطلبُ القربَ من اللهِ. ومن أعظمِ أبوابِ القربِ من اللهِ في هذهِ الأيامِ المباركةِ الاجتهادُ في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ، وهذا ما نتحدثُ عنهُ في الخطبةِ الثانيةِ. أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم، فاستغفروهُ إنهُ هو الغفورُ الرحيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، أحمدُهُ سبحانهُ على نعمائِهِ، وأشكرُهُ على آلائِهِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، شهادةً تُنيرُ القلوبَ، وتشرحُ الصدورَ، وتُثقِّلُ الموازينَ يومَ النشورِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، خيرُ من قامَ الليلَ حتى تفطرتْ قدماهُ، وخيرُ من اجتهدَ في طاعةِ ربِّهِ حتى لقيَ مولاهُ. اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وباركْ عليهِ، وعلى آلهِ الطيبينَ، وصحابتِهِ الغرِّ الميامينَ، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.

أما بعدُ عبادَ اللهِ، فإنَّ المؤمنَ إذا عرفَ منزلةَ الشهداءِ عندَ اللهِ، وعرفَ رفعةَ درجاتِهم في الجنةِ، أدركَ أنَّ طريقَ العلوِّ في الإسلامِ هو الصدقُ مع اللهِ، والاجتهادُ في الطاعةِ، وبذلُ الجهدِ في مرضاتِهِ. ومن أعظمِ مواسمِ القربِ من اللهِ، وأجلِّ أيامِ الطاعةِ، هذهِ الأيامُ المباركةُ التي نعيشُها الآنَ، وهي العشرُ الأواخرُ من شهرِ رمضانَ.

العُنْصُرُ الثَّالِثُ: الِاجْتِهَادُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ وَتَحَرِّي لَيْلَةِ القَدْرِ

عبادَ اللهِ، إنَّ العشرَ الأواخرَ من رمضانَ ليستْ أيامًا عاديةً في حياةِ المؤمنِ، بل هي أيامُ النفحاتِ الربانيةِ، وأيامُ المغفرةِ والعتقِ من النارِ، وأيامُ التنافسِ في الطاعاتِ. وكانَ النبيُّ ﷺ يعرفُ قدرَ هذهِ الليالي، ويعلمُ عظيمَ فضلِها، فكانَ يعظمُها أعظمَ التعظيمِ، ويجتهدُ فيها أعظمَ الاجتهادِ. فعن أمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالتْ: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا دخلَ العشرُ أحيا الليلَ، وأيقظَ أهلَهُ، وجدَّ وشدَّ المئزرَ» (صحيحُ البخاريِّ رقم 2024، صحيحُ مسلمٍ رقم 1174).

تأملوا هذا المشهدَ العظيمَ عبادَ اللهِ… النبيُّ ﷺ الذي غفرَ اللهُ لهُ ما تقدمَ من ذنبِهِ وما تأخرَ، يقومُ الليلَ كلَّهُ، ويوقظُ أهلَهُ، ويضاعفُ العبادةَ، ويجتهدُ في الطاعةِ. قالَ الإمامُ ابنُ حجرٍ رحمهُ اللهُ: ” وَأَحْيَا لَيْلَهُ) أَيْ: سَهِرَهُ، فَأَحْيَاهُ بِالطَّاعَةِ وَأَحْيَا نَفْسَهُ بِسَهَرِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ، وَأَضَافَهُ إِلَى اللَّيْلِ اتِّسَاعًا؛ لِأَنَّ الْقَائِمَ إِذَا حَيِيَ بِالْيَقِظَةِ أَحْيَا لَيْلَهُ بِحَيَاتِهِ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ: لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا أَيْ: لَا تَنَامُوا فَتَكُونُوا كَالْأَمْوَاتِ فَتَكُونَ بُيُوتُكُمْ كَالْقُبُورِ ” (فتحُ الباري ج4، ص269). أي أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يشمرُ عن ساعدِ الجدِّ في العبادةِ. وفي روايةٍ أخرى قالتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: «كانَ يجتهدُ في العشرِ الأواخرِ ما لا يجتهدُ في غيرِها» (صحيحُ مسلمٍ رقم 1175). فإذا كانَ هذا حالَ رسولِ اللهِ ﷺ، فما حالُنا نحنُ المقصرينَ؟

عبادَ اللهِ، إنَّ السرَّ في عظمةِ هذهِ الليالي أنَّ فيها أعظمَ ليلةٍ في العامِ كلِّهِ، وهي ليلةُ القدرِ. قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۝ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 1–3]. أي أنَّ العبادةَ في هذهِ الليلةِ الواحدةِ خيرٌ من عبادةِ ثلاثةٍ وثمانينَ عامًا. قالَ الإمامُ الطبريُّ رحمهُ اللهُ: “عملٌ في ليلةِ القدرِ خيرٌ من عملِ ألفِ شهرٍ ليسَ فيها ليلةُ القدرِ” (تفسيرُ الطبريِّ، ج24ـ ص542).

 فتخيلوا عبادَ اللهِ… ركعةٌ واحدةٌ في ليلةِ القدرِ قد تكونُ خيرًا من عبادةِ سنواتٍ طويلةٍ، ودعوةٌ واحدةٌ صادقةٌ قد تغيرُ حياتكَ كلَّها، ودمعةٌ واحدةٌ صادقةٌ قد تكونُ سببًا في مغفرةِ ذنوبِكَ كلِّها. ولهذا قالَ النبيُّ ﷺ: «من قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا غُفرَ لهُ ما تقدمَ من ذنبِهِ» (صحيحُ البخاريِّ رقم 2014، صحيحُ مسلمٍ رقم 760)، إيمانًا بفضلِها واحتسابًا للأجرِ عندَ اللهِ. وكانَ النبيُّ ﷺ يتحرى هذهِ الليلةَ في العشرِ الأواخرِ، ويحثُّ أمتَهُ على طلبِها، فقالَ ﷺ: «سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ يقول لليلةِ القَدْر: إنَّ ناسًا منكم قدْ أُرُوا أنَّها في السَّبع الأُوَل، وأُرِي ناسٌ منكم أنَّها في السَّبع الغَوابِر؛ فالْتمِسوها في العَشْر الغَوابِرِ» (صحيحُ مسلم 1165)، وفي حديثٍ آخرَ قالَ ﷺ: «تَحرَّوا ليلةَ القَدْر في العَشْر الأواخِر من رمضانَ» (البخاريُّ 2020، ومسلم 1169)، أي أنَّ المؤمنَ يجتهدُ في هذهِ الليالي كلِّها حتى يدركَ هذهِ الليلةَ المباركةَ.

عبادَ اللهِ، وقد سألتْ أمُّ المؤمنينَ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها النبيَّ ﷺ فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ إن علمتُ أيَّ ليلةٍ ليلةُ القدرِ ما أقولُ فيها؟ فقالَ ﷺ: «قولي: اللهمَّ إنكَ عفوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عني» (سننُ الترمذيِّ رقم 3513 وقالَ: حسنٌ صحيحٌ). تأملوا هذا الدعاءَ العظيمَ… لم يعلمها دعاءً طويلًا ولا كلماتٍ كثيرةً، بل علمها كلمةً واحدةً جامعةً: العفوَ، لأنَّ العفوَ يعني مغفرةَ الذنوبِ، ومحوَ الخطايا، وفتحَ صفحةٍ جديدةٍ مع اللهِ.

عبادَ اللهِ، إنَّ هذهِ الليالي فرصةٌ عظيمةٌ قد لا تتكررُ، فكم من إنسانٍ صامَ معنا رمضانَ الماضي وهو اليومَ تحتَ الترابِ! وكم من إنسانٍ كانَ يقومُ معنا العامَ الماضي وهو الآنَ بينَ يدي اللهِ! فلنغتنمْ هذهِ الأيامَ المباركةَ قبلَ أن تنقضيَ، ولنكثرْ فيها من الصلاةِ، والدعاءِ، وتلاوةِ القرآنِ، والاستغفارِ، والصدقةِ، وذكرِ اللهِ، فالسعيدُ من اغتنمَ هذهِ الليالي، والخاسرُ من ضيعَها. قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ هذا الشهرَ قدْ حضَرَكُمْ، وَفيهِ ليلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شهْرٍ، مَنْ حُرِمَها فَقَدْ حُرِمَ الخيرَ كُلَّهُ، ولَا يُحْرَمُ خيرَها إلَّا محرومٌ» (ابن ماجة (1644) واللفظ له، والطبراني في ((الأوسط)) (1444)، والشجري في ((الأمالي الخميسية)) (1357) حديث حسن).

 نسألُ اللهَ أن يبلغَنا ليلةَ القدرِ، وأن يرزقَنا قيامَها إيمانًا واحتسابًا، وأن يرفعَ درجاتِ الشهداءِ في أعلى الجنانِ، وأن يحفظَ بلادَنا وسائرَ بلادِ المسلمينَ. اللهمَّ تقبلْ منا الصيامَ والقيامَ وصالحَ الأعمالِ، واجعلنا من عتقائِكَ من النارِ.

المراجع: القرآن الكريم

كتب الحديث: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن الترمذي، مسند أحمد، شعب الإيمان للبيهقي، مسند ابن أبي شيبة، زوائد المسند، مسند الشاشي.

تفسيرُ الطبريِّ، تفسير القرطبي، تفسير ابن كثير، شرح صحيح مسلم للنووي، فتح الباري لابن حجر، بدائع الفوائد، سير أعلام النبلاء للذهبي.

د. أحمد رمضان

خُطبةُ صوتِ الدعاةِ – إعداد رئيس التحرير: الدكتور أحمد رمضان

___________________________________

خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف علي صوت الدعاة 

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة

 

تابعنا علي الفيس بوك

 

الخطبة المسموعة علي اليوتيوب

 

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات

 

و للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع

 

للمزيد عن أخبار الأوقاف

 

و للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف

 

للمزيد عن مسابقات الأوقاف

اظهر المزيد

كتب: د.أحمد رمضان

الدكتور أحمد رمضان حاصل علي الماجستير من جامعة الأزهر بتقدير ممتاز سنة 2005م ، وحاصل علي الدكتوراه بتقدير مع مرتبة الشرف الأولي من جامعة الأزهر الشريف سنة 2017م. مؤسس جريدة صوت الدعاة ورئيس التحرير وكاتب الأخبار والمقالات المهمة بالجريدة، ويعمل بالجريدة منذ 2013 إلي اليوم. حاصل علي دورة التميز الصحفي، وقام بتدريب عدد من الصحفيين بالجريدة. للتواصل مع رئيس التحرير على الإيميل التالي: ahmed_dr.ahmed@yahoo.com رئيس التحريـر: د. أحمد رمضان (Editor-in-Chief: Dr. Ahmed Ramadan) للمزيد عن الدكتور أحمد رمضان رئيس التحرير أضغط في القائمة علي رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى