خطبة الجمعة 18 رجب 1441هـ، للدكتور خالد بدير: فضل الشهادة والنظافة

خطبة الجمعة 13 مارس 2020 للدكتور خالد بدير : فضل الشهادة ومنازل الشهداء ، وعناية الإسلام بالصحة والنظافة بتاريخ: 18 رجب 1441هـ – 13 مارس 2020م.

 

لتحميل خطبة الجمعة القادمة للدكتور خالد بدير : فضل الشهادة ومنازل الشهداء ، بصيغة word  أضغط هنا.

 

لتحميل خطبة الجمعة القادمة للدكتور خالد بدير : فضل الشهادة ومنازل الشهداء ، بصيغة  pdf أضغط هنا.

______________________________________________

 

لتحميل خطبة الجمعة القادمة للدكتور خالد بدير : عناية الإسلام بالصحة والنظافة ، بصيغة word  أضغط هنا.

 

لتحميل خطبة الجمعة القادمة للدكتور خالد بدير : عناية الإسلام بالصحة والنظافة ، بصيغة  pdf أضغط هنا.

 

ولقراءة الخطبة : فضل الشهادة ومنازل الشهداء ، كما يلي:

 

عناصر خطبة الجمعة القادمة للدكتور خالد بدير : فضل الشهادة ومنازل الشهداء :

 

العنصر الأول: فضل الشهادة في سبيل الله والحث على طلبها

العنصر الثاني: أنواع الشهداء

العنصر الثالث: كرامات ومنازل الشهداء

   المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: فضل الشهادة في سبيل الله والحث على طلبها

عباد الله: إن لذة الشهادة في سبيل الله لا يحصرها قلم، ولا يصفها لسان، ولا يحيط بها بيان، وهي الصفقة الرابحة بين العبد وربه؛ قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ }[التوبة:111]؛ تأملوا هذه الآية العظيمة التي فيها شراء، وفيها صفقةٌ عظيمة، يقول الإمام ابن القيم :

” المشتري هو الله، والمتفضل هو الله، والمنعم هو الله؛ خلق هذه النفس من العدم وأطعمها وسقاها وكفاها وآواها، ودفع عنها النقم، وأسبل عليها وابل النعم، ثم هو جل وعلا يشتريها من صاحبها ويبذل له عوضاً وثمناً ألا وهو الجنة؛ فيها مالا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر . ” أ.ه

ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يتمنون الشهادة في سبيله لما لها من هذه المكانة العظيمة، فهذا حنظلة تزوج حديثاً وقد جامع امرأته في الوقت الذي دعا فيه الداعي للجهاد فيخرج وهو مجنبٌ ليسقط شهيداً في سبيل الله، ليراه النبي بيد الملائكة تغسله ليسمى بغسيل الملائكة.( ابن حبان الحاكم وصححه) .

وهذا مثال آخر لطلب الشهادة، ففي غزوة بدر ، قالَ صلى الله عليه وسلم لأصحابِهِ :

” قوموا إلى جنَّةٍ عرضُها السَّمَواتُ والأرضُ، فقالَ عميرُ بنُ الحمامِ الأنصاريُّ: يا رسولَ اللهِ، جنَّةٌ عرضُها السَّمواتُ والأرضُ؟ قال: نعَم ، قال: بخٍ بخٍ ، فقالَ رسولُ اللهِ وما يحملُكَ علَى قولِ بخٍ بخٍ؟ قال: لا واللهِ يا رسولَ اللهِ، إلَّا رجاءَ أن أَكونَ من أَهلِها ؟ قال: فإنَّكَ من أَهلِها . . . فأخرجَ تمراتٍ من قرنِهِ، فجعلَ يأْكلُ منْهنَّ. ثمَّ قال: لئِن أنا حييتُ حتَّى آكلَ تمراتي هذِهِ إنَّها حياةٌ طويلةٌ ، فرمى ما كانَ معَهُ منَ التَّمرِ ثم قاتَلَهم حتَّى قُتلَ َ ” ( مسلم ). وهذا أَنَسَ بْنَ النَّضْرِ تَغَيَّبَ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ وَقَالَ: تَغَيَّبْتُ عَنْ أَوَّلِ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَرَانِي اللَّهُ قِتَالًا لَيَرَيَنَّ مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – وَأَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يَقُولُ:

أَيْنَ؟! أَيْنَ؟! فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ قَالَ: فَحَمَلَ فَقَاتَلَ , فقُتِلَ فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَطَقْتُ ما أطاق فقالت أخته: والله ما عرفت أَخِي إِلَّا بِحُسْنِ بَنَانِهِ فَوُجِدَ فِيهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ جِرَاحَةً ضَرْبَةُ سَيْفٍ وَرَمْيَةُ سَهْمٍ وَطَعْنَةُ رُمْحٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ….} الآية [الأحزاب: 23] ( ابن حبان ).

وإذا كان الله أنعم عليك بالصحة فهذا مثال لصحابي أعرج:

رخص له في عدم الخروج ومع ذلك خرج لطلب الشهادة، ألا وهو عمرو بن الجموح رضي الله عنه كان شيخاً من الأنصار أعرج، فلما خرج النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى غزوة بدر قال لبنيه :

أخرجوني ( أي للقتال ) فذُكر للنبي – صلى الله عليه وسلم – عرجه ، فأذن له في البقاء وعدم الخروج للقتال ، فلما كان يوم أحد خرج الناس للجهاد ، فقال لبنيه أخرجوني !! فقالوا له : قد رخص لك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في عدم الخروج للقتال ، فقال لهم هيهات هيهات !! منعتموني الجنة يوم بدر والآن تمنعونيها يوم أحد !! فأبى إلا الخروج للقتال ، فأخرجه أبناؤه معهم ، فجَاءَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ قُتِلَ الْيَوْمَ دَخَلَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ:(نَعَمْ) قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أرجعُ إِلَى أَهْلِي حَتَّى أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا عَمْرُو! لَا تَألَّ عَلَى اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – : ” مَهْلًا يَا عُمَرُ! فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَّره، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ يَخُوضُ فِي الجنة بعرجته” (صحيح ابن حبان ) .

وليكن لكم القدوة في نبيكم صلى الله عليه وسلم:

ونظرا لأن فضل الشهادة عظيم فقد تمنى الشهادة مقسما فقال: ” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ.” ( متفق عليه ).

قال ابن بطال:” فيه فضل الشهادة على سائر أعمال البر لأنه صلى الله عليه وسلم تمناها دون غيرها، وذلك لرفيع درجتها، وكرامة أهلها لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وذلك والله أعلم لسماحة أنفسهم ببذل مهجتهم فى مرضاة الله وإعزاز دينه، ومحاربة من حاده وعاداه، فجازاهم بأن عوضهم من فقد حياة الدنيا الفانية الحياة الدائمة فى الدار الباقية، فكانت المجازاة من حسن الطاعة.”أ.ه

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

  ” مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلَّا الشَّهِيدَ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ؛ فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى. “. ( متفق عليه) ، وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنْ الْكَرَامَةِ .” ( البخاري).

ولذلك تمنى عبدالله – والد جابر رضي الله عنهما والذي استشهد في غزوة أحد – الرجوع إلى الدنيا ليقتل في سبيل الله مرة أخرى؛ لما يراه من النعيم! فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ : ” لَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ يَوْمَ أُحُدٍ ، لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ فَقَالَ : يَا جَابِرُ ، مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، اسْتُشْهِدَ أَبِي ، وَتَرَكَ عِيَالاً وَدَيْنًا ، قَالَ :

أَفَلاَ أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا ، فَقَالَ : يَا عَبْدِي ، تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ ، قَالَ : يَا رَبِّ تُحْيِينِي ، فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً ، فَقَالَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ : إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لاَ يَرْجِعُونَ ، قَالَ : يَا رَبِّ ، فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي ، قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.( ابن ماجة والترمذي وحسنه).

فينبغي أن تسأل الله الشهادة وتضحي بنفسك وأهلك من أجل الله ، وتتمني الشهادة بصدق وبنية خالصة:

فعن سهل بن حنيف-رضي الله عنه- قال: – صلى الله عليه وسلم – ” مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ ؛ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ ؛ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ ” ( مسلم )، يقول الإمام النووي:” معناه : أنه إذا سأل الشهادة بصدق أعطي من ثواب الشهداء ، وإن كان على فراشه . وفيه : استحباب سؤال الشهادة ، واستحباب نية الخير . “. (شرح مسلم ).

لذلك كان عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ يقول في دعائه :” اللهمَّ ارزقْنِي شهادَةً في سبيلِكَ ، واجعلْ موتِي في بلَدِ رسولِكَ – صلى الله عليه وسلم -.” ( البخاري )، وفي رواية للطبراني عن حفصة قالت : سمعت عمر يقول :” اللهم قتلا في سبيلك ووفاة ببلد نبيك . قالت فقلت : وأنى يكون هذا ؟ قال: يأتي به الله إذا شاء “.

وفي فتح الباري:” عن عوف بن مالك أنه رأى رؤيا فيها أن عمر شهيد مستشهد، فقال لما قصها عليه أنى لي بالشهادة وأنا بين ظهراني جزيرة العرب لست أغزو والناس حولي ثم قال: بلى يأتي بها الله إن شاء “. واستجاب الله دعاءه ورزقه الله الشهادة ودفن بجوار المصطفي -صلى الله عليه وسلم -.

العنصر الثاني: أنواع الشهداء

أحبتي في الله: كثير من الناس يعتقد أن الشهادة في سبيل الله مقتصرة على الموت في محاربة الكفار فقط ، ولكن شهداء أمة محمد صلى الله عليه وسلم كثيرون؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: ” الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ؛ وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ؛ وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ؛ وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ؛ وَالْحَرِقُ شَهِيدٌ؛ وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ؛ وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ.”  ( أبو داود  والنسائي وابن ماجه).

والمبطون: هو صاحب داء البطن. وقيل: هو الذي يموت بداء بطنه مطلقًا. وقوله: المرأة تموت بجمع شهيد.  أي تموت وفي بطنها ولد، لأنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل وهو الحمل.

هذا وخصال الشهادة أكثر من هذه السبع، قال الحافظ ابن حجر:

” وقد اجتمع لنا من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة..  وذكر منهم: اللديغ، والشريق، والذي يفترسه السبع، والخار عن دابته، والمائد في البحر الذي يصيبه القيء، ومن تردى من رؤوس الجبال.  قال النووي : وإنما كانت هذه الموتات شهادة يتفضل الله تعالى بسبب شدتها وكثرة ألمها…. وقال ابن التين: هذه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم وزيادة في أجورهم يبلغهم بها مراتب الشهداء. أ.ه ـ( فتح الباري).

ويدخل في ذلك الدفاع عن المال والوطن فعن سعيد بن زيد قال صلى الله عليه وسلم: “مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ فهوَ شَهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فهوَ شَهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فهوَ شَهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ أهلِهِ فهوَ شَهيدٌ”( الترمذي وحسنه)، وعن أبي هريرة قال:” جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ. فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ! أرأيتَ إن جاءَ رجلٌ يريدُ أخذَ مالي؟ قالَ: فلا تُعطِهِ مالَكَ. قالَ: أرأيتَ إن قاتَلَني؟ قالَ: قاتِلهُ. قالَ: أرأيتَ إن قتَلَني؟ قالَ: فأنتَ شهيدٌ. قالَ: أرأيتَ إن قَتلتُهُ؟ قالَ:  هوَ في النَّارِ.”(مسلم).

ويدخل في ذلك أيضا الجنود المرابطون الذين يسهرون ليلهم في حراسة الوطن والدفاع عنه وحماية منشآته:

وقد ذكرهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله:” عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ؛ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ” ( الترمذي والطبراني ).

 ويتحصل مما ذكر من هذه الأحاديث أن الشهداء ثلاثة أنواع: شهيد الدنيا فقط؛ وشهيد الآخرة فقط، وشهيد الدنيا والآخرة معا .

فشهيد الدنيا والآخرة معاً: هو الذي يقتل في الجهاد في سبيل الله مقبلاً غير مدبر لا لغرض من أغراض الدنيا ، فعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.” ( البخاري ).

أما شهيد الدنيا فقط:

فهو من قتل في الجهاد لكن قتاله كان رياء أو لغرض من أغراض الدنيا.. أي لم يكن في سبيل الله، فهو في الدنيا يعامل معاملة الشهيد فلا يغسل ولا يصلى عليه، وينتظره في الآخرة ما يستحق من عقوبة جزاء سوء قصده وخبث طويته؛ فهو أحد الثلاثة الذين أول من تسعر بهم جهنم والعياذ بالله . فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:

«إنّ أَوّلَ النّاسِ يُقْضَىَ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتّىَ اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَىَ وَجْهِهِ حَتّىَ أُلْقِيَ فِي النّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلّمَ العِلْمَ وَعَلّمَهُ وَقَرَأَ القُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلّمْتُ العِلْمَ وَعَلّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ القُرْآنَ، قَالَ:

كَذَبْتَ وَلََكِنّكَ تَعَلّمْتَ العِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ القُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِىءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَىَ وَجْهِهِ حَتّىَ أُلْقِيَ فِي النّارِ، وَرَجُلٌ وَسّعَ الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ كُلّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إلاّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلََكِنّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَىَ وَجْهِهِ، ثُمّ أُلْقِيَ فِي النّارِ». ( مسلم ).

أما شهيد الآخرة فقط:

فهو من يُعطى يوم القيامة أجر الشهيد ولكنه لا يعامل معاملته في الدنيا؛ بل يغسل ويصلى عليه.. ومنهم السبعة المذكورون في الحديث آنفاً .

ومما تقدم نعلم أن المسلم الذي يموت بإحدى هذه الميتات التي فيها شدة وألم نرجو أن يكون من الشهداء.

ويدخل في الشهداء كل من مات وهو يسعي على رزقه وأولاده وأهله والعمل من أجل بناء أسرته ووطنه؛ إذ يعد سعيه على معيشته جهاداً في سبيل. وأكد القرآن ذلك في قوله تعالى: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ( المزمل: 20) ،قال الإمام القرطبي: “سوى الله تعالي في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال ، فكان هذا دليلاً على أن كسب المال بمنزلة الجهاد لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله”.

وعَنْ كَعْبِ بن عُجْرَةَ، قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ رَجُلٌ، فَرَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ جِلْدِهِ وَنَشَاطِهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ :”إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ”. (الهيثمي في المجمع وقال: رواه الطبراني في الثلاثة ورجال الكبير رجال الصحيح ).

يتلخص مما سبق أن ضابط الشهادة هو النية:

 فقد يكون في الظاهر مجاهدا في سبيل الله ومصيره جهنم والعياذ بالله؛ وكذلك من يموت بسبب معصية كمن دخل دارًا ليسرق فانهدم عليه الجدار فمات بالهدم فلا يقال له شهيد؛  وكذلك الميتة بحملٍ من الزنا. فمدار الأمر على النية، فقد يكون في الظاهر في سبيل الله وفي الباطن غرضه الدنيا أو منصب أو جاه أو غير ذلك.

العنصر الثالث: كرامات ومنازل الشهداء

عباد الله: أسوق لكم ولكل شهيد على أرض الوطن عدة فضائل وكرامات خص الله بها الشهداء الأبرار، والتي يتمني كل واحد منا الشهادة على أثرها؛ كما تمنى ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام!!

إن ثمرات الشهادة وكرامات الشهداء كثيرة في الدنيا والآخرة، وقد جمع الرسول صلى الله عليه وسلم بعضاً منها في حديثه النبوي الشريف؛ فعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ قَالَ :” لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللهِ سِتُّ خِصَالٍ : يَغْفِرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دُفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ ، وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَيَأْمَنُ مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ ، وَيُحَلَّى حُلَّةَ الإِيمَانِ ، وَيُزَوَّجُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ إِنْسَانًا مِنْ أَقَارِبِهِ.”. (أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه).

ومن هذه الفضائل والكرامات:

الحياة بعد الاستشهاد مباشرة : قال تعالى: { وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ} ( البقرة: 154) . وهذه هي صفة الحياة الأولى فهم أحياء أولاً بهذا الاعتبار الواقعي في دنيا الناس، ثم هم أحياء عند ربهم باعتبار آخر لا ندري عن كنهه، وحسبنا إخبار الله تعالى به ( أحياء ولكن لا تشعرون ) لأن كنه هذه الحياة فوق إدراكنا البشرى القاصر المحدود لكنهم أحياء، ومن ثم لا يغسلون كما يغسل الموتى، ويكفنون في ثيابهم التي استشهدوا فيها فالغسل تطهير للجسد ؛ وهم أطهار بما فيهم من حياة، وثيابهم في الأرض ثيابهم في القبر لأنهم بعد أحياء .

والحياة ليست قاصرة على الروح فقط ؛ بل تشمل حياة الأجساد وحفظها من التآكل والعفن؛ فقد روى مالك عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ( أنه بلغه أن عمرو بن الجموح ، وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم السلميين كانا قد حفر السيل قبرهما ، وكان قبرهما مما يلي السيل وكانا في قبر واحد ، وهما ممن استشهد يوم أحد فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس ، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت ، وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة ) .

 وروى الذهبي أن ( أبا طلحة غزا في البحر فمات ، فطلبوا جزيرة يدفنونه فيها فلم يقدروا عليها إلا بعد سبعة أيام وما تغير ).

ومنها: أن من يكلم في سبيل الله يأتي يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك : 

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ؛ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ. ” (البخاري).

ومنها: أن الشهيد في الفردوس الأعلى : فقد أخرج البخاري أن أم حارثه أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت:” يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ؟ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ؛ فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ. قَالَ: يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ؛ وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى.

” بل إن الشهيد هو أول من يدخل الجنة؛ روى الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم:” عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار، فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد وعبد مملوك أحسن عبادة ربه، ونصح لسيده، وعفيف متعفف ذو عيال. .”الحديث.

ومنها: أن الملائكة تظل الشهيد بأجنحتها :

فعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:” جِيءَ بِأَبِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ وَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ فَنَهَانِي قَوْمِي؛ فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ فَقِيلَ: ابْنَةُ عَمْرٍو أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو؛ فَقَالَ: لِمَ تَبْكِي أَوْ لَا تَبْكِي؛ مَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا.” ( البخاري ومسلم) .

ومنها : أن الشهداء لا يفتنون في القبور :  تقدم حديث المقدام بن معدي كرب وفيه ” ويجار من عذاب القبر .”، وأخرج الحاكم وصححه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريل عن هذه الآية :  { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ}، من الذين لم يشأ الله أن يصعقهم ؟ قال : هم شهداء الله ” .

ومنها : أن الشهيد لا يشعر بألم القتل وسكرات الموت : 

روى الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ” ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة” (وقال : هذا حديث حسن صحيح غريب) ، وكان علي يحض على القتال ويقول : ( إن لم تقتلوا تموتوا ، والذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش ) .

ومنها : أن أرواح الشهداء في جوف طير خضر :  روى مسلم من حديث مسروق قال : سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }. قال: أما أنا قد سألنا عن ذلك فقال: ( أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل . . الحديث.  قال ابن النحاس:

” جعل الله أرواح الشهداء في ألطف الأجساد وهو الطير ، الملون بألطف الألوان وهو الخضرة، يأوي إلى ألطف الجمادات وهي القناديل المنورة والمفرحة في ظل عرش اللطيف الرحيم لتكمل لها لذة النعيم في جوار الرب الكريم، فكيف يظن أنها محصورة، كلا والله إن هذا لهو الفوز العظيم لمثل هذا فليشمر المشمرون وعليه فليجتهد المجاهدون.”.

هذه هى كرامات الشهداء وفضائلهم في الدنيا والآخرة .

نسأل الله أن يحفظ مصرنا من كل مكروه وسوء ؛ وأن يرزقنا عيش السعداء، وميتة الشهداء، ومرافقة الأنبياء …..

    الدعاء……..                                                      وأقم الصلاة،،،،

 كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

 د / خالد بدير بدوي

 

ولقراءة الخطبة : وعناية الإسلام بالصحة والنظافة ، كما يلي:

 

عناصر خطبة الجمعة القادمة للدكتور خالد بدير : عناية الإسلام بالصحة والنظافة :

العنصر الأول: اهتمام الإسلام بصحة الإنسان والأمر بالتداوي

العنصر الثاني: مظاهر عناية الإسلام بالصحة والنظافة

العنصر الثالث: وجوب شكر نعمة الصحة

  المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: اهتمام الإسلام بصحة الإنسان والأمر بالتداوي

لقد اهتم الإسلام اهتماما كبيرا بصحة الإنسان؛ لأن الإسلام يهدف إلى أن يرى أتباعه أصحاء أقوياء؛ لأن الصحة والقوة والسلامة من الأمراض مناط التكليف وتولي الأمور الشاقة في الدين والدنيا؛ وهذا الذي دفع المرأتين إلى اختيار موسى عليه السلام في طلب النكاح:

{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}(القصص: 26)؛ وقد أخذ العلماء ـ رحمهم الله ـ هذه الآية مأخذ القاعدة فيمن يلي أمراً من الأمور، وأن الأحق به هو من توفرت فيه هاتان الصفتان، وكلما كانت المهمة والمسؤولية أعظم، كان التشدد في تحقق هاتين الصفتين أكثر وأكبر؛ وهذه القوة بها ينال العبد محبة الله تعالى؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ؛ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ”( مسلم)

أيها المسلمون: ولشدة اهتمام الإسلام بصحة الإنسان والحفاظ عليها ورعايتها؛ أمرنا بالتداوي والأخذ بالأسباب؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً” (البخاري)؛ وعَنْ جَابِرٍ؛ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:” لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ؛ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.” ( مسلم)؛ قال الإمام النووي – رحمه الله-:

” هذا فيه بيان واضح ، لأنه قد علم أن الأطباء يقولون : المرض هو خروج الجسم عن المجرى الطبيعي ، والمداواة رده إليه ، وحفظ الصحة بقاؤه عليه ، فحفظها يكون بإصلاح الأغذية وغيرها ، ورده يكون بالموافق من الأدوية المضادة للمرض ، ……قلت : لكل داء دواء ، ونحن نجد كثيرين من المرضى يداوون فلا يبرءون ، فقال: إنما ذلك لفقد العلم بحقيقة المداواة ، لا لفقد الدواء ، وهذا واضح . والله أعلم .”أ.ه

فالأمراض المزمنة والأمراض التي لم يستكشف الأطباء لها علاجاً حتى الآن:

ليس نقصا في الدواء أو خاماته وإنما هو عدم وصول العلم الحديث إلى استكشاف هذه الأدوية ؛ وهذا ما أشار إليه الإمام النووي رحمه الله.

فالأمر بالتداوي مطلوب؛ وكل داء له دواء إلا الهرم والموت؛ ويحضرني في ذلك قصة جميلة لأمير المؤمنين هارون الرشيد رحمه الله؛ لما مَرِضَ مَرَضَ الموت واشتد به مرضه الذي مات به؛ عُرض بوله على الطبيب وهو لا يدري أنه للرشيد. فقال الطبيب: إن صاحب هذا البول ميئوس منه. وبلغ ذلك الرشيد فأنشد وهو في المرض:

إن الطــــــــبيب له علم يــــدل به****** مـــــادام في أجـــــل الإنسان تأخير

حتى إذا ما انقضى أيام مهلته***** حار الطبيب وخانته العقاقير

 فالطبيب والدواء ينفع مادام في أجل الإنسان متسع؛ أما حين يأتي الأجل فلا يملك أطباء العالم كله من الأمر شيئاً !!!

أيها المسلمون عباد الله: إذا كان الله أمرنا بالتداوي والأخذ بالأسباب فعلينا أن نذهب إلى أهل الذكر المتخصصين في ذلك وهم الأطباء؛ قال تعالى: { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النحل: 43)؛ لأن التشخيص الدقيق للمرض ووضع العلاج الناجح له يكون سببا لمماثلة الشفاء؛ والعكس!! وهذا هو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم :” فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.” وبمفهوم المخالفة: إذا لم يصب دواء الداء لم يبرأ ؛ وذلك لأن التشخيص والعلاج جاء في غير موضعه ؛ فهو لم يتماثل الشفاء ولربما ازداد مرضا وهلاكا !!

ويحضرني في ذلك قصة الصحابي الذي مات بجرحه حينما أفتاه الصحابة بالاغتسال!! 

فعن جابر – رضي الله عنه- قال:”خرجنا في سفرٍ فأصابَ رجلا منا حجرٌ ، فشجّهُ في رأسهِ ، ثم احتلمَ ، فسألَ أصحابه : هل تجدونَ في رخصةٍ في التيممِ ؟ قالوا : ما نجدُ لك رخصةً وأنت تقدرُ على الماءِ . فاغتسلَ فماتَ ، فلما قدمنا على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أُخبر بذلكَ ، فقال : قتلوهُ قتلهُم اللهُ ! ألا سأَلوا إذا لم يعلموا ، فإنما شفاءُ العيّ السؤالُ ، إنما كان يكفيهِ أن يتيممَ ويعصرَ أو يعصبَ على جرحهِ ، ثم يمسحُ عليهِ ، ويغسلَ سائرَ جسدهِ .”(أبوداود والبيهقي)؛ فلما جاء التشخيص خطأً أدى ذلك إلى هلاك الرجل وموته!! فلابد من الرجوع إلى أهل الذكر والتخصص في كل مجال؛ واعملوا فكلٌ ميسرٌ لما خلق له!!

العنصر الثاني: مظاهر عناية الإسلام بالصحة والنظافة

 أيها المسلمون: إن الإسلام في جميع أوامره ونواهيه يراعي جلب المصالح التي تعتني بصحة الإنسان وقوته؛ ودرء المفاسد التي تؤدي إلى ضعف الصحة البدنية أو هلاكها . وإنني في هذا العنصر أقف مع هذين القسمين: المصالح وتتمثل في المأمورات ؛ والمفاسد وتتمثل في المنهيات؛ وكل هذا شرع من أجل الحفاظ والعناية بصحة الإنسان.

القسم الأول: المأمورات : فتظهر عناية الإسلام بصحة الإنسان والحفاظ عليها في عدة أمور منها:

 نظافة الأسنان والفم: فحثنا على استخدام الفرشاة أو السواك، طهارةً لنا ووقاية من الأمراض وإحياءً لسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :” لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي ، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ.” ( الشيخان ) ، وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ” تَسَوَّكُوا ؛ فَإِنَّ السِّوَاكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ ، وَمَا جَاءَنِي جِبْرِيلُ إِلاَّ أَوْصَانِي بِالسِّوَاكِ ، حَتَّى لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي ، وَلَوْلاَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي ، لَفَرَضْتُهُ لَهُمْ ، وَإِنِّي لأَسْتَاكُ , حَتَّى لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أُحْفِيَ مَقَادِمَ فَمِي.” ( سنن ابن ماجه ).

ومنها: نظافة الرأس:

وذلك بغسله وتمشيط الشعر وقصه وحلقه، كل ذلك يضفي على المؤمن حسن الشكل والمظهر، فعَنْ  أَبِي هُرَيْرَةَ  رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :  ” مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ ” (أبو داود ).

ومنها: نظافة البيوت والأفنية والمساجد ونظافة الأماكن العامة: فلا بد من تنظيفها من كل الأقذار والأخباث التي يسوء منظرها، ويضر مخبرها؛ وتنتشر بسببها الأمراض!! فعن سعيد بنِ المُسَيَّبِ مرسلاً قال: صلى الله عليه وسلم “إنَّ اللهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ ، نظيفٌ يُحِبُّ النظافةَ ، كريمٌ يُحِبُّ الكرمَ ، جَوادٌ يُحِبُّ الجُودَ ؛ فنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكم ؛ ولا تَشَبَّهوا باليهودِ.”(الترمذي)

ومنها:  نظافة الثياب: وذلك بغسلها والاهتمام بالطيب والتعطر بالروائح العطرة، مما يضفي على الشخص جمالاً، ففي صحيح مسلم  قَالَ صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ »

ومنها: النظافة من الحيض: فأُمرت المرأة أن تغتسل بعد الحيض أو الاستحاضة أو النفاس؛ وأن تنظف مكان الدم وتطيبه بالمسك؛ وقاية من انتشار الأمراض؛ فَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ غُسْلِهَا مِنْ الْمَحِيضِ فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ ” خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا، قَالَتْ كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: تَطَهَّرِي بِهَا، قَالَتْ كَيْفَ؟ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ؟!! تَطَهَّرِي، فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ” ( الشيخان )

ومنها: نظافة البدن وغسله:

وفي نظافة البدن أُمِر المسلم بغسله يوم الجمعة، حتى عُبر عنه في بعض الأحاديث بلفظة (واجب)، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ” قَالَ غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ” ( الشيخان )، ويتأكد ذلك إذا وجدت أسبابه من العرق والوسخ ونحوه، حتى لا يكون مصدر إيذاء لمن يخالطه.

ومنها: الاهتمام بسنن الفطرة: وتكميلاً لذلك جاءت الأحاديث بما عرف باسم (سنن الفطرة) التي تدل رعايتها على مدى حرص الإنسان على النظافة والتجمل، والمحافظة على نعمة الصحة والزينة، فَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ” عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ : قَصُّ الشَّارِبِ ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ ، وَالسِّوَاكُ ، وَالاِسْتِنْشَاقُ بِالْمَاءِ ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ ، وَنَتْفُ الإِبْطِ ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ ، يَعْنِي الاِسْتِنْجَاءَ. قَالَ زَكَرِيَّا : قَالَ مُصْعَبٌ : وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ.”( مسلم )

ومنها: نظافة الطريق:

وذلك بإماطة الأذي عنها، وعدم إلقاء القاذورات في الشوارع والطرقات، لأن ذلك سبب انتشار كثير من الأمراض؛ وقد عد الإسلام ذلك شعبة من شعب الإيمان، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ – أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ – شُعْبَةً , فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ , وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ ) ( متفق عليه) .

ومنها: نظافة الطعام والشراب: فقد حثت السنة على العناية بالطعام والشراب، وحمايتهما من أسباب التلوث، الذي يؤدي إلى نقل كثير من الأمراض؛ فَعَنْ  جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:” أَغْلِقُوا أَبْوَابَكُمْ ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ ، وَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ ، وَأَوْكُوا أَسْقِيَتَكُمْ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا ، وَلَا يَكْشِفُ غِطَاءً ، وَلَا يَحُلُّ وِكَاءً ، وَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ الْبَيْتَ عَلَى أَهْلِهِ ” يَعْنِي: الْفَأْرَةَ .” (مسلم ).

وكذلكَ أمرَ بتغطيةِ آنيةِ الطعامِ والشرابِ خشيةَ أنْ يقعَ فيهَا مَا يسببُ الأمراضَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r :« غَطُّوا الإِنَاءَ وَأَوْكُوا السِّقَاءَ ، فَإِنَّ فِى السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ ، لاَ يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إِلاَّ نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ»؛ (مسلم) .

ومنها: نظافة المياه:

وذلك بالمحافظة على تنقيتها وطهارتها، وعدم إلقاء القاذورات والمخلفات والبقايا فيها، باعتبار أن الماء أساس الحياة، وقد جاءت أوامره صلى الله عليه وسلم ناهية عن أن يُبال في الماء الراكد، فَعَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :” أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ” (مسلم) ، كما يشمل النهي البول في الماء الجاري وفي أماكن الظل باعتبارها أماكن يركن إليها المارة للراحة من وعثاء السفر، وعناء المسير، وربما لأن الشمس لا تدخلها فلا تتطهر فتصبح محط الأوبئة وموضع الأمراض، وفي الحديث:

” لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ ” (متفق عليه). والعلة من ذلك حتى لا تنتشر الأمراض والجراثيم، وبهذا سبقت السنّة بالحث على حماية البيئة من التلوث، بل عُدَّ للمقصر في الطهارة  عذابٌ أليم، فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ مَرَّ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ:”إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ”(متفق عليه) .

ومن مظاهر عناية الإسلام بصحة الإنسان رفقه بالمريض أثناء مرضه:

وحثه على ما يمنعُ من زيادة الألم وتأخر الشفاء، ولما كان القيام في الصلاة ركناً من أركانها، والركوع ركناً من أركانها، والسجودُ ركناً من أركانها، أسقط عن المريض كلاً من القيام أو الركوع أو السجود عند عجزه عنه، فَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ ؛ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: ” صَلِّ قَائِمًا؛ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا؛ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ.” (البخاري) ؛ وعَنْ أَنَسٍ قَالَ:

دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: لِزَيْنَبَ تُصَلِّي فَإِذَا كَسِلَتْ أَوْ فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ بِهِ. فَقَالَ: حُلُّوهُ ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ؛ فَإِذَا كَسِلَ أَوْ فَتَرَ قَعَدَ.” (متفق عليه)؛ كُلُ ذلك حفاظاً على صحة الإنسان!!

القسم الثاني: المنهيات: فقد نهى الإسلام عن كل ما يضر بصحة الإنسان بوجه عام:

فمن ذلك تحريم الخمر: قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }(90)؛ ولا يخفى على أدنى عاقل ما تحدثه المخدرات من أضرار جسيمة على صحة الفرد والمجتمع، وقد ذكر العلماء والباحثون قديماً وحديثاً أضراراً كثيرة لهذه المواد، بل أفردها بعضهم بالتصنيف . ولهذا قال ابن حجر الهيتمي -بعد أن ذكر الحشيشة والمخدرات-: ” وفي أكلها مائة وعشرون مضرة دينية ودنيوية “. ثم ذكر بعض مضارها ولا يتسع المقام لذكرها.

ومن مظاهر عناية الإسلام بصحة الإنسان: تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير لضررها البالغ على صحة الإنسان؛ قال تعالى:{قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام:145].؛ وقد أثبت العلم الحديث العلة من تحريم الميتة؛ وهي انحباس الدم وعدم خروجه مما يؤدي إلى انتشار الجراثيم والأمراض.

كما أن الخنزير يتولد من لحمه الذي يأكله الإنسان دودة خطيرة توجد بذرتها في لحم الخنزير، وتنشب في أمعاء الإنسان بصورة غير قابلة للعلاج بالأدوية الطاردة لديدان الأمعاء، بل تنشب تلك الدودة الخنزيرية ضمن عضلات الإنسان بصورة عجز الطب إلى اليوم عن تخليص الإنسان منها بعد إصابته بها، وهي خطر على حياته، وتسمى (تريشين) Treichine، ومن هنا ظهرت حكمة تحريم لحم الخنزير في الإسلام؛ ويكفي أن الله وصف كل ذلك بالرجس!!

ومن مظاهر عناية الإسلام بصحة الإنسان: النهي عن الإسراف في الأكل والشبع المفرط:

يقول الله عز وجل: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } (الأعراف: 31) . قال القرطبي:”من الإسراف الأكل بعد الشبع، وكلُّ ذلك محظور. وقال لقمان لابنه: يا بني لا تأكل شبعًا فوق شبع، فإنك أن تنبذه للكلب خير من أن تأكله.” وعن المِقدام بن معدِي كَرِب – رضي الله عنه – أنَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – قال: “ما مَلأ آدميٌّ وِعاءً شرًّا مِن بطنه، بحسْبِ ابن آدم أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَه، فإن كان لا محالة، فثُلُثٌ لطعامه، وثُلُثٌ لِشَرَابه، وثُلُثٌ لِنَفَسِه” (الترمذي )؛ وعَنْ نَافِعٍ قَالَ :

كَانَ ابْنُ عُمَرَ لاَ يَأْكُلُ حَتَّى يُؤْتَى بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ ، فَأَدْخَلْتُ رَجُلًا يَأْكُلُ مَعَهُ ، فَأَكَلَ كَثِيرًا ، فَقَالَ : يَا نَافِعُ ! لاَ تُدْخِلْ هَذَا عَلَيَّ ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ” ( البخاري ومسلم ) ، يقول النووي في شرح هذا الحديث:” قال العلماء :

ومقصود الحديث التقليل من الدنيا ، والحث على الزهد فيها والقناعة ، مع أن قلة الأكل من محاسن أخلاق الرجل ، وكثرة الأكل بضده ، وأما قول ابن عمر فى المسكين الذى أكل عنده كثيرا : ” لا يدخلن هذا علي ” ، فإنما قال هذا لأنه أشبه الكفار ، ومن أشبه الكفار كرهت مخالطته لغير حاجة أو ضرورة ؛ ولأن القدر الذى يأكله هذا يمكن أن يسد به خلة جماعة ” انتهى .

ثم إن الإنسان إذا أكثر من الطعام، لم يستطع له هضمًا:

حيث يصاب بالتخمة وعُسر الهضم، وقد يحدث أن تصاب المعدة فيفقد المرء شهيته للأكل، وقد يصاب نتيجة لذلك بالإسهال أو الإمساك، كما أن الإسراف في الطعام يؤدي إلى البدانة، ومن ثم يتعرض الإنسان لأمراض القلب وارتفاع الضغط وأمراض الكُلَى والسكر.

لذلك قال بعض السّلف: جمع الله الطّبّ كلّه في نصف آية {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا}

وقد قالت العرب قديما : المعدة بيت الداء ، والحمية رأس الدواء ، واعلم أن جسد الإنسان يستفيد بجرامات معدودة فقط مما يأكل ومما يشرب ويتخلص من الباقي!!

العنصر الثالث: وجوب شكر نعمة الصحة

لقد أنعم الله علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى ومنها : نعمة الصحة والمعافاة، قال تعالى: { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } (إبراهيم: 34)، وقال سبحانه: { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } (النحل: 18).

وهنا وقفة لطيفة، فتجد أن الله ختم الآيتين بخاتمتين مختلفتين؛ ففي سورة إبراهيم ختمت بقوله تعالى: {إن الإنسان لظلوم كفار}، وأما في سورة النحل فختمت بقوله تعالى: {إن الله لغفور رحيم} فما تعليل ذلك؟

   ولتلمس العلة في ذلك- والله أعلم- أنقل ما ذكره الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير حيث يقول: «وقد خولف بين ختام هذه الآية (آية النحل)،  وختام آية سورة إبراهيم؛ إذ وقع هنالك {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار} لأن تلك جاءت في سياق وعيد وتهديد عقب قوله تعالى:

{ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرًا} فكان المناسب لها تسجيل ظلمهم وكفرهم بنعمة الله. وأما هذه الآية فقد جاءت خطابًا للفريقين، كما كانت النعم المعدودة عليهم منتفعًا بها كلاهما. ثم كان من اللطائف أن قوبل الوصفان اللذان في آية سورة إبراهيم {لظلوم كفار} بوصفين هنا {لغفور رحيم} إشارة إلى أن تلك النعم كانت سبباً لظلم الإنسان وكفره، وهي سبب لغفران الله ورحمته. والأمر في ذلك منوط بعمل الإنسان».

وأقف وقفة عند قول الإمام ابن عاشور :

” والأمر في ذلك منوط بعمل الإنسان” فأقول: الصحة والجوارح من أجل نعم الله عليك؛ فإذا استخدمتها في طاعة وحافظت عليها فقد شكرت النعمة وأديت حقها؛ فبذلك تنال الرحمة والمغفرة {إن الله لغفور رحيم}!!

أما إذا استخدمت صحتك وجوارحك كلها في معصية الله؛ فقد ظلمت نفسك وكفرت بالنعمة ولم تؤد حقها فبذلك دخلت في دائرة الظلم والكفران { إن الإنسان لظلوم كفار}!! فالأمر في ذلك منوط بعمل الإنسان!! وقس على ذلك بقية النعم من المال والتكنولوجيات الحديثة من النت والدش والفيس بوك والمحمول والبلوتوث وغير ذلك.

عباد الله: إن شكر النعم لا يكون باللسان وإنما بالعمل؛  قال الله تعالى:{اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ }(سبأ: 13)؛ فالله أمر آل داوود بالعمل شكراً، لأن هناك فرقاً بين شكر القول وشكر العمل، فشكر القول باللسان يسمي حمداً وبالعمل يسمي شكراً ، لذلك قال: اعملوا ، ولم يقل: قولوا شكراً، لأن الشاكرين بالعمل قلة، لذلك زيل الآية بقوله: { وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} .

وقد مر سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم برجل في السوق فإذا بالرجل يدعو ويقول:

“اللهم اجعلني من عبادك القليل .. اللهم اجعلني من عبادك القليل.” فقال له سيدنا عمر: من أين أتيت بهذا الدعاء؟ فقال هذا الرجل: إن الله يقول في كتابه العزيز:{ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ }، وقال:{ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ}( ص : 24 )، فأسأل الله أن يجعلني من هؤلاء القليل، فبكى سيدنا عمر وقال: كل الناس أفقه منك يا عمر!!

 فشكر النعمة استخدامها فيما خلقت له؛ فإذا أكرمك الله بمالٍ فلا تنفقه في حرام ، وإذا أنعم الله عليك بتلفازٍ فلا تستعمله في حرام، وشبكة الانترنت تستخدمها في الدعوة إلى الله، …..إلخ، لأن شكر هذه النعم استخدامها في طاعة الله، وكفرها استخدامها في الفساد والإفساد ، وقد وعدنا الله بالمزيد إن شكرنا، وبالعذاب إن قصرنا حيث قال: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} (إبراهيم: 7) .

إذاً فالصحة والجوارح نعمة من الله عليك يجب عليك شكرها؛ ولا يتحقق ذلك إلا إذا استخدمتها في طاعة الله عز وجل!!

أيها المسلمون: إن كثيرا منا اليوم قد غبن في صحته وفراغه؛ كما يغبن المشتري في سلعته؛ فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ؛ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ.” (البخاري)؛ “قال ابن بطال : معنى الحديث: أن المرء لا يكون فارغا حتى يكون مكفيا صحيح البدن؛ فمن حصل له ذلك فليحرص على أن لا يغبن بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه ، ومن شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرط في ذلك فهو المغبون. وأشار بقوله:

” كثير من الناس ” إلى أن الذي يوفق لذلك قليل . وقال ابن الجوزي : قد يكون الإنسان صحيحا ولا يكون متفرغا لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنيا ولا يكون صحيحا، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة ، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملهما في معصية الله فهو المغبون، لأن الفراغ يعقبه الشغل والصحة يعقبها السقم.”(فتح الباري)

عباد الله: كثيرا نسمع : الصحة تاج على رءوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى!! وهذا يدل على أن الإنسان منغمس في النعم ولا يعرف قدرها إلا عند فقدها !!

تخيل لو فقد بصرك أو سمعك أو نطقك ….أو خلافه!! وقتها تعرف قدر النعمة!! تخيل لو الماء حبس فيك ماذا تصنع!!

ومما يؤكد أنه الصحة أغلى وأنفس من الملك هذه القصة الرائعة: فقد روي أن ابن السماك دخل على هارون الرشيد الخليفة العباسي يوما؛ فاستسقى الخليفة فأُتى بكأس بها؛ فلما أخذها قال ابن السماك : على رسلك يا أمير المؤمنين! لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها؟! قال: بنصف ملكي. قال: اشرب هنأك الله تعالى يا أمير المؤمنين. فلما شربها قال: أسألك بالله لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشترى خروجها؟! قال: بجميع ملكي. قال ابن السماك : لا خير في ملك لا يساوي شربة ماء. فبكى هارون الرشيد …

 يا الله ملك يمتد من الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً لا يساوي شربة ماء ..فكم من نعم أنعم الله بها علينا ونحن لا نؤدي شكرها!!!

 إذاً  كل إنسان معافى في بدنه فكأنه ملك الدنيا كلها!! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ؛ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ؛ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ؛ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا.” (الترمذي وابن ماجة )

عباد الله: لقد حثنا صلى الله عليه وسلم على أن نخرج كل يوم (360 ) صدقة عن عدد أعضاء ومفاصل الجسم شكراً لله أن أصبحت الأعضاء سليمة صحيحة !! فعَنْ أَبِي ذَرٍّ: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ؛ فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ؛ وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ؛ وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ؛ وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ؛ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ؛ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ؛ وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى.” (مسلم)؛ وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُّوخَ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ:

إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” إِنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِ مِائَةِ مَفْصِلٍ؛ فَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَهَلَّلَ اللَّهَ وَسَبَّحَ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظْمًا عَنْ طَرِيقِ النَّاس؛ِ وَأَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ؛ عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلَاثِ مِائَةِ السُّلَامَى؛ فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنْ النَّارِ.”(مسلم) .

ألا فلنحمد الله تعالى على نعمة الصحة والمعافاة لنا ولأولادنا:

وأنه مهما ابتلينا به من الأمراض فلا يمنعنا عن الحمد الشكر والثناء على الله عز وجل؛ وأختم بهذه القصة الجميلة: يحكى أن رجلا ابتلاه الله بالعمى وقطع اليدين والرجلين، فدخل عليه أحد الناس فوجده يشكر الله على نعمه، ويقول: الحمد الله الذي عافاني مما ابتلى به غيري، وفضَّلني على كثير ممن خلق تفضيلا . فتعجب الرجل من قول هذا الأعمى مقطوع اليدين والرجلين!! وسأله: على أي شيء تحمد الله وتشكره؟!! فقال له: يا هذا، أَشْكُرُ الله أن وهبني لسانًا ذاكرًا، وقلبًا خاشعًا وبدنًا على البلاء صابرًا!!

فاشكروا الله على نعمه يزدكم؛ واسألوه العفو والعافية اقتداء به صلى الله عليه وسلم: فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : ” سَلْ رَبَّكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ . ثُمَّ أَتَاهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : سَلْ رَبَّكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ . ثُمَّ أَتَاهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللهِ ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : سَلْ رَبَّكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، فَقَدْ أَفْلَحْتَ.” ( ابن ماجة ) .

أيها المسلمون:

علينا أن نقلع عن المعاصي والذنوب والفواحش ليرفع الله عنا ما نحن فيه من بلاء وأسقام ؛ لأنه كلما اقترفنا الفواحش كلما انتشرت الأمراض والأوبئة التي لم تكن في أسلافنا ؛ وصدق الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حيث يقول: ” لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا ؛ إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا “. ( البيهقي والحاكم وصححه ).

كما نكثر من الدعاء والذكر والاستغفار ليرفع عنا الله ما نحن فيه ؛ فقد كان -صلى الله عليه وسلم- يكثر من الاستعاذة بالله « مِنْ الْبَرَصِ، وَالْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَمِنْ سَيِّئْ الْأَسْقَامِ» . ( رواه أبو داود ) . وعن عثمانَ بنِ عفَّانَ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: « مَنْ قالَ بِسْمِ اللَّهِ الذي لا يَـضُرُّ مع اسْمِهِ شَيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ وهُوَ السَّميعُ العَليمُ ثلاثَ مَرَّاتٍ ؛ لمْ تُصِبْـهُ فَجْأَةُ بلاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ، ومَنْ قالها حِينَ يُصْبِحُ ثلاثَ مَرَّاتٍ لَمْ تُصِبـهُ فَجْأَةُ بلاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ ». [رواه أبو داود ].

فعليكم أن تحافظوا على أوامر الله ورسوله ؛ وتقلعوا عن المعاصي والموبقات ؛ وتكثروا من الدعاء والتضرع إلى الله ليرفع عنا الغلاء والوباء والأسقام والأمراض .

اللهم ارفع عنا البلاء والوباء والزلازل والمحن ؛ وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن ؛ وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين ؛؛؛

 الدعاء……..                    وأقم الصلاة،،،،                                                                                                         كتب خطبة الجمعة : خادم الدعوة الإسلامية

د / خالد بدير بدوي

عن كتب: د.أحمد رمضان

الدكتور أحمد رمضان حاصل علي الماجستير من جامعة الأزهر بتقدير ممتاز سنة 2005م ، وحاصل علي الدكتوراه بتقدير مع مرتبة الشرف الأولي من جامعة الأزهر الشريف سنة 2017م. مؤسس جريدة صوت الدعاة ورئيس التحرير وكاتب الأخبار والمقالات المهمة بالجريدة، ويعمل بالجريدة منذ 2013 إلي اليوم. حاصل علي دورة التميز الصحفي، وقام بتدريب عدد من الصحفيين بالجريدة. للتواصل مع رئيس التحرير على الإيميل التالي: ahmed_dr.ahmed@yahoo.com رئيس التحريـر: د. أحمد رمضان (Editor-in-Chief: Dr. Ahmed Ramadan) للمزيد عن الدكتور أحمد رمضان رئيس التحرير أضغط في القائمة علي رئيس التحرير

شاهد أيضاً

الصحة: تسجيل 139 حالة إيجابية جديدة لفيروس كورونا..و 15 حالة وفاة والإجمالي 1699

الصحة: ارتفاع حالات الشفاء من مصابي فيروس كورونا إلى 348 وخروجهم من مستشفى العزل الصحة: …

مستشفى الحسين الجامعي ومستشفى الدعاة أول من حصل على درع الوجه الواقي من المجموعة الوطنية للأوقاف

في ظل الطلب الكبير على درع الوجه الواقي الشفاف من إنتاج المجموعة الوطنية لاستثمارات الأوقاف …

التعليم العالي : مصر حصلت علي دواء يقضي علي فيروس كورونا المستجد من اليابان

قال الدكتور خالد عبد الغفار، وزير التعليم العالى، إن هناك جهودا كبيرة تبذل من أجل …

الأوقاف : تحويل خمسين مليون جنيه من باب البر لحساب المتضررين من آثار فيروس كورونا

في إطار الدور المجتمعي لوزارة الأوقاف وحرصها الشديد على الإسهام في خدمة المجتمع وبخاصة الأسر …

اترك تعليقاً