خطبة الجمعة القادمة 20 فبراير : رمضانُ شهرُ الإرادةِ والكرمِ ، للدكتور أحمد رمضان
خطبة الجمعة القادمة 20 فبراير 2026 بعنوان : رمضانُ شهرُ الإرادةِ والكرمِ ، إعداد: رئيس التحرير الدكتور أحمد رمضان لـ صوت الدعاة ، بتاريخ 2 رمضان 1447هـ ، الموافق 20 فبراير 2026م.
لتحميل خطبة الجمعة القادمة 20 فبراير 2026م بصيغة word بعنوان : رمضانُ شهرُ الإرادةِ والكرمِ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان لـ صوت الدعاة.
انفراد لتحميل خطبة الجمعة القادمة 20 فبراير 2026م بصيغة pdf بعنوان : رمضانُ شهرُ الإرادةِ والكرمِ، للدكتور أحمد رمضان.
عناصر خطبة الجمعة القادمة 20 فبراير 2026م بعنوان : رمضانُ شهرُ الإرادةِ والكرمِ ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان.
العُنْصُرُ الأَوَّلُ: فَضْلُ رَمَضَانَ وَمَكَانَتُهُ فِي الإِسْلَامِ
العُنْصُرُ الثَّانِيُ: رَمَضَانُ مَشْرُوعُ الإِرَادَةِ وَالتَّغْيِيرِ العَمَلِيِّ
العُنْصُرُ الثالث: رَمَضَانُ شَهْرُ الكَرَمِ
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 20 فبراير 2026م : رمضانُ شهرُ الإرادةِ والكرمِ ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان : كما يلي:
رمضانُ شهرُ الإرادةِ والكرمِ
2 رمضان 1447هـ – 20 فبراير 2026م
إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان
المـــوضــــــــــوع
الحمدُ للهِ الَّذي بلَّغَنا رَمَضانَ، وجعلَهُ مَوسِمًا للطَّاعَةِ والإِيمَانِ، ومِضمارًا للسَّبْقِ إلى الجِنانِ، أحمدُهُ سبحانهُ على نِعَمِهِ الظَّاهِرَةِ والبَاطِنَةِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، اختصَّ هذا الشَّهرَ بخصائصَ لم يجعلْها في غيرِهِ، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، كانَ أفرحَ النَّاسِ بِقُدومِهِ، أكثرهم اجتهادًا فيهِ، وأكرمَهم خُلُقًا وعَمَلًا، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أما بعدُ، عبادَ اللهِ،
عناصر الخطبة:
العُنْصُرُ الأَوَّلُ: فَضْلُ رَمَضَانَ وَمَكَانَتُهُ فِي الإِسْلَامِ
العُنْصُرُ الثَّانِيُ: رَمَضَانُ مَشْرُوعُ الإِرَادَةِ وَالتَّغْيِيرِ العَمَلِيِّ
العُنْصُرُ الثالث: رَمَضَانُ شَهْرُ الكَرَمِ
ها هو رَمَضانُ قد أظلَّكم، شهرٌ ليس كبقيةِ الشهورِ، وموسمٌ ليس كسائرِ المواسمِ، تُفتحُ فيهِ أبوابُ الجنانِ، وتُغلَّقُ فيهِ أبوابُ النيرانِ، وتُصفَّدُ فيهِ مردةُ الشياطينِ، وينادي منادٍ: يا باغيَ الخيرِ أقبلْ، ويا باغيَ الشرِّ أقصرْ.
ليس رَمَضانُ انتقالًا في التقويمِ، بل انتقالٌ في القلوبِ. ليس تبديلًا في مواعيدِ الطعامِ، بل تبديلٌ في موازينِ الحياةِ. ليس عادةً سنويةً، بل فرصةُ عمرٍ قد لا تتكررُ.
فالسؤالُ اليومَ: هل يكونُ رَمَضانُ هذا كسابقِه؟ أم يكونُ رَمَضانُ الإرادةِ… رَمَضانُ البناءِ… رَمَضانُ الكرمِ؟
العُنْصُرُ الأَوَّلُ: فَضْلُ رَمَضَانَ وَمَكَانَتُهُ فِي الإِسْلَامِ
عبادَ اللهِ، إذا أردنا أن نتحدَّثَ عن الإرادةِ والتغييرِ، فلا بدَّ أن نبدأَ بمعرفةِ الفضلِ، لأنَّ معرفةَ الفضلِ تُحرِّكُ الهِمَمَ، واستحضارَ المنزلةِ يُوقِظُ القلوبَ، ومن لم يُدركْ قَدْرَ الموسمِ ضيَّعَهُ وهو لا يشعرُ، ورَمَضانُ ليسَ شهرًا عاديًّا في تقويمِ السَّنةِ، بل هو شهرٌ اصطفاهُ اللهُ كما اصطفى مكَّةَ من البقاعِ، واصطفى محمَّدًا ﷺ من الأنامِ، فاختارَهُ ميدانًا للطاعةِ، وموسمًا للمغفرةِ، ومنطلقًا للتغييرِ الحقيقيِّ.
أولًا: رَمَضَانُ شَهْرُ الاصْطِفَاءِ الإِلَهِيِّ وَالْهُدَى
قالَ تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]، فشرَّفَ اللهُ هذا الشَّهرَ بإنزالِ أعظمِ كتابٍ، وجعلَهُ شهرَ الهدايةِ والنُّورِ وتصحيحِ المسارِ، فكما شَرُفَ المكانُ بالكعبةِ، شَرُفَ الزمانُ بالقرآنِ، وصارَ رَمَضانُ موسمَ رجوعٍ إلى المنهجِ، وإحياءٍ للعهدِ مع كلامِ اللهِ، فمن أرادَ أن يُعيدَ بناءَ قلبِهِ فليبدأْ بالقرآنِ في رمضانَ، ومن أرادَ أن يُصحِّحَ طريقَهُ فليجعلْ هذا الشَّهرَ نقطةَ تحوُّلٍ في علاقتِهِ بكتابِ ربِّهِ.
وقالَ تعالى في آيةِ الصيامِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، فبيَّنَ أنَّ غايتَهُ التَّقوى، والتَّقوى هي قمَّةُ التَّغييرِ، وهي ضبطُ النَّفسِ، ومراقبةُ اللهِ، والانتصارُ على الهوى، فالصيامُ ليسَ امتناعًا عن الطعامِ، بل انتقالٌ من ضعفِ الإرادةِ إلى قوَّتِها، ومن الاسترسالِ مع الشهوةِ إلى الانتصارِ عليها.
ثانيًا: رَمَضَانُ مَوْسِمُ الْمَغْفِرَةِ الشَّامِلَةِ
وقالَ ﷺ: «مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، ومَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ». البخاري (2014)، ومسلم (760). وقالَ ﷺ: «مَن قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ». البخاري (2009)، ومسلم (759)
ثلاثُ فُرَصٍ عظيمةٍ في شهرٍ واحدٍ، صيامٌ، وقيامٌ، وليلةٌ واحدةٌ قد تمحو تاريخًا طويلًا من الزَّلَلِ، فأيُّ فضلٍ أعظمُ من أن يُمنَحَ العبدُ فرصةَ بدايةٍ جديدةٍ في أيَّامٍ معدوداتٍ، وكم من عبدٍ دخلَ رَمَضانَ مثقلًا بالخطايا، فخرجَ منهُ بقلبٍ نقيٍّ كأنَّهُ وُلِدَ من جديدٍ.
بل حذَّرَ النبيُّ ﷺ من التفريطِ فيهِ فقالَ: «رَغِمَ أَنْفُ رجلٍ ذُكِرْتُ عندَه؛ فلم يُصَلِّ عَلَيَّ، ورَغِمَ أنفُ رجلٍ دخل عليه رمضانُ، ثم انسلخ قبل أن يُغْفَرَ له، ورَغِمَ أنفُ رجلٍ أدرك عنده أبواه الكِبَرَ، أو أحدُهما، فلم يُدْخِلاه الجنةَ» الترمذي (3545) واللفظ له، وأحمد (7451)، وإدراك الأبوين أخرجه مسلم (2551)، صحيح، فمن خرجَ من رَمَضانَ كما دخلَهُ فقد ضيَّعَ أعظمَ فرصةٍ للتغييرِ في حياتِهِ.
ثالثًا: رَمَضَانُ شَهْرُ الْعِتْقِ وَفَتْحِ أَبْوَابِ الرَّحْمَةِ
قالَ ﷺ: «إذا جاء رمضانُ فُتِّحَتْ أبوابُ الرحمةِ، وغُلِّقَتْ أبوابُ جهنَّمَ، وسُلسِلَتِ الشياطينُ» البخاري (3277)، ومسلم (1079). وقال ﷺ: «إذا كان أولُ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ صُفِّدَتِ الشياطينُ ومَرَدةُ الجنِّ، وغُلِّقتْ أبوابُ النارِ فلم يُفتحْ منها بابٌ، وفُتِّحَتْ أبوابُ الجنةِ فلم يُغلقْ منها بابٌ، ويُنادي منادٍ كلَّ ليلةٍ: يا باغيَ الخيرِ أقبلْ، ويا باغيَ الشرِّ أقْصرْ». الترمذي (682)، وابن ماجه (1642)، حديث حسن صحيح. أيُّ فُرصةٍ أعظمُ من هذهِ؟
أبوابُ الجنَّةِ مفتوحةٌ، وأبوابُ النارِ مغلقةٌ، وأعظمُ أعدائِكَ مُقيَّدٌ، فمتى تتغيَّرُ إن لم تتغيَّرْ الآنَ؟
وقالَ ﷺ «وللهِ عتقاءُ من النارِ، وذلكَ كلَّ ليلةٍ» الترمذي (682)، وابن ماجه (1642)، وقال حسن صحيح، فكلُّ ليلةٍ في رَمَضانَ فرصةُ نجاةٍ، وكلُّ ليلةٍ بابُ خلاصٍ، فطوبى لِمَن أدركَ قَدْرَ اللَّيلةِ، ولم يُضيِّعْ ساعاتِها في غفلةٍ ولهوٍ.
رابعًا: رَمَضَانُ مَدْرَسَةُ الإِرَادَةِ وَصِنَاعَةُ التَّغْيِيرِ
قالَ اللهُ تعالى في الحديثِ القُدسيِّ «قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: قالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به، والصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولَا يَصْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ» البخاري (1904)، ومسلم (1151)، فالصيامُ عبادةُ الإخلاصِ، عبادةُ السِّرِّ، عبادةُ المراقبةِ، وأعظمُ دروسِهِ أن تقولَ لنفسِكَ: لا، لا للشهوةِ، لا للهوى، لا للغضبِ، لا للحرامِ، فإذا قدرتَ أن تتركَ الحلالَ طاعةً للهِ، أفلا تقدرُ أن تتركَ الحرامَ خشيةً منهُ.
ولهذا كانَ السَّلفُ الصالحُ يفرحونَ بقدومِ رَمَضانَ فرحًا عظيمًا، وكانوا يدعونَ اللهَ ستَّةَ أشهرٍ أن يُبلِّغهم إيَّاهُ، ثم يدعونَهُ ستَّةَ أشهرٍ أن يتقبَّلَهُ منهم، لأنَّهم يعلمونَ أنَّهُ مِفتاحُ التَّغييرِ الحقيقيِّ، لا التغييرِ المؤقَّتِ، وأنَّهُ شهرُ الإرادةِ الصادقةِ، لا مجرَّدُ عادةٍ سنويَّةٍ.
عبادَ اللهِ، رَمَضانُ ليسَ انتقالًا في مواعيدِ الطعامِ، بل انتقالٌ في موازينِ الحياةِ، ليسَ تبديلًا في ساعاتِ النومِ، بل تبديلٌ في مسارِ القلبِ، هو شهرُ الإرادةِ، لأنَّ الصائمَ ينتصرُ على نفسِهِ كلَّ يومٍ، وشهرُ التَّغييرِ، لأنَّهُ يبدأُ بإصلاحِ الداخلِ قبلَ الخارجِ، فمن لم يستثمرْ فضلَ رَمَضانَ، ولم يغتنمْ أبوابَ مغفرتِهِ، ولم يجعلْهُ نقطةَ تحوُّلٍ في حياتِهِ، فمتى يتغيَّرُ.
وهنا ننتقلُ إلى السؤالِ الأهمِّ: كيفَ نُحوِّلُ فضلَ رَمَضانَ من معلوماتٍ نسمعُها، إلى مشروعِ إرادةٍ عمليٍّ، وتغييرٍ شاملٍ في حياتِنا، وهذا ما نُعالِجُهُ في العُنصرِ الثاني بإذنِ اللهِ تعالى.
العُنْصُرُ الثَّانِيُ: رَمَضَانُ مَشْرُوعُ الإِرَادَةِ وَالتَّغْيِيرِ العَمَلِيِّ
عبادَ اللهِ، إذا كانَ رَمَضانُ قد تفرَّدَ بكلِّ هذا الفضلِ الذي ذكرناهُ، فالسؤالُ الأخطرُ ليسَ: ما فضلُهُ؟ بل: ماذا سيفعلُ بنا؟ هل سيمرُّ علينا كما مرَّ في أعوامٍ مضتَ؟ أم يكونُ هذا العامَ رمضانَ التحوُّلِ، رمضانَ البدايةِ الجديدةِ، رمضانَ الإرادةِ الصادقةِ؟ إنَّ رَمَضانَ ليسَ موسمَ عبادةٍ عابرةٍ، بل هو مشروعُ إعادةِ تشكيلِ الإنسانِ من الداخلِ، ولهُ في ذلكَ أربعةُ معالمَ كبرى:
أَوَّلًا: تَغْيِيرُ العَلَاقَةِ مَعَ اللهِ
عبادَ اللهِ، أولُ ما يُصلحهُ رمضانُ هو العلاقةُ باللهِ؛ ففي غيرِ رمضانَ قد يضعفُ القلبُ، ويقسو الفؤادُ، وتغلبُ الدنيا، لكنَّ رمضانَ يعيدُ ترتيبَ الصلةِ من جديدٍ، قالَ تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 186] فجاءتْ هذهِ الآيةُ في سياقِ الصيامِ لتُعلنَ أنَّ رمضانَ زمنُ القُربِ، وزمنُ الإقبالِ، وزمنُ تجديدِ العهدِ.
وقالَ ﷺ «أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّه وهو ساجدٌ، فأكثروا الدعاءَ» مسلم (482)، فقيامُ الليلِ في رمضانَ ليس نافلةً إضافيةً، بل هو إعلانُ عودةٍ إلى اللهِ، وإحياءُ صلةٍ، وتصحيحُ مسارٍ، فهذهِ ليست زيادةَ عبادةٍ فحسبُ، بل زيادةُ قُربٍ، وزيادةُ صدقٍ، وزيادةُ اتصالٍ باللهِ.
وكانَ السلفُ يعدُّونَ رمضانَ موسمَ إصلاحِ القلوبِ قبلَ الجوارحِ، وكانَ سفيانُ الثوريُّ رحمهُ اللهُ إذا دخلَ رمضانُ تركَ سائرَ النوافلِ، وأقبلَ على تلاوةِ القرآنِ، قالَ عبدُ الرزاقِ: «كانَ سفيانُ إذا دخلَ رمضانُ تركَ جميعَ العبادةِ وأقبلَ على القرآنِ». (مصنفُ عبدِ الرزاقِ، 4/313)، (لطائفُ المعارفِ فيما لمواسمِ العامِ من الوظائفِ لابنِ رجبٍ الحنبليِّ، ص171). وهذا يدلُّ على فقهِهم في أنَّ رمضانَ شهرُ القرآنِ أولًا، وشهرُ تجديدِ العهدِ مع كلامِ اللهِ.
والإمامُ مالكٌ رحمهُ اللهُ: «كانَ إذا دخلَ رمضانُ تركَ الحديثَ ومجالسةَ أهلِ العلمِ، وأقبلَ على تلاوةِ القرآنِ من المصحفِ». (ترتيبُ المداركِ للقاضي عياضٍ، 1/87)، فكانوا يُغيِّرونَ جدولَ حياتِهم في رمضانَ، لأنَّهُ شهرُ القربِ لا شهرُ العادةِ.
ثَانِيًا: تَقْوِيَةُ الإِرَادَةِ وَضَبْطُ النَّفْسِ
رمضانُ مدرسةُ الإرادةِ، قالَ اللهُ تعالى في الحديثِ القدسيِّ «كُلُّ عملِ ابنِ آدمَ له، إلا الصومَ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيامُ جُنَّةٌ، وإذا كانَ يومُ صومِ أحدِكم فلا يرفثْ ولا يصخبْ، فإن سابَّهُ أحدٌ أو قاتلَهُ فليقلْ: إني صائمٌ» البخاري (1904)، مسلم (1151)، فالصائمُ يمتنعُ عن الحلالِ لا عجزًا، بل اختيارًا، لا ضعفًا، بل طاعةً، وهنا تُصنعُ الإرادةُ.
قالَ الحسنُ البصريُّ رحمهُ اللهُ: إنَّ اللهَ جعلَ شهرَ رمضانَ مضمارًا لخلقِهِ يستبقونَ فيهِ بطاعتِهِ إلى مرضاتِهِ، فسبقَ قومٌ ففازوا، وتخلَّفَ آخرونَ فخابوا، فالعجبُ من اللاعبِ الضاحكِ في اليومِ الذي يفوزُ فيهِ المحسنونَ ويخسرُ فيهِ المبطلونَ. (لطائفُ المعارفِ لابنِ رجبٍ، ص376). فكانوا ينظرونَ إلى رمضانَ على أنَّهُ سباقُ إرادةٍ، لا عادةَ صيامٍ.
وكانَ بعضُ السلفِ إذا غضبَ في رمضانَ قالَ لنفسِهِ: “أتفسدينَ صومَ يومٍ بطولِ غضبٍ؟” فكانَ رمضانُ عندهم تدريبًا عمليًّا على ضبطِ النفسِ، لا مجردَ امتناعٍ عن الطعامِ.
فإذا خرجَ العبدُ بعد ثلاثينَ يومًا بنفسِ الإرادةِ القديمةِ، والغضبِ القديمِ، والتفريطِ القديمِ، فأينَ أثرُ المدرسةِ؟ وأينَ أثرُ التدريبِ؟ وأينَ ثمارُ الصيامِ؟
ثَالِثًا: تَغْيِيرُ السُّلُوكِ وَالعَادَاتِ
عبادَ اللهِ، التغييرُ الحقيقيُّ لا يكونُ في المشاعرِ فقط، بل في السلوكِ، قالَ ﷺ «من لم يدعْ قولَ الزورِ والعملَ به، فليسَ للهِ حاجةٌ في أن يدعَ طعامَهُ وشرابَهُ» البخاري (1903)، فالصومُ ليس جوعًا، بل تهذيبُ لسانٍ، وتطهيرُ خلقٍ، وإصلاحُ تعاملٍ.
وقالَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنهُ: «إذا صمتَ فليصمْ سمعُكَ وبصرُكَ ولسانُكَ عن الكذبِ والمآثمِ، ودعْ أذى الخادمِ، وليكنْ عليكَ وقارٌ وسكينةٌ يومَ صيامِكَ، ولا تجعلْ يومَ فطرِكَ ويومَ صيامِكَ سواءً». أخرجهُ ابنُ أبي شيبةَ في «المصنَّفِ» (2/422) بإسنادٍ حسنٍ. فهذا تعريفٌ عمليٌّ للصيامِ الحقيقيِّ، صيامِ الجوارحِ قبلَ صيامِ المعدةِ.
وكانَ ابنُ المباركِ رحمهُ اللهُ يُفطِرُ الناسَ في رمضانَ، ويقولُ: “لأن أُطعمَ إخواني أحبُّ إليَّ من أن أتطوَّعَ بصومٍ” انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (8/405)، فكانوا يرونَ أنَّ رمضانَ يوسِّعُ القلبَ كما يضيِّقُ المعدةَ، وكانَ بعضُ السلفِ إذا دخلَ رمضانُ تركَ الجدالَ والخصوماتِ، وقالَ: “هذا شهرُ سلامٍ لا شهرُ خصامٍ”، فهكذا كانَ رمضانُ يُغيِّرُ سلوكَهم، ويهذِّبُ طباعَهم، ويُصلِحُ أخلاقَهم.
فهل تغيَّرَ لسانُنا؟ هل تغيَّرتْ نظراتُنا؟ هل تغيَّرتْ مجالسُنا؟ هل تغيَّرتْ عاداتُنا؟ أم أننا نصومُ النهارَ ونُفسِدُ الليلَ؟
رَابِعًا: تَغْيِيرُ الْمُجْتَمَعِ بِرُوحِ الرَّحْمَةِ
رمضانُ لا يصنعُ فردًا صالحًا فقط، بل يصنعُ مجتمعًا متراحمًا، قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ أجودَ الناسِ، وكانَ أجودَ ما يكونُ في رمضانَ» البخاري (6)، مسلم (2308)، فلم يكن صومُهُ انقطاعًا عن الناسِ، بل اقترابًا منهم، ورحمةً بهم، وعطاءً لهم.
وقالَ ﷺ: «مَن فطَّرَ صائمًا كانَ لَهُ مثلُ أجرِهِ، غيرَ أنَّهُ لا ينقُصُ من أجرِ الصَّائمِ شيئًا» الترمذي (807)، وابن ماجة (1746) واللفظ لهما، وابن حبان (3429) حديث صحيح. فكانَ رمضانُ موسمَ الإحسانِ، وميدانَ البذلِ، ومظهرَ التكافلِ، وكانَ بعضُ السلفِ يُفطِرُ الصائمينَ ويبيتُ على الماءِ فرحًا بالأجرِ، لأنَّ رمضانَ عندهم لم يكن عبادةً فرديةً منعزلةً، بل نهضةً مجتمعيةً شاملةً.
وكانَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما لا يُفطرُ إلا مع المساكينِ، فإن منعهم أهلُهُ عنهُ لم يتعشَّ تلكَ الليلةَ، كما في حلية الأولياء لأبي نعيم (1/305)، ولطائف المعارف لابن رجب الحنبلي ص178. لأنَّ رمضانَ عندهم كان مدرسةَ رحمةٍ لا عبادةَ عزلةٍ.
عبادَ اللهِ، رمضانُ يُغيِّرُ علاقتَكَ باللهِ، ويقوِّي إرادتَكَ، ويهذِّبُ سلوكَكَ، ويُصلِحُ مجتمعَكَ، فإن لم يحدثْ هذا التغييرُ، فإننا صُمنا عادةً ولم نصمْ عبادةً، إنه شهرُ الإرادةِ لأنك تقولُ فيهِ لنفسِكَ: لا، وشهرُ التغييرِ لأنك تبدأُ فيهِ من الداخلِ قبلَ الخارجِ. فمن خرجَ من رمضانَ بقلبٍ أصلحَ، وإرادةٍ أقوى، وسلوكٍ أزكى، فقد وُلدَ من جديدٍ، وأما من خرجَ كما دخلَ، فقد مرَّ بهِ الموسمُ ولم يمرَّ هو بالموسمِ.
وهنا ننتقلُ في الخطبةِ الثانيةِ إلى بُعدٍ آخرَ من أبعادِ هذا الشهرِ العظيمِ: رَمَضَانُ شَهْرُ الكَرَمِ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحمدُ للهِ الكريمِ المنَّانِ، واسعِ الفضلِ والإحسانِ، جعلَ رَمَضانَ مَوسِمًا لمضاعفةِ الأجورِ، وتزكيةِ القلوبِ، وبسطِ الأيادي بالعطاءِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، يحبُّ المُحسنينَ، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، كانَ أجودَ الناسِ، وكانَ أجودَ ما يكونُ في رَمَضانَ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أما بعدُ،
عبادَ اللهِ، فإنَّ رَمَضانَ ليسَ شهرَ صيامٍ فحسبُ، بل شهرُ كرمٍ وإحسانٍ، شهرُ قلوبٍ تتَّسعُ، وأيادٍ تمتدُّ، ونفوسٍ تتحرَّرُ من الشُّحِّ، وفي هذا المعنى نتأمَّلُ قولَنا: رَمَضانُ شَهْرُ الكَرَمِ.
العُنْصُرُ الثالث: رَمَضَانُ شَهْرُ الكَرَمِ
عبادَ اللهِ، فإذا كانَ رَمَضانُ شهرَ الإرادةِ والتغييرِ، فإنَّهُ كذلكَ شهرُ الكرمِ والانطلاقِ في ميادينِ البذلِ، شهرٌ تتربَّى فيهِ النفوسُ على السَّخاءِ، وتتطهَّرُ فيهِ القلوبُ من الشُّحِّ، وتتَّسعُ فيهِ الأيادي بالعطاءِ.
أَوَّلًا: الكَرَمُ خُلُقٌ نَبَوِيٌّ يَتَأَكَّدُ فِي رَمَضَانَ
عبادَ اللهِ، أصلُ الكرمِ في هذا الشهرِ مأخوذٌ من سيِّدِ الخلقِ ﷺ، قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ أجودَ الناسِ، وكانَ أجودَ ما يكونُ في رمضانَ حينَ يلقاهُ جبريلُ، وكانَ يلقاهُ في كلِّ ليلةٍ من رمضانَ فيدارسُهُ القرآنَ، فرسولُ اللهِ ﷺ أجودُ بالخيرِ من الريحِ المرسلةِ» البخاري (6)، مسلم (2308).
تأمَّلوا رحمكمُ اللهُ، لم يكنْ جودُهُ ﷺ موسميًّا، بل كانَ دائمًا، لكنَّهُ في رمضانَ كانَ أعظمَ وأوسعَ وأسرعَ في الخيرِ من الريحِ التي لا تُبقي مكانًا إلا أصابتهُ، لأنَّ القرآنَ إذا خالطَ القلبَ أخرجَ منهُ البخلَ، وإذا عاشَ العبدُ مع كلامِ اللهِ تحرَّرتْ نفسُهُ من الشُّحِّ، فرمضانُ قرآنٌ، والقرآنُ رحمةٌ، والرحمةُ تتحوَّلُ إلى عطاءٍ.
ثَانِيًا: الكَرَمُ بُرْهَانُ صِدْقِ الصِّيَامِ
عبادَ اللهِ، الصيامُ يُشعِرُ الغنيَّ بجوعِ الفقيرِ، ويُذيبُ قسوةَ القلبِ، ويزرعُ الإحساسَ بالآخرينَ، ولذلكَ قالَ ﷺ «مَن فطَّرَ صائمًا كانَ لهُ مثلُ أجرِهِ، غيرَ أنَّهُ لا ينقصُ من أجرِ الصائمِ شيءٌ» الترمذي (807)، وابن ماجه (1746)، حديث صحيح.
تعطي لقمةً فتأخذ أجرَ يومٍ كاملٍ، أليستْ هذهِ تجارةَ رمضانَ؟ أليسَ هذا من أعظمِ أبوابِ الكرمِ؟
ثَالِثًا: رَمَضَانُ يَكْسِرُ شُحَّ النَّفْسِ
قالَ تعالى ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
الشُّحُّ ضيقُ القلبِ لا ضيقُ المالِ، ورمضانُ مدرسةُ التحرُّرِ من هذا الداءِ، ففيه الصدقاتُ، وفيه زكاةُ الفطرِ، وفيه إطعامُ الطعامِ، وقالَ ﷺ «اتقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ» البخاري (1417)، مسلم (1016). أيُّ بابٍ أيسرَ من هذا البابِ؟ وأيُّ نجاةٍ أقربُ من نصفِ تمرةٍ تُخرِجُها للهِ؟
رَابِعًا: الكَرَمُ لَيْسَ مَالًا فَقَط
عبادَ اللهِ، الكرمُ ليسَ مالًا فحسبُ، بل خُلُقٌ شاملٌ، قالَ ﷺ «تبسُّمُكَ في وجهِ أخيكَ صدقةٌ» الترمذي (1956)، وقال حسن صحيح.
الكرمُ أن تعفوَ عمَّن ظلمكَ، وأن تصلَ من قطعكَ، وأن تُصلحَ بين متخاصمينَ، وأن تُدخِلَ السرورَ على قلبِ محتاجٍ، فليسَ الكرمُ في الطعامِ وحدَهُ، بل في القلبِ قبلَ اليدِ.
خَامِسًا: رَمَضَانُ يَصْنَعُ مُجْتَمَعًا مُتَكَافِلًا
عبادَ اللهِ، رمضانُ لا يصنعُ فردًا صالحًا فقط، بل يصنعُ مجتمعًا متراحمًا، قالَ ﷺ «السَّاعِي علَى الأرْمَلَةِ والمِسْكِينِ، كالْمُجاهِدِ في سَبيلِ اللَّهِ، أوِ القائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهارَ» البخاري (5353)، مسلم (2982).
فكم من بابٍ للجهادِ مفتوحٌ في رمضانَ لكلِّ قادرٍ على البذلِ، وكم من أجرٍ عظيمٍ ينتظرُ من يسعى في حاجةِ محتاجٍ.
عبادَ اللهِ، إذا كانَ رمضانُ شهرَ الإرادةِ، فالكرمُ هو ثمرةُ الإرادةِ، وإذا كانَ شهرَ التغييرِ، فأولُ مظاهرِ التغييرِ أن يتحوَّلَ الإنسانُ من آخذٍ إلى مُعطٍ، ومن مُطالِبٍ إلى باذلٍ، ومن ضيقِ النفسِ إلى سعةِ القلبِ، فليسَ رمضانُ شهرَ استهلاكٍ، بل شهرَ إنفاقٍ، وليسَ شهرَ مائدةٍ عامرةٍ في البيتِ فقط، بل مائدةٍ ممتدَّةٍ إلى المحتاجينَ.
اللهمَّ كما بلَّغتنا رمضانَ فبلِّغنا فيهِ أعلى مراتبِ الإيمانِ، اللهمَّ اجعلنا من أهلِ الصيامِ حقًّا، ومن أهلِ القيامِ صدقًا، اللهمَّ ارزقنا قلوبًا كريمةً، وأياديَ مُعطيةً، ونفوسًا سخيةً، اللهمَّ اجعلنا من عتقائكَ من النارِ، اللهمَّ تقبَّلْ صيامَنا وقيامَنا، واغفرْ لنا ولوالدينا وللمسلمينَ أجمعينَ.
المراجع: القرآن الكريم
كتب الحديث: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن الترمذي، مسند أحمد، سنن النسائي، المصنف لعبد الرازق. شعب الإيمان للبيهقي، مسند ابن أبي شيبة.
تفسيرُ الطبريِّ، تفسير القرطبي، تفسير الرازي (مفاتيح الغيب)، تفسير ابن كثير، شرح صحيح مسلم للنووي، فتح الباري لابن حجر، لطائفُ المعارفِ فيما لمواسمِ العامِ من الوظائفِ لابنِ رجبٍ الحنبليِّ، ترتيبُ المداركِ للقاضي عياضٍ، سير أعلام النبلاء للذهبي، حلية الأولياء لأبي نعيم.
د. أحمد رمضان
خُطبةُ صوتِ الدعاةِ – إعداد رئيس التحرير: الدكتور أحمد رمضان
___________________________________
خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف علي صوت الدعاة
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات
و للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع
و للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف









