خطبة الجمعة القادمة 6 فبراير : الدَّعوةُ إلي الله تعالي بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ ، للدكتور محروس حفظي
خطبة الجمعة القادمة
خطبة الجمعة القادمة 6 فبراير 2026م بعنوان : الدَّعوةُ إلي الله تعالي بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ ، للدكتور محروس حفظي بتاريخ 18 شعبان 1447هـ الموافق 6 فبراير 2026م
لتحميل خطبة الجمعة القادمة 6 فبراير 2026م ، للدكتور محروس حفظي بعنوان : الدَّعوةُ إلي الله تعالي بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ.
ولتحميل خطبة الجمعة القادمة 6 فبراير 2026م ، للدكتور محروس حفظي بعنوان : الدَّعوةُ إلي الله تعالي بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، بصيغة word أضغط هنا.
لتحميل خطبة الجمعة القادمة 6 فبراير 2026م ، للدكتور محروس حفظي بعنوان : الدَّعوةُ إلي الله تعالي بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، بصيغة pdf أضغط هنا.
___________________________________________________________
عناصر خطبة الجمعة القادمة 6 فبراير 2026م. بعنوان: الدَّعوةُ إلي الله تعالي بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ ، للدكتور محروس حفظي :
(1) ضَعْ نَصْبَ عَيْنَيْكَ مَحَبَّةَ الْمَدْعُوُِّ.
(2) الرِّفْقُ وَاللِّينُ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَىُ.
(3) احْذَرْ مِنَ الْجَهْلِ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ حَالَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَىُ.
(4) أَعْظَمُ وَسَائِلِ الدَّعْوَةِ وَأَجْمَعُهَا «الدَّعْوَةُ مِنْ خِلَالِ الْفِعْلِ وَالتَّطْبِيقِ لِمَا يُقَالُ”.
(5) دَعْوَةُ النَّاسِ وَمُخَاطَبَتُهُمْ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمُْ.
(6) الْمُغَالَاةُ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجُِ.
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 6 فبراير 2026م بعنوان: الدَّعوةُ إلي الله تعالي بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ ، للدكتور محروس حفظي : كما يلي:
الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
بِتَارِيخِ 18 شعبان 1447 ه = المُوَافِقِ 6 فبراير 2026 م
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ، وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ، لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ، وَلِعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْأَتَمَّانِ الْأَكْمَلَانِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا بَعْدُ، ، ،
(1) ضَعْ نَصْبَ عَيْنَيْكَ مَحَبَّةَ الْمَدْعُوِّ: لَمَّا حَطَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِحَالَهُ بِالْمَدِينَةِ أَعْلَنَ «حُبَّهُ» لِلْعَالَمِ أَجْمَعَ، وَأَفْصَحَ عَنْ مَعَالِمِ هَذَا الْحُبِّ، وَعَمَّمَ أَمْرَهُ بَيْنَ الْإِنْسَانِيَّةِ قَاطِبَةً لِيَنْشُرُوهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ»ُ [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ]
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِسَيِّدِنَا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «يَوْمَ خَيْبَرَ»: «… فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ»ُ [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]ُ.
قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: (هِيَ الْإِبِلُ الْحُمْرُ، وَهِيَ أَنْفَسُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ، يَضْرِبُونَ بِهَا الْمَثَلَ فِي نَفَاسَةِ الشَّيْءِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَتَشْبِيهُ أُمُورِ الْآخِرَةِ بِأَعْرَاضِ الدُّنْيَا إِنَّمَا هُوَ لِلتَّقْرِيبِ مِنَ الْأَفْهَامِ، وَإِلَّا فَذَرَّةٌ مِنَ الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ خَيْرٌ مِنَ الْأَرْضِ بِأَسْرِهَا وَأَمْثَالِهَا مَعَهَا لَوْ تَصُوِّرَتْ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ فَضِيلَةِ الْعِلْمِ، وَالدُّعَاءِ إِلَى الْهُدَى، وَسَنِّ السُّنَنِ الْحَسَنَةِ)ُ [شَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ]ُ.
(2) الرِّفْقُ وَاللِّينُ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى: وَهُوَ مَنْهَجُ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ – عَلَيْهِمُ السَّلَامُ –، فَهَذَا مُوسَى يَأْمُرُهُ اللَّهُ: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}ُ [طَهَ: 44]ُ.
يَقُولُ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ: (وَهَذَا كُلُّهُ حَضٌّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لِلنَّاسِ لَيِّنًا، وَوَجْهُهُ مُنْبَسِطًا طَلْقًا مَعَ: الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَالسُّنِّيِّ وَالْمُبْتَدِعِ مِنْ غَيْرِ مُدَاهَنَةٍ، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَهُ بِكَلَامٍ يَظُنُّ أَنَّهُ يُرْضِي مَذْهَبَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ لِمُوسَى وَهَارُونَ: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا}ُ [طَهَ: 44]ُ، فَالْقَائِلُ لَيْسَ بِأَفْضَلَ مِنْ مُوسَى وَهَارُونَ، وَالْفَاجِرُ لَيْسَ بِأَخْبَثَ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَقَدْ أَمَرَهُمَا اللَّهُ بِاللِّينِ مَعَهُ)ُ [الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ]ُ.
إِبْرَاهِيمُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – حِينَ يُخَاطِبُ أَبَاهُ نَجِدُ خِطَابًا مَمْزُوجًا بِالِاحْتِرَامِ وَالْعَطْفِ وَالشَّفَقَةِ، قَالَ حِكَايَةً عَنْهُ: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا}ُ [مَرْيَمَ: 42–45]ُ، بَلْ حِينَ أَعْرَضَ أَبُوهُ وَتَوَعَّدَهُ بِالرَّجْمِ يَرُدُّ عَلَيْهِ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ قَائِلًا: {سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا}ُ [مَرْيَمَ: 47]ُ.
كَانَ مِنْ عَظِيمِ خِصَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: «أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}ُ [الْأَحْزَابِ: 45]ُ … لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ»ُ [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]ُ.
وَفِي مَوْقِفٍ عَمَلِيٍّ يُعَلِّمُنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَرْفُقَ بِالْجَاهِلِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ»ُ [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]ُ.
قالَ الشَّيخُ/ مُحَمَّدُ بْنُ عَلَّانَ الْبَكْرِيُّ: (فَفِيهِ الرِّفْقُ فِي إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ، وَتَعْلِيمُ الْجَاهِلِ، وَاسْتِعْمَالُ التَّيْسِيرِ، وَإِنْكَارُ التَّعْسِيرِ.
وَقَوْلُهُ: «فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» هَذَا كَالتَّعْلِيلِ لِمَا قَبْلَهُ: أَيْ: إِنَّ قَضِيَّةَ كَوْنِكُمْ كَذَلِكَ أَلَّا تُؤَدِّبُوا الرَّجُلَ وَلَا تُوَبِّخُوهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ، وَعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْأَحْكَامِ، فَالْمُنَاسِبُ لِلتَّيْسِيرِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَشِيرُ النَّذِيرُ). [دَلِيلُ الْفَالِحِينَ لِطُرُقِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ].
وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ، مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
قالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: (فِيهِ بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَظِيمِ الْخُلُقِ الَّذِي شَهِدَ اللهُ تَعَالَى لَهُ بِهِ، وَرِفْقِهِ بِالْجَاهِلِ، وَرَأْفَتِهِ بِأُمَّتِهِ، وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَفِيهِ التَّخَلُّقُ بِخُلُقِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّفْقِ بِالْجَاهِلِ، وَحُسْنِ تَعْلِيمِهِ، وَاللُّطْفِ بِهِ، وَتَقْرِيبِ الصَّوَابِ إِلَى فَهْمِهِ). [شَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ].
الْغِلْظَةُ وَالْقَسْوَةُ تُوجِبُ نُفُورَ الطِّبَاعِ، وَتُؤَدِّي إِلَى اخْتِلَالٍ فِي الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ؛ وَلِذَا نَهَى اللهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا فَقَالَ تَعَالَى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ} [آلِ عِمْرَانَ: 159].
قالَ الْإِمَامُ الْبِقَاعِيُّ: ({وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا} أَيْ: سَيِّئَ الْخُلُقِ، جَافِيًا فِي الْقَوْلِ {غَلِيظَ الْقَلْبِ} أَيْ: قَاسِيَةً لَا تَتَأَثَّرُ بِشَيْءٍ، تُعَامِلُهُمْ بِالْعُنْفِ وَالْجَفَاءِ {لَانْفَضُّوا} أَيْ: تَفَرَّقُوا تَفَرُّقًا قَبِيحًا لَا اجْتِمَاعَ مَعَهُ {مِنْ حَوْلِكَ} أَيْ: فَفَاتَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْبَعْثَةِ) أ.ه. [نَظْمُ الدُّرَرِ].
نَفَى اللهُ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَسْوَةَ وَالْغِلْظَةَ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ؛ إِذِ الْقَسْوَةُ الظَّاهِرِيَّةُ تَبْدُو أَكْثَرَ مَا تَبْدُو فِي الْفَظَاظَةِ الَّتِي هِيَ خُشُونَةُ الْجَانِبِ، وَجَفَاءُ الطَّبْعِ، وَالْقَسْوَةُ الْبَاطِنِيَّةُ تَكُونُ بِسَبَبِ يَبُوسَةِ الْقَلْبِ، وَغِلَظِ النَّفْسِ، وَعَدَمِ تَأَثُّرِهَا بِمَا يُصِيبُ غَيْرَهَا، وَسَيِّدُنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُبَرَّأً مِنْ كُلِّ ذَلِكَ {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التَّوْبَةِ: 128]، {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الْأَحْزَابِ: 43]. [التَّفْسِيرُ الْوَسِيطُ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ].
بَعْضُ الدُّعَاةِ يُرِيدُ أَنْ يُحَوِّلَ الْمُجْتَمَعَ إِلَى مُجْتَمَعٍ رَبَّانِيٍّ مَلَائِكِيٍّ، أَنْتَ لَسْتَ سَيْفًا مُسَلَّطًا عَلَى رِقَابِ الْخَلْقِ: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الْغَاشِيَةِ: 22]، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يُوسُفَ: 103].
عَنْ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُمْ لَنْ تَنَالُوا هَذَا الْأَمْرَ بِالْمُغَالَبَةِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ].
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ – رَحِمَهُ اللهُ –: «لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ إِلَّا مَنْ كَانَ فِيهِ خِصَالٌ ثَلَاثٌ: رَفِيقٌ بِمَا يَنْهَى، عَدْلٌ بِمَا يَأْمُرُ، عَدْلٌ بِمَا يَنْهَى، عَالِمٌ بِمَا يَأْمُرُ، عَالِمٌ بِمَا يَنْهَى» [الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ لِابْنِ يَزِيدَ الْخَلَّالِ].
وَلِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ دُعَاتَهُ وَرُسُلَهُ بِالْيُسْرِ وَالتَّيْسِيرِ؛ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
قالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: (إِنَّمَا جَمَعَ فِي هَذِهِ الأَلْفَاظِ بَيْنَ الشَّيْءِ وَضِدِّهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَفْعَلُهُمَا فِي وَقْتَيْنِ؛ فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى «يَسِّرُوا»؛ لَصَدَقَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَسَّرَ مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ، وَعَسَّرَ فِي مُعْظَمِ الْحَالَاتِ، فَإِذَا قَالَ: «وَلَا تُعَسِّرُوا»، انْتَفَى التَّعْسِيرُ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَكَذَا يُقَالُ فِي: «وَلَا تُعَسِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا»؛ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الأَمْرُ بِالتَّبْشِيرِ بِفَضْلِ اللَّهِ، وَعَظِيمِ ثَوَابِهِ، وَجَزِيلِ عَطَائِهِ، وَسِعَةِ رَحْمَتِهِ، وَالنَّهْيُ عَنِ التَّنْفِيرِ بِذِكْرِ التَّخْوِيفِ، وَأَنْوَاعِ الْوَعِيدِ مَحْضَةً مِنْ غَيْرِ ضَمِّهَا إِلَى التَّبْشِيرِ، وَمَتَى يُسِّرَ عَلَى الدَّاخِلِ فِي الطَّاعَةِ أَوِ الْمُرِيدِ لِلدُّخُولِ فِيهَا، سَهُلَتْ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ عَاقِبَتُهُ غَالِبًا التَّزَايُدَ مِنْهَا، وَمَتَى عُسِّرَتْ عَلَيْهِ أَوْ شَكَّ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِيهَا، وَإِنْ دَخَلَ أَوْ شَكَّ أَنْ لَا يَدُومَ أَوْ لَا يَسْتَحْلِيهَا) أ.ه. [شَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ].
(3) احْذَرْ مِنَ الْجَهْلِ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ حَالَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ:
قَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –: «أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تُبَغِّضُوا اللَّهَ إِلَى عِبَادِهِ»، قَالُوا: وَكَيْفَ ذَاكَ أَصْلَحَكَ اللَّهُ؟، قَالَ: «يَكُونُ أَحَدُكُمْ إِمَامًا، فَيُطَوِّلُ عَلَى الْقَوْمِ حَتَّى يُبَغِّضَ إِلَيْهِمْ مَا هُوَ فِيهِ، وَيَقْعُدُ أَحَدُكُمْ قَاصًّا فَيُطَوِّلُ عَلَى الْقَوْمِ حَتَّى يُبَغِّضَ إِلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ». [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِ الإِيمَانِ»، وَصَحَّحَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي «فَتْحِ الْبَارِي»].
الْجَهْلُ بِمَقَاصِدِ الإِسْلَامِ، وَجَوْهَرِهِ الصَّافِي، السَّهْلِ اللَّيِّنِ، أَسَاسُ كُلِّ بَلِيَّةٍ، وَأَصْلُ كُلِّ رَزِيَّةٍ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَخَذُوا الْعِلْمَ عَنْ أَكَابِرِهِمْ، وَعَنْ عُلَمَائِهِمْ وَأُمَنَائِهِمْ، فَإِذَا أَخَذُوهُ مِنْ أَصَاغِرِهِمْ، وَشِرَارِهِمْ هَلَكُوا». [حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ، وَطَبَقَاتُ الأَصْفِيَاءِ].
وَقَدْ نَبَّهَ الإِمَامُ الشَّاطِبِيُّ إِلَى هَذَا الصِّنْفِ، وَبَيَّنَ خَطَرَهُ، فَقَالَ – فِي سِيَاقِ ذِكْرِهِ لِأَسْبَابِ «الِابْتِدَاعِ الْمُفْضِي لِلتَّفَرُّقِ» –: (أَنْ يَعْتَقِدَ الإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ، أَوْ يُعْتَقَدَ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الدِّينِ، وَهُوَ لَمْ يَبْلُغْ تِلْكَ الدَّرَجَةَ، فَيَعْمَلَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَعُدَّ رَأْيَهُ رَأْيًا، وَخِلَافَهُ خِلَافًا) أ.ه. [الْمُوَافَقَاتِ].
تَجَنُّبُ الْغُلُوِّ فِي الْكَلَامِ، وَتَنَاوُلِ الْمَوْضُوعَاتِ:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ»، قَالَهَا ثَلَاثًا» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. أَيْ: «الْمُتَعَمِّقُونَ، الْغَالُونَ، الْمُجَاوِزُونَ الْحُدُودَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ». [شَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ].
قَالَ الْهَرَوِيُّ: (إِنَّمَا رَدَّدَ الْقَوْلَ ثَلَاثًا؛ تَهْوِيلًا وَتَنْبِيهًا عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْغَائِلَةِ، وَتَحْرِيضًا عَلَى التَّيَقُّظِ وَالتَّبَصُّرِ دُونَهُ، وَكَمْ تَحْتَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ مُصِيبَةٍ تَعُودُ عَلَى أَهْلِ اللِّسَانِ وَالْمُتَكَلِّفِينَ فِي الْقَوْلِ، الَّذِينَ يَرُومُونَ بِسَبْكِ الْكَلَامِ سَبْيَ قُلُوبِ الرِّجَالِ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ مِنَ الدُّخُولِ فِي الأَوْحَالِ) أ.ه. [مِرْقَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ، 7/3012].
قالَ الإِمَامُ الغَزَالِيُّ – مُعَدِّدًا آفاتِ اللِّسَانِ –: (التَّقَعُّرَ فِي الكَلَامِ بِالتَّشَدُّقِ، وَتَكَلُّفَ السَّجْعِ وَالفَصَاحَةِ، وَالتَّصَنُّعَ فِيهِ بِالتَّشْبِيبَاتِ وَالمُقَدِّمَاتِ وَمَا جَرَى بِهِ عَادَةُ المُتَفَاصِحِينَ المُدَّعِينَ لِلْخِطَابَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ التَّصَنُّعِ المَذْمُومِ، وَمِنَ التَّكَلُّفِ المَمْقُوتِ، وَكَذَلِكَ التَّكَلُّفُ بِالسَّجْعِ فِي المُحَاوَرَاتِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِرَ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى مَقْصُودِهِ، وَمَقْصُودُ الكَلَامِ التَّفْهِيمُ؛ لِلْغَرَضِ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ تَصَنُّعٌ مَذْمُومٌ، وَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا تَحْسِينُ أَلْفَاظِ الخُطْبَةِ وَالتَّذْكِيرِ مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ وَلَا إِغْرَابٍ، فَإِنَّ المَقْصُودَ مِنْهَا تَحْرِيكُ القُلُوبِ وَتَشْوِيقُهَا وَقَبْضُهَا وَبَسْطُهَا؛ فَلِرَشَاقَةِ اللَّفْظِ تَأْثِيرٌ فِيهِ فَهُوَ لَائِقٌ بِهِ، فَأَمَّا المُحَاوَرَاتُ الَّتِي تَجْرِي لِقَضَاءِ الحَاجَاتِ، فَلَا يَلِيقُ بِهَا السَّجْعُ وَالتَّشَدُّقُ، وَالِاشْتِغَالُ بِهِ مِنَ التَّكَلُّفِ المَذْمُومِ، وَلَا بَاعِثَ عَلَيْهِ إِلَّا الرِّيَاءُ، وَإِظْهَارُ الفَصَاحَةِ، وَالتَّمَيُّزُ بِالبَرَاعَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْمُومٌ يَكْرَهُهُ الشَّرْعُ، وَيَزْجُرُ عَنْهُ) أ.ه. [إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ].
لَا تَغْتَرَّنَّ بِصَلَاحِ السَّمْتِ حَالَ الدَّعْوَةِ:
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا بَلَغَهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عِبَادَةٌ قَالَ: «كَيْفَ عَقْلُهُ؟» فَإِنْ قَالُوا: حَسَنٌ، قَالَ: «مَا أَخْلَقَ صَاحِبَكُمْ أَنْ يَبْلُغَ»، وَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ بِعَاقِلٍ قَالَ: «لَنْ يَبْلُغَ صَاحِبُكُمْ حَيْثُ تَظُنُّونَ» [رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِ الإِيمَانِ»].
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُعْجِبَنَّكُمْ إِسْلَامُ رَجُلٍ حَتَّى تَعْرِفُوا مَا عُقْدَةُ عَقْلِهِ» [رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِ الإِيمَانِ»].
قَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لَسْتُ بِالخِبِّ وَلَا يَخْدَعُنِي الخِبُّ» [أَدَبُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ لِلْمَاوَرْدِيِّ].
كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ «الفِكْرِ المُتَشَدِّدِ»، يَغْتَرُّ النَّاسُ بِطَاعَتِهِمْ، وَحُسْنِ مَظْهَرِهِمْ، فَيَقَعُونَ فِي المِحَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.
الدِّينُ مَبْنَاهُ عَلَى العِلْمِ وَالعَمَلِ جَمِيعًا لَا العَمَلِ فَقَطْ، كَمَا هُوَ سِمَةُ «هَذَا الفِكْرِ المُتَشَدِّدِ»؛ فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلَافٌ وَفُرْقَةٌ، قَوْمٌ يُحْسِنُونَ القِيلَ، وَيُسِيئُونَ الفِعْلَ، يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ …، يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَلَيْسُوا مِنْهُ فِي شَيْءٍ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ].
(4) أعظم وسائل الدعوة وأجمعها “الدعوة من خلال الفعل والتطبيق لما يقال”:
قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44] قال الإمام القشيري: (أتحرِّضون الناس على البِدَار، وترضون بالتخلُّف؟! ويقال أَتَدْعُونَ الخلق إلينا وتقعدون عنَّا؟! أتسرحون الوفود وتقصرون فى الورود؟! أتنافسون الخلق، وتنافرونهم بدقائق الأحوال، وترضون بإفلاسكم عن ظواهرها؟!
ويقال أتبصرون من الحق مثقال الذَّر، ومقياس الحب، وتساهمون لأنفسكم أمثال الرِّمال والجبال؟!، ويقال أتسقون بالنُّجب ولا تشربون بالنُّوب؟). [لطائف الإشارات]. “النُّجب”: لبابها وخالصها. “النَّوْبُ”: القُرب خلاف البُعد. وقال أيضاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2، 3].
– قال ابن بطال: “وقد روينا عن الرسول صلى الله عليه وسلم: “أن العالم إذا لم يعمل بعلمه يأمر الله به إلى النار يوم القيامة، فيقول رجل قد كان علمه ذلك العالم علمًا دخل به الجنة فيقول: يا رب، هذا علَّمني ما دخلت به الجنة، فهب لي معلمي، فيقول تعالى: هبوا له معلمه”. [شرح صحيح البخارى لابن بطال].
ولله در أبو الأسود الدؤلي حيث قال:
لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتَأتيَ مِثلَهُ \ عارٌ عَلَيكَ إِذا فَعَلتَ عَظيمُ
ابدأ بِنَفسِكَ وَانَها عَن غِيِّها \ فَإِذا انتَهَت عَنهُ فَأَنتَ حَكيمُ
فَهُناكَ يُقبَل ما وَعَظتَ وَيُقتَدى \ بِالعِلمِ مِنكَ وَيَنفَعُ التَعليمُ [ديوان أبي الأسود الدؤلي].
– كن داع للخير حتى حال “الصمت”؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» [رواه البخاري].
يقول ابن حجر: (هذا من جوامع الكلم؛ لأن القول كله إما خير وإما شر، وإما آيل إلى أحدهما، فدخل في الخير كل مطلوب من الأقوال: فرضها، وندبها، فأذن فيه على اختلاف أنواعه، ودخل فيه ما يؤول إليه، وما عدا ذلك مما هو شر، أو يئول إلى الشر، فأمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت). [فتح الباري].
(5) دعوة الناس ومخاطبتهم على قدر عقولهم:
قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125].
قال ابن عطية: (أمره الله تعالى أن يدعو إلى الله وشرعه بتلطف، وهو أن يسمع المدعو حكمه، وهو الكلام الصواب القريب الواقع في النفس أجمل موقع، “وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ”: التخويف والترجية، والتلطف بالإنسان بأن يحله ويبسطه، ويجعله بصورة من يقبل الفضائل ونحو هذا، فهذه حالة من يدعى، وحالة من يجادل دون مخاشنة، ويبين عليه دون قتال، فالكلام يعطي أن جدك وهمك وتعبك لا يغني؛ لأن الله تعالى قد علم من يؤمن منهم ويهتدي، وعلم من يضل، فجملة المعنى: اسلك هذا السبيل ولا تعن للمخاشنة؛ لأنها غير مجدية؛ لأن علم الله قد سبق بالمهتدي منهم والضال). [المحرر الوجيز].
وعن عَبْد اللهِ بْن مَسْعُودٍ قَالَ: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً». [رواه مسلم]. وقال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «حَدِّثُوا النَّاسَ، بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ، اللَّهُ وَرَسُولُهُ»[رواه البخاري].
قال بدر الدين العيني: “وذلك لأن الشخص إذا سمع ما لا يفهمه وما لا يتصور إمكانه يعتقد استحالته جهلاً فلا يصدق وجوده، فإذا أسند إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم يلزم تكذيبهما”. [عمدة القاري شرح صحيح البخاري].
وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «النَّاسُ يَعْمَلُونَ بِالْخَيْرِ، وَإِنَّمَا يُعْطَوْنَ أُجُورَهُمْ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ» [رواه البيهقي في “شعب الإيمان”].
تَأَمَّلْ هَذَا الحِوَارَ الهَادِئَ، فَهَذَا حُصَيْنُ الخُزَاعِيُّ وَالِدُ عِمْرَانَ، كَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَظِّمُهُ، فَطَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يُكَلِّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آلِهَتِهَا، فَجَاءَ حُصَيْنٌ وَمَعَهُ بَعْضُ أَفْرَادِ قُرَيْشٍ حَتَّى جَلَسُوا قَرِيبًا مِنْ بَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَدَخَلَ حُصَيْنٌ، «فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَا حُصَيْنُ كَمْ تَعْبُدُ اليَوْمَ إِلَهًا»؟ قَالَ أَبِي: سَبْعَةً سِتَّةً فِي الأَرْضِ وَوَاحِدًا فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «فَأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ»؟ قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «يَا حُصَيْنُ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ تَنْفَعَانِكَ». قَالَ: فَلَمَّا أَسْلَمَ حُصَيْنٌ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِيَ الكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدْتَنِي، فَقَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي «سُنَنِهِ»]، «فَقَامَ إِلَيْهِ وَلَدُهُ عِمْرَانُ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَلَمَّا أَرَادَ حُصَيْنُ الخُرُوجَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: شَيِّعُوهُ إِلَى مَنْزِلِهِ» [إِنْسَانُ العُيُونِ فِي سِيرَةِ الأَمِينِ المَأْمُونِ]، أَرَأَيْتَ كَيْفَ دَخَلَ الرَّجُلُ مُعْرِضًا نَاقِمًا مُنْتَقِمًا، فَخَرَجَ صَادِقًا مُسْلِمًا؟! إِنَّهَا الدَّعْوَةُ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ.
(6) المُغَالَاةُ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ:
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ مِنْ يُمْنِ المَرْأَةِ تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا، وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا، وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا» [رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ»].
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ].
قَالَ الإِمَامُ المَنَاوِيُّ: (أَرَادَ المَرْأَةَ الَّتِي قَنِعَتْ بِالقَلِيلِ مِنَ الحَلَالِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَزِينَةِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَخَفَّتْ عَنْهُ كُلْفَتُهَا، وَلَمْ يَلْتَجِئْ بِسَبَبِهَا إِلَى مَا فِيهِ حُرْمَةٌ أَوْ شُبْهَةٌ، فَيَسْتَرِيحُ قَلْبُهُ وَبَدَنُهُ مِنَ التَّعَنُّتِ وَالتَّكَلُّفِ، فَتَعْظُمُ البَرَكَةُ لِذَلِكَ، وَأَقَلُّهُنَّ بَرَكَةً مَنْ هِيَ بِضِدِّ ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ دَاعٍ إِلَى عَدَمِ الرِّفْقِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ، قَالَ عُرْوَةُ: أَوَّلُ شُؤْمِ المَرْأَةِ كَثْرَةُ صَدَاقِهَا) أ.ه. [فَيْضُ القَدِيرِ شَرْحُ الجَامِعِ الصَّغِيرِ].
الثَّابِتُ فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ السَّمَاحَةَ فِي المُهُورِ، وَلَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُ أَنَّهُ شَقَّ عَلَى أَحَدٍ، فَكَانَ يُزَوِّجُ مَنْ يَأْتِيهِ عَلَى مَا مَعَهُ مِنْ صَدَاقٍ، وَقَدْ بَوَّبَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ بَابًا فِي «صَحِيحِهِ» بَابُ التَّزْوِيجِ بِالقُرْآنِ وَبِغَيْرِ صَدَاقٍ، وَمُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ» بَابُ الصَّدَاقِ، وَجَوَازِ كَوْنِهِ تَعْلِيمَ قُرْآنٍ، وَخَاتَمَ حَدِيدٍ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَالنَّسَائِيُّ فِي «سُنَنِهِ» إِبَاحَةُ التَّزَوُّجِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ. عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ مِلْءَ كَفَّيْهِ سَوِيقًا أَوْ تَمْرًا فَقَدْ اسْتَحَلَّ» [أَبُو دَاوُدَ].
لَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنْ نَتَسَاهَلَ فِي «المَهْرِ»؛ «لِأَنَّ مَا ضَاقَ طَرِيقُ إِصَابَتِهِ يَعِزُّ فِي الأَعْيُنِ، فَيَعِزُّ بِهِ إِمْسَاكُهُ، وَمَا يَتَيَسَّرُ طَرِيقُ إِصَابَتِهِ يَهُونُ فِي الأَعْيُنِ فَيَهُونُ إِمْسَاكُهُ» [بَدَائِعُ الصَّنَائِعِ لِلْكَاسَانِيِّ]، وَإِنَّمَا المَطْلُوبُ السَّمَاحَةُ فِي «المُهُورِ».
قَالَ المَاوَرْدِيُّ: (الأَوْلَى أَنْ يَعْدِلَ الزَّوْجَانِ عَنِ التَّنَاهِي فِي الزِّيَادَةِ الَّتِي يَقْصُرُ العُمْرُ عَنْهَا، وَعَنِ التَّنَاهِي فِي النُّقْصَانِ الَّذِي لَا يَكُونُ لَهُ فِي النُّفُوسِ مَوْقِعٌ؛ وَخَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَاطُهَا، وَأَنْ يُقْتَدَى بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُهُورِ نِسَائِهِ؛ طَلَبًا لِلْبَرَكَةِ فِي مُوَافَقَتِهِ) أ.ه. [الحَاوِي الكَبِيرِ].
الصَّحَابَةُ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُمْ المُغَالَاةُ فِي صُدُقِ النِّسَاءِ؛ فَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: «فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، مَعَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ كَانَ مِنْ مَيَاسِيرِ الصَّحَابَةِ، وَأَغْنِيَائِهِمْ.
نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنَا حُسْنَ العَمَلِ، وَفَضْلَ القَبُولِ، إِنَّهُ أَكْرَمُ مَسْؤُولٍ، وَأَعْظَمُ مَأْمُولٍ، وَأَنْ يَجْعَلَ بَلَدَنَا مِصْرَ سَخَاءً رَخَاءً، أَمْنًا أَمَانًا، سِلْمًا سَلَامًا، وَسَائِرَ بِلَادِ العَالَمِينَ، وَيُوَفِّقَ وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا فِيهِ نَفْعُ البِلَادِ وَالعِبَادِ.
أَعَدَّهُ: الفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ الحَنَّانِ المَنَّانِ د/ مَحْرُوسُ رَمَضَانُ حِفْظِي عَبْدُ العَالِ
مُدَرِّسُ التَّفْسِيرِ وَعُلُومِ القُرْآنِ ـ كُلِّيَّةُ أُصُولِ الدِّينِ وَالدَّعْوَةِ ـ أَسْيُوطُ
_____________________________________
للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة
وللمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف












