خطبة الجمعة القادمة 9 يناير : قيمةُ الِاحْتِرَامِ، للدكتور محروس حفظي
خطبة الجمعة القادمة
خطبة الجمعة القادمة 9 يناير 2026م بعنوان : قيمةُ الِاحْتِرَامِ، للدكتور محروس حفظي بتاريخ 20 رجب 1447هـ الموافق 9 يناير 2026م
لتحميل خطبة الجمعة القادمة 9 يناير 2026م ، للدكتور محروس حفظي بعنوان : قيمةُ الِاحْتِرَامِ.
ولتحميل خطبة الجمعة القادمة 9 يناير 2026م ، للدكتور محروس حفظي بعنوان : قيمةُ الِاحْتِرَامِ، بصيغة word أضغط هنا.
لتحميل خطبة الجمعة القادمة 2 يناير 2026م ، للدكتور محروس حفظي بعنوان : قيمةُ الِاحْتِرَامِ، بصيغة pdf أضغط هنا.
___________________________________________________________
عناصر خطبة الجمعة القادمة 9 يناير 2026م. بعنوان: قيمةُ الِاحْتِرَامِ، للدكتور محروس حفظي :
(1) الِاحْتِرَامُ مِنْ أَعْظَمِ الْقِيَمِ الإِنْسَانِيَّةِ.
(2) مَظَاهِرُ الِاحْتِرَامِ فِي الإِسْلَامِ.
(3) الِاحْتِرَامُ نَمَاذِجُ مُلْهِمَةٌ.
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 9 يناير 2026م بعنوان: قيمةُ االِاحْتِرَامِ ، للدكتور محروس حفظي : كما يلي:
قِيمَةُ الِاحْتِرَامِ
بِتَارِيخِ 20 رجب 1447 ه = المُوَافِقِ 9 يناير 2026 م
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ، وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ، لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ، وَلِعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الأَتَمَّانِ الأَكْمَلَانِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا بَعْدُ، ، ،
(1) الِاحْتِرَامُ مِنْ أَعْظَمِ الْقِيَمِ الإِنْسَانِيَّةِ:
مِنْ أَجْمَعِ الْقِيَمِ الأَخْلَاقِيَّةِ الَّتِي حَثَّنَا عَلَيْهَا الإِسْلَامُ «خُلُقُ الِاحْتِرَامِ» الَّذِي شَمِلَ حَرَكَةَ الْحَيَاةِ كُلَّهَا حَتَّى الْجَمَادَاتِ وَالْحَيَوَانَاتِ، وَعَلَى رَأْسِ ذَلِكَ كُلِّهِ الإِنْسَانُ فَأَوْجَبَ احْتِرَامَهُ، وَحَرَّمَ الِاعْتِدَاءَ عَلَى عَقْلِهِ، أَوْ عِرْضِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ إِجْبَارَهُ عَلَى اعْتِنَاقِ دِينٍ مُعَيَّنٍ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإِسْرَاء: 70]، وَقَالَ أَيْضًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} [الْحُجُرَاتِ: 11].
وَلَعَلَّكَ تَلْحَظُ دِقَّةَ التَّعْبِيرِ الْقُرْآنِيِّ هُنَا حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: «رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ»، «وَلَا امْرَأَةٌ مِنْ امْرَأَةٍ» بِالإِفْرَادِ؛ قَالَ الإِمَامُ الزَّمَخْشَرِيُّ: (لِأَنَّ مَشْهَدَ السَّاخِرِ لَا يَكَادُ يَخْلُو مِمَّنْ يَتَلَهَّى وَيَسْتَضْحِكُ عَلَى قَوْلِهِ، وَلَا يَأْتِي مَا عَلَيْهِ مِنَ النَّهْيِ وَالإِنْكَارِ، فَيَكُونُ شَرِيكَ السَّاخِرِ وَتُلْوَهُ فِي تَحَمُّلِ الْوِزْرِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ يَطْرُقُ سَمْعَهُ فَيَسْتَطِيبُهُ وَيَضْحَكُ بِهِ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ- وَإِنْ أَوْجَدَهُ وَاحِدٌ- إِلَى تَكَثُّرِ السُّخْرَةِ، وَانْقِلَابِ الْوَاحِدِ جَمَاعَةً وَقَوْمًا). أ.ه. [الْكَشَّافُ عَنْ حَقَائِقِ التَّنْزِيلِ لِلزَّمَخْشَرِيِّ].
لَقَدْ كَرَّمَ الإِسْلَامُ الإِنْسَانَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ إِنْسَانٌ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ لَوْنِهِ وَعِرْقِهِ وَدِينِهِ، وَسَاوَتْ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ وَأَدَاءِ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ، وَجَعَلَتْ مِيزَانَ التَّفَاضُلِ التَّقْوَى وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَأَرْسَتْ مَبْدَأَ الأُخُوَّةِ الإِنْسَانِيَّةِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الْحُجُرَاتِ: 13]؛ وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ].
الْمُتَأَمِّلُ فِي سِيرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِدُ أَنَّ مَظَاهِرَ احْتِرَامِهِ لِلإِنْسَانِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى حَتَّى فِي حَالِ الْمَوْتِ؛ فَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وَقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ: «كَانَا قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ، فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ، فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ أَيْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَقَالَا: إِنَّ النَّبِيَّ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
(2) مَظَاهِرُ الِاحْتِرَامِ فِي الإِسْلَامِ:
أَوَّلًا: احْتِرَامُ اخْتِيَارِ دِينِهِ وَمُعْتَقَدِهِ:
احْتَرَمَ الإِسْلَامُ الإِنْسَانَ، وَتَرَكَ لَهُ الْحُرِّيَّةَ فِي اعْتِنَاقِ دِينِهِ دُونَ إِجْبَارٍ أَوْ قَسْرٍ، بَلْ نَدْعُوهُ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَيُتْرَكُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حُرِّيَّةُ الِاعْتِقَادِ، قَالَ عَزَّ شَأْنُهُ: {وَقُلِ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الْكَهْفِ: 29]، وَحَرَّمَ الإِكْرَاهَ، وَاعْتَبَرَ ذَلِكَ مُنَافِيًا لِلسُّنَنِ الْكَوْنِيَّةِ، وَالْحِكَمِ الرَّبَّانِيَّةِ؛ وَلِذَا أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ «إِيمَانَ الْمُكْرَهِ» لَا يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ سَلْبًا لِلِاخْتِيَارِ، وَنَفْيًا لِإِرَادَةِ الإِنْسَانِ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مِقْلَاتًا، فَتَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ أَنْ تُهَوِّدَهُ، فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ، فَقَالُوا: لَا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [الْبَقَرَةِ: 256]»؛ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «الْمِقْلَاتُ: الَّتِي لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ].
ثَانِيًا: احْتِرَامُ خُصُوصِيَّاتِ الإِنْسَانِ:
نَهَى الإِسْلَامُ عَنْ تَتَبُّعِ عَوْرَاتِهِ؛ فَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ].
وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ، لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ» [رواه البخاري].
ثَالِثًا: احْتِرَامُ الْوَالِدَيْنِ فِي حَيَاتِهِمَا وَبَعْدَ مَمَاتِهِمَا:
السَّعِيدُ مَنْ وُفِّقَ لِاحْتِرَامِ وَالِدَيْهِ وَالإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا، وَهُوَ عُنْوَانُ رُجُولَتِكَ وَدَلِيلُ مُرُوءَتِكَ، وَأَمَارَةُ نُبْلِكَ، وَاحْتِرَامُ الْوَالِدَيْنِ لَا يَنْقَطِعُ بَلْ هُوَ مُتَّصِلٌ بَعْدَ مَوْتِهِمَا كَأَنْ تَدْعُوَ لَهُمَا، وَتَتَصَدَّقَ عَنْهُمَا، وَتَصِلَ رَحِمَهُمَا، وَتَحْتَرِمَ صَدِيقَهُمَا؛ فَهَا هُوَ ابْنُ عُمَرَ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ، إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ، وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ، فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ، إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ، وَقَالَ: ارْكَبْ هَذَا، وَالْعِمَامَةَ اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ، فَقِيلَ لَهُ: غَفَرَ اللهُ لَكَ، أَعْطَيْتَ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ، وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ، وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ”. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
رَابِعًا: احْتِرَامُ الإِنْسَانِ لِذَاتِهِ:
هَذَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَهُوَ لَا يَزَالُ عَلَى شِرْكِهِ، وَقَدْ أَرَادَ هِرَقْلُ عَظِيمُ الرُّومِ سُؤَالَهُ عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: “وَاللهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ يَوْمَئِذٍ، مِنْ أَنْ يَأْثُرَ أَصْحَابِي عَنِّي الْكَذِبَ، لَكَذَبْتُهُ حِينَ سَأَلَنِي عَنْهُ، وَلَكِنِّي اسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَأْثُرُوا الْكَذِبَ عَنِّي، فَصَدَقْتُهُ”. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
خَامِسًا: احْتِرَامُ الْأَطْفَالِ:
مِنْ أَجْلِ تَعْوِيدِهِمْ، وَتَرْبِيَتِهِمْ عَلَى الِاحْتِرَامِ، فَهُمْ رِجَالُ الْمُسْتَقْبَلِ، وَهُمْ حَامِلُو رَايَاتِهِ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُنَادِيهِمْ بِالْكُنَى الْجَمِيلَةِ الْمُحَبَّبَةِ إِلَيْهِمْ؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: “إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ”. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أُتِيَ بشَرَابٍ، فَشَرِبَ وعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وعَنْ يَسَارِهِ الأشْيَاخُ، فَقالَ لِلْغُلَامِ: إنْ أذِنْتَ لي أعْطَيْتُ هَؤُلَاءِ، فَقالَ: ما كُنْتُ لِأُوثِرَ بنَصِيبِي مِنْكَ يا رَسولَ اللَّهِ أحَدًا، فَتَلَّهُ في يَدِهِ“. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
سَادِسًا: احْتِرَامُ قَوَانِينِ الْبَلَدِ الَّذِي نَعِيشُ عَلَيْهِ:
عِنْدَمَا يَسُودُ الْقَانُونُ فِي بَلَدٍ مِنَ الْبِلَادِ يَطْمَئِنُّ أَهْلُهَا، وَيَهْدَأُ بَالُهُمْ، وَيَشْعُرُ كُلُّ فَرْدٍ فِي الْمُجْتَمَعِ بِأَنَّهُ فِي مَأْمَنٍ مِنْ أَيِّ تَجَاوُزٍ؛ لِذَا يَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ احْتِرَامُ الْقَانُونِ؛ لِأَنَّ «الْمَعْرُوفَ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ شَرْطًا»؛ فَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا”. [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ]، وَإِلَّا فَالْبَشَرُ بِلَا قَانُونٍ أَشْبَهُ بِالْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تَعِيشُ بِالْغَابَاتِ بَلْ أَضَلُّ سَبِيلًا.
سَابِعًا: احْتِرَامُ كِبَارِ السِّنِّ:
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: “ثَلَاثَةٌ لَا يَسْتَخِفُّ بِحَقِّهِنَّ إِلَّا مُنَافِقٌ: إِمَامٌ مُقْسِطٌ، وَمُعَلِّمُ الْخَيْرِ، وَذُو الشَّيْبَةِ فِي الْإِسْلَامِ”. مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ.
لَقَدْ أَوْصَتِ الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ أَنْ نُحْسِنَ إِلَى الْكَبِيرِ الَّذِي تَقَدَّمَ بِهِ الْعُمُرُ؛ لِأَنَّ سُنَّةَ الْحَيَاةِ اقْتَضَتْ أَنْ يَعِيشَ الْإِنْسَانُ فَتْرَةَ شَبَابِهِ ثُمَّ يَصِيرَ شَيْخًا كَبِيرًا، قَالَ رَبُّنَا: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾، وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: “إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ”. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.
قَوْلُهُ: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللهِ» أَيْ: تَبْجِيلَهُ وَتَعْظِيمَهُ، «إِكْرَامُ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ» أَيْ: تَعْظِيمُ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ فِي الْإِسْلَامِ بِتَوْقِيرِهِ فِي الْمَجَالِسِ، وَالرِّفْقِ بِهِ، وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، كُلُّ هَذَا مِنْ كَمَالِ تَعْظِيمِ اللهِ؛ لِحُرْمَتِهِ عِنْدَ اللهِ» أ.ه.
[عَوْنُ الْمَعْبُودِ].
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا تَحَدَّثَ عِنْدَهُ اثْنَانِ بِأَمْرٍ مَا بَدَأَ بِأَكْبَرِهِمَا سِنًّا، وَقَالَ: كَبِّرْ كَبِّرْ»، وَفِي مَوْقِفٍ عَمَلِيٍّ تَطْبِيقِيٍّ يُعَلِّمُنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ؛ فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ: إِنِ احْتَرَمْتَ «كِبَارَ السِّنِّ» سَيُسَخِّرُ اللهُ مَنْ يُحْسِنُ إِلَيْكَ فِي عَجْزِكَ وَشَيْخُوخَتِكَ– {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آلِ عِمْرَانَ: 140]-؛
لِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ”. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ثَامِنًا: احْتِرَامُ التَّخَصُّصِ الْعِلْمِيِّ:
مَا أَحْوَجَ الإِسْلَامَ الْيَوْمَ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَحْتَرِمَ كُلُّ مُتَخَصِّصٍ تَخَصُّصَهُ الْعِلْمِيَّ فَلَا يَتَعَدَّى حُدُودَهُ، وَلَا يَتَجَاوَزَ مَجَالَهُ مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وَإِلَّا تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ سُوءُ الْفَهْمِ لِلنُّصُوصِ، وَمُجَافَاةُ مَقَاصِدِهَا، وَصَدَقَ ابْنُ حَجَرٍ حِينَمَا قَالَ: «إِذَا تَكَلَّمَ الْمَرْءُ فِي غَيْرِ فَنِّهِ أَتَى بِهَذِهِ الْعَجَائِبِ» [فَتْحُ الْبَارِي]، وَهَذَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَجْلِبَ عَلَى الْمُجْتَمَعِ بَلْبَلَةَ الأَفْكَارِ، وَعَدَمَ الِاسْتِقْرَارِ، وَلِهَذَا شَرَعَ نَبِيُّنَا التَّخَصُّصَ، فَنَبَّهَ أَنَّ كُلَّ صَحَابِيٍّ قَدْ بَرَعَ فِي عِلْمٍ مُعَيَّنٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِينَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ”. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهَ، ابْنُ حِبَّانَ.
(3) الِاحْتِرَامُ نَمَاذِجُ مُلْهِمَةٌ:
يَجِبُ اسْتِحْضَارُ هَذِهِ الْقِيَمِ الإِيمَانِيَّةِ، وَالتَّمَسُّكُ بِهَا حَتَّى يَبْقَى لِلْمُسْلِمِ سَمْتُهُ وَشَخْصِيَّتُهُ الَّتِي لَا تَذُوبُ فِي شَخْصِيَّةِ الْآخَرِينَ، وَصَدَقَ رَبُّنَا حَيْثُ قَالَ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأَحْزَابُ: 21]، وَلِيَعْلَمْ أَوْلَادُنَا أَنَّ الْخَيْرَ كُلَّ الْخَيْرِ فِي احْتِرَامِ الْكَبِيرِ وَتَوْقِيرِهِ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْبَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ» [رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ].
لَا تَنْظُرْ لِأَحَدٍ بِعَيْنِ الِاحْتِقَارِ وَلَوْ كَانَ عَاصِيًا: يَقُولُ ابْنُ رَجَبٍ: (غَمْطُ النَّاسِ: هُوَ احْتِقَارُهُمْ وَازْدِرَاؤُهُمْ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى النَّفْسِ بِعَيْنِ الْكَمَالِ وَإِلَى غَيْرِهِ بِعَيْنِ النَّقْصِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُحِبَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهَ لَهُمْ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ رَأَى فِي أَخِيهِ الْمُسْلِمِ نَقْصًا فِي دِينِهِ اجْتَهَدَ فِي إِصْلَاحِهِ، قَالَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ: أَهْلُ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ نَظَرُوا بِنُورِ اللَّهِ، وَعَطَفُوا عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي، مَقَتُوا أَعْمَالَهُمْ، وَعَطَفُوا عَلَيْهِ؛ لِيُزِيلُوهُمْ بِالْمَوَاعِظِ عَنْ فِعَالِهِمْ، وَأَشْفَقُوا عَلَى أَبْدَانِهِمْ مِنَ النَّارِ، لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا حَقًّا حَتَّى يَرْضَى لِلنَّاسِ مَا يَرْضَاهُ لِنَفْسِهِ) أ.ه. [جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ].
*تِلْكَ الْحَادِثَةُ الَّتِي تُعْطِيكَ نَمُوذَجًا حَيًّا فِي خُلُقِ الِاحْتِرَامِ الَّذِي تَرَبَّى عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-؛ فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأُتِيَ بِجُمَّارَةٍ، فَقَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ»، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، فَسَكَتُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ النَّخْلَةُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]، فَانْظُرْ كَيْفَ آثَرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- السُّكُوتَ وَأَبَى الْكَلَامَ فِي حُضُورِ كِبَارِ الصَّحَابَةِ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، بَلْ سَيْطَرَ عَلَيْهِ الْحَيَاءُ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: «فَاسْتَحْيَيْتُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، فَلَيْسَ مِنْ أَدَبِ الإِسْلَامِ الِاسْتِخْفَافُ بِالْكَبِيرِ، أَوْ إِسَاءَةُ الأَدَبِ فِي حَضْرَتِهِ، أَوْ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي وَجْهِهِ بِكَلَامٍ يُسِيءُ إِلَى قَدْرِهِ وَعُمُرِهِ.
*عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: «لَقَدْ كُنْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُلَامًا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ عَنْهُ، فَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا أَنَّ هَا هُنَا رِجَالًا هُمْ أَسَنُّ مِنِّي» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
*عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ قَالَ: «مَشَيْتُ مَعَ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى زُقَاقٍ ضَيِّقٍ، فَتَخَلَّفْتُ وَتَقَدَّمَ طَلْحَةُ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ أَكْبَرُ مِنِّي بِيَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ مَا تَقَدَّمْتُ» . [رَوَاهُ الْخَرَائِطِيُّ فِي «مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ»].
*قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ: «لَمَّا وَلِيَ زِيَادٌ الْعِرَاقَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ خِلَالًا ثَلَاثًا، نَبَذْتُ إِلَيْكُمْ فِيهِنَّ النَّصِيحَةَ: رَأَيْتُ إِعْظَامَ ذَوِي الشَّرَفِ، وَإِجْلَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَتَوْقِيرَ ذَوِي الْأَسْنَانِ، وَإِنِّي أُعَاهِدُ اللَّهَ عَهْدًا، لَا يَأْتِينِي شَرِيفٌ بِوَضِيعٍ لَمْ يَعْرِفْ لَهُ حَقَّ شَرَفِهِ إِلَّا عَاقَبْتُهُ، وَلَا يَأْتِينِي كَهْلٌ بِحَدَثٍ لَمْ يَعْرِفْ لَهُ حَقَّ فَضْلِ سِنِّهِ عَلَى حَدَاثَتِهِ إِلَّا عَاقَبْتُهُ، وَلَا يَأْتِينِي عَالِمٌ بِجَاهِلٍ لَاحَاهُ فِي عِلْمِهِ لِيُهَجِّنَهُ عَلَيْهِ إِلَّا عَاقَبْتُهُ؛ فَإِنَّمَا النَّاسُ بِأَشْرَافِهِمْ، وَعُلَمَائِهِمْ، وَذَوِي أَسْنَانِهِمْ» . [رَوَاهُ الْخَرَائِطِيُّ فِي «مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ»].
الْحَيَوَانَاتُ وَالْجَمَادَاتُ لَهَا نَصِيبٌ مِنْ هَذَا الِاحْتِرَامِ: تَخَطَّتْ قِيمَةُ الِاحْتِرَامِ كُلَّ الْحُجُزِ، وَفَاقَتْ كُلَّ الأَوْصَافِ حَتَّى شَمِلَتْ حُسْنَ التَّعَامُلِ مَعَ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ الَّتِي لَا تَعْقِلُ، فَقَدْ يَتَصَوَّرُ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا مُنْعَدِمَةُ الشُّعُورِ وَالإِحْسَاسِ، لَكِنْ يُخْبِرُنَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ خِلَافَ ذَلِكَ: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإِسْرَاءِ: 44].
عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: «الشَّجَرَةُ تُسَبِّحُ، وَالْأُسْطُوَانَةُ تُسَبِّحُ» . [رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي «جَامِعِ الْبَيَانِ»].
وَعَنْ عِكْرِمَةَ- أَيْضًا- قَالَ: «لَا يَعِيبَنَّ أَحَدُكُمْ دَابَّتَهُ وَلَا ثَوْبَهُ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ». [رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي «جَامِعِ الْبَيَانِ»].
وَهَذَا الَّذِي حَدَا بِرَسُولِنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقَعَ احْتِرَامُهُ عَلَى هَذَا الْعَالَمِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ؛ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: «دَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا فِيهِ نَاضِحٌ لَهُ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ وَسَرَاتَهُ، فَسَكَنَ، فَقَالَ: «مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ؟» فَجَاءَ شَابٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: أَنَا، فَقَالَ: «أَلَا تَتَّقِي اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاهَا، فَإِنَّهُ شَكَاكَ إِلَيَّ وَزَعَمَ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ].
أَثَرُ قِيمَةِ الِاحْتِرَامِ فِي «الْحَضَارَةِ الإِسْلَامِيَّةِ»: عَبْرَ تَطْبِيقِ قِيَمِ الِاحْتِرَامِ كَانَتْ حَضَارَتُنَا حَضَارَةً حَيَوِيَّةً امْتِدَادِيَّةً عَبَرَتِ الْعَالَمَ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَصَارَتْ صَالِحَةً لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَمِدُّ نُورَهَا، وَمَصْدَرَ قُوَّتِهَا مِنْ خَالِقِ الْقُوَى وَالْقُدَرِ: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الْمُلْكِ: 14].
*احْتَرَمَت الْمَرْأَةَ وَكَرَّامَتْهَا فِي كُلِّ مَرَاحِلِ حَيَاتِهَا: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النَّحْلِ: 97].
*احْتَرَمَت مَشَاعِرَ الإِنْسَانِ حَيْثُ حَارَبَتِ الْيَأْسَ وَالتَّشَاؤُمَ، وَبَعَثَتِ الأَمَلَ وَالرَّجَاءَ وَالِاعْتِزَازَ فِي نُفُوسِ الْحَيَارَى وَالْخَائِفِينَ.
*احْتَرَمَت غَرَائِزَهُ وَمُتَطَلَّبَاتِهِ فَجَمَعَتْ بَيْنَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا بِحَيْثُ لَا يَطْغَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [الْقَصَصِ: 77].
*اِحْتَرَمَت عَقْلَ الإِنْسَانِ، فَفَتَحَت أَبْوَابَ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَلَمْ تَجْعَلْهُمَا حِكْرًا عَلَى أَحَدٍ، وَوَفَّقَتْ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَلَمْ تَجْعَلْهُمَا مُتَعَارِضَيْنِ، اِنْفَتَحَتْ عَلَى غَيْرِهَا، فَأَخَذَتْ وَاقْتَبَسَتْ مِنْهُ، لَكِنْ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ أَعْمَلَتْ عَقْلَهَا وَقَلَمَهَا، وَلَمْ تَذُبْ فِي هُوِيَّةِ غَيْرِهَا، فَحَفِظَتْ تُرَاثَهَا وَمَجْدَهَا إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، حَتَّى كَتَبَ «غُوسْتَافُ لُوبُونَ» كِتَابًا أَسْمَاهُ: «حَضَارَةُ الْعَرَبِ»، وَجَعَلَ الْمُسْتَشْرِقَةَ الأَلْمَانِيَّةَ: «زِيفْرِيدُ هُونْكَةُ» تَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ فِي أُورُوبَّا لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا الْقَلِيلَ عَنْ جُهُودِ الْحَضَارَةِ الإِسْلَامِيَّةِ الْخَالِدَةِ وَدَوْرِهَا نَحْوَ حَضَارَاتِ الْغَرْبِ» أ.ه. [شَمْسُ الْعَرَبِ تَسْطَعُ عَلَى الْغَرْبِ].
نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنَا حُسْنَ الْعَمَلِ، وَفَضْلَ الْقَبُولِ، إِنَّهُ أَكْرَمُ مَسْؤُولٍ، وَأَعْظَمُ مَأْمُولٍ، وَأَنْ يَجْعَلَ بَلَدَنَا مِصْرَ سَخَاءً رَخَاءً، أَمْنًا أَمَانًا، سِلْمًا سَلَامًا وَسَائِرَ بِلَادِ الْعَالَمِينَ، وَوَفِّقْ وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا فِيهِ نَفْعُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ.
أَعَدَّهُ: الفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ الحَنَّانِ المَنَّانِ د/ مَحْرُوسُ رَمَضَانُ حِفْظِي عَبْدُ العَالِ
مُدَرِّسُ التَّفْسِيرِ وَعُلُومِ القُرْآنِ ـ كُلِّيَّةُ أُصُولِ الدِّينِ وَالدَّعْوَةِ ـ أَسْيُوطُ
_____________________________________
للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة
وللمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف








