أخبار مهمةالخطبة المسموعةخطبة الأسبوعخطبة الجمعةخطبة الجمعة القادمة ، خطبة الجمعة القادمة لوزارة الأوقاف المصرية مكتوبة word pdfعاجل

خطبة الجمعة : قِيمَةُ الاحترامِ ، للدكتور أحمد رمضان

خطبة الجمعة القادمة 9 يناير 2026 بعنوان : قِيمَةُ الاحترامِ ، إعداد: رئيس التحرير الدكتور أحمد رمضان لـ صوت الدعاة ، بتاريخ 20 رجب 1447هـ ، الموافق 9 يناير 2026م.

 

لتحميل خطبة الجمعة القادمة 9 يناير 2026م بصيغة word بعنوان : قِيمَةُ الاحترامِ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان لـ صوت الدعاة.

 

 انفراد لتحميل خطبة الجمعة القادمة 9 يناير 2026م بصيغة pdf بعنوان : قِيمَةُ الاحترامِ ، للدكتور أحمد رمضان.

 

عناصر خطبة الجمعة القادمة 9 يناير 2026م بعنوان : قِيمَةُ الاحترام، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان.

 

العُنْصُرُ الأَوَّلُ: الإِسْلَامُ دِينُ الِاحْتِرَامِ وَتَكْرِيمِ الإِنْسَانِ.

العُنْصُرُ الثَّانِيُ: آثَارُ الِاحْتِرَامِ فِي بِنَاءِ الإِنْسَانِ وَتَمَاسُكِ الْمُجْتَمَعِ.

العُنْصُرُ الثَّالِثُ: مَظَاهِرُ الِاحْتِرَامِ فِي الإِسْلَامِ وَحُقُوقُهُ الْعَمَلِيَّةُ.

العُنْصُرُ الرَّابِعُ: فَضْلُ التَّبَرُّعِ بِالدَّمِ وَإِحْيَاءِ النُّفُوسِ (مبادرة صحح مفاهيمك).

 

ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 9 يناير 2026م : قِيمَةُ الاحترام ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان : كما يلي:

 

  قِيمَةُ الاحترامِ

20 رجب 1447هـ – 9 يناير 2026م

إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان

المـــوضــــــــــوع

الحمدُ للهِ الذي شرعَ الأخلاقَ، وغرسَ القيمَ، وجعلَ كرامةَ الإنسانِ أساسَ الدينِ وعمادَ العمرانِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، جعلَ الاحترامَ ميزانَ التعاملِ، ودليلَ الرقيِّ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أدبَ فأحسنَ، وربى فأكملَ، فكانَ خلقُهُ قرآنًا، وسلوكُهُ ميزانًا، صلى اللهُ وسلمَ وباركَ عليهِ، وعلى آلهِ وصحبِهِ، ومن اهتدى بهديهِ إلى يومِ الدينِ، أما بعدُ…

عناصر الخطبة:

العُنْصُرُ الأَوَّلُ: الإِسْلَامُ دِينُ الِاحْتِرَامِ وَتَكْرِيمِ الإِنْسَانِ.

العُنْصُرُ الثَّانِيُ: آثَارُ الِاحْتِرَامِ فِي بِنَاءِ الإِنْسَانِ وَتَمَاسُكِ الْمُجْتَمَعِ.

العُنْصُرُ الثَّالِثُ: مَظَاهِرُ الِاحْتِرَامِ فِي الإِسْلَامِ وَحُقُوقُهُ الْعَمَلِيَّةُ.

العُنْصُرُ الرَّابِعُ: فَضْلُ التَّبَرُّعِ بِالدَّمِ وَإِحْيَاءِ النُّفُوسِ (مبادرة صحح مفاهيمك).

فإنَّ الأممَ لا تقاسُ بما تملكُهُ من قوةٍ أو ثروةٍ، ولكن تقاسُ بما تحملُهُ من قيمٍ، وإنَّ من أجلِّ هذه القيمِ وأعظمِها الاحترامُ، خلقٌ بهِ تصانُ الكراماتُ، وتحفظُ الحقوقُ، وتستقيمُ العلاقاتُ، فإذا غابَ الاحترامُ حضرَ التعدي، وإذا سقطَ التوقيرُ سقطتْ معهُ المروءاتُ، وكانَ ذلكَ إيذانًا بتفككِ الأسرِ، واضطرابِ المجتمعاتِ، وضياعِ المقاصدِ.

العُنْصُرُ الأَوَّلُ: الإِسْلَامُ دِينُ الِاحْتِرَامِ وَتَكْرِيمِ الإِنْسَانِ

أيها المؤمنون، ليس الاحترامُ في الإسلامِ خُلُقًا ثانويًّا، ولا زينةً اجتماعيّةً، ولا سلوكًا اختياريًّا يُحسِنُهُ بعضُ الناسِ ويُهملُهُ آخرون، بل هو حقيقةٌ كبرى قامَ عليها بناءُ الإنسانِ في هذا الدِّين، وأصلٌ عظيمٌ تُفهمُ بهِ النظرةُ إلى النفسِ، وإلى الآخرِ، وإلى المجتمعِ كلِّه.

لقد أرادَ الإسلامُ للإنسانِ أن يعيشَ مرفوعَ الرأسِ، محفوظَ الكرامةِ، مصونَ القيمةِ، قبل أن يُحاسَبَ على صلاحِه أو فسادهِ، فجاءَ النصُّ القرآنيُّ الحاسمُ الذي لا يقبلُ تأويلًا مُفرِّغًا ولا فهمًا مُبتورًا، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].

إنها آيةُ التكريمِ المطلق، تكريمٌ سابقٌ على السلوكِ، سابقٌ على الطاعةِ والمعصيةِ، سابقٌ على القوةِ والضعفِ، والغنى والفقرِ، والجاهِ والخمولِ، قال ابنُ كثيرٍ في تفسيرِها: “يخبرُ تعالى عن تشريفِه بنيَ آدمَ، وتكريمِه إياهمَ، في خلقِه لهم على أحسنِ الهيئاتِ وأكملِها كما قالَ: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التينِ: 4]” (تفسير ابن كثير، ج5، ص97).

ومن هنا نفهمُ – عبادَ الله – أنَّ الاحترامَ في الإسلامِ ليس ردَّ فعلٍ، بل موقفٌ ثابت، ليس مكافأةً تُمنَح، بل حقٌّ أصيل، فالإنسانُ محترمٌ لأنه إنسانٌ، لا لأنه قويٌّ أو صالحٌ أو متفوّق.

ولم يكتفِ القرآنُ بإعلانِ هذا الأصلِ، بل انتقلَ بهِ من مقامِ التقريرِ إلى مقامِ الحمايةِ، فسدَّ كلَّ الأبوابِ التي تُفضي إلى كسرِ الكرامةِ أو امتهانِ الإنسانِ، فنهى عن السخريةِ، واللمزِ، والتنابزِ بالألقابِ، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11]

إنها ليست ألفاظًا عابرة، بل سدٌّ وقائيٌّ يحمي المجتمعَ من الانحدارِ الأخلاقيِّ، لأن السخريةَ تبدأُ كلمةً، ثم تتحوّلُ نظرةً، ثم تصيرُ احتقارًا، ثم عدوانًا وبغضاءً. ولهذا قال بكرُ بنُ عبدِ اللهِ المزنيُّ كلمةً لو وعاها الناسُ لانطفأتْ نيرانُ الخصوماتِ:إذا أردتَ أن تنظرَ العيوبَ جمّةً فتأمّل عيّابًا، فإنّه إنّما يعيبُ الناسَ بفضلِ ما فيهِ من العيبِ” تفسير القرطبي (ج16، ص327).

ثم يرتقي القرآنُ بالمعنى إلى ذروةٍ أعظم، فيربطُ الاحترامَ بحفظِ الحياةِ نفسها، فيجعلُ الاعتداءَ على نفسٍ واحدةٍ عدوانًا على الإنسانيّةِ كلِّها، فقال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: 32].

ويكشف ابنُ كثيرٍ سرَّ هذه الآيةِ العجيبةِ حين قال: “فكأنما قتلَ الناسَ جميعًا؛ لأنه لا فرقَ عنده بين نفسٍ ونفسٍ، (ومن أحياها) أي: حرمَ قتلها واعتقدَ ذلكَ، فقد سلمَ الناسُ كلهم منه بهذا الاعتبارِ” (تفسير ابن كثير، ج3، ص92).

ثم جاءت السُّنّةُ النبويّةُ لتجعل هذا الأصلَ حيًّا متحرّكًا في واقعِ الناسِ، لا شعارًا يُرفع، فقال النبيُّ ﷺ: “لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا» رواه أحمد (6753) وأبو داود (4943). حديث حسن.

تأمّلوا التعبير: ليس منّا… نفيُ انتماءٍ لا مجرّد ذمٍّ، لأن مجتمعًا لا يُوقِّرُ كبارَهُ ولا يرحمُ صغارَهُ مجتمعٌ مهدّدٌ في إنسانيّتهِ قبل أمنهِ. ثم يرفع النبيُّ ﷺ السقفَ أكثر، فيربطُ احترامَ الإنسانِ بإجلالِ اللهِ نفسه، فيقول: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرَ الْغَالِي فِيهِ وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» رواه أبو داود (رقم 4843) حديث حسن.

ولم يكن ذلك نظريًّا، بل عاشه الصحابةُ واقعًا، حتى شهدَ بهِ الأعداءُ قبل الأحبابِ، كما قال عروةُ بنُ مسعودٍ: واللهِ لقد وفَدْتُ إلى الملوكِ ووفَدْتُ إلى كسرى وقيصرَ والنَّجاشيِّ واللهِ ما رأَيْتُ ملِكًا قطُّ يُعظِّمُه أصحابُه ما يُعظِّمُ أصحابُ محمَّدٍ محمَّدًا”. ابن حبان (4872). صحيح.

ثم يُغلِقُ النبيُّ ﷺ البابَ تمامًا أمام أيّ تبريرٍ للاحتقارِ، فيقول: «وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا. المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، ولا يَخْذُلُهُ، ولا يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى هاهُنا. ويُشِيرُ إلى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. بحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلِمَ. كُلُّ المُسْلِمِ علَى المُسْلِمِ حَرامٌ؛ دَمُهُ، ومالُهُ، وعِرْضُهُ» رواه البخاري (6064) ومسلم (رقم 2564).

وهنا يفهمُ السلفُ الدرسَ بعمقٍ، فيجعلون الأدبَ أساسَ العلمِ، والاحترامَ أصلَ التربيةِ، فيقول عبد الله بن المباركِ: “طلبت الأدبَ ثلاثين سنةً، وطلبت العلمَ عشرين سنةً، وكانوا يطلبون الأدبَ ثم العلمَ”. غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري (1/446)، وقال أيضًا: “كاد الأدبُ يكون ثلثيَ العلمِ”. صفة الصفوة لابن الجوزي (4/120)، قال سفيانُ الثوريُّ: “كانوا لا يخرجون أبناءهم لطلبِ العلمِ حتى يتأدبوا ويتعبدوا عشرينَ سنةً” حليةُ الأولياء لأبي نعيمٍ الأصبهانيِّ (6/316).

وعن أبي زكريا يحيى بن محمد العنبريِّ قالَ: “علمٌ بلا أدبٍ كنارٍ بلا حطبٍ، وأدبٌ بلا علمٍ كجسمٍ بلا روحٍ” الجامعُ لأخلاقِ الراوي وآدابِ السامعِ للخطيبِ البغداديِّ (1/80)؛ وأدبُ الإملاءِ للسمعانيِّ (ص 2).

وقال الليثُ بنُ سعدٍ: “أنتم إلى يسيرٍ من الأدبِ أحوجُ منكم إلى كثيرٍ من العلمِ” شرفُ أصحابِ الحديثِ للخطيبِ البغداديِّ (ص 122). وهكذا، خرجَ الإسلامُ إنسانًا يعرفُ قدرَ نفسهِ، ويحفظُ قدرَ غيرهِ، ويبني مجتمعًا لا تقومُ فيهِ العلاقاتُ على القهرِ، بل على الكرامةِ، ولا على الاحتقارِ، بل على الاحترامِ.

العُنْصُرُ الثَّانِيُ: آثَارُ الِاحْتِرَامِ فِي بِنَاءِ الإِنْسَانِ وَتَمَاسُكِ الْمُجْتَمَعِ

عبادَ الله، يقرّرُ الإسلامُ حقيقةً عميقةً في بابِ القيمِ، وهي أنَّ القِيَمَ لا تُقاسُ بما يُقالُ عنها، ولا بما يُكتبُ في تعريفِها، ولكن بما تُخلِّفهُ من آثارٍ حيّةٍ في النفوسِ، وبما تصنعُهُ في واقعِ الناسِ. وإنَّ من أعظمِ هذه القيمِ أثرًا في بناءِ الإنسانِ، واستقامةِ المجتمعِ، وحفظِ توازنِ الحياةِ: قيمةَ الاحترامِ.

فالاحترامُ ليس خُلُقًا تجميليًّا، ولا سلوكًا فرديًّا محدودَ الأثرِ، بل هو قوّةٌ خفيّة تحفظُ الحقوقَ، وتمنعُ الظلمَ قبل وقوعِه، وتُقيمُ ميزانَ العدلِ بين الناسِ دون حاجةٍ إلى خصومةٍ أو قضاءٍ أو صراعٍ.

ومن هنا جاء الخطابُ القرآنيُّ واضحًا صريحًا، لا يكتفي بالدعوةِ إلى العدلِ، بل يُحمِّلُ الإنسانَ مسؤوليّةَ القيامِ بهِ في كلِّ حالٍ، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: 135]. فالقيامُ بالقسطِ لا يتحقّقُ إلا إذا استقرَّ في القلبِ احترامُ الإنسانِ، وإدراكُ حقِّه، والكفُّ عن بخسِه أو الانتقاصِ منه.

ولهذا شدّدَ القرآنُ في النهيِ عن كلِّ صورةٍ من صورِ امتهانِ الحقوقِ، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: 85]. فقال الإمامُ الطبريُّ في تفسيرِها: “ولا تنقصوا الناسَ حقوقهمُ التي يجبُ عليكمُ أن توفوهمُ كيلا أو وزنا أو غيرَ ذلكَ… قال قتادةُ: لا تظلموا الناسَ أشياءهمُ» تفسيرُ الطبريِّ ج12، ص540–541.

فكلُّ انتقاصٍ، وكلُّ استخفافٍ، وكلُّ تجاهلٍ لحقٍّ، هو خرقٌ لقيمةِ الاحترامِ، وبدايةُ خللٍ في بناءِ المجتمعِ.

ولم يقتصرِ الإسلامُ على حفظِ الحقوقِ الماديّةِ فقط، بل جعلَ الكلمةَ، وهي أيسرُ الأفعالِ، وأسرعُها أثرًا، مقياسًا من مقاييسِ الاحترامِ والسِّلمِ الاجتماعيِّ، فقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]. فأمرَ بحُسنِ القولِ مع الناسِ جميعًا، لأنهُ مفتاحُ القلوبِ، وجسرُ الثقةِ، وسدٌّ منيعٌ دونَ العداوةِ والفتنِ. وقد فهِمَ أهلُ العلمِ هذا المعنى فَهْمًا عميقًا، فقال الإمامُ القرطبيُّ في تفسيرِ هذه الآيةِ: “فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لِلنَّاسِ لَيِّنًا، وَوَجْهُهُ مُنْبَسِطًا طَلْقًا، مَعَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَالسُّنِّيِّ وَالْمُبْتَدِعِ، مِنْ غَيْرِ مُدَاهَنَةٍ، … لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى وَهَارُونَ: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]» تفسيرُ القرطبيِّ ج2، ص16.

هذه الآية تقرّر أصلًا عظيمًا: أن الاحترام في الخطاب ليس تزكيةً للباطل، بل منهجٌ ربّانيٌّ في الدعوة، حتى مع فرعون. فإذا أُمِرَ موسى وهارون باللين مع فرعون، فمن باب أولى أن يُحفظ احترام الإنسان مع عموم الناس، مسلمين وغير مسلمين، برًّا كانوا أو فُجّارًا.

ثم جاءتِ السُّنّةُ النبويّةُ تُجسِّدُ هذه المعاني في تربيةِ الفردِ، فجعلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ضبطَ اللسانِ، وهو أوضحُ مظاهرِ الاحترامِ، علامةً على كمالِ الإيمانِ، فقال: “مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» رواه البخاري (6018) ومسلم (47). فاللسانُ إذا صلحَ، صلحَت العلاقاتُ، وإذا فسدَ، تمزّقت الروابطُ، وانفرطَ عقدُ المجتمعِ.

ولم يكن الرفقُ عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم خُلُقًا هامشيًّا، بل منهجًا عامًا في التعاملِ مع الناسِ، فقال: “إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ» رواه البخاري (6927) ومسلم (2165).

والرفقُ لا يصدرُ إلا عن قلبٍ يعظّمُ الناسَ، ويعرفُ أقدارَهم، ويحترمُ ضعفَهم قبل قوّتِهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه: “أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقَالُوا: مَاتَتْ، قَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟ فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهَا”. رواه البخاري (458) ومسلم (956). احترام النبي ﷺ لهذه المرأة – وهي خادمة للمسجد – درسٌ عمليٌّ في أن قيمة الإنسان لا تُقاس بمنصبه ولا مظهره. فالاحترام في الإسلام لا يعرف طبقيّة، ولا يحتقر البسطاء، بل يرفعهم بالكرامة الإنسانية.

ولذلك حذّرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من أخطرِ ما يهدمُ الأخوّةَ، وهو الاحتقارُ، فقال: “بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» رواه مسلم (2564).

فكأنَّ الاحتقارَ وحدَهُ كافٍ ليضعَ الإنسانَ في دائرةِ الشرِّ، لأنهُ يهدمُ أصلَ الاحترامِ الذي تُبنى عليهِ المجتمعاتُ.

وقد فَهِمَ العلماءُ هذا التحذيرَ النبويَّ، فقال الإمامُ النوويُّ في شرحِه: “في هذا الحديثِ تحريمُ احتقارِ المسلمِ، وبيانُ أنَّ ذلكَ من الظلمِ المحرَّمِ» شرح صحيح مسلم (16/120). وقال الإمامُ ابنُ حجرٍ: “وفيه تحريمُ احتقارِ المسلمِ، وبيانُ أنَّ ذلكَ من شرِّ الأمورِ» فتح الباري (10/444).

ومن هنا أدركَ السلفُ أنَّ بناءَ الإنسانِ لا يبدأُ بكثرةِ المعلوماتِ، بل بتزكيةِ الأخلاقِ، وتربيةِ النفسِ على الاحترامِ، فقال عبدُ اللهِ بنُ المباركِ رحمه الله: “نحنُ إلى قليلٍ من الأدبِ أحوجُ منّا إلى كثيرٍ من العلمِ» حلية الأولياء (8/165). وقال الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ رحمه الله: “الناسُ إلى الأدبِ أحوجُ منهم إلى كثيرٍ من العلمِ» الآداب الشرعية (2/13).

وبهذا يتبيّنُ أنَّ آثارَ الاحترامِ ليست آثارًا أخلاقيّةً عابرةً، بل هي أساسُ تزكيةِ الفردِ، وعمادُ تماسكِ المجتمعِ، وجسرُ تحقيقِ مقاصدِ الشريعةِ في حفظِ الدينِ، والنفسِ، والعقلِ، والمالِ، والعِرضِ، تمهيدًا للانتقالِ إلى العُنْصُرِ الثَّالِثِ المتعلّقِ بمظاهرِ الاحترامِ العمليّةِ، وحقوقِه التفصيليّةِ في واقعِ الحياةِ.

العُنْصُرُ الثَّالِثُ: مَظَاهِرُ الِاحْتِرَامِ فِي الإِسْلَامِ وَحُقُوقُهُ الْعَمَلِيَّةُ

لم يجعلِ الإسلامُ الاحترامَ قيمةً مجرّدةً تُذكرُ في الخُطبِ وتُنسى في الواقعِ، بل حوّلهُ إلى منظومةِ حقوقٍ وسلوكٍ عمليٍّ، تظهرُ آثارُها في أدقِّ تفاصيلِ الحياةِ، من البيتِ إلى المجتمعِ، ومن علاقةِ الإنسانِ بنفسِهِ إلى تعاملِهِ مع مخالفيهِ وضعفائِهِ.

أولًا: احترامُ الوالدينِ وأصلُ التوقيرِ الأسريِّ

قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]، فجعلَ اللهُ الإحسانَ إلى الوالدينِ قرينَ التوحيدِ، لأنَّ الأسرةَ هي المدرسةُ الأولى التي يُبنى فيها خُلُقُ الاحترامِ.

وقال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23]، فمنعَ أقلَّ لفظٍ يدلُّ على الضيقِ، وأوجبَ القولَ الكريمَ، وهو غايةُ الاحترامِ في الخطابِ. قال ابنُ كثيرٍ: «أيْ لَا تُسْمِعْهُمَا قَوْلًا سَيِّئًا، حَتَّى وَلَا التَّأْفِيفَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى مَرَاتِبِ الْقَوْلِ السَّيِّئِ، ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ أَيْ وَلَا يَصْدُرْ مِنْكَ إِلَيْهِمَا فِعْلٌ قَبِيحٌ… وَلَمَّا نَهَاهُ عَنِ الْقَوْلِ الْقَبِيحِ وَالْفِعْلِ الْقَبِيحِ أَمَرَهُ بِالْقَوْلِ الْحَسَنِ وَالْفِعْلِ الْحَسَنِ، فَقَالَ: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ أَيْ لَيِّنًا طَيِّبًا حَسَنًا، بِتَأَدُّبٍ وَتَوْقِيرٍ وَتَعْظِيمٍ. تفسير ابن كثير (5/ 64، 65). وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ» رواه الترمذي (1899) حديث حسّن.

ثانيًا: احترامُ الكبارِ والعلماءِ وأهلِ السابقةِ

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا» رواه أحمد (6753) وأبو داود (4943) حديث حسّن صحيح. قال الإمام مالك: “ما تعلَّمتُ العلمَ حتّى تعلَّمتُ له السكينةَ”. الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة – لابن عبد البر (ص 37).

ثالثًا: احترامُ الصغارِ والضعفاءِ وصيانةُ إنسانيتِهِم

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ» رواه البخاري (7376) ومسلم (2319)، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ بِضُعَفَائِكُمْ» رواه البخاري (2896). قال الحسنُ البصريُّ رحمه الله: “مَا نَظَرَ أَحَدٌ إِلَى نَفْسِهِ إِلَّا بِالْمَقْتِ، وَلَا نَظَرَ إِلَى النَّاسِ إِلَّا بِالرَّحْمَةِ”. حلية الأولياء (2/147).

رابعًا: احترامُ النفسِ وحفظُ الكرامةِ الإنسانيّةِ

قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: 139]، فنَهى عن المذلّةِ، لأنَّ إهانةَ النفسِ مدخلٌ لإهانةِ الآخرينِ، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» رواه مسلم (2664).

قالَ الحسنُ البصريُّ رحمهُ اللهُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ جَمَعَ إِحْسَانًا وَهَيْبَةً، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ جَمَعَ إِسَاءَةً وَجَرَأَةً». حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ (2/147). وهذا القولُ يُقَرِّرُ أنَّ الهيبةَ ثمرةُ الاستقامةِ والكرامةِ، وأنَّ سقوطَ الهيبةِ ملازمٌ لسقوطِ القيمِ، فحيثُ ضاعتِ الأخلاقُ تجرّأ الناسُ، وحيثُ استقامتِ النفوسُ وُجِدَ الوقارُ والاحترامُ.

وقالَ سفيانُ الثوريُّ رحمهُ اللهُ: «إِنَّمَا يُهَابُ الْعَبْدُ عَلَى قَدْرِ مَا يَقُومُ لِلَّهِ فِي نَفْسِهِ». حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ (7/38). فربطَ الهيبةَ بصلاحِ الباطنِ، واستقامةِ السريرةِ، وتعظيمِ العبدِ لحقِّ اللهِ في نفسِهِ، لا بالمظاهرِ الخادعةِ ولا بالقوّةِ المصطنعةِ.

وقالَ الفضيلُ بنُ عياضٍ رحمهُ اللهُ: «مَنْ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ عِنْدَ اللَّهِ، لَمْ يَضَعْهَا عِنْدَ النَّاسِ». سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ للذهبي (8/436). وهو تقريرٌ بليغٌ لمعنى أنَّ الكرامةَ الحقيقيةَ تنبعُ من معرفةِ الإنسانِ لقيمتِهِ الشرعيّةِ، لا من طلبِ الاعتبارِ من الخلقِ ولا من التكسّبِ بالمهانةِ.

وقالَ الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ رحمهُ اللهُ: «يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ، فَيُعْرَفَ بِذَلِكَ». الآدَابُ الشَّرْعِيَّةُ لابنِ مفلحٍ (2/14). فجعلَ الاحترامَ الاجتماعيَّ ثمرةً للسكينةِ والوقارِ، لا للشدّةِ ولا للقسوةِ ولا لادّعاءِ الهيبةِ بغيرِ حقٍّ.

خامسًا: احترامُ الناسِ في أموالِهِم وأعراضِهِم وحقوقِهِم

قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: 85]، فجعلَ احترامَ الحقوقِ الماليّةِ أصلًا في العدلِ الاجتماعيِّ. وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» رواه مسلم (2564).

قال ابنُ بطّالٍ رحمهُ اللهُ: «وفي هذا الحديثِ تحريمُ ظلمِ المسلمِ، واحتقارِه، وتركِ نُصرتهِ، وأنَّ ذلكَ كلَّهُ من الكبائرِ». شرح صحيح البخاري (9/302). وقال ابنُ حجرٍ رحمهُ اللهُ في شرحه لحديث الاحتقار، مبيِّنًا خطورته وآثاره: فتح الباري لابن حجر (10/436).

سادسًا: احترامُ الاختلافِ وضبطُ الخلافِ

قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8]، فأوجبَ العدلَ حتى مع المخالفِ. وقال الشافعيُّ: «ما ناظرتُ أحدًا إلا أحببتُ أن يُسدَّدَ ويُعانَ» مناقب الشافعي للبيهقي (2/203).

فهذه المظاهرُ المتعددةُ تُبيّنُ أنَّ الاحترامَ في الإسلامِ ليس خُلُقًا جزئيًّا، بل نظامٌ شاملٌ يحكمُ علاقةَ الإنسانِ بربِّهِ، وبنفسِهِ، وبأهلِهِ، وبمجتمعِهِ، وبالمخالفِ لهُ، وبالضعيفِ والسلطةِ معًا، وبهذا يتحقّقُ الأمنُ، وتُحفَظُ المروءاتُ، وتستقيمُ الحياةُ.

الخُطبة الثانية

الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيهِ كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلّى اللهُ وسلّمَ وباركَ عليهِ، وعلى آلهِ وصحبِهِ أجمعينَ. أمّا بعدُ…

ومن أسمى صورِ الاحترامِ، وأصدقَ مظاهرِ الأخوّةِ، وأعظمَ دلائلِ الرحمةِ، هو أن يقفَ الإنسانُ عندَ حاجةِ غيرِهِ موقفَ المنقذِ، لا موقفَ المتفرّجِ، وأن يُقدِّمَ للحياةِ ما يُبقيها، لا أن يكتفي بالكلامِ عن قيمِها.

ومن هنا ننتقلُ إلى صورةٍ عمليّةٍ جليلةٍ، يجتمعُ فيها احترامُ النفسِ، وتعظيمُ الإنسانِ، وإحياءُ الأرواحِ، وتحقيقُ مقاصدِ الشريعةِ… صورةٍ قلَّ أن يُلتفتَ إليها باعتبارِها عبادةً، مع أنَّها من أجلِّ القُرَبِ، وأعظمِ صورِ الإحسانِ.

وهنا يتجلّى لنا العُنْصُرُ الرَّابِعُ من خُطبتِنا، وهو بيانُ فضلِ التبرّعِ بالدمِ بوصفِهِ عملًا شرعيًّا، وسلوكًا إيمانيًّا، وتجسيدًا حيًّا لاحترامِ الإنسانِ، وإحياءِ النفسِ التي عظّمها اللهُ وحرّمها على الهوانِ.

العُنْصُرُ الرَّابِعُ: فَضْلُ التَّبَرُّعِ بِالدَّمِ وَإِحْيَاءِ النُّفُوسِ

عبادَ اللهِ، إنَّ التبرّعَ بالدمِ ليس عملًا طبيًّا مجرّدًا، ولا سلوكًا إنسانيًّا محدودَ الأثرِ، بل هو في ميزانِ الشريعةِ عبادةٌ عظيمةٌ، وصورةٌ راقيةٌ من صورِ الاحترامِ العمليِّ للإنسانِ، لأنَّهُ يتعلّقُ بأقدسِ حقٍّ شرعيٍّ بعد الإيمانِ، وهو حقُّ الحياةِ.

لقد قرّر القرآنُ هذا الأصلَ تقريرًا قاطعًا حين قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]،

فجعلَ إحياءَ نفسٍ واحدةٍ في ميزانِ اللهِ كإحياءِ البشريّةِ كلِّها، لأنَّ من يُنقذُ نفسًا إنما يُحافظُ على أصلِ العمرانِ، ويصونُ مقصدًا عظيمًا من مقاصدِ الشريعةِ.

وقد بيّنَ أهلُ العلمِ أنَّ الإحياءَ هنا يشملُ كلَّ سببٍ مشروعٍ يُفضي إلى بقاءِ النفسِ وسلامتِها، من علاجٍ، أو إسعافٍ، أو إنقاذٍ، أو بذلِ ما تحتاجُهُ النفسُ لتستمرَّ في الحياةِ، ولا شكَّ أنَّ التبرّعَ بالدمِ داخلٌ في هذا المعنى دخولًا بيِّنًا، إذ بهِ تُنقَذُ المصابونَ، وتُسعَفُ الحوادثُ، وتُعالجُ الأمراضُ، وتُحفظُ الأرواحُ من الهلاكِ.

وقد جاءَتِ السُّنّةُ النبويّةُ تُؤكِّدُ هذا المعنى العامَّ، وتربطُ بين الإيمانِ الحقيقيِّ والنفعِ المتعدّي، فقالَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلّمَ: “أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ» رواه الطبراني 6026، وحسّنه أهلُ العلمِ، ولا نفعَ أعظمَ من نفعٍ يحفظُ حياةَ إنسانٍ، ويُزيلُ عنهِ شبحَ الموتِ، ويُعيدُ لهُ الأملَ بعد اليأسِ. وقالَ صلى اللهُ عليهِ وسلّمَ: “فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» متفقٌ عليه، مسلم (2244) والبخاري (2363) وفي ((الأدب المفرد)) (378)، فإذا كانَ الإحسانُ إلى الحيوانِ مأجورًا، فكيفَ بالإحسانِ إلى الإنسانِ، وبذلِ الدمِ لهُ ليعيشَ ويستمرَّ؟

عبادَ اللهِ، إنَّ المتبرّعَ بالدمِ يُقدِّمُ جزءًا من نفسِهِ، لا على سبيلِ الضررِ، ولا على وجهِ الإلقاءِ إلى التهلكةِ، بل على سبيلِ الإحياءِ، والإحسانِ، والتكافلِ، وهو بذلكَ يجمعُ بين حفظِ النفسِ وتعظيمِ كرامةِ الإنسانِ وتحقيقِ معنى الأخوّةِ الإنسانيّةِ التي دعا إليها الإسلامُ. وقد قرّر الفقهاءُ قاعدةً عظيمةً في هذا البابِ، وهي أنَّ ما لا يتمُّ الواجبُ إلا بهِ فهو واجبٌ، فإذا توقّفتْ حياةُ إنسانٍ على دمٍ يُنقِذُهُ، وكانَ بذلُهُ مأمونَ العاقبةِ، فإنَّ ذلكَ يدخلُ في أبوابِ القُرَبِ والطاعاتِ، لا في أبوابِ التفضُّلِ المجردِ.

ثم إنَّ التبرّعَ بالدمِ يُحيي في المجتمعِ معانيَ الرحمةِ، ويكسرُ أنانيّةَ الفردِ، ويُعيدُ بناءَ الثقةِ بين الناسِ، ويجعلُ المجتمعَ جسدًا واحدًا إذا اشتكى منهُ عضوٌ تداعى لهُ سائرُ الجسدِ بالسهرِ والحمّى، كما وصفَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلّمَ حالَ المؤمنينَ.

فيا عبادَ اللهِ، اجعلوا من التبرّعِ بالدمِ سلوكًا إيمانيًّا، وممارسةً أخلاقيّةً، وصورةً حيّةً من صورِ الاحترامِ العمليِّ للإنسانِ، فإنَّ دينَكم دينُ حياةٍ، ودينُ رحمةٍ، ودينُ إنقاذٍ لا دينَ إهمالٍ ولا لا مبالاةٍ.

المراجع: القرآن الكريم

كتب الحديث: صحيح البخاري، صحيح مسلم، الأدب المفرد للبخاري، سنن أبي داود، سنن الترمذي، المعجم للطبراني. سنن بن ماجه. صحيح ابن حبان.

تفسيرُ الطبريِّ، تفسير القرطبي، تفسير ابن كثير، شرح صحيح مسلم للنووي، فتح الباري لابن حجر، حلية الأولياء لأبي نعيم، سير أعلام النبلاء للذهبي، مناقبُ الشافعي للبيهقي، صفة الصفوة لابن الجوزي، ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي، الحلم ابن أبي الدنيا، غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري، الجامعُ لأخلاقِ الراوي وآدابِ السامعِ للخطيبِ البغداديّ، وأدبُ الإملاءِ للسمعانيِّ، شرفُ أصحابِ الحديثِ للخطيبِ البغداديِّ. الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة لابن عبد البر، الآداب الشرعية لابن مفلج الحنبلي.

د. أحمد رمضان

خُطبةُ صوتِ الدعاةِ – إعداد رئيس التحرير: الدكتور أحمد رمضان

___________________________________

خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف علي صوت الدعاة 

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة

 

تابعنا علي الفيس بوك

 

الخطبة المسموعة علي اليوتيوب

 

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات

 

و للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع

 

للمزيد عن أخبار الأوقاف

 

و للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف

 

للمزيد عن مسابقات الأوقاف

اظهر المزيد

كتب: د.أحمد رمضان

الدكتور أحمد رمضان حاصل علي الماجستير من جامعة الأزهر بتقدير ممتاز سنة 2005م ، وحاصل علي الدكتوراه بتقدير مع مرتبة الشرف الأولي من جامعة الأزهر الشريف سنة 2017م. مؤسس جريدة صوت الدعاة ورئيس التحرير وكاتب الأخبار والمقالات المهمة بالجريدة، ويعمل بالجريدة منذ 2013 إلي اليوم. حاصل علي دورة التميز الصحفي، وقام بتدريب عدد من الصحفيين بالجريدة. للتواصل مع رئيس التحرير على الإيميل التالي: ahmed_dr.ahmed@yahoo.com رئيس التحريـر: د. أحمد رمضان (Editor-in-Chief: Dr. Ahmed Ramadan) للمزيد عن الدكتور أحمد رمضان رئيس التحرير أضغط في القائمة علي رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى