خطبة الجمعة 2 يناير 2026 : قيمةُ الوقتِ فِي حياةِ الإِنسانِ ، للدكتور أحمد رمضان
خطبة الجمعة القادمة 2 يناير 2026 بعنوان : قيمةُ الوقتِ فِي حياةِ الإِنسانِ ، إعداد: رئيس التحرير الدكتور أحمد رمضان لـ صوت الدعاة ، بتاريخ 13 رجب 1447هـ ، الموافق 2 يناير 2026م.
لتحميل خطبة الجمعة القادمة 2 يناير 2026م بصيغة word بعنوان : قِيمَةُ الْوَقْتِ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان لـ صوت الدعاة.
انفراد لتحميل خطبة الجمعة القادمة 2 يناير 2026م بصيغة pdf بعنوان : قِيمَةُ الْوَقْتِ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ ، للدكتور أحمد رمضان.
عناصر خطبة الجمعة القادمة 2 يناير 2026م بعنوان : قِيمَةُ الْوَقْتِ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان.
العُنْصُرُ الأَوَّلُ: الْوَقْتُ عُمْرُ الْإِنْسَانِ وَمِيزَانُ خُسْرَانِهِ أَوْ نَجَاتِهِ.
العُنْصُرُ الثَّانِي: الْوَقْتُ أَمَانَةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَحَيَاةِ السَّلَفِ.
العُنْصُرُ الثَّالِثُ: ثِمَارُ تَعْظِيمِ الْوَقْتِ فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ وَنَهْضَةِ الْمُجْتَمَعِ.
العُنْصُرُ الرّابِعُ: خُطُورَةُ الغِشِّ فِي الِامْتِحَانَاتِ وَأَثَرُهُ فِي هَدْمِ قِيمَةِ الْوَقْتِ (مبادرة صحح مفاهيمك).
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 2 يناير 2026م : قِيمَةُ الْوَقْتِ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان : كما يلي:
قِيمَةُ الْوَقْتِ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ
13 رجب 1447هـ – 2 يناير 2026م
إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان
المـــوضــــــــــوع
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، خلقَ الزمانَ، وجعلَ الليلَ والنهارَ خِلْفَةً، وابتلى عبادَهُ بالأعمارِ لا بطولِها، ولكن بما يُودَعُ فيها من عملٍ وأثرٍ، نحمدُهُ سبحانهُ على نعمةِ الوقتِ، ونشكرُهُ على فرصةِ الحياةِ، ونستعينُهُ على اغتنامِ الساعاتِ قبلَ فواتِها.
وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، جعلَ الوقتَ ميدانَ الامتحانِ، وربطَ النجاةَ بحسنِ استثمارِه، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، خيرُ من عرفَ قيمةَ الزمنِ، وأعظمُ من علَّمَ الأمةَ كيفَ تحيا بالوقتِ لا تقتلُهُ، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وباركْ عليهِ، وعلى آلهِ وصحبِهِ أجمعينَ. أمّا بعدُ:
عناصر الخطبة:
العُنْصُرُ الأَوَّلُ: الْوَقْتُ عُمْرُ الْإِنْسَانِ وَمِيزَانُ خُسْرَانِهِ أَوْ نَجَاتِهِ.
العُنْصُرُ الثَّانِي: الْوَقْتُ أَمَانَةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَحَيَاةِ السَّلَفِ.
العُنْصُرُ الثَّالِثُ: ثِمَارُ تَعْظِيمِ الْوَقْتِ فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ وَنَهْضَةِ الْمُجْتَمَعِ.
العُنْصُرُ الرّابِعُ: خُطُورَةُ الغِشِّ فِي الِامْتِحَانَاتِ وَأَثَرُهُ فِي هَدْمِ قِيمَةِ الْوَقْتِ (مبادرة صحح مفاهيمك).
فيا عبادَ اللهِ، إنَّ من أعظمِ ما أُعطيَ الإنسانُ في هذهِ الحياةِ نعمةَ الوقتِ، فهوَ رأسُ مالِه الحقيقيُّ، وهوَ عمرُهُ الذي يُكتبُ فيهِ ربحُهُ أو خسارتُهُ، وما من يومٍ يمضي إلا ويُطوى معهُ جزءٌ من الحياةِ لا يعودُ أبدًا. ولذا كانَ الوقتُ في ميزانِ الإسلامِ قيمةً كبرى، لا تُقاسُ بالدقائقِ والساعاتِ، ولكن بما تُثمِرُهُ من إيمانٍ، وعملٍ، وصلاحٍ، وبناءٍ.
ومن هنا كانتْ حاجتُنا اليومَ إلى الوقوفِ وقفةَ وعيٍ وبصيرةٍ مع قيمةِ الوقتِ في حياةِ الإنسانِ، لنفهمَ منزلتَهُ، وندركَ مسؤوليتَنا عنهُ، ونعلمَ كيفَ يكونُ حفظُهُ طريقًا للنجاةِ، وضياعُهُ سببًا للخسارةِ والندمِ.
العُنْصُرُ الأَوَّلُ: الْوَقْتُ عُمْرُ الْإِنْسَانِ وَمِيزَانُ خُسْرَانِهِ أَوْ نَجَاتِهِ
أيها المسلمونَ، إنَّ الوقتَ في ميزانِ الإسلامِ ليسَ ظرفًا محايدًا تمرُّ فيهِ الأحداثُ، ولا وعاءً فارغًا نملؤهُ كيفَ نشاءُ، بل هوَ عُمْرُ الإنسانِ نفسُهُ، تُقاسُ بهِ قيمتُهُ، ويُوزَنُ عندَ اللهِ ربحُهُ وخُسرانُهُ. فالإنسانُ لا يُحاسَبُ على السنينِ، ولكن على ما أودَعَ فيها من إيمانٍ وعملٍ، ولا يُسألُ عن طولِ البقاءِ، ولكن عن صدقِ العطاءِ.
ولذلكَ لفتَ القرآنُ أنظارَ العقولِ إلى خطورةِ الزمنِ، فأقسمَ اللهُ عزَّ وجلَّ بأجزائِهِ، لا تعظيمًا للزمانِ لذاتِهِ، ولكن تنبيهًا إلى ما يُصنعُ فيهِ من مصيرٍ، فقالَ سبحانهُ: ﴿وَالْفَجْرِ﴾، ﴿وَالضُّحَى﴾، ﴿وَالْعَصْرِ﴾. أقسامٌ متتابعةٌ، تُوقِظُ الغافلَ، وتُنذِرُ المتهاونَ، وتُعلِمُ الإنسانَ أنَّ لحظاتِهِ محسوبةٌ، وأنَّ ما يمرُّ منها لا يعودُ أبدًا.
ثم جاءَ الحكمُ القاطعُ الجامعُ الذي لا يحتملُ تأويلًا ولا مجاملةً: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾. سورة العصر: 2. خُسرانٌ عامٌّ يشملُ كلَّ إنسانٍ، لأنَّ العمرَ ينقصُ، والوقتَ ينفدُ، والفرصَ تنقضي، ثم جاءَ الاستثناءُ العادلُ الذي يفتحُ بابَ النجاةِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. العصر (3).
أربعةُ أركانٍ تحفظُ العمرَ من الضياعِ، وتجعلُ الوقتَ رصيدًا لا خسارةً: إيمانٌ يوجِّهُ، وعملٌ يُثمِرُ، وحقٌّ يُتواصَى بهِ، وصبرٌ يَحملُ صاحبهُ عندَ المشقّةِ.
وقد فهمَ هذا المعنى سلفُ هذهِ الأمةِ فهمًا عمليًّا لا نظريًّا، فكانوا ينظرونَ إلى اليومِ على أنَّهُ قطعةٌ من الحياةِ لا تُعوَّضُ. قالَ الحسنُ البصريُّ رحمهُ اللهُ: “يا ابنَ آدمَ، إنَّما أنتَ أيّامٌ، إذا ذهبَ يومٌ ذهبَ بعضُكَ”. صفة الصفوة 2/97.
كلمةٌ قصيرةٌ، ولكنها تُسقِطُ الوهمَ عن طولِ الأملِ، وتُقيمُ الميزانَ على حقيقتهِ: ذهابُ الوقتِ ذهابٌ للإنسانِ نفسِهِ، وقالَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ما ندمتُ على شيءٍ كندمي على يومٍ غربتْ شمسُهُ، نقصَ فيهِ أجلي، ولم يزددْ فيهِ عملي”. سير أعلام النبلاء 3/82. ندمٌ لا على فقرٍ ولا خسارةِ مالٍ، ولكن على يومٍ مرَّ بلا زيادةِ عملٍ، لأنَّهُ أدركَ أنَّ الميزانَ الحقيقيَّ ليسَ بما نملكُ، بل بما نقدِّمُ.
ومن هذا الفهمِ العميقِ للوقتِ ما يُروى عن ابنِ عقيلٍ رحمهُ اللهُ حين قالَ: (لا يحلُّ لي أن أُضيِّعَ ساعةً، فإن عجزَ لساني وبصري عملتُ فكري حتى أقومَ وقد خطرَ لي ما أسطرهُ). سير أعلام النبلاء 19/120، ذيل طبقات الحنابلة 1/50. فحتى لحظاتُ العجزِ الجسديِّ لم تكن عندهم فراغًا مهدورًا، بل مجالًا للإنتاجِ والتدبّرِ وبناءِ الفكرِ. وفي مقابلِ هذا الفهمِ الراقي، نرى في واقعِنا اليومَ صورًا موجعةً من هدرِ الوقتِ، ساعاتٌ طويلةٌ تُستهلكُ أمامَ الشاشاتِ، وأيّامٌ تمضي بلا هدفٍ، وأعمارٌ تُستنزَفُ في لهوٍ لا يُثمِرُ، ثم يشكو أصحابُها ضيقَ الوقتِ، وكأنَّ الخللَ في الليلِ والنهارِ لا في القلوبِ والنوايا.
ولهذا جاءَ تحذيرُ النبيِّ ﷺ صريحًا حاسمًا لا يحتملُ الغفلةَ، فقالَ: “لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ”. الترمذي (2417)، والدارمي (554)، والبيهقي في ((المدخل إلى السنن)) (494) صحيح. سؤالٌ عن العمرِ لا عن السنينِ، وعن الإفناءِ لا عن المرورِ، وكأنَّ كلَّ لحظةٍ تُسألُ: أينَ ذهبتَ بها؟ وفيما صُرفتَ؟ ولصالحِ مَن كانتْ؟
وهنا تتجلّى العبرةُ القرآنيّةُ العميقةُ في قصةِ نبيِّ اللهِ سليمانَ عليهِ السلامُ، حين قالَ تعالى:﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: 20]. تفقدٌ دقيقٌ، ويقظةٌ عاليةٌ، لا تُهدرُ لحظةً ولا تغفلُ عن غيابٍ، لأنَّ الوقتَ عندَ الأنبياءِ موضعُ رسالةٍ لا مجالُ فيهِ للتسيّبِ.
وحين بلغَ الخبرُ سليمانَ عليهِ السلامُ، قالَ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ في تفسيرِه: “ما بلغني مثل هذا فهمًا قبل أن أرسله”. ابن كثير 6/439. فهمٌ ناضجٌ، ووعيٌ بالوقتِ، وتحويلٌ للحظةٍ عابرةٍ إلى رسالةٍ عظيمةٍ غيّرتْ مجرى أحداثٍ كاملةٍ.
أيها المسلمونَ، إنَّ هذا الفهمَ العميقَ للوقتِ هوَ الذي يُمهِّدُ الطريقَ للحديثِ عن مسؤوليّتِهِ، وعن كيفيّةِ التعاملِ معهُ عمليًّا، وهوَ ما نقفُ معهُ في العُنْصُرِ الثَّانِي إن شاءَ اللهُ تعالى: الوقتُ أمانةٌ ومسؤوليّةٌ في السُّنَّةِ النبويّةِ وحياةِ السلفِ.
العُنْصُرُ الثَّانِي: الْوَقْتُ أَمَانَةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَحَيَاةِ السَّلَفِ
أيها المسلمونَ، إذا كانَ الوقتُ هوَ عمرَ الإنسانِ، فإنَّهُ في ميزانِ الشريعةِ أمانةٌ يُسألُ عنها، ومسؤوليّةٌ يُحاسَبُ عليها، لا تُتركُ للأهواءِ، ولا تُدارُ بالعشوائيّةِ، ولا تُهدرُ باسمِ الانشغالِ. فالزمنُ في الإسلامِ ليسَ ملكًا خالصًا للعبدِ، بل هوَ وديعةٌ من اللهِ في يدِهِ، ينظرُ كيفَ يتصرّفُ فيها. وقد جاءَتِ السُّنّةُ النبويّةُ تؤسّسُ لهذا المعنى تأسيسًا واضحًا، فربطَ النبيُّ ﷺ قيمةَ الوقتِ بالمسؤوليّةِ المباشرةِ يومَ القيامةِ، فقالَ: “لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ…”.
فلم يكنِ السؤالُ عن كثرةِ الأعمالِ، بل عن وجوهِ صرفِ الوقتِ، وكيفَ أُفنِيَ العُمُرُ، وفي أيِّ طريقٍ استُهلِكَتِ الساعاتُ.
ومن هنا كانَ النبيُّ ﷺ أحرصَ الناسِ على الوقتِ، وأوفاهم لهُ حقَّهُ، فما ضيَّعَ لحظةً إلا في طاعةٍ، أو تعليمٍ، أو تربيةٍ، أو إصلاحٍ، أو قضاءِ حاجةٍ، أو تخفيفِ كربةٍ. وكانَ يُوزّعُ أوقاتَهُ توزيعًا دقيقًا، يُعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، فلا يطغى جانبٌ على جانبٍ، ولا تُهدرُ الساعاتُ بلا ثمرةٍ.
وكانَ من هديهِ ﷺ في ترسيخِ قيمةِ الوقتِ قولهُ: “اغتنِمْ خمسًا قبلَ خمسٍ: شبابَكَ قبلَ هرمِكَ، وصحّتَكَ قبلَ سقمِكَ، وغناكَ قبلَ فقرِكَ، وفراغَكَ قبلَ شُغلِكَ، وحياتَكَ قبلَ موتِكَ“. ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (111) واللفظ له، والحاكم (7846)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (10248) صحيح. دعوةٌ صريحةٌ إلى استباقِ الزمنِ قبلَ أنْ يستبقَنا، وإلى اغتنامِ اللحظةِ قبلَ أنْ تتحوّلَ إلى ذكرى لا تنفعُ.
ولم يكنْ اغتنامُ الوقتِ عندَ النبيِّ ﷺ اندفاعًا مؤقّتًا، بل كانَ مبنيًّا على الاستمراريّةِ، فقالَ ﷺ: “أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدومُها وإن قلَّ”. البخاري (6465)، ومسلم (783).
فالقيمةُ ليستْ في كثافةِ العملِ، بل في دوامِه، لأنَّ الزمنَ لا يُبنى بالقفزاتِ، وإنّما يُعمَّرُ بالثباتِ. وهذا الفهمُ النبويُّ انتقلَ إلى سلفِ هذهِ الأمةِ، فصارَ الوقتُ عندهم أعزَّ من المالِ، وأثمنَ من الجاهِ. قالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمهُ اللهُ: “إنَّ الليلَ والنهارَ يعملانِ فيكَ، فاعملْ فيهما”. حليةُ الأولياء 4/276. كلمةٌ قصيرةٌ، لكنها تُلخّصُ فلسفةَ الحياةِ: إمّا أنْ تعملَ في وقتِكَ، أو يعملَ وقتُكَ فيكَ حتى يُفنِيَكَ.
وقالَ الشافعيُّ رحمهُ اللهُ: “صحبتُ الصوفيّةَ فانتفعتُ منهم بشيئينِ: الوقتُ سيفٌ إن لمْ تقطعْهُ قطعَكَ، ونفسُكَ إن لمْ تشغلْها بالحقِّ شغلتْكَ بالباطلِ”. مناقبُ الشافعي 4/177. فبيَّنَ أنَّ الفراغَ ليسَ حيادًا، بل خطرٌ، وأنَّ الوقتَ إنْ لمْ يُستثمَرْ في الخيرِ، استُهلِكَ في غيرِهِ.
وكانَ السلفُ يُحاسبونَ أنفسَهم على اللحظاتِ قبلَ الساعاتِ، ويرونَ التسويفَ من أعظمِ الخسائرِ. قالَ الحسنُ البصريُّ رحمهُ اللهُ: “لقد أدركتُ أقوامًا كانوا أشدَّ حرصًا على أوقاتِهم من حرصِكم على دراهمِكم ودنانيرِكم”. حليةُ الأولياء 2/147. فكانوا يرونَ ضياعَ الوقتِ فقرًا لا يُعوَّضُ، وخسارةً لا يجبرُها شيءٌ.
أيها المسلمونَ، إنَّ أزمةَ كثيرٍ من الناسِ اليومَ ليستْ في قلّةِ الوقتِ، ولكن في سوءِ إدارتِهِ، وفي غيابِ الشعورِ بالأمانةِ، فترى الواحدَ يشكو ضيقَ اليومِ، وهوَ قد بدَّدَ ساعاتِهِ فيما لا يعنيهِ، ثم يتساءلُ: أينَ ذهبَ الوقتُ؟! والحقُّ أنَّ الوقتَ لمْ يذهبْ، ولكنْ نحنُ الذينَ فرَّطنا فيهِ.
ومن هنا نفهمُ أنَّ إدارةَ الوقتِ ليستْ مهارةً تنظيميّةً فحسب، بل هيَ عبادةٌ قلبيّةٌ، ومسؤوليّةٌ شرعيّةٌ، وسلوكٌ إيمانيٌّ، يُترجَمُ في حياةِ الإنسانِ عملًا، وفي واقعهِ أثرًا، وفي مصيرِهِ حسابًا. وهذا يقودُنا إلى العُنْصُرِ الثَّالِثِ، حيثُ نرى ثمارَ تعظيمِ الوقتِ في بناءِ الإنسانِ ونهضةِ الأمّةِ، وما يخلّفهُ حفظُهُ أو ضياعُهُ من نتائجَ لا تُخفَى.
العُنْصُرُ الثَّالِثُ: ثِمَارُ تَعْظِيمِ الْوَقْتِ فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ وَنَهْضَةِ الْمُجْتَمَعِ
أيها المسلمونَ، إذا عُظِّمَ الوقتُ في القلبِ صَلُحَتِ الحياةُ كلُّها، وإذا هُوِّنَ شأنُهُ فسدَتِ المساراتُ وتراكَمَ الخسرانُ. فالوقتُ كالمِرآةِ؛ يُظهِرُ حقيقةَ الإنسانِ، ويكشفُ ما في داخِلِهِ من وعيٍ أو غفلةٍ، ومن جدٍّ أو تهاوُنٍ.
أوّلُ ثِمارِ تعظيمِ الوقتِ الانضباطُ والاتّزانُ؛ إذْ يتعلّمُ الإنسانُ أنْ يضعَ لكلِّ أمرٍ وقتَهُ، ولكلِّ واجبٍ نصيبَهُ، فلا يطغى جانبٌ على جانبٍ، ولا تُستهلَكُ الساعاتُ في غيرِ موضعِها. وقد قرّرَ النبيُّ ﷺ قاعدةً جامعةً في تزكيةِ السلوكِ حين قالَ: “مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ”. الترمذي (2317)، وابن ماجه (3976). صحيح.
فمَن تركَ ما لا يعنيهِ، وُفِّقَ إلى ما يُصلِحُهُ، وحُفِظَ وقتُهُ من الاستنزافِ.
وثاني الثِّمارِ القوّةُ الداخليّةُ والثِّقةُ بالنفسِ؛ لأنَّ مَن أحسنَ استثمارَ وقتِهِ أحسنَ الاعتمادَ على نفسِهِ، وسارَ في حياتِهِ على بصيرةٍ لا على ارتجالٍ. قالَ النبيُّ ﷺ: “مَن أصبحَ منكم آمنًا في سربِهِ، مُعافًى في جسدِهِ عندَهُ قوتُ يومِهِ، فَكَأنَّما حيزت لَهُ الدُّنيا”. الترمذي (2346) واللفظ له، وابن ماجه (4141) حديث حسن. فالقناعةُ، وحُسنُ التدبيرِ، وتوزيعُ الوقتِ، تُنشِئُ إنسانًا متوازنًا لا تبتلعُهُ الفوضى ولا تُقلِقُهُ التفاصيلُ.
وثالثُ الثِّمارِ السَّكينةُ والإبداعُ والاستمراريّةُ؛ فمَن عَمِلَ بقانونِ الدَّوَامِ لا ينقطعُ، وبقانونِ القِلَّةِ المثمرةِ لا يملُّ. وقد قرّرَ النبيُّ ﷺ هذا الأصلَ العظيمَ بقولهِ: “أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ“. البخاري (6465)، ومسلم (783). فالوقتُ لا يُبنى بالاندفاعِ المؤقّتِ، بل بالعملِ الرتيبِ الثابتِ الذي يتركُ أثرًا عميقًا عبرَ السنينِ.
ومن أعظمِ ما يُعينُ على ذلكَ إحياءُ أوقاتِ الذِّكرِ والقيامِ، فإنَّها تُبارِكُ الزمنَ وتُزكّي النفسَ. قالَ الحسنُ البصريُّ رحمهُ اللهُ: “لا بأسَ باللَّيلِ إذا استُغِلَّ بالذِّكرِ”. حليةُ الأولياء 2/147. فاللَّيلُ إنْ أُحيِيَ بالذكرِ صارَ معينًا على النهارِ، وإنْ أُهدِرَ صارَ ثِقلًا وكسلًا.
ولننظرْ إلى نموذجٍ عمليٍّ باقٍ في تاريخِنا، وهوَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمهُ اللهُ، إذْ قَسَّمَ ليلَهُ ثلاثةَ أقسامٍ: ثُلثًا لعبادةِ اللهِ، وثُلثًا لشؤونِ الرعيّةِ، وثُلثًا لنومِهِ، فلم يُخلِّفْ عملًا إلا وأتقنَهُ، ولا مسؤوليّةً إلا وأدّاها، ولا وقتًا إلا وأحسنَ صرفَهُ. حليةُ الأولياء 4/276. فهكذا تُصنَعُ القيادةُ، وتُبنى الدولُ، وتنهضُ الأمَمُ.
وعلى الضدِّ من ذلكَ، فإنَّ ضياعَ الوقتِ يُنتِجُ إنسانًا مضطربًا، يكثرُ عندهُ التسويفُ، ويقلُّ الإنجازُ، وتضيقُ نفسُهُ، ثم يُلقي باللائمةِ على الزمانِ، وما علمَ أنَّ الخللَ في إدارتِهِ لا في الليلِ والنهارِ.
يا عبادَ اللهِ، إنَّ تعظيمَ الوقتِ ليسَ ترفًا فكريًّا، ولا مهارةً إداريّةً فحسب، بل هوَ عبادةٌ، وأمانةٌ، ومنهجُ حياةٍ، بهِ تُبنى النفوسُ، وتُحفَظُ الأعمارُ، وتنهضُ المجتمعاتُ، وتُكتَبُ النجاةُ يومَ يقومُ الناسُ لربِّ العالمينَ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، نحمدُهُ على ما أولى، ونشكرُهُ على ما أسدى، ونستغفرُهُ من تفريطٍ وقعَ، أو وقتٍ أُهدِرَ، أو أمانةٍ لم تُؤدَّ حقَّها، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، جعلَ الجزاءَ من جنسِ العملِ، وربطَ الثمرةَ بالسعيِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، بيَّنَ طريقَ الأمانةِ، وحذَّرَ من الخيانةِ، صلّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أمّا بعدُ:
فيا عبادَ اللهِ، إذا كانَ الوقتُ هوَ عُمْرَ الإنسانِ، وكانَ السعيُ هوَ ميزانَ النجاةِ أو الخسرانِ، فإنَّ من أخطرِ ما يهدِمُ قيمةَ الوقتِ، ويقتلُ معنى الجهدِ، ويزوِّرُ ثمرةَ السعيِ: الغِشَّ، ولا سيّما الغِشَّ في الامتحاناتِ، لأنَّهُ عدوانٌ على الزمنِ، وخيانةٌ للأمانةِ، وإفسادٌ لسنّةِ اللهِ في الجزاءِ بالعملِ.
ومن هنا ننتقلُ إلى بيانِ خُطورةِ الغِشِّ في الامتحاناتِ، بوصفِهِ جريمةً أخلاقيّةً وتربويّةً، تهدمُ ما بُنيَ في الخطبةِ الأولى من تعظيمِ الوقتِ، وتُفرغُ الجهدَ من معناهُ، وتُضيّعُ البركةَ من الأعمارِ.
العُنْصُرُ الرّابِعُ: خُطُورَةُ الغِشِّ فِي الِامْتِحَانَاتِ وَأَثَرُهُ فِي هَدْمِ قِيمَةِ الْوَقْتِ
أيها المسلمونَ، إنَّ الغِشَّ ليسَ خطأً عابرًا، ولا زلّةً فرديّةً، بل هوَ عدوانٌ مركَّبٌ؛ عدوانٌ على الوقتِ، وعدوانٌ على العدلِ، وعدوانٌ على ثقةِ المجتمعِ، لأنَّهُ يُساوي بينَ مَن تعبَ وسهرَ، ومَن قصَّرَ ثم زوَّرَ النتيجةَ، فيقتلُ بذلكَ معنى الاجتهادِ، ويهدمُ قيمةَ الزمنِ الذي بُذِلَ في التعلُّمِ.
فالغِشُّ في حقيقتهِ سرقةٌ لوقتِ غيرِهِ؛ سرقةٌ لسنواتِ السهرِ، ولحظاتِ الصبرِ، وساعاتِ المذاكرةِ، وسرقةٌ لحقِّ المجتهدينَ، ثم يُلبِسُ صاحبُهُ هذهِ السرقةَ ثوبَ التفوّقِ والنجاحِ، وما هوَ بنجاحٍ، بل خيبةٌ مؤجَّلةٌ.
وقد حسمَ النبيُّ ﷺ هذهِ القضيةَ حسمًا قاطعًا حين قالَ: “مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا”. مسلم (101).
فنفيُ الانتسابِ هنا ليسَ نفيًا للاسمِ، بل نفيٌ للقيمةِ والمنهجِ، لأنَّ الغِشَّ يهدمُ أمانةَ الدِّينِ قبلَ أنْ يهدمَ أمانةَ التعليمِ.
وإذا نظرنا إلى الغِشِّ من زاويةِ الوقتِ، وجدناهُ صورةً فاضحةً من صورِ تضييعِ العمرِ؛ فالذي يغشُّ لم يُحسِنْ استثمارَ وقتِهِ في التعلُّمِ، ثم زادَ الخسارةَ بأنْ زوَّرَ ثمرةَ الزمنِ، فصارَ وقتهُ ضائعًا، ونجاحُهُ مزيَّفًا، ومستقبلُهُ هشًّا.
ثم إنَّ الغِشَّ يُخرِجُ إلى المجتمعِ طاقاتٍ غيرَ مؤهَّلةٍ، فيُسلَّمُ العملُ لغيرِ أهلهِ، وتُهدَرُ الساعاتُ في تصحيحِ أخطاءِ الجاهلينَ، فتتراكمُ الخسائرُ، ويتأخَّرُ البناءُ، وتضيعُ أعمارٌ أخرى بسببِ فسادِ البدايةِ.
وقد قرّرَ النبيُّ ﷺ قاعدةً عظيمةً تُبيِّنُ خطورةَ هذا المسلكِ على الفردِ والمجتمعِ حين قالَ: “لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ”. ابن ماجه (2340)، والبيهقي (11999)، وأبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (1/ 404)، والدارقطني (3/77)، والحاكم (2345)، صحيح.
فالغِشُّ ضررٌ على نفسِ صاحبِهِ، وضرارٌ بالمجتمعِ كلِّهِ، لأنَّهُ يُفسِدُ ميزانَ الكفاءةِ، ويقتلُ الثقةَ، ويشيعُ ثقافةَ الطريقِ المختصرِ المحرَّمِ.
ثم إنَّ الغِشَّ يعتدي على بركةِ الوقتِ؛ لأنَّ ما بُنيَ على حرامٍ لا بركةَ فيهِ، ولا دوامَ لهُ، ولا طمأنينةَ معهُ، ولذلكَ كانَ السلفُ يعدّونَ الصدقَ في السعيِ عبادةً، والكذبَ في النتائجِ خيانةً.
أيها المسلمونَ، إنَّ الامتحانَ الحقيقيَّ ليسَ ورقةً تُسلَّمُ، ولا درجةً تُكتَبُ، بل هوَ امتحانُ الأمانةِ، وامتحانُ تعظيمِ الوقتِ، وامتحانُ الصدقِ مع اللهِ قبلَ الناسِ، فمن صدقَ في وقتهِ صدقَ اللهُ معهُ، ومن خانَ وقتَهُ خانَ نفسَهُ قبلَ أنْ يخونَ غيرَهُ.
فاتقوا اللهَ في أوقاتِكم، واتقوا اللهَ في أعمالِكم، واتقوا اللهَ في نتائجِكم، فإنَّ اللهَ لا يُضيعُ أجرَ من أحسنَ عملًا، ولا يُباركُ في نجاحٍ بُنيَ على خيانةٍ وغِشٍّ.
الخَاتِمَةُ: أيها المسلمونَ، تلكم هيَ قِيمَةُ الوَقْتِ كما أرادَها الإسلامُ: عُمْرًا يُستثمَرُ، وأمانةً تُؤدَّى، وسعيًا يُوزَنُ، لا دقائقَ تُهدَرُ، ولا ساعاتٍ تُقتَلُ، ولا نجاحًا مزيَّفًا يُنالُ بالغِشِّ والخيانةِ. فالوقتُ إمّا شاهدٌ لنا، أو شاهدٌ علينا، وإمّا طريقُ نجاةٍ، أو سُلَّمُ خسارةٍ وندمٍ.
فحاسِبوا أنفسَكم قبلَ أنْ تُحاسَبوا، وزِنوا أوقاتَكم قبلَ أنْ تُوزَنَ عليكم، واعمَلوا في أعمارِكم قبلَ أنْ تعملَ فيكم، واعلموا أنَّ مَن صدقَ في وقتِهِ صدقَ اللهُ معهُ، ومَن خانَ وقتَهُ خانَ نفسَهُ، وخسرَ دنياهُ وأخراهُ.
اللهمَّ باركْ لنا في أوقاتِنا، ووفِّقنا لحُسنِ استثمارِ أعمارِنا، واجعلْ أوقاتَنا عامرةً بطاعتِكَ، وأعمالِنا خالصةً لوجهِكَ الكريمِ. اللهمَّ طهِّرْ أعمالَنا من الغِشِّ، ونياتِنا من الرِّياءِ، وأعنّا على الصدقِ في القولِ والعملِ. واحفظ مصر من كل سوء
المراجع: القرآن الكريم
كتب الحديث: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن الترمذي، المعجم للطبراني. صحيح بن ماجه. شعب الإيمان للبيهقي، سنن الدارقطني، المستدرك للحاكم، سنن الدارمي، المدخل إلى السنن للبيهقي.
حلية الأولياء لأبي نعيم، سير أعلام النبلاء للذهبي، مناقبُ الشافعي للبيهقي، صفة الصفوة لابن الجوزي، ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي، الحلم ابن أبي الدنيا،
د. أحمد رمضان
خُطبةُ صوتِ الدعاةِ – إعداد رئيس التحرير: الدكتور أحمد رمضان
___________________________________
خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف علي صوت الدعاة
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات
و للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع
و للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف





