خطبة الجمعة القادمة 16 يناير : من دروس الإسراء والمعراج جبرُ الخواطرِ، للدكتور محروس حفظي
خطبة الجمعة القادمة
خطبة الجمعة القادمة 16 يناير 2026م بعنوان : من دروس الإسراء والمعراج جبرُ الخواطرِ، للدكتور محروس حفظي بتاريخ 27 رجب 1447هـ الموافق 16 يناير 2026م
لتحميل خطبة الجمعة القادمة 16 يناير 2026م ، للدكتور محروس حفظي بعنوان : من دروس الإسراء والمعراج جبرُ الخواطرِ.
ولتحميل خطبة الجمعة القادمة 16 يناير 2026م ، للدكتور محروس حفظي بعنوان : من دروس الإسراء والمعراج جبرُ الخواطرِ، بصيغة word أضغط هنا.
لتحميل خطبة الجمعة القادمة 16 يناير 2026م ، للدكتور محروس حفظي بعنوان : من دروس الإسراء والمعراج جبرُ الخواطرِ، بصيغة pdf أضغط هنا.
___________________________________________________________
عناصر خطبة الجمعة القادمة 16 يناير 2026م. بعنوان: من دروس الإسراء والمعراج جبرُ الخواطرِ، للدكتور محروس حفظي :
(1) جَبْرُ الْخَاطِرِ عِبَادَةٌ قَدْ يَغْفُلُ عَنْهَا الْكَثِيرُونَ.
(2) جَبْرُ خَاطِرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خِلَالِ رِحْلَةِ الإِسْرَاءِ.
(3) مَظَاهِرُ جَبْرِ خَاطِرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةِ «الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ».
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 16 يناير 2026م بعنوان: من دروس الإسراء والمعراج جبرُ الخواطرِ ، للدكتور محروس حفظي : كما يلي:
مِنْ دُرُوسِ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ جَبْرُ الْخَوَاطِرِ
بِتَارِيخِ 27 رجب 1447 ه = المُوَافِقِ 16 يناير 2026 م
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ، وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ، لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ، وَلِعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الأَتَمَّانِ الأَكْمَلَانِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا بَعْدُ،،،
(1) جَبْرُ الْخَاطِرِ عِبَادَةٌ قَدْ يَغْفُلُ عَنْهَا الْكَثِيرُونَ.
آيَاتُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ حَفِلَتْ بِذِكْرِ نَمَاذِجَ ارْتَبَطَتْ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ، فَاللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ – جَبَرَ بِخَاطِرِ «عَبْدِ اللهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ» – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ –؛ فَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أُنْزِلَ: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} [عبس: 2] فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْشِدْنِي، وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ المُشْرِكِينَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْرِضُ عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الآخَرِ، وَيَقُولُ: «أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟» فَيَقُولُ: لَا» [رواه الترمذي].
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ «رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَارْزُقْنِي، وَارْفَعْنِي» [رواه ابن ماجه].
عِبَادَةُ جَبْرِ الْخَاطِرِ يَسِيرَةٌ، قَدْ لَا تُبْذَلُ فِيهَا مَالًا أَوْ جُهْدًا، فَيُمْكِنُ أَنْ تَتَحَقَّقَ بِابْتِسَامَةٍ، وَمَسْحَةٍ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ، وَإِمَاطَةِ أَذًى عَنِ الْمَارَّةِ، وَتَوَاضُعٍ مَعَ الْغَيْرِ، وَرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُمْ، وَنَصِيحَةِ الْغَيْرِ؛ وَلِذَا كَانَ مِنْ ثَوَابِ فَاعِلِهَا أَنْ يَكْفِيَهُ اللهُ شَرَّ الْمَخَاطِرِ، وَصَدَقَ مَنْ قَالَ: «مَنْ سَارَ بَيْنَ النَّاسِ جَابِرًا لِلْخَوَاطِرِ، أَدْرَكَتْهُ عِنَايَةُ اللهِ فِي جَوْفِ الْمَخَاطِرِ»، فَالْوَاصِلُ مَسْتُورٌ غَيْرُ مَفْضُوحٍ، وَالْمَجْبُورُ غَيْرُ مَكْسُورٍ، فَسَيِّدُنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بِدَايَةِ دَعْوَتِهِ قَالَتِ السَّيِّدَةُ خَدِيجَةُ – رَضِيَ اللهُ عَنْهَا – حِينَ جَاءَهَا تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ: «كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» [رواه البخاري].
جَبْرُ خَاطِرِ الْمُتَأَلِّمِينَ، وَالإِحْسَاسُ بِالآخَرِينَ، وَتَلَمُّسُ الأَعْذَارِ، يَزِيدُ فِي الْوُدِّ، وَيُؤَلِّفُ بَيْنَ الْقُلُوبِ، وَيَنْشُرُ السَّلَامَ وَالطُّمَأْنِينَةَ فِي الْمُجْتَمَعِ؛ فَقَدْ لَا يَنْسَى أَحَدُنَا مَوْقِفًا لِشَخْصٍ مَا رَاعَى فِيهِ مَشَاعِرَهُ، وَشَارَكَهُ أَفْرَاحَهُ وَأَحْزَانَهُ؛ فَكَـعْبُ بْنُ مَالِكٍ حِينَ «تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ: وَآذَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا، يُهَنِّئُونَنِي بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا بِرَسُولِ اللَّهِ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، لَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ» [البخاري].
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ رَبَاحٍ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحَدِّثُنِي بِالْحَدِيثِ فَأُنْصِتُ لَهُ كَأَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ قَطُّ، وَقَدْ سَمِعْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ» [رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق]، جَبْرًا لِخَاطِرِهِ، وَحِفْظًا لِمَاءِ الْوَجْهِ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: «مَا رَأَيْتُ عِبَادَةً يَتَقَرَّبُ بِهَا الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ مِثْلَ جَبْرِ خَاطِرِ أَخِيهِ».
حَثَّنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَشْعُرَ بِآلَامِ الْآخَرِينَ، وَأَنْ نُسَارِعَ فِي قَضَاءِ مَصَالِحِهِمْ وَمُسَاعَدَتِهِمْ دُونَ أَنْ نُعَرِّضَهُمْ إِلَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَجْرَحُ مَشَاعِرَهُمْ؛ فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ»، قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ» [رواه مسلم].
يَتَجَاوَزُ اللهُ عَنْ سَيِّئَاتِ هَذَا الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ الْخَلْقِ لِجَبْرِ خَوَاطِرِهِمْ؛ فَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِرًا، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ»، قَالَ: قَالَ اللهُ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ» [رواه مسلم]، فَهَذَا جَبْرُ خَاطِرِ الْمَكْرُوبِ، فَكَانَ سَبَبًا فِي أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْ سَيِّئَاتِ هَذَا الْعَبْدِ، وَيَحُطَّ مِنْ أَوْزَارِهِ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ.
قَالَ الْمَنَاوِيُّ الْقَاهِرِيُّ: (وَمَقْصُودُ الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ، وَالْمُسَامَحَةِ فِي التَّقَاضِي، وَبَيَانُ عَظِيمِ فَضْلِ ذَلِكَ، وَأَنْ لَا يُحْتَقَرَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ وَإِنْ قَلَّ، وَأَنَّهُ تَعَالَى يَتَجَاوَزُ عَنِ الْقَلِيلِ مِنَ الْعَمَلِ، وَأَنَّهُ بَرَكَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَكَرَامَةٌ بَيِّنَةٌ، وَسَبَبٌ لِلْمَغْفِرَانِ، وَمِرْقَاةٌ لِدُخُولِ الْجِنَانِ). [فيض القدير شرح الجامع الصغير].
جَبْرُ خَاطِرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمَّتِهِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا قَوْلَ اللهِ فِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} [إبراهيم: 36]، وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118]، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي»، وَبَكَى، فَقَالَ اللهُ: «يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟» فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ اللهُ: «يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ، وَلَا نَسُوءُكَ» [رواه مسلم].
(2) جَبْرُ خَاطِرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خِلَالِ رِحْلَةِ الإِسْرَاءِ.
مَعْنَى الإِسْرَاءِ لُغَةً: مَصْدَرٌ مِنْ أَسْرَى، السُّرَى: سَيْرُ اللَّيْلِ، وَكُلُّ شَيْءٍ طُرِقَ لَيْلًا فَهُوَ سَارٍ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ اللُّغَوِيِّينَ إِلَى أَنَّ «سَرَى وَأَسْرَى» بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَجَاءَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِهِمَا جَمِيعًا قَالَ تَعَالَى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء: 1]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} [الفجر: 4]، وَيَرَى الْبَعْضُ: أَنَّ «أَسْرَى»: مَنْ سَارَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَ«سَرَى»: مَنْ سَارَ فِي آخِرِهِ.
الإِسْرَاءُ اصْطِلَاحًا: هُوَ الرِّحْلَةُ الأَرْضِيَّةُ، وَهُوَ الذَّهَابُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى دَابَّةٍ تُسَمَّى «الْبُرَاقَ»، مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ فِي مَكَّةَ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى فِي الْقُدْسِ بِإِيلِيَاءَ، خِلَالَ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ وَرُجُوعِهِ إِلَى مَكَّةَ فِي نَفْسِ اللَّيْلَةِ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1].
مَعْنَى الْمِعْرَاجِ لُغَةً: مِفْعَالٌ مِنَ الْعُرُوجِ، وَهُوَ الصُّعُودُ، وَالْمِعْرَاجُ: هُوَ الدَّرَجُ أَوِ السُّلَّمُ الَّذِي يُصْعَدُ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَكُلُّ شَيْءٍ عَرَجْتَ فِيهِ فَصَعِدْتَ مِنْ سُفْلٍ إِلَى عُلُوٍّ فَهُوَ مِعْرَاجٌ.
الْمِعْرَاجُ اصْطِلَاحًا: الرِّحْلَةُ السَّمَاوِيَّةُ، وَهُوَ إِصْعَادُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى السَّمَوَاتِ السَّبْعِ، وَمَا فَوْقَ السَّبْعِ حَيْثُ فُرِضَتِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، ثُمَّ رُجُوعُهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ.
يُنْظَرُ: [السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ عَلَى ضَوْءِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، أ.د/ مُحَمَّدُ أَبُو شُهْبَةَ]، وَ[الْجَامِعُ الصَّحِيحُ لِلسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، أ.د/ سَعْدُ الْمَرْصَفِيُّ].
الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ النَّقْلِ أَنَّهَا وَقَعَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ بَعْدَ الْبَعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ وَقَبْلَ الْهِجْرَةِ، فِي شَهْرِ رَجَبٍ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَعَلَيْهِ عَمِلَ النَّاسُ عَبْرَ الْعُصُورِ وَمَرَّ الزَّمَانُ.
إِمْكَانِيَّةُ وُقُوعِ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ: إِنَّ الإِيمَانَ بِمُعْجِزَةِ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ عَقِيدَةِ الْمُسْلِمِ؛ إِذْ أَيَّدَ اللهُ بِهَا نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَثَبَّتَ بِهَا فُؤَادَهُ، وَنَصَرَهُ عَلَى مَنْ كَذَّبَهُ، فَالإِسْرَاءُ وَقَعَ عَلَى الأَرْضِ مِنْ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ إِلَى الأَقْصَى، وَالْمِعْرَاجُ حَدَثَ فِي السَّمَاءِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ إِلَى السَّمَوَاتِ الْعُلَا، وَبَعْدَ ذَلِكَ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى حَتَّى لِقَائِهِ بِاللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، حَيْثُ جِيءَ بِالْبُرَاقِ وَهِيَ دَابَّةٌ بَيْضَاءُ تَضَعُ حَافِرَهَا عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهَا، فَرَكِبَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَافَقَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى وَصَلَا الْمَسْجِدَ الأَقْصَى، وَقَدْ سَمَّى اللهُ إِحْدَى سُوَرِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِـ «الإِسْرَاءِ»، وَافْتَتَحَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى:﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وَهَذَا التَّعَجُّبُ يَدُلُّكَ عَلَى عَجَائِبِ مَا رَآهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى عِظَمِ تِلْكَ الرِّحْلَةِ، وَلِذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى أَنَّ «الإِسْرَاءَ وَالْمِعْرَاجَ» قَدْ وَقَعَا بِالرُّوحِ وَالْجَسَدِ مَعًا حَسَبَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى:﴿أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾، وَإِلَّا فَمَا وَجْهُ الإِعْجَازِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِالرُّوحِ لَا بِالْجَسَدِ؟ وَإِذَا كَانَتْ مُجَرَّدَ رُؤْيَا رَآهَا فَلِمَ أَخْبَرَ بِهَا قَوْمَهُ؟ وَالْحَقَائِقُ الْعِلْمِيَّةُ تُشِيرُ أَنَّ الْقُوَّةَ تَتَنَاسَبُ تَنَاسُبًا عَكْسِيًّا مَعَ الزَّمَنِ، فَكُلَّمَا زَادَتِ الْقُوَّةُ قَلَّ الزَّمَنُ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَتِ الْقُوَّةُ هُنَا هِيَ قُوَّةُ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ الَّتِي تَتَلَاشَى مَعَهَا كُلُّ الْقُوَى وَالْقُدَرِ؟ قَالَ تَعَالَى:﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، وَإِذَا كَانَ الإِنْسَانُ فِي هَذَا الْعَصْرِ بِعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ الْمَحْدُودَتَيْنِ أَمْكَنَهُ مِنْ خِلَالِ الْمُخْتَرَعَاتِ وَالْمُكْتَشَفَاتِ الْحَدِيثَةِ اخْتِرَاقُ حُجُبِ الأَرْضِ، وَغَزْوُ السَّمَاءِ وَهُوَ الْمَخْلُوقُ الضَّعِيفُ، فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ عَنِ الْخَالِقِ جَلَّ وَعَلَا أَنْ يُسْرِيَ بِمُصْطَفَاهُ وَحَبِيبِهِ؛ فَقُدْرَتُهُ صَالِحَةٌ لِإِحْدَاثِ تِلْكَ الْمُعْجِزَةِ كَمَا قَالَ رَبُّنَا:﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، وَلِلَّهِ دَرُّ أَحْمَدَ شَوْقِيِّ:
مَشِيئَةُ الْخَالِقِ الْبَارِي وَصَنْعَتُهُ … وَقُدْرَةُ اللَّهِ فَوْقَ الشَّكِّ وَالتُّهَمِ
الإِسْرَاءُ وَجَبْرُ خَاطِرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَمْ يَجِدِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَكَّةَ – بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِهِ وَرَفِيقَةِ دَرْبِهِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ – آذَانًا صَاغِيَةً، وَلَا قُلُوبًا وَاعِيَةً، فَاضْطُرَّ لِلْخُرُوجِ إِلَى الطَّائِفِ كَيْ يَعْرِضَ دَعْوَتَهُ عَلَى أَهْلِ ثَقِيفٍ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَلْقَ مِنْهُمْ اسْتِجَابَةً، بَلْ آذَوْهُ وَنَالُوا مِنْهُ، وَأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ وَعَبِيدَهُمْ يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى دَمِيَتْ قَدَمَاهُ الشَّرِيفَتَانِ، فَانْصَرَفَ مَهْمُومًا حَزِينًا عَلَى عَدَمِ إِيمَانِ هَؤُلَاءِ، فَإِذَا بِهِ يَجِدُ نَفْسَهُ فِي «قَرْنِ الثَّعَالِبِ»، فَأَخَذَ يُنَاجِي رَبَّهُ، وَيَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ قَائِلًا: «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سُخْطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ» [رواه أحمد، والبيهقي في “دلائل النبوة”].
ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مَكَّةَ فِي جِوَارِ «الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ»، وَفِي ظِلِّ هَذِهِ الأَجْوَاءِ الْكَالِحَةِ، وَالظُّرُوفِ الْمُظْلِمَةِ، وَالْمِحَنِ الْمُتَعَاقِبَةِ، تَأْتِي الْمِنَحُ الإِلَهِيَّةُ بِدَعْوَةِ سَيِّدِ الْبَرِيَّةِ لِلِقَاءِ الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ، فَيُسَلِّيهِ رَبُّنَا، وَيُثَبِّتُهُ عَلَى الْحَقِّ، فَيَمُنُّ عَلَيْهِ بِرِحْلَةٍ لَمْ يَنَلْ شَرَفَهَا قَبْلَهُ لَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، أَلَا وَهِيَ رِحْلَةُ «الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ»؛ فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكِ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» [رواه البخاري].
وَفِي ظِلِّ هَذِهِ الأَجْوَاءِ الْكَالِحَةِ، وَالْمِحَنِ الْمُتَعَاقِبَةِ، تَأْتِي الْمِنَحُ الإِلَهِيَّةُ بِدَعْوَةِ سَيِّدِ الْبَرِيَّةِ لِلِقَاءِ الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ، وَيَجْبُرُ اللهُ بِخَاطِرِهِ، فَيَمُنُّ عَلَيْهِ بِرِحْلَةٍ عُلْوِيَّةٍ لَمْ يَنَلْهَا قَبْلَهُ لَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، أَلَا وَهِيَ رِحْلَةُ «الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ»؛ فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ، فَجَلَّى اللهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ» [رواه البخاري].
وَلِلَّهِ دَرُّ أَمِيرِ الشُّعَرَاءِ أَحْمَدَ شَوْقِيِّ:
أَسْرَى بِكَ اللَّهُ لَيْلًا إِذْ مَلَائِكُهُ … وَالرُّسْلُ فِي الْمَسْجِدِ الأَقْصَى عَلَى قَدَمِ
لَمَّا خَطَرْتَ بِهِ الْتَفُّوا بِسَيِّدِهِمْ … كَالشُّهْبِ بِالْبَدْرِ أَوْ كَالْجُنْدِ بِالْعَلَمِ
صَلَّى وَرَاءَكَ مِنْهُمْ كُلُّ ذِي خَطَرٍ … وَمَنْ يَفُزْ بِحَبِيبِ اللَّهِ يَأْتَمِمِ
جُبْتَ السَّمَاوَاتِ أَوْ مَا فَوْقَهُنَّ بِهِمْ … عَلَى مُنَوَّرَةٍ دُرِّيَّةِ اللُّجُمِ
رَكُوبَةٍ لَكَ مِنْ عِزٍّ وَمِنْ شَرَفٍ … لَا فِي الْجِيَادِ وَلَا فِي الأَيْنُقِ الرُّسُمِ
مَشِيئَةُ الْخَالِقِ الْبَارِي وَصَنْعَتُهُ … وَقُدْرَةُ اللَّهِ فَوْقَ الشَّكِّ وَالتُّهَمِ
حَتَّى بَلَغْتَ سَمَاءً لَا يُطَارُ لَهَا … عَلَى جَنَاحٍ وَلَا يُسْعَى عَلَى قَدَمِ
وَقِيلَ كُلُّ نَبِيٍّ عِنْدَ رُتْبَتِهِ … وَيَا مُحَمَّدُ هَذَا الْعَرْشُ فَاسْتَلِمِ
[ديوان أحمد شوقي].
وصدق الإمام محمد بن سعيد البوصيري (ت: 696 هـ) حينما قال:
ثُمَّ نَادَاهُ بَعْدَمَا سِيمَتِ الْخَسْفَ … وَقَدْ يُنْجِدُ الْغَرِيقَ النِّدَاءُ
فَطَوَى الأَرْضَ سَائِراً والسَّمَوَا … تُ العُلاَ فَوْقَهَا لَهُ إِسْرَاءُ
فصِفِ اللَّيْلَةَ التِي كَانَ لِلْمُخْ … تَارِ فِيهَا عَلَى البُرَاقِ اسْتِوَاءُ
وَتَرَقَّى بِهِ إِلَى قَابِ قَوْسَيْنِ … وَتِلْكَ السِّيَّادَةُ الْقَعْسَاءُ
وَتَلَقَّى مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ … كُلَّ شَمْسٍ مِنْ دُونِهِنَّ هَبَاءُ
زَاخِرَاتِ البِحَارِ تَعْجَزُ عَنْ … إِدْرَاكِهَا الْعُلَمَاءُ وَالْحُكَمَاءُ
رُتَبٌ تَسْقُطُ الأَمَانِيُّ حَسْرَى … دُونَهَا مَا وَرَاءَهُنَّ وَرَاءُ
ثُمَّ وَافَى يُحَدِّثُ الّنَّاسَ شُكْراً … إِذْ أَتَتْهُ مِنْ رَبّهِ النَّعْمَاءُ
وَتَحَدَّى فَارْتَابَ كُلُّ مُرِيبٍ … أَوَ يَبْقَى مَعَ السُّيُولِ الْغُثَاءُ
وقال أيضاً: سَرَيْتَ مِنْ حَرَمٍ لَيــــْلً إِلَى حَرَمٍ … كَمَا سَرَى الْبَدْرُ فِيْ دَاجٍ مِّنَ الظُّلَمِ
وَبِتَّ تَرْقـى إِلى أَنْ نِلْتَ مَنْزِلَةً … مِنْ قَابِ قَوْسَيْنِ لَمْ تُدْرَكْ وَلَمْ تَرُمِ
وَقَدَّمَتْكَ جَمِيعُ الْأنْبِيَــاءِ بِهَا … وَالرُّسْلِ تَقْدِيَمَ مَخْدُومٍ عَلى خَدَمِ
وَأَنْتَ تَخْتَرِقُ السَّبْعَ الطِّبَاقَ بِهِمْ … فِيْ مَوْكِبٍ كُنْتَ فِيهِ صّاحِبَ الْعَلَمِ
حَتَّى إِذَا لَمْ تَدَعْ شَأْوًا لِمُسْتَبِقٍ … مِنَ الدُّنُوِّ وَلاَ مَرْقىً لِمُسْتَنِمِ
خَفَضْتَ كُلَّ مَقَامٍ بِاْلِإضَافَةٍ إِذْ … نُوْدِيتَ بِالرّفْعِ مِثْلَ الْمُفْرَدِ الْعَلَمِ
كَيْمَا تَفُوْزَ بِوَصْلٍ أَيِّ مُسْتَتِرٍ … عَنِ الْعُيُونِ وَسِرٌّ أَيِّ مُكْتَتَمِ
فَحُزْتَ كُلَّ فِخَارٍ غَيْرَ مُشْتَرِكٍ … وَجُزْتَ كُلَّ مَقَامٍ غَيْرَ مُزْدَحَمِ
وَجَلَّ مِقْدَارُ مَا وُلِّيَتَ مِنْ رُتَبٍ … وَعَزَّ إِدْرَاكُ مَا أُولِيْتَ مِنْ نِّعَمِ
بُشْرى لَنَا مَعْشَرَ الْإِسْلَامٍ إِنّ لَنَا … مِنَ العِنَايِةِ رُكْنًا غَيْرَ مُنْهَدِمِ
لَمَّا دَعَا اللهُ دَاعِينَا لِطَاعَتِهِ … بِأَكْرَمِ الرُّسْلِ كُنَّا أَكْرَمُ الُأُمَمِ
[ديوان الامام البوصيري، نظم: شرف الدين أبي عبد الله محمد بن سعيد البوصيري].
هَكَذَا لُطْفُ اللهِ بِعِبَادِهِ؛ فَالْإِنْسَانُ مَهْمَا اشْتَدَّتْ عَلَى الْعَبْدِ خُطُوبُ الْحَيَاةِ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِ سُبُلُ النَّجَاةِ، لَا سَبِيلَ إِلَّا الِاعْتِصَامُ بِاللهِ، وَرَفْعُ أَكُفِّ الضَّرَاعَةِ إِلَى مَوْلَاهُ، لَعَلَّهُ يُنَجِّيهِ مِنْ بَلْوَاهُ، وَيَكْشِفَ عَنْ كَرْبَاهُ؛ فَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» [رواه الترمذي].
(3) مَظَاهِرُ جَبْرِ خَاطِرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةِ «الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ.
وَقَدْ تَجَلَّى جَبْرُ الْخَاطِرِ فِي «الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ» بِسَيِّدِنَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خِلَالِ الْآتِي:
أَوَّلًا: شَقُّ صَدْرِهِ الشَّرِيفِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِلتَّأَهُّبِ لِمُلَاقَاةِ الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ، وَرُؤْيَةِ مَا لَا يُوصَفُ {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 18]؛ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ: «بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ – وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الْحِجْرِ – مُضْطَجِعًا إِذْ أَتَانِي آتٍ، فَقَدَّ: قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ – فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِي: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مِنْ قَصِّهِ إِلَى شِعْرَتِهِ – فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٍ إِيمَانًا، فَغُسِلَ قَلْبِي، ثُمَّ حُشِيَ، ثُمَّ أُعِيدَ» [رواه البخاري].
ثَانِيًا: رُكُوبُ الْبُرَاقِ، وَإِمَامَتُهُ بِالْأَنْبِيَاءِ – عَلَيْهِمُ السَّلَامُ – فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ؛ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِالْبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُلْجَمًا مُسْرَجًا، فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا؟ فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ، قَالَ: فَارْفَضَّ عَرَقًا» [رواه الترمذي].
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ، وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ»، قَالَ: «فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ»، قَالَ: «فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ»، قَالَ: «ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» [رواه مسلم].
ثَالِثًا: مُرُورُهُ بِأَمَاكِنَ مُقَدَّسَةٍ، وَشُرْبُهُ اللَّبَنَ:
نَزَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ فِي خَمْسَةِ أَمَاكِنَ، طَلَبَ مِنْهُ جِبْرِيلُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهَا، ذَكَرَهَا النَّسَائِيُّ، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَالْقَسْطَلَّانِيُّ، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَبُرْهَانُ الدِّينِ الْحَلَبِيُّ، وَالنَّبْهَانِيُّ، هِيَ: «يَثْرِبَ، مَدْيَنَ، طُورِ سَيْنَاءَ، بَيْتِ لَحْمٍ، قَبْرِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ».
عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أُسْرِيَ بِكَ؟» قَالَ: «صَلَّيْتُ لِأَصْحَابِي صَلَاةَ الْعَتَمَةِ بِمَكَّةَ مُعْتَمًّا، وَأَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِدَابَّةٍ بَيْضَاءَ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، فَقَالَ: ارْكَبْ، فَاسْتَصْعَبَتْ عَلَيَّ، فَدَارَهَا بِأُذُنِهَا، ثُمَّ حَمَلَنِي عَلَيْهَا، فَانْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا، يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا، حَتَّى بَلَغْنَا أَرْضًا ذَاتَ نَخْلٍ فَأَنْزَلَنِي، فَقَالَ: صَلِّ، فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنَا، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ: صَلَّيْتَ بِيَثْرِبَ، صَلَّيْتَ بِطَيْبَةَ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا، يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا، ثُمَّ بَلَغْنَا أَرْضًا، فَقَالَ: انْزِلْ، فَنَزَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: صَلِّ، فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنَا، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ: صَلَّيْتَ بِمَدْيَنَ، صَلَّيْتَ عِنْدَ شَجَرَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا، يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا، ثُمَّ بَلَغْنَا أَرْضًا بَدَتْ لَنَا قُصُورٌ، فَقَالَ: انْزِلْ، فَنَزَلْتُ، فَقَالَ: صَلِّ، فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنَا، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ: صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ مِنْ بَابِهَا الْيَمَانِيِّ، فَأَتَى قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، فَرَبَطَ بِهِ دَابَّتَهُ، وَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ مِنْ بَابٍ فِيهِ تَمِيلُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، فَصَلَّيْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، وَأَخَذَنِي مِنَ الْعَطَشِ أَشَدُّ مَا أَخَذَنِي، فَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ، فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ، وَفِي الآخَرِ عَسَلٌ، أُرْسِلَ إِلَيَّ بِهِمَا جَمِيعًا، فَعَدَلْتُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ هَدَانِي اللَّهُ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُ حَتَّى قَرَعْتُ بِهِ جَبِينِي، وَبَيْنَ يَدَيَّ شَيْخٌ مُتَّكِئٌ عَلَى مِثْرَاةٍ لَهُ، فَقَالَ: أَخَذَ صَاحِبُكَ الْفِطْرَةَ، إِنَّهُ لَيُهْدَى» [رواه البزَّار في «مسنده»، والطبراني في «المعجم الكبير»، والبيهقي في «دلائل النبوة»، وقال: «إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَرُوِيَ ذَلِكَ مُفَرَّقًا فِي أَحَادِيثَ غَيْرِهِ»].
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «انْزِلْ فَصَلِّ، فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِطُورِ سَيْنَاءَ حَيْثُ كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ» [رواه النسائي في «سننه»].
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: «فَسَّرُوا الْفِطْرَةَ هُنَا بِالإِسْلَامِ وَالِاسْتِقَامَةِ، وَمَعْنَاهُ – وَاللَّهُ أَعْلَمُ – اخْتَرْتَ عَلامَةَ الإِسْلَامِ وَالِاسْتِقَامَةِ، وَجُعِلَ اللَّبَنُ عَلامَةً؛ لِكَوْنِهِ سَهْلًا طَيِّبًا طَاهِرًا، سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ، سَلِيمَ الْعَاقِبَةِ، وَأَمَّا الْخَمْرُ فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ، وَجَالِبَةٌ لأَنْوَاعٍ مِنَ الشَّرِّ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ» [شرح النووي على صحيح مسلم].
رَابِعًا: جَبْرُ خَاطِرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ عَنْ أُمَّتِهِ:
عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ: «ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ، فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ، قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي» [متفق عليه].
وَإِذَا كَانَ رَسُولُنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَلَّمَهُ اللهُ كِفَاحًا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، فَإِنَّ اللهَ جَعَلَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ مِعْرَاجَ الإِنْسَانِ إِلَى رَبِّهِ، فِيهَا يُنَاجِيهِ وَيَسْأَلُهُ، فَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ» [رواه البخاري]، فَالْعَبْدُ عِنْدَمَا يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَإِنَّهُ يُحَاوِرُ رَبَّهُ وَيَدْعُوهُ، كَمَا جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَالَ اللهُ: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قَالَ اللهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَالَ اللهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» [رواه مسلم]، فَالْعَبْدُ عِنْدَمَا تَضِيقُ بِهِ السُّبُلُ، وَتَنْسَدُّ فِي وَجْهِهِ الأَبْوَابُ، وَيَهْجُرُهُ الصَّدِيقُ وَالْحَبِيبُ، يَقْرَعُ بَابَ مَوْلَاهُ، فَإِنَّ اللهَ سَيَجْبُرُهُ لَا مَحَالَةَ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» [رواه النسائي].
خَامِسًا: جَبْرُ خَاطِرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رُؤْيَةِ آيَاتٍ كُبْرَى لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ:
ذَكَرَتْ كُتُبُ السُّنَّةِ بَعْضَ مَا رَآهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾، وَتِلْكَ الأَشْيَاءُ الَّتِي أَبْصَرَهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُعَالِجُ بَعْضَ السُّلُوكِيَّاتِ فِي حَيَاتِنَا، فَحَرِيٌّ بِالْعَاقِلِ أَنْ يَنْتَبِهَ لَهَا، وَيَنْتَهِيَ عَنْهَا؛ فَقَدْ رَأَى: «حَجَرًا صَغِيرًا يَخْرُجُ مِنْهُ ثَوْرٌ عَظِيمٌ، فَجَعَلَ الثَّوْرُ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ حَيْثُ خَرَجَ فَلَا يَسْتَطِيعُ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ الْعَظِيمَةِ، ثُمَّ يَنْدَمُ عَلَيْهَا فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرُدَّهَا» [رواه البزَّار ورجاله موثَّقون]، وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى عِظَمِ الْكَلِمَةِ وَخَطَرِهَا فِي الْمُجْتَمَعِ، خَاصَّةً إِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهَا إِشَاعَةُ الْفَوْضَى، وَنَشْرُ الِاضْطِرَابِ، وَإِثَارَةُ الْقَلَاقِلِ بَيْنَ النَّاسِ.
وَكَمَا رَأَى: «رَجُلًا قَدْ جَمَعَ حُزْمَةً عَظِيمَةً لَا يَسْتَطِيعُ حَمْلَهَا، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا»، فَقَالَ: «يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذَا؟» قَالَ: «هَذَا رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِكَ عَلَيْهِ أَمَانَةُ النَّاسِ لَا يَسْتَطِيعُ أَدَاءَهَا، وَهُوَ يَزِيدُ عَلَيْهَا»، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى عِظَمِ مَنْ اسْتَأْمَنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَسْرَارِهِمْ؛ فَالْكَلِمَةُ أَمَانَةٌ، وَأَدَاءُ حَقِّ الْوَطَنِ وَالْمُحَافَظَةِ أَمَانَةٌ، وَحِفْظُ أَرْضِهِ وَعِرْضِهِ أَمَانَةٌ، وَرَدْعُ الْمُعْتَدِينَ عَلَيْهِ أَمَانَةٌ.
وَقَدْ مَرَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا: «بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ»، فَقُلْتُ: «مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟» قَالَ: «هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ» [رواه أبو داود وأحمد]، وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى جُرْمِ مَنْ يَخُوضُ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ، وَيَتَتَبَّعُ عَوْرَاتِهِمْ، وَيَتَجَسَّسُ عَلَيْهِمْ، وَيُشَهِّرُ بِهِمْ وَيَفْضَحُهُمْ، وَيَتَّهِمُهُمْ بِالْبَاطِلِ دُونَ دَلِيلٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، أَلَا فَلْنَحْذَرْ مِثْلَ هَذِهِ الأَفْعَالِ؛ لِنَنَالَ رِضَا الرَّحْمَنِ، وَنَسْعَدَ بِمُجَاوَرَةِ سَيِّدِ الأَنَامِ.
سَادِسًا: جَبْرُ خَاطِرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَصْدِيقِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَهُ:
عِنْدَمَا أَخْبَرَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِ الإِسْرَاءِ طَفِقَ قَوْمُهُ بَيْنَ مُصَفِّقٍ وَبَيْنَ وَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ تَعَجُّبًا؛ إِذِ الأَمْرُ يَحْتَاجُ إِلَى يَقِينٍ بِقُدْرَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَحُسْنِ صِدْقٍ بِسَيِّدِ الْعَالَمِينَ، فَالشِّدَّةُ تُفْرِزُ مَعَادِنَ الرِّجَالِ، فَكَمَا كَشَفَ الإِسْرَاءُ الْمُنَافِقِينَ، أَفْرَزَ أَيْضًا رِجَالًا مِنَ الْمُتَّقِينَ كَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ؛ فَقَدْ «أَصْبَحَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَارْتَدَّ نَاسٌ مِمَّنْ كَانُوا آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَسَعَوْا بِذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالُوا: هَلْ لَكَ فِي صَاحِبِكَ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ فِي اللَّيْلِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: أَوْ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ، قَالُوا: وَتُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي لَأُصَدِّقُهُ بِمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ، أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ» (دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ)، إِنَّهُ إِيمَانٌ ثَابِتٌ لَا تُزَعْزِعُهُ زَخَارِفُ الْحَيَاةِ، وَلَا تُقَلِّبُهُ رِيَاحُ الْمَصْلَحَةِ، وَلَا تُثْنِيهِ الْمَنْفَعَةُ، فَمَا أَحْوَجَنَا إِلَيْهِ فِي زَمَنٍ عَزَّ فِيهِ الصَّدِيقُ، وَنَدَرَ فِيهِ الْحَبِيبُ، وَصَدَقَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ:
جَزَى اللهُ الشَّدَائِدَ كُلَّ خَيْرٍ وَإِنْ كَانَتْ تُغَصِّصُنِي بِرِيقِي
وَمَا شُكْرِي لَهَا حَمْدًا وَلَكِنْ عَرَفْتُ بِهَا عَدُوِّي مِنْ صَدِيقِي
نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنَا حُسْنَ الْعَمَلِ، وَفَضْلَ الْقَبُولِ، إِنَّهُ أَكْرَمُ مَسْؤُولٍ، وَأَعْظَمُ مَأْمُولٍ، وَأَنْ يَجْعَلَ بَلَدَنَا مِصْرَ سَخَاءً رَخَاءً، أَمْنًا أَمَانًا، سِلْمًا سَلَامًا، وَسَائِرَ بِلَادِ الْعَالَمِينَ، وَوَفِّقْ وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا فِيهِ نَفْعُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ.
أَعَدَّهُ: الفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ الحَنَّانِ المَنَّانِ د/ مَحْرُوسُ رَمَضَانُ حِفْظِي عَبْدُ العَالِ
مُدَرِّسُ التَّفْسِيرِ وَعُلُومِ القُرْآنِ ـ كُلِّيَّةُ أُصُولِ الدِّينِ وَالدَّعْوَةِ ـ أَسْيُوطُ
_____________________________________
للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة
وللمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف









